حينما كانت تُدك أفغانستان ومحافظات العراق بقذائف الصليبيين كان العالم العربي يمضي أواقتا ماتعة مع برنامج ( أكاديمي ستار ) الواعد ، أما في بقية ربوع العالم الإسلامي فقد كانت زخارف الدنيا بأنواعها كافة تزحف الهوينى إلى قلوب من انتسب لهذا الدين وتحتل منها أمكن الأماكن ، وعندما تم احتلال أفغانستان والعراق لم يكن هناك شكّ أن الضمير المسلم قد تم غزوه واحتلاله من قِبَل العَوْلَمَة الغربية ، وبينما كانت أصوات الم! حللين في أرجاء العالم الإسلامي تتناقش في عمليات الاحتلال الصليبية المستمرة كانت هناك مساحة من الضمير المسلم ينبض بل يتوقد .
فلولٌ نَأَتْ بهم الديار عن بُؤْرة الأحداث ، ما خلا منهم مِصر أو قُطر ، لقد كانوا مثل ومثلك أيها القارئ ، يتابعون الأحداث ويقرأون التحليلات ، بل كان منهم جمْع يرْقبون عن كثَب تلاحق النوائب منذ حادث سبتمبر الجلل .
لم يقف بهؤلاء الحال أن يراقبوا ويتابعوا ما يحصل لإخوانهم في أرض الإسلام بل تلظّت بهم مراجل الغَيْرة وزلزلتهم لوعة الشفقة والمرحمة بالمستضعفين فما هنأ لهم بال ولا قر لهم عين وما سكنت لهم جارحة ، فمضوا يفكرون ، ثم أخذوا يدبرون ، ثم شرعوا ينفذون ويطبقون حتى صرنا نسمع عن شيء اسمه ( الجهاد في العراق ) !
إن كثيرا منا حين يقرأ في التاريخ أو يتابع الأحداث المعاصرة يقفز على التفاصيل ولا يأبه لبدهيات العقل ، فدولة بحجم أمريكا ومِن خلفها جحافل الصليب من كل صوب جعلوا من احتلالهم لأفغانستان والعراق معركة شرف ، زعموا أن بها يستعيدون كرامتهم التي تمرغت في أوحال سبتمبر ! وعندما ترصد أمريكا ومن معها ميزانيات توازي ميزانيات بعض دول النفط مجتمعة لسنين مت! تالية لأجل تلك الحرب الاستراتيجية فإننا لا يمكن أن نكون ساذجين لدرجة ت جعلنا نصدق أن هزيمة أمريكا في أفغانستان والعراق أمر عادي !
بعض الباحثين أعد رسالة فيها تفاصيل مثيرة عن استعدادت الرسول صلى الله عليه وسلم لغزواته ، وكان منها الاستعدادات التي لا يخلو منها أي جيش ، فغزوة فيها ألفي مقاتل كانت تحتاج إلى عيون وراصدين ومعلومات استخبارية عن العدو بل وتحتاج إلى إعدادات لوجستية ( تناسب ذلك الزمان ) كالمؤنة والطباخين وبُراة السهام ومُحّدي السيوف وغير ذلك من الاستعدادات التي تدخل قطعا في قوله تعالى : ( وأعدوا لهم ما استطعتهم من قوة) ، فليس من العدل ولا من الذكاء إذا أن نستهين بتلك الفلول التي مرغت أنف أمريكا وصويحباتها في أفغانستان والعراق في أوحال هزيمة لا تقل في آلامها عن رَوْعة سبتمبر الدامي !
أمير القاعدة في العراق صرح أن أرض العراق تضمخت بدماء أكثر من أربعة آلاف مهاجر ، فضلا عن آلاف المجاهدين العراقيين !!!
إن فناء الآف من المجاهدين من أهل البلد ذبا عن ديارهم من صولة العدو أمر يحدث في كل العصور ، ولكن أن يهب أكثر من أربعة آلاف مجاهد ويموتون في أرض غربة لأجل قضية ليس لها علاقة ببلادهم ولا أسرهم ولا مجتمعاتهم ولا مشكلاتهم الأصيلة ، بل ماتو! ا ذبا عن دينهم وغيرة على أعراض إخوانهم في الدين ؛ أقول : إن استشهاد هذا العدد من المهاجرين المجاهدين في نظري يُعد أكبر حدث في التاريخ الإسلامي منذ عصور الاستضعاف التي سبقت زوال الخلافة العثمانية بقرنين أو ثلاثة .
كيف جاءوا إلى العراق ؟
بل سلْ نفسك أيها القارئ : كيف دبر كل واحد من هؤلاء أمره حتى يصل إلى أرض الرافدين ؟ وكم محاولة فشلت حتى يستطيع أن تطأ قدمه أرض العزة والجهاد ؟ ومن أين دبّر الواحد منهم نفقات هجرته وتنقلاته ؟ لا تقل إنها القاعدة ، فلو استطاعت القاعدة تجنيد مثل هذا العدد بنفسها لانتصرت في العراق منذ السنة الأولى للاحتلال !
تلك المجاميع الجهادية ، كيف استقبلت أولئك المهاجرين ( بالآلاف ) وكيف دبرت لهم السكن والمأوى في مجتمعات مكشوفة للاحتلال ؟! كيف يدبرون السلاح وكيف يجمعونه ويخزنوه ويوزعونه ويستخدمونه ويصونونه ؟! من الذي يدبر له الذخائر ؟ وكيف تصل إليهم ؟ وكيف يحافظون عليها ؟ كيف يخططون لعملياتهم ؟ كيف يجندون الكوادر المهنية المختلفة لتنفيذ العمليات الجهادية ؟ كيف ينسقون فيما بينهم ؟
أسئلة لا تحُصى تستطيع أن تطرحها على نفسك أيها القارئ لتدرك أن تصريحا! ت الدول الغربية ( بما فيها أمريكا ) حول قرب الهزيمة الغربية في أفغانست ان والعراق ليُنبِئُ بذلك الجهد الخارق الذي بذله المجاهدون .
إن هذا الجهد الذي نتحدث عنه لا يمكن أن نَسبر غوره وندرك عمقه إذا لم نستحضر أن هؤلاء المجاهدين ليست لهم مرتبات ولا مخصصات ولا حوافز ولا مكافآت ولا نفقات ، بل لا يجمعهم ديوان جند ( كما في عهود الخلافة الراشدة ) لأن أية وثائق ومعلومات عن المجاهدين في هذه المرحلة يعتبر انتحارا عسكريا بكل المعايير ، إن من سمات بذلهم أنهم جيش من المجهولين ، مجهولي الهوية لدى كل سكان الأرض !
وإن تعجب ، فاعجب من أسنانهم وأعمارهم ! إنهم شباب غالبهم لما يبلغ الثلاثين من العمر ، وفيهم مراهقون لما يبلغوا العشرين ! فما الذي نزع هؤلاء عن أحضان أمهاتهم وأفخاذ زوجاتهم وملاهي أترابهم ليغمسهم في أتون حرب طرفها المنازِع دولة عُظمى في شراسة أمريكا ؟!
أما الذي لا ينقضي منه العجب فهو توالي المدد ، وتواتر الفلول المهاجرة إلى العراق للمشاركة في الجهاد على مر ثلاث سنوات متتالية ، في حين كانت آلة الإعلام تنفخ وتنفث في أعينهم وآذانهم دموية القتال ، وكانت أخبار جوانتنامو والسجون السرية الأمريكية ومعتقلات أبي غريب وتعذيب المجاهدين تَسْرِي عبر أثير المح! طات الفضائية لتدخل بيوت كل أولئك ، بل كانت تصدر الفتاوى ( الغريبة الشاذة ) بأنه لاجهاد في العراق وأنه قتال فتنة وأنه لا أجر لمن قاتل وقُتل ! مع كل هذا ما زلت تسمع عن أولئك المهاجرين الباذلين الذين مارسوا هواية سقي أراضي الإسلام بالدماء كما يفعل هواة رعاية الورود والأزهار !
هذه العصائب الجهادية الفذة في العراق وأفغانستان التي كانت غداة دخول قوات الصليب بغداد من أحاديث الكرى ، لكنها اليوم واقع يفرض نفسه ، ومُعطى استراتيجي له نفوذ أعظم من النفط والقوى الإقليمية مجتمعة ، ولم يكن لأحد من الناس على تلك العصائب منّة ظاهرة ، فالجهاد في أفغانستان والعراق تميز بالاكتفاء الذاتي في التمويل إلى درجة كبيرة ، ولم تستطع أي دولة أو نفوذ إقليمي أن يساوم مع تلك العصائب الجهادية ، وإلا كان متورطا في تمويل الإرهاب ، وهو ما لن تغفره أمريكا لأحد !
إن المجاهدين في العراق وأفغانستان قد صاغوا قوانين في البذل والتضحية قل أن نجد لها نظيرا في التاريخ الإسلامي ، فهم لا يقبلون إلا المخلصين ، ولا ينتقون إلا المتقنين للعمل العسكري ، ولا يمنّون على الناس بجهادهم ، بل يحبون لغيرهم الخير ويرغبون ألّو ش! اركهم كل المسلمين هذا الخير ، وهم لا يتكففون الناس إلحافا ، بل هم اليد العليا في العطاء المعنوي الذي ملأ حنايا المؤمنين إيمانا وعزيمة وثقة في نصر الله تعالى .
وبعد هذه الأحداث المتلاحقة ، ومع تصريحات قادة الجيش الصليبي بقرب الهزيمة الغربية على أرض العراق لا يمكن أن تغفل عيوننا عن مكر الليل والنهار وكيد الكافرين والفجار!
لقد بدأت سلسلة من المعارك الإعلامية المضادة التي يُراد منها توهين العزائم وإحداث الفرقة بين صفوف المجاهدين ، كمثل الأنباء عن مفاوضات بين الأمريكان وبين بعض الفصائل مع استبعاد بعضها الآخر ، وعلى الجانب الأخرى خرجت فلول البعث من أَوْكَارِها تَدّعي وَصْلا بليلى وتنادى على نفسها بالبطولة وإجابة الهَيْعَة كما بدأت بعض القوى الإقليمية تجري محادثات سرية مع بعض الرموز السياسية وقادة العشائر ممن لا تربطهم بالجهاد وشائج إلا تَحِلَّة القَسَم ، وبدأت الإشاعات حول ترتيبات لتسييس حزب البعث وإعادته للواجهة ، ناهيك عن الدراسات التي تطرح سيناريو ما بعد الانسحاب الأمريكي من العراق وأفغانستان ، وتلك الدراسات إن كانت من الأمريكان والغرب فما زالت تصم المجاهدين بتهمة الإرهاب ، وإن كانت من القوى الإقليمية أو المحللين المنسوبين للعرب والإسلام فم! ا زالت تتحدث عن المجاهدين حديث العذراء عمن يطلبها !
إن القوى الإقليمية ما تزال تنظر إلى المجاهدين في العراق نظرة ريبة وتوجس ، فهي تعتبرهم جزءا من الفكرة الجهادية العامة التي تطمح إلى الإطاحة بكل الأنظمة التي لا تحكم بشريعة الله ، وبعض السياسيين في العراق ممن قد يشاركون في تسويات سياسية تلتف على المجاهدين وإن كانوا لا يكرهون المجاهدين إلا أنهم غير مستعدين لممارسة أي عاطفة ود معهم ! فمصالح لا تلتقي مع مصالح المجاهدين في أي نقطة .
أما قادة العشائر فهم على شهامتهم ونخوتهم توجد منهم طائفة تبغض المجاهدين ، ولديها استعداد لفعل أي شيء يحول دون أن يحوز المجاهدون على أية حصة من الكعكة العراقية ، إنهم نقس قادة العشائر أيام صدام ، وأيام الاحتلال ، الذين يسعون وراء مصالحهم الخاصة وهم مستعدون للُبْس أي سربال يجعلهم أصحاب حظوة وجاه .
أما القوى الدولية الكبرى مثل الأمم المتحدة وأمريكا وروسيا والصين وفرنسا واستراليا وغيرها من دول الغرب والشرق فلا يمكن أن نثق فيها كثيرا ، فبعضها يُدْرِج المجاهدين في قائمة العدو الأول والأخطر لمصالحها الاستراتيجية ، وبعضها يعتبرهم امتدادا للصداع الذي! يؤرق أمنهم القومي مثل الصين وفرنسا .
كل أولئك يتمنّون أن يصحوا من نومهم وقد انقضى أمر الجهاد والمجاهدين ، وهؤلاء هم الذي سيقفون عقبة كئودا أمام ثمرة الجهاد ، وسيعملون ما في وسعهم لأجل إجهاض التجربة الجهادية وحقوق المجاهدين في العراق وأفغانستان وجعلها نَسْيَا مَنْسِيَّا .
إن الصورة التي رسمتُها لك أيها القارئ قد تعطيك البُعْد المرئي للمتابع الدولي أو المحلل السياسي العادي ، ولكنني سأصحبك لأبعاد أخرى حول الشأن الجهادي في العراق وأفغانستان سيجعلنا ننظر إلى القضية برمتها بطريقة أكثر اهتماما وشغفا .
هناك قضيتان حاسمتان في الشأن العراقي والأفغاني لا يجوز علينا أن نتغاضى عنها الطرف :
الأولى : مآلات التسوية التي يُراد أن يستقر عليها الحال في مناطق النزاع في العالم ، مَن الذي سيحددها ، ومن الذي سيحوز على المغانم ومسمى الظفر والنصر فتكون له حقوق الريادة والقيادة ؟
الثانية : حقوق المجاهدين ما هي ؟ وما الذي سيضمن حصولهم عليها ؟ أو بالأحرى من تسميهم أمريكا : الإرهابيين ، فهي أدق تسمية لمن نريد أن نتحدث عنهم ، لأننا لو أطلقنا لفظ المجاهدين فسيدخل في اللفظ مَن صدق عليه صورة لا معنى ، بل سيدخل في اللفظ كل من ادعى الصورة ادعاء ، فما أقل المجاه! دين الحقيقيين أوقات الزحف والمواجهة، وما أكثرهم عند توزيع الغنائم !
أما القضية الأولى فقد بدت لنا إرهاصاتها من خلال الحديث عن سيناريو الهزيمة المشرفة التي تريد أمريكا أن تخدع بها العالم ، والمُلْفِت في صور السيناريو المقترحة أنها لا تستبعد مسألة الحوار مع المجاهدين ، بل مع القاعدة نفسها ، فأمريكا البراجماتية لم تقطع حبال الحوار مع كل أطراف النزاع في أحلك الظروف .
ويمكننا حصر صور التسوية الأمريكية في العراق في صورتين رئيسيتين :
الأولى : إقامة فيدرالية أو كونفدرالية باعتبار التقسيم أمرا يصعب تطبيقه عمليا في العراق، بحيث يكون زعماء العشائر السنية هم أصحاب الكلمة النافذة في الوسط العراقي ، وذلك عبر تمثيل علماني وديني مشترك يكفل تحقيق التوازن بين القوى المتصارعة في المجتمع السني نفسه ، أما الشريحة الشيعية والكردية فملامحها واضحة لا تحتاج إلى تفصيل وما يُعتقد أنه معارضة مهدوية للأغلبية السيستانية يمكن تسويتها في وقت قصير تحت رعاية التعويضات الأمريكية السخية .
الثانية : إذا تعسرت ولادة مثل هذه الفيدرالية أو الكونفدرالية فسيكون خيار التقسيم هو الأصعب والألزم بالنسبة لأ! مريكا ، وهي تتحاشى هذا الخيار لا حبا في وحدة في العراق أو بغضا للخلاف الطائفي بل هربا من طفوّ المجاهدين في الوسط السني ممثلا شرعيا ليس له منافس ، فتكون أمريكا قد وقعت في فخ طالما نصبته لغيرها ، وسيكون لزاما عليها أن تجلس على مائدة المفاوضات مع المجاهدين لتسوي معهم شروط الانسحاب من العراق ، وهذا سيجعلها تواجه محادثات شاقة جدا ، وقد تتعرض لمطالبات بتعويضات هائلة تستطيع أن تتحلل منها بسهولة لو أنها جهِدت في ترجيح كفة الفيدرالية أو الكونفدرالية .
وإذا كان الخيار الأول هو المرغوب لأمريكا ، فبدهيا أن يكون الخيار الثاني هو الأفضل للمجاهدين ، ومِن ثَمّ يلزم المجاهدين أن يضعوا خطة واضحة المعالم لإدارة مثل هذا السيناريو وإلا معاجلة أمريكا العراقيين بالخيار الأول سيجعل المجاهدين في مواجهة واضحة وصريحة مع العشائر السنية العراقية كلها ، وما لم يتم ترتيب حوار قوي وصريح وواضح بين المجاهدين وقادة العشائر فإن هذه الورقة ستكسبها أمريكا لا محالة ولنا في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في كسب ود القبائل أو تحييدها أنموذجا فريدا في السياسة الشرعية .
الشأن الأفغاني لا يختلف كثيرا عن الشأن العراقي ، بيد أن قضية التقسيم مستبعدة في الشأن الأفغاني ، إلا أن المقلق ف! ي القضية الأفغانية أن شريحة لا بأس بها من الشعب الأفغاني ما زال متعاطفا مع فصائل الجهاد القديمة ، لحكم الأعراف والتقاليد والعصبية وغيرها من المؤثرات ، ويبقى أن نعرف ونقر أن طالبان وإن كانت تمثل الشرعية الوحيدة للحكومة الإسلامية المنتظرة إلا أنها لا تمثل الشرعية الأفغانية بحسب الأعراق والقبليات والتي تمثل العمق الحقيقي لما يعرف بـ ( أفغانستان ) .
إن طالبان صارت في حاجة إلى أن تعيد ترتيب أوراقها مع الفصائل الأفغانية كلها من منطق القوي ، من باب كسب الود أو تحييد الغريم ، كما أن طالبان في حاجة إلى مراجعة بعض سياساتها حول الهوية البشتونية لطلبة العلم ، وجعلها مظهرا ثانويا للهوية الأفغانية وتغليب الحس الإسلامي المحض (الذي يدعو إلى نبذ العصبية القبلية) في التعامل مع هذه القضية .
وعلى هذا الاعتبار صار من الضروري بالنسبة للمجاهدين أن يولوا الجانب السياسي اهتماما متعاظما في هذه الأوقات ، حتى فصيل القاعدة نفسه ، يجب أن يكون له فصيل سياسي يُعرض أطروحاته ويحاور ويفاوض عليها ، فإن مرحلة المفاوضات ستأتي لا محالة ، سواء اعترفت أمريكا بالهزيمة وخرجت ذليلة حقيرة أو أنها أراد أن تخرج بص! ورة مشرفة لها باعتبارها دولة عظمى ذات مصالح أقليمية .
إن دخول المجا هدين لمرحلة المفاوضات السياسية لا يفهم منه أنهم يجب أن يقدموا أية تنازلات أو ترضيات أو يوافقوا على تسويات تخالف المقاصد الشرعية التي بُني عليها الجهاد ، بل المقصود بدخول هذه المرحلة والاستعداد لها حفظ حقوق المجاهدين ( الأحياء منه والأموات ) بل حفظ حقوق الجهاد الذي قام لأجل إعلاء كلمة الله .
ولست في حاجة إلى استعراض الإخفاقات التاريخية للحركات الجهادية التي أهملت الجانب السياسي ، حتى إذا خرج المحتل صاغرا أما ضربات المجاهدين جاء من يقتسم الغنيمة ، بل جاء من يجحد حقوق المجاهدين وحقوق الجهاد .
نقول هذا كله باعتبار أن العالم ينتظر صياغة صور التسوية من الدول العظمى ، وما أريد أن أتحدث عنه هنا هو أن الأولى والأجدر بعرض ( بل فرض ) صور التسوية هم المجاهدون ، فمن هذه اللحظة يجب أن يكون للمجاهدين تصور واضح للأهداف الاستراتيجية التي قام عليها الجهاد ، وصياغة تلك الأهداف في أسلوب مفاوضاتي يسهل على الإعلام أن يعرضه على الرأي العام العالمي ، فلا تنفرد أمريكا بكتابة سيناريو المستقبل، بل يجب أن يكون المجاهدون هم من يصيغ المستقبل ويرسم معالمه .
وبهذا الاعتبار يجب أن يَعلم المجاهدون أ! ن أمريكا لن ترضى بالتسوية التي يفرضها المجاهدون ، بل ستلجأ إلى العملاء وعديمي الملة والأخلاق والشرف ليقوموا بدور التَّيْس المستعار ، فهنالك يجب على المجاهدين أن يكونوا مستعدين لعملية اختطاف ثمرة الجهاد ، والمعادلة المعقدة التي يجب على المجاهدين أن يتدارسوها جيدا هي الاستعداد لحالة الاقتتال العراقي العراقي ، بل ربما السني السني ، كيف سيتصرفون ؟ فحماس تواجه مثل هذه المأزق بعد أن ارتضت الحل السياسي ، فإذا بها تضطر للتعامل مع إخوانهم الفلسطينيين بعد أن كانوا متفرغين للتعامل مع اليهود فقط !
وفي نظري وتحليلي أن هذه العقبة والمعادة يمكن تجاوزها بطريقتين :
الأولى : أن تكون أطروحات المجاهدين هي الأعدل والأقرب لآمال العراقيين ، حتى يبدو كأن المجاهدين هم المدافعون عن الحقوق العراقية ، وأرى أن شرط إخراج المحتل حتى آخر جندي مع الاستقلال السياسي والاقتصادي التام عن أمريكا هو أفضل الأطروحات التي يمكن أن ينتشي لها رجل الشارع العادي ، فالعملاء الذي يقومون بدور التيس المستعار أو نكاح المحلل بين أمريكا والشعب العراقي سيقومون بقبول كل الشروط الأمريكية ومن أهمها بقاء العراق تحت النفوذ ال! أمريكي لضمان ضخ النفط العراقي .
الثانية : أن يقوم المجاهدون بتقديم تصور واضح لنظام الحكم الإسلامي مع التركيز على مشكلات رجل الشارع العادي واستغلال الثروات الهائلة للعراق في مكافحة الفقر والعوز، بل إن المجاهدين يجب أن يبدأوا في بحث كل المشكلات العالقة مثل التعامل مع الطوائف النفاقية ( كالرافضة والعلمانيين ) بما يؤهل المجاهدين أن يكونوا محل ثقة العالم ورجل الشارع العادي ، وأنهم فئة لها نضج سياسي ، كما أن لها مهارة حربية قتالية فائقة، فمن أعظم المعايب التي تؤخذ على الإسلاميين أن برامجهم تخلو من مخاطبة رجل الشارع العادي ، وهؤلاء ( شئنا أم أبينا ) يمثلون الظهير الذي نستند إليه في مواجهتنا وخطابنا .
وبناء على ما تقرر فيجب على المجاهدين مع تكثيفهم للدور الإعلامي تجاه العمليات الجهادية والعسكرية ، أن يكثفوا دورا إعلاميا مركزا لمشكلات العراق وتصورات المجاهدين لحلها ، مثل النفط ، واحتياجات المواطنين ونحو ذلك .
وبعد حديثنا عن أولى القضيتين الحاسمتين في الشأن العراقي والأفغاني وهي مآلات التسوية، دعونا نتحدث عن القضية الثانية ، وهي في نظري أم القضايا ، حقوق المجاهدين !
إن من يتحدث عن المثاليات في هذا المقام ، كمثل من يشنع على المجاهدين بأنهم طل! اب سلطة وقاتلوا لأجل الكرسي ، وغير ذلك من السهام المُعَدَّة مسبقا لإجهاض عزائم المجاهدين والمؤيدين للحل الجهادي ، أقول إن من يتحدث عن مثل هذه المثاليات لا بد أن ننظر إليه نظرة ريبة وشك ، فلماذا بدأ الطعن في نية المجاهدين عندما صاروا قريبين من السلطة ( كما هو الحال حينما يقترب الإخوان المسلمون من كراسي البرلمان ) في حين تَرَكَكهم الناس وحيدين واكتفوا بمصمصة الشفاه إعجابا بتضحياتهم وبذلهم ؟!
إن شريعتنا الغراء تعطي الحل والعقد لمن بيده الحل والعقد ، ومن بيده الحل والعقد هم أهل العلم والقوة ، والمجاهدون نالوا منهما القدح المعلَّى ، فلعمري هم أولى من بريمر الصليبي الذي غصبوه على المسلمين حاكما ، ولعمري هم أولى بالحكم من إياد العلاوي العميل أو الجعفري الخسيس أو حتى المالكي الرخيص .
بريمر خرج من العراق بفضيحة اختلاس تقدر بمليارات الدولارات ، وإياد العلاوي ومَن كان على شاكلته كالحكيم والسيستاني ما هم إلا نماذج متكررة للعلقمي الذي سهل غزو التتار واحتلال بغداد ، فكذلك هم كانوا من أسلم مفاتيح أبواب العراق لأميركا ، والجعفري ذيل لإيران والمالكي روبورت يتم تحريكه بالريموت من البيت! الأبيض ، أفيحكم هؤلاء العراق ، فإذا جاء المجاهدون قلنا لهم : تنحوا ؟!
إن تولي المجاهدين للسلطة يجب أن تكون مسَلّمة سياسية لا تحتمل النسخ والتخصيص، بل لا تحتمل التفاوض أو التشاور ، فإن التهاون في أي حق من حقوق المجاهدين معناه وأد ثمرة الجهاد في العراق وأفغانستان .
أما مَن سيتولى السلطة من المجاهدين ، ومَن الذي سيتم تعيينه في المناصب المختلفة فهذا أمر يجب أن يتم تسويته بين صفوف المجاهدين حتى ولو في الدقائق الأخيرة قبل خروج المحتل من أراضي الإسلام .
وهنا تبرز أهمية وجود الجناح السياسي للعصائب الجهادية ، فالتكتيك السياسي هو الذي سيستطيع ملاحقة الكيد الغربي ومكر الصليبيين ، ومناورة سياسية واحدة قد تسقط أسهم المجاهدين إلى الحضيض ، و قد يكون ضياع ثمرة الجهاد والمجاهدين مطلبا لشعب العراق كله في حين غفلة من المجاهدين .
إن الضمانات التي ستحافظ عل حقوق المجاهدين لا يمكن إبصارها في وسط هذا الواقع المعقد الدقيق ، فكل المعطيات تشير إلى أن هناك مؤامرة كبرى لاختطاف ثمرة الجهاد من المجاهدين وتسليمها لغيرهم ، وكل المؤشرات تنادي على خطة خبيثة لإخراج المجاهدين من حلول التسوية المنتظرة والقريبة ، لكنني أظن أن أفضل ضمانة لصعود المجاهدين إلى سدة المستح! قين لحكم العراق أو أفغانستان هو طمأنة المجاهدين للأنظمة المجاورة وإصدار بيانات تهدئة تجعل قادة الدول يطمئنون إلى أولئك الحكام الجدد للعراق أو في أفغانستان ، قد يكون تصوري مستهجنا لبعض إخواننا المجاهدين ، ولكنني أراه أقرب الحلول العملية الواقعية للمحافظة على حقوق المجاهدين من الاختطاف والسلب ، ولو كانت هناك مؤامرة لاختطاف ثمرة الجهاد فستؤدي هذه الخطوة ( طمأنة الأنظمة ) إلى تحييد أطراف كثيرة حتى لا تشارك في أي مؤامرة ضد المجاهدين .
إنني لا أكون مغرقا في التفاؤل إن قلتُ المحتل سيخرج من أرض الإسلام قريبا ، كما لا أكون متشائما إن قلتُ إن خروج المحتل قد يكون بداية المشكلات بالنسبة للمجاهدين ، وهنا أصرخ وأحذر وأنذر وأنصح بكل ما أوتيت من قوة أنْ يا أيها المجاهدون ! أنتم أمل الأمة ، وأنتم حُلمها الوردي الصافي ، فبالله عليكم حافظوا على مكاسبكم ، فهي مكاسب لنا ، وَعَضُّوا على حقوقكم بالنواجذ فهي مستقبل عزنا وسؤددنا ، وكما وثقنا فيكم ، وأمَلْنا في جهودكم ، فلن نرضى أن يتولّى الأمر غيركم ، فأنتم أحق الناس بالأمن وأنتم أحق الناس بالناس ، لأنكم أنفع الناس للناس .