الأحكام العرفيّة ليست تحريراً. بغداد مدينة مُقفلة منذ أن تم نَشر الآلاف من قوات الاحتلال الأمريكي في المدينة في محاولة عقيمة لفرض الأمن. في غضون الشهرين الماضيين، حلّقت أرقام القتلى، مِمَن تم تسجيلهم في مشرحة بغداد فقط، عالياً في السماء. حوالي 6.600 عراقي قد عُذِّبوا بوحشية ثمَّ قُتلوا خلال شهري يوليو وأغسطس وحدهما. إذا ما وُضِعَ هذا الرقم في حسابات النسبة والتناسب المئويّ للسكان، فهو يُعادل مقتل 79.200 مواطن أمريكيّ. ببساطه تامة إنها مجزرة. مع هذه المجزرة، مازالت القوات المحتلة الأمريكية تنفِّذ مهمتها الدمويّة بحصانة مُطلقة، دون اعتبار لهذه الكُلفة المُرعبة في الأرواح.
الاحتلال ليس تحريراً. إنّه عبودية يتم تحقيقها بفوهة المُسدّس. في كافة المقاييس والاعتبارات الموضوعيّة، فالحياة كانت أفضل في ظل نظام صدام حسين. كان لدى الناس مصادر يُمكن الاعتماد عليها من الكهرباء، والمياه النظيفة، والغذاء، والإمدادات الطبية. نسبة العمالة كانت عالية، مستوى الجريمة كان مُنخفضاً، كانت المدارس مَفتوحة، الأسواق تعجّ بالناس، فيما وفَّر النظام التعليم والخدمات الصحية للمحرومين.
كانَ النظام في العراق ديكتاتوريّاً، لكنه في كل الأحوال، وبكل المقاييس يتفوّق بمديات عالية على المحرقة "الهولوكوست" التي أطلقها الغزو الأمريكي. في ضوء التدمير الجاري حالياً للبنية التحتية، والانحطاط غير المعقول في قيمة الحياة البشرية، والغياب المُطلق للأمن الشخصي؛ فإنَّ عراق صدام ينبغي أن يُنظَر إليه على أنه "السعادة القصوى للإنسان".
لقد واجه كل جانب من جوانب الاحتلال الأمريكي فشلاً تاماً. المشروع الوحيد الذي نَجَحَ هو حملة الدعاية الضخمة التي ما تزال تضع الصراع في العراق بإطار "المعركة المركزيّة في الحرب ضد الإرهاب". هذه أكذوبة. حتى كبار المسؤولين الحكوميين في الإدارة الأمريكية قد اعترفوا بأن المُقاتلين الأجانب (الإرهابيين) يشكِّلون جزءاً صغيراً جداً من إجمالي المقاومة. الغالبية الساحقة انضمت للنضال من أجلِ إنهاء الاحتلال الأمريكي، وإعادة السيادة الوطنية العراقية. 70% من الهجمات اليومية في العراق موجَّهة ضد قوات الاحتلال. ومهما كانت قسوة القتال بين الجماعات العرقية والدينية، إلا أنّها ستبدو ثانوية مقارنة مع وحشيّة الاحتلال.
المقاومة تنمو في قوَّتِها على الرغم مِن الخسائر الجسيمة، وعلى الرغم من الاعتقالات والتعذيب، وعلى الرغم من القصف العشوائي للسكان المدنيين والبُنى التحتية، وعلى الرغم من شنّ الولايات المتحدة أكبر عمليّة عسكرية لمكافحة التمرد في التاريخ الأمريكي بمجمله.
لقد أظهر تقييم سريّ أجرته وزارة الدفاع الأمريكية (بنتاجون) أنّه في عام 2003 كان الدعم السُنيّ للمقاومة بنسبة 14% فقط من السكان. الآن مع أحدث استطلاع ارتفع هذا الرقم إلى 75%. هناك شبه إجماع بين الخمسة ملايين سنيّ يقول إنَّ قتل الأمريكيين عمل مُبرَّر لإنهاء الاحتلال.
يؤكد تقرير جديد أن استخدام "العنف والتعذيب قد ازداد أضعافاً" منذ غزو عام 2003. وحسب المحلل السياسي إبراهيم باراك، فإنَّ "وضع حقوق الإنسان قد ساء كثيراً قياسا إلى عهد الرئيس السابق صدام حسين".
يقول باراك: "إذا ذهبنا بعيداً في عمق القضية فسنجد في النهاية أن وجود قوات الولايات المتحدة في البلاد قد أجَّجَ الثورة ضد الاحتلال، وأفقد المقاتلين صبرهم وعند خروج القوات الأمريكية فقط سنتمكن من الحديث عن تحسين الأمن".
تعليقات باراك تثبت أن انتهاكات الولايات المتحدة لحقوق الإنسان أكثر من انتهاكات صدام. هذه حقيقة اتضحت بشكل صارخ ومثير للأسف في خُطب الرئيس جورج بوش الأخيرة الذي بات الآن يُدافِع عن التعذيب في كل فرصه يغتنمها. لقد تعزَّزَت ملاحظات باراك بتقرير قدّمه مانفريد نواك، وهو مُقرِّر الأمم المتحدة الخاص لمناهضة التعذيب، الذي وصف الوضع الحالي لحقوق الإنسان في العراق بأنّه "غير موجود، بل غائب تماما".
حاولت وسائل الإعلام المدافعة عن المصالح الغربية أن تلقي بلائمة تزايد حوادث القتل والتعذيب على الصراع الطائفيّ، لكن هذا مجرّد تضليل وخِداع. العنف الطائفي هو نتيجة منطقية لاحتلالٍ وحشيّ. لقد نَشرت أمريكا ثقافة من الوحشية والقسوة أسفرت عن إنزال الفساد والدمار في كلِ جزءٍ من المجتمع العراقيّ. واليوم تغذي القوات الأمريكية المُحتلة العداوات العرقية عمداً، كوسيلة لتحقيق أهدافها السياسية العامة التي تتضمن تقسيم العراق إلى مناطق أصغر تكون أكثر سهولة على الالتهام، وسحق جميع فصائل المقاومة التي يقوم بها سكّان البلاد عن طريق تفريخ أقصى درجات العنف ونشره.
الإعلام على خطأ. المشكلة ليست في القتال الطائفيّ أو الحرب الأهليّة. المشكلة هي في الاحتلال الأمريكي.
تقوم القوات الأمريكيّة حاليا بتطويق بغداد برابية ترابية يبلغ طولها 60 ميلاً. ستتم إحاطة هذا السد الترابي بالأسلاك الشائكة وأبراج للمراقبه. سيتم إجبار كل مواطن على تقديم هويته البيولوجية (كصورة لشبكية العين مثلاً) وإخضاعه لمسح إلكترونيّ عندما يدخل أو يترك المدينة.
هل هذه ديموقراطية أو طُغيان؟ كم من الوقت سنحتاج كي نوقف معاناة هذا الشعب إذا ما أردنا أن نتركه وحده يُدير شؤونه بنفسه؟ يكفي يعني يكفي، لقد طفح الكيل.
هل نخاف أنه ربّما يكون هناك أحدٌ من المُسلّحين مِنَ الذكور بين 15 و 65 عاماً قد فلتَ مِن عذابنا ولم يتم ركله، أو ضربه بما يكفي، أو لم يتم إلباسه ملابس النساء الداخلية من أجل تسلية سجّانيه الأجانب؟
هل نخاف أنه ربّما تكون هناك أسرةٌ عراقيةٌ واحدة ما تزال لم تفقد حتى الآن فرداً أو اثنين من أبنائِها على يد فرق الموت الجوّالة، أو ما يقوم به المُرتزقة الأجانب بإطلاق النار على الناس عشوائياً من أجل التسلّي، أو بواسطة غارات القصف الجوي التي لا تُعد ولا تُحصى؟
هل نخاف أن يكون أحد الضحايا قد فلت من إلباسِه كيساً في رأسهِ، أو لم يتم تعذيبه بالصدمات الكهربائية، أو لم يُتّبع معه الأسلوب البلجيكي الذي تمت ممارسته مع الأفارقة عندما كان الجنود يتبارون في تصويب بنادقهم على خصية الإفريقيّ، ويصيبون خصيته تحديداً؟ متى تنتهي مسرحية التحرير هذه التي تشبه قصص الغول الأسطورية الذي ينبش القبور ويحيا على الجُثث؟
لقد انحدر العراق إلى فوضى مُطلقة. وأجبِرَ الناس على أن يتحمّلوا بؤساً لا يُطاق يواجههم كل يوم. الجُثث المسحوقة والمشوّهة التي تظهر يومياً في الشوارع أو التي تُنتَشَل من الأنهر جميعها تحمل بصمات أصابع الجنود الأمريكان الذين ساعدوا، أو وافقوا، أو سكتوا، عن تنفيذ هذه الجرائم مِن قِبل ميليشيات تشارك أحزابها في الحكومة التي تباركها الولايات المتحدة. إن مشرحة بغداد مع جثثها التي تكوّمت الواحدة فوق الأخرى بمقدار ثلاث جُثث، هي ليست أكثر من انعكاس لبركة تفكير المسؤولين في واشنطن.
كاتب أمريكي