لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، تتفق أجهزة للاستخبارات الأمريكية، على قضية واحدة: أن الحرب في العراق أسهمت في تفريخ جيل جديد من "الجهاديين المتعصبين" و"الراديكاليين الإسلاميين"، وزادت من تهديد "الإرهاب" في العالم منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة.

ورغم أن الرئيس الأمريكي جورج بوش أمر برفع السرية عن التقرير، لكن هذا الرفع الجزئي جاء بعد أن ظهرت تسريبات منه في الصحف الأمريكية، أبرزها صحيفة نيويورك تايمز.

أهمية التقرير الاستخباري يأتي خصوصا في ظل ما يجري من أحداث عنف خارج السيطرة في العراق، وهو مؤشر يوحي إلى تورط جهات في الداخل والخارج، لها مصالح مختلفة، تلتقي كلها في نقطة واحدة: تحطيم العراق وبرمجته للانزلاق إلى الهاوية، في ظل ارتباك قوات الاحتلال الأمريكية وباقي القوات المتعددة الجنسيات، مع تعثر عملية المصالحة الوطنية العراقية، رغم الدعاية الكبيرة لها، والخلافات القائمة بين القوى العراقية الغارقة في مشاريع التقسيم والفيدرالية والطائفية...

وقد اعتبر السناتور الديمقراطي تيد كنيدي، أن التقرير، الذي يعد الأول من نوعه، "لا بد أن يضع المسمار الأخير في نعش الحجة الزائفة للرئيس الأمريكي جورج بوش بشأن حرب العراق"، وأضاف كنيدي: "حقيقة.. إننا بحاجة إلى اتجاه جديد في العراق كي نكسب فعلا الحرب على الإرهاب ونجعل الأمريكيين أكثر أمنا.. ومع ذلك فإن هذه الإدارة تتشبث بإتباع إستراتيجية فاشلة مقتضاها البقاء على نفس النهج".

صحيفة نيويورك تايمز رأت أن تقييم المخابرات الأمريكية، الذي تم الانتهاء منه في أبريل 2006، وضع الأصبع على الجرح المستنزف في العراق، وأن "التطرف" الإسلامي يتصاعد عالميا، وأن الحرب العراقية أحد الأسباب الرئيسية لانتشار أيدلوجية الجهاد. وقالت نيويورك تايمز إن "التقييم يخلص إلى أن الحركة الراديكالية الإسلامية زادت من ناشطي (تنظيم) القاعدة ذاتها والجماعات المرتبطة بها، لتشمل صنفا جديدا من الخلايا ذاتية التوالد المستوحاة من قيادة القاعدة، ولكن دون أن يكون لها صلة مباشرة بأسامة بن لادن (زعيم القاعدة) أو كبار مساعديه".

ومن محتويات التقرير الأخرى، قالت الصحيفة "إنه يبحث أيضا كيفية مساعدة الإنترنت في انتشار أيدلوجية الجهاد، وكيف أن الأنظمة الإلكترونية أصبحت ملاذا لأعضاء الجماعات الإرهابية، والذين لم يعد لديهم ملاجئ جغرافية في دول مثل أفغانستان". ولفتت نيويورك تايمز إلى أن أكثر من 12 مسئولا حكوميا أمريكيا وخبراء أجانب على علم بتلك الوثيقة السرية.

* البداية.. كانت خطأ غزو العراق وحل الجيش:

لم يتصور الرئيس جورج بوش ولو لمرة واحدة، أن تقارير المخابرات الأمريكية حول العراق، والتي كانت سلاحا لتبرير شن الحرب، قد تتحول إلى سلاح ضده، فالرئيس الأمريكي قد دخل دائرة الخطر فعلا بعد اتهامات بتورطه في كشف اسم عميله للمخابرات الأمريكية من أجل التغطية السياسية لشن حرب العراق. القضية تعود لعام 2002 حين أبدت أمريكا بناء على تقرير من المخابرات البريطانية شكوكها في أن صدام حسين حاول شراء "اليورانيوم" من النيجر، لتطوير أسلحة الدمار الشامل، حينها قامت الولايات المتحدة بإرسال السفير الأمريكي السابق لدى العراق جوزيف ويلسون إلى النيجر، للتأكد من صدق المعلومة وفور عودته قدم تقريرا نفى فيه أي شبهه في موضوع شراء "اليورانيوم".

رغم ذلك ألقى بوش خطاب حالة الاتحاد في 28 يناير 2003، أشار فيه إلى تقارير تؤكد سعي صدام حسين إلى الحصول على "اليورانيوم"، بعد ذلك نشر جوزيف ويلسون في صحيفة نيويورك تايمز مقالة بعنوان "ما لم أعثر عليه في إفريقيا".. اتهم فيها الإدارة الأمريكية بالتضليل, وأنها تجاهلت معلوماته لأنها لا تتطابق مع الأفكار المسبقة لغزو العراق.

قبل رحيله بفترة وجيزة، انتقد المفكر العربي المعروف البروفيسور ادوارد سعيد سياسة فريق صقور الحرب من المحافظين الجدد في إدارة بوش حيال العراق قائلا: "إن من المضحك أن بلدا عظيما مثل أمريكا على هذا المقدار من الثراء، يكون احتلاله للعراق على هذا القدر من التخبط وسوء التهيئة. كما أن من المذهل أن يستطيع بيروقراطي على قدر متواضع من الذكاء مثل بول وولفوويتز (نائب رامسفيلد وزير الدفاع) إطلاق سياسات فاشلة كهذه، وان يقنع الكل بأنه يعرف ما يفعل".

بعد آخر زيارة له للعراق، قبل أن يشغل منصب مدير صندوق النقد الدولي، بدت تصريحات وولفوويتز لأول مرة تكشف عن نوع من التراجع عن تلك الثقة المفرطة في المغامرة العراقية، التي كان يتحدث بها من قبل هو ورئيسه رامسفيلد وزير الدفاع، عن القدرة على السيطرة على الأمور في العراق. فقد تحدث وولفوويتز عن إمكانية التراجع عن قرار حل الجيش العراقي، ذلك القرار المتسرع الذي اتخذه برايمر، والذي قاد إلى زيادة حدة الفوضى والعنف وعدم الاستقرار في العراق.

وهذا التصريح، يعكس بداية الاعتراف بسلسلة الأخطاء التي ارتكبها صقور الحرب من المحافظين الجدد في إدارة جورج بوش في الترويج للحرب ضد العراق، وأيضا في قراءة الواقع السياسي والاجتماعي العراقي والاستعداد لمواجهته أو التعامل معه في مرحلة ما بعد الحرب.

* تراكم التقارير التي تكشف الأخطاء المرتكبة من إدارة بوش:

سيل التقارير بدأ قبل ذلك مع التقرير الأول الذي رفعه ديفيد كاي رئيس لجنة التفتيش الأمريكية على أسلحة الدمار الشامل في العراق، التي باشرت عملها بعد احتلال العراق، وانتهت إلى نتائج مفادها أن العراق لم تكن لديه أسلحة دمار شامل، بما يناقض تماما مزاعم بوش وإدارته، وأنه رغم التفتيش الدقيق الذي تم إجراؤه على مدى الشهور المتوالية لم يتم العثور على هذه الأسلحة المزعومة.

وأثار تقرير كاي عن عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق، جدلا واسعا داخل الساحة السياسية الأمريكية حول "أكاذيب إدارة بوش"، ومدى خداعها للشعب والرأي العام والكونجرس الأمريكي، ومدى دقة المعلومات الاستخباراتية التي استندت إليها في شن الحرب ضد العراق.

أخطاء وزارة الدفاع توالت بشأن الملف العراقي رغم التقارير الاستخبارية والإعلامية التي حذرت من المخاطر التي تحدق بالجنود الأمريكيين في العراق، وقد تغافل البنتاغون عمدا وبغطرسة، عن دراسة شاملة كانت قد أعدتها وزارة الخارجية الأمريكية حول كيفية الاستعداد للتعامل مع الوضع العراقي في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب وخضوعه للاحتلال الأمريكي.

وكانت الدراسة قد حددت ملامح عدد من الصعوبات التي قد تواجه الاحتلال الأمريكي في العراق، ووضعت بعض المقترحات لكيفية التعامل معها، لكن وزارة الدفاع الأمريكية التي كانت تتولى بصورة رئيسية إدارة الملف العراقي وعمليات إعادة الأعمار، تجاهلت كل المعطيات التي تضمنتها الدراسة.

وأفضى إعراض الإدارة الأمريكية عن أغلب التقارير الصادرة من الجهات المختصة المهتمة بالملف العراقي وشئون الأمن، إلى مطالبة 30 عضوا ديمقراطيا في الكونجرس وزارة الدفاع بالاطلاع على تقرير سري آخر قد تم وضعه قبيل الانتهاء من احتلال العراق، ويحمل عنوان "عملية تحرير العراق: دروس إستراتيجية"، ويتضمن نقدا داخليا لإستراتيجية الحرب التي أعدتها إدارة بوش وجرى صياغتها بالكامل داخل البنتاجون، ويعتبر أن خطة التعامل مع مرحلة ما بعد الحرب كانت متسرعة وغير مناسبة.

* 54% من الأمريكيين يعتبرون بوش "كاذباً أو مبالغاً":

وقد أشارت نتائج أحدث استطلاع للرأي العام الأمريكي إلى أن غالبية الأمريكيين، يعتقدون أن الرئيس بوش بالغ في التهديدات العراقية لتبرير الحرب التي قادتها الولايات المتحدة لاحتلال العراق. وأظهر استطلاع أجرته صحيفة واشنطن بوست وشبكة تليفزيون "إيه بي سي" الأمريكيتين أن 54% ممن استطلعت آراؤهم، يعتقدون أن بوش إما كذب أو تعمد المبالغة فيما يتصل بحجم التهديد الذي تشكله أسلحة الدمار الشامل العراقية.

* 50 دبلوماسيا أمريكيا يهاجمون سياسة بوش في الشرق الأوسط:

وفي نفس السياق، كان 50 دبلوماسيا أمريكيا بارزا قد وجهوا رسالة مشابهه للرسالة التي وقعها قبل ذلك 52 دبلوماسيا بريطانيا متقاعدا، طالبوا فيها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بإعادة النظر في سياسته في الشرق الأوسط والتراجع عن التبعية للسياسة الأميركية.

وقالت الرسالة إن بوش ضرب عرض الحائط بحقوق ثلاثة ملايين فلسطيني بتأييده خطة شارون لفك الارتباط مع الفلسطينيين. وأضافت أن بوش وضع الدبلوماسيين والمدنيين والعسكريين الأمريكيين في الخارج في موقف لا يمكن الدفاع عنه -بل وخطير- بانتهاجه سياسة غير متوازنة في الشرق الأوسط، وإنهم يشعرون بانزعاج بالغ للتوجهات الأخيرة لسياسة الولايات المتحدة في ما يتعلق بالشرق الأوسط وحقوق الإنسان.

إن مأزق صقور الحرب في إدارة بوش، يكمن في تعرض نزعتهم الاستعمارية في فرض الهيمنة الأمريكية بالقوة العسكرية والإفراط في استخدام القوة، لمزيد من التشكيك والإخفاق والفشل، الأمر الذي قد يفضي في النهاية إلى هزيمة هذا التيار التسلطي التوسعي، وخاصة إذا سقط الحزب الجمهوري في الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة.

فلا شك أن مصير بوش ومستقبله السياسي قد أصبحا رهنا بضربات المقاومة العراقية والأفغانية التي يمكن أن تعجل بدحر الاحتلال الأمريكي، وهزيمة صقور الحرب في إدارة بوش وإعلان فشل توجهاتهم الاستعمارية التوسعية، رغم النصائح والتوصيات والخطط والحلول التي قدمتها العشرات من التقارير الاستخبارية والسياسية إلى الإدارة الأمريكية للاسترشاد بها كخارطة طريق في عراق المقاومة.