التتـــار قـــــادمون



ما أشبه الأمس باليوم‏,‏ وبرغم إيماني بأن التاريخ لا يعيد نفسه حيث ان التطورسنة من سنن الله ــ سبحانه وتعالي ــ في هذا الكون إلا أن احداث الماضي تكاد تنطبق تماما علي واقع اليوم‏,‏ فما أشبه العدو بالعدو‏!!‏ وما أشبه المحنة بالمحنة‏!‏ يحكي لنا التاريخ عن تلك المحن التي كادت تعصف بالأمة‏,‏ وتقتلعها من جذورها ولولا ان الله سبحانه وتعالي أراد البقاء والحفظلهذه الأمة العربية والإسلامية‏,‏ لما كان لها وجود او اثر منذ قرون طويلة‏!!‏

وإذا عدنا إلي الوراء‏,‏ وتحديدا إذا عدنا إلي عام‏(440‏ هــ‏)‏ سنري خللا كثيرا قد اصاب الأمة العربية والإسلامية في جميع نواحي الحياة الفكرية‏,‏ والسياسية‏,‏ والعسكرية‏,‏ والاقتصادية‏!!‏ ويبدو ان اهل هذه الفترة كانوا لا يرون غير التعصب المذهبي‏,‏ والخلافات السياسية والانقسامات الداخلية والطمع في الملك والسلطان وفساد غايات التعليم ومؤسساته حتي تحول المجتمع وقتها إلي أحزاب وطوائف متناحرة يضرب بعضهم رقاب بعض ولا يكادون يجتمعون علي كلمة واحدة‏!!‏ وانصرف الناس عن الأخطار التي تحيط بهم وتهددهم داخليا وخارجيا‏,‏ استنزفوا طاقاتهم وعقولهم في الخصومات والخلافات‏!!‏

والنتيجة الطبيعية لهذا الإنحلال وذلك الفساد هو تكالب الأعداء علي هذه الأمة الممزقة الضعيفة فانطلق الصليبيون تحملهم رياح الحقد والعدواة إلي بلاد العرب والمسلمين تلك البلاد التي أصبحت فريسة دسمة لكل طامع وجائع‏!!‏ فأطاح الصليبيون بملك سلاجقة اسيا الصغري واستولوا علي عاصمتهم‏(‏ نيقية‏)‏ ثم أنحدروا إلي بلاد الشام حتي اضطر أهل الشام إلي الدخول في طاعة الصليبيين‏!!‏ ودفعوا لهم الجزية‏!!‏ ثم استولوا علي إنطاكية ثم انطلقوا إلي بيت المقدس والذي سقط في أيديهم النجسة عام‏(492‏ هــ‏)‏ ومامن دولة دخلها هؤلاء الملاعين الا ودمروها وسفكوا دماء الأبرياء واستباحوا الأموال وهتكوا الأعراض

وارتكبوا ابشع المذابح‏,‏ واشنع صنوف القتل والتنكيل بالمسلمين‏!!‏ حتي ان خيولهم خاضت في دماء الضحايا من النساء والأطفال‏!!‏ وقتلوا في بيت المقدس ما يزيد علي‏(70‏ ألف مسلم‏)‏ وبرغم هذا البلاء المبين وذلك الخطر الداهم إلا ان الأمة الإسلامية كانت تنعم في ذلك الوقت باللامبالاة‏,‏ وعدم الإحساس بالمسئولية وكأنها رضيت بتلك المهانة التي تشمئز منها النفوس بل ونجد ان عامة المسلمين في هذا الوقت كان شغلهم الشاغل هو الإهتمام بالشئون الصغيرة‏,‏ والقضايا التافهة وكأن ذلك الغزو الصليبي قد وقع لأمة تحيا علي ظهر القمر‏!!‏ وكان حال حكام المسلمين وقتها لا يقل شناعة عن حال شعوبهم‏,‏

حيث تفرغوا ساعتها لخلافاتهم وصراعاتهم وكانت علاقات الريبة والشك هي المسيطرة علي نفوسهم وكانت أقصي غاية لهم هي الحفاظ علي ملكهم وقصورهم حتي وإن كان ثمن ذلك هو سقوط امة بأكملها‏!!‏ وكان الصراع بين السنة والشيعة هو عنوان تلك الفترة‏!!‏ فالدولة الفاطمية الشيعية كان هدفها الأول هو إسقاط الخلافة العباسية السنية‏!!‏ ودار بينهما نزاع طاحن‏,‏ وكل منهما اراد استئصال شوكة الآخر‏,‏ بل استطاع الشيعة سنة‏(450‏ هــ‏)‏ القيام بانقلاب عسكري في بغداد بقيادة‏(‏ البساسيري‏)‏ الذي اعلن عزل الخليفة العباسي واستمر ذلك الباطني يحكم بغداد باسم الفاطميين

حتي قضي عليه السلاجقة وانقذوا الخلافة العباسية والعقيدة السنية ثم تحالف الفاطميون مع الحركة الباطنية الاسماعيلية ومضي الطرفان في اثارة عامة المسلمين ضد الدولة العباسية والعقيدة السنية‏!!‏ أنها فترة من أصعب الفترات التي مرت علي الأمة الإسلامية ذلك الوقت‏,‏ وليس هناك أدل علي الهزيمة النفسية للمسلمين مما ذكره‏(‏ ابن الأثير‏)‏ وهو يحدثنا عن ذلك الوفد الشامي الذي ذهب يستغيث بالخليفة العباسي ليغيثهم من المذابح الصليبية التي جعلت المسلمين في بيت المقدس ما بين قتيل وذليل‏,‏ فلما سمع أهل العراق عن تلك المذابح تأثروا وبكوا‏!!‏

ويبدو انهم لم يجدوا شيئا يقدمونه لإخوانهم في الشام سوي البكاء والعويل‏!!‏ ودمعات لا تسمن ولا تغني من جوع وبعض حزن لا يخيف عدوا‏.‏ ولا يعيد إلي أهل الشام حقا‏!!‏ بل الأعجب من ذلك العجب ما ذكره‏(‏ ابن تغري بردي‏)‏ في كتاب النجوم الزاهرة من أن الخليفة العباسي قدم عليه وفد من الشام‏,‏ وقد حملوا معهم جماجم الأطفال‏,‏ وشعور النساء من ضحايا الغزو الصليبي‏,‏ لعله ينفر لنصرة دينه‏,‏ ونجدة إخوانه إذا رأي تلك الجماجم‏,‏ لكن يبدو أن الحمية بداخله قد ماتت‏,‏ والنخوة تبخرت‏,‏ ولم يعد بداخل نفسه سوي ذلك الظلام الضارب بجذوره في جميع أركانها‏,‏

وسد منافذ الهداية من قلبه‏,‏ فدخل عليه وزيره‏,‏ ليخبره عن ذلك الوفد الذي جاء يحمل جماجم أطفاله‏,‏ يريد النصرة والعون‏,‏ فما كان من هذا الخليفة التعس إلا أن قال لوزيره‏:‏ دعني‏,‏ فإنني في شئ أهم من هذا‏!!!,‏ وقد يتبادر إلي ذهنك أيها اقاري أن هذا الخليفة مشغول بإعداد العدة لطرد الصليبيين من بيت المقدس‏,‏ ولنصرة دين الله تعالي ـ‏,‏ تعال لنري الشئ المهم الذي شغل الخليفة عن حماية الوطن‏,‏ وحفظ الأعراض‏,‏ ورد الخطر الداهم‏,‏ إن هذا الشئ المهم هو أن ذلك الخليفة التعس كانت عنده حمامة بلقاء اللون‏,‏ وكان قد دربها علي نقر الحمام وغلبته‏,‏

وكانت هذه اللعبة من أكثر اللعب انتشارا بين الأغنياء والمترفين‏!!!,‏ وكان هذا النكد التعس‏,‏ ضعيف الدين‏,‏ خفيف العقل‏,‏ قد فقدها منذ ثلاثة أيام‏!!!,‏ حمامة بلقاء اللون مفقودة‏,‏ هي عند الخليفة أهم من دماء المسلمين وأعراضهم‏!!!,‏ هكذا كانت الأمة الإسلامية في ذلك الوقت‏,‏ فساد في شتئ مجالات الحياة وأنقسامات داخلية وانشغال بتوافه الأمور ورقة في الدين‏,‏ وضعف في العقيد‏,‏ وموت للحمية والرجولة‏,‏ فسقط بيت المقدس‏,‏ سقطت دول‏,‏ وبلادا أخري معه وأطبقت المصائب علي رؤوسهم من كل جانب‏!!.‏وبرغم سيطرة العدو‏,‏ وشدة بأسه‏,‏

وبرغم انتشار الفساد في شتي مجالات الحياة‏,‏ إلا أن الله سبحانه وتعالي ـ قيض وسخر لهذه الأمة المحمدية رجالا مخلصين مصلحين‏,‏ كانوا لهذه الانحرافات بالمرصاد‏,‏ وتحملوا أمانة القيام بعملية إصلاحية داخلية‏,‏ وانطلقت حركات التجديد والإصلاح تعالج هذا الخلل‏,‏ فتم إصلاح المعتقدات والقيم‏,‏ ومعلوم أن القيم التي يؤمن بها الإنسان هي أساس البناء الحضاري‏,‏ واستطاعت هذه الحركات الإصلاحية أن تملأ هذا الفراغ الفكري‏,‏ وأن تقيم قاعدة راسخة من المعتقدات والمبادئ التي يؤمن بها الجميع‏,‏ مما أسهم بشكل كبير في جعل الأمة الإسلامية كالجسد الواحد‏,‏ هدفهم واحد‏,‏واعتقادهم واحد‏,‏ مما سهل بعد ذلك إحداث إصلاح شامل في النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية‏,‏

حتي إن هذه الجهود الإصلاحية أثمرت قيام الدولة الزنكية‏,‏ ثم الدولة الأيوبية‏,‏ واستطاعت الأمة العربية والإسلامية وليس صلاح لدين وحده ـ تحرير بين المقدس‏,‏ ورسم طريق العزة والكرامة‏,‏ والسير فيه بخطوات ثابتة بفضل من الله تعالي ـ وحدة‏,‏ ثم بفضل هذه الجهود الإصلاحية‏.‏وها هو الزمان قد استدار بهيئته‏!!,‏ وها هي ذات العلل تعود لتستقرفي جسد الأمة لتمنع ذلك الجسد من الحركة والتفكير‏,‏ وتصيبه بشلل يكاد يكون كاملا‏!!!‏وها هو ذات العدو يعود إلي أرض العرب والمسلمين‏,‏ تدفعه ذات الأحقاد والأطماع التي توارثوها عن أجدادهم القدماء‏,‏ عادوا بعد أن تأكدوا من ضعف الأمة‏,‏ بل عجزها عن رد أي كيد أو اعتداء‏!!!,‏ لكنهم جاءوا هذه المرة

وقد استوعبوا دروس الماضي ليغلقوا الطريق أمام أي حركة إصلاحية تخلص الأمة من أمراضها‏,‏ ولا يكاد يمر يوم‏,‏ بل قل إن شئت ساعة إلا وغرسوا سمومهم في جسد الأمة المسلمة ليزداد ضعفا إلي ضعفه‏,‏ وفي كل لحظة يترقبون موت هذه الأمة‏,‏ لكن هيهات‏!!!,‏ فوالله لا ولن تموت أبدا‏,‏ فمهما كثرت المحن‏,‏ وتمكن المرض‏,‏ وقعد الجسد عن الحركة‏,‏ سيأتي اليوم الذي تتخلص فيه هذه الأمة من كل علة أصابتها‏,‏ لكن ذلك يحتاج إلي إصلاح الخلل‏,‏ وترميم الشروخ‏.‏ فهل آن الأوان لقادة المسلمين أن يقودوا حملات إصلاحية داخلية شاملة في شتي مجالات الحياة‏,‏ أم أننا سنظل لفترة أخري نستقبل المزيد من المحن والكوارث‏,‏ ونكابد أطماع الصليبين الجدد‏,‏وتتار العصر الحديث‏.‏ نعم‏..‏ إن حصوننا مهلهلة من داخلها‏,‏ ولا ينكر ذلك إلا معاند أو جاهل ولم يعد أمامنا سوي أن نختار أحد الأمرين‏,‏ إما إصلاح هذا الخلل‏,‏ أو تجرع كئوس الذلة والمهانة التي جاء بها الأمريكان والصهاينة والانجليز‏!!.‏