دورات هندسية

 

 

موضوع مهم جــــــــــدا احببت ان تقرأوه..

النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. [1]
    مفاعل_نووي
    مفاعل_نووي غير متواجد حالياً

    زائر

    تاريخ التسجيل: Aug 2005
    المشاركات: 442
    Thumbs Up
    Received: 1
    Given: 0

    موضوع مهم جــــــــــدا احببت ان تقرأوه..

    الغرب: دار الشهادة

    د. طارق رمضان:مفكر سويسري مسلم، من أصل مصري. والمقال جزء من كتابه: "مسلمو الغرب ومستقبل الإسلام". والعناوين الفرعية من المحرر.

    د. طارق رمضان

    الرؤية الانقسامية للعالم
    تعقيدات الواقع والرؤية الثنائية
    دار الغرب: إعادة تقييم

    دار الشهادة :
    إننا نعلم المفهومين القديمين الشائعين: "دار الإسلام" و"دار الحرب"، فإذا ما بحثنا فيهما نجد أنهما لم يردا في القرآن ولا في السنة. والواقع أنهما لا ينتميان إلى النصوص الإسلامية الأساسية التي تعطي المبادئ أساسا للعالمين كافة في كل الأزمنة وعبر كل الحدود.

    العلماء هم الذي شرعوا بتصنيف وتحديد المناطق المختلفة التي يعيشون فيها والتي من حولهم، وذلك في القرون الأولى عندما أخذوا يدرسون حالة العالم حينذاك وتقسيماته الجغرافية، والقوى الموجودة عبر الانتماءات الدينية، وتأثيراتها وقواها العاملة في تغيير الولاءات. كان هذا النهج مهمًّا وضروريا لسببين على الأقل: فمن جهة، كان العلماء قادرين -وهم يحددون أي المناطق هي إسلامية- على بيان الشروط الجوهرية لاعتبار منطقة أو أمة: إسلاميةً، وبيان الأنظمة التي ينبغي أن تحكم العلاقات السياسية والإستراتيجية القائمة مع أمم وإمبراطوريات أخرى؛ ومن جهة ثانية أتاح لهم ذلك، التمييزَ الواضح في الأمور الشرعية بين وضعية المسلمين المقيمين في الخارج، أو أولئك الذين كانوا يسافرون كثيرًا وبالتالي بحاجة إلى أنظمة خاصة، كالتجار مثلا.

    بعد دراسة موقف النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية، وإرساله العديد من الرسل إلى مختلف الحكام خلال السنوات الخمس التالية وسلوكه تجاه البلدان المجاورة، توصل العلماء الكلاسيكيون إلى أنه لا بد من الأخذ بالحسبان شروطا أربعة هي:

    1. السكان الذين يعيشون في البلد.

    2. ملكية الأراضي.

    3. طبيعة الحكومة.

    4. القوانين المطبقة في البلد.

    أرسل النبي صلى الله عليه وسلم -الذي يعد نفسه في ضوء الوحي رسولاً للناس كافة وللعالم كله كما يقول ابن هشام- تسعة مبعوثين في خمس سنين إلى شعوب البلدان المجاورة الذين يجهلون الإسلام، أو التي لا يعرف حكامها الإسلام حق المعرفة، فأقاموا أحكامهم على أسس غامضة من الحدس والتخمين. وأدت مواقف بعض الحكام في حالتين شهيرتين، تجاه رسل النبي إلى حروب (لم تكن هذه هي غاية المبعوثين ولا القانون الذي أريد له أن يطبق على العلاقات مع البلدان المجاورة) نشبت الحرب أولا ضد البيزنطيين؛ لأن رسول النبي، حارث بن عمير، قتل على يد عامر الغساني، أحد وزراء الإمبراطور. ونشب نزاع آخر مع الفرس عندما مزق زعيمهم القرآن أمام مبعوث النبي وأمر جنده أن يأتوه بمحمد هذا حيا، وفهم المسلمون ردي الفعل هذين على أنهما إعلان حرب.

    أما في غالبية الحالات الأخرى فقد انتشرت الرسالة دون حرب ولا عائق. وكانت الأولوية لنشر رسالة الإسلام بين الناس. وكان الحكام المحليون في ذلك الحين الوسيلة المباشرة لتحقيق هذا الهدف؛ لأن الإسلام أساسا رسالة للناس، وفق ما ورد في القرآن الكريم، وليس إرشادًا موجهًا للسلطات.

    الرؤية الانقسامية للعالم

    استنادًا إلى هذه الحقائق بذل العلماء جهدهم لاستنتاج مبادئ واضحة، وللتمييز بين ما يسمى بالمناطق الإسلامية والمناطق اللاإسلامية، وتصنيف خصائص كل من هاتين الفئتين. استطاع العلماء في بلدان الإسلام الأولى، بفضل أخذهم بالاعتبار الواقع الذي واجهوه، أن يصوغوا مفهوما ما للعالم بدلالة هذه الرؤية الثنائية.

    وهكذا قبل أن يكون هناك تحديد قائم على البيئة، كانت القاعدة الأساسية الأولى التي تعالج العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين على أساس أعمال الرسول هي المبنية على "حالة السلم" وليس على "حالة الحرب". أما القاعدة الثانية فهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد قبل كل شيء مخاطبة الناس وليس استلام السلطة. ويبَّن الحديث أنه كان دائما يقرر محاربة الحكام بسبب جرائم القتل التي ارتكبوها، وخيانتهم، وظلمهم، وأنه لم يقاتل الشعب أبدًا؛ لأنهم رفضوا اعتناق الإسلام، بل كان يريد منهم اختيار الإسلام بناء على معرفة تامة به، وعندما كانوا يعرفون ذلك كان يقبل اختيارهم ويعترف بحقهم في البقاء حيث هم وأن يمارسوا دينهم. ولم يدفع السكان المسلمون جزية لقاء حماية الدولة.

    ولدى معرفة هاتين النقطتين الجوهريتين، تابع العلماء تحديدهم للكيانين: دار الإسلام، ودار الحرب، من أجل الحصول على رؤية واضحة للواقع الجغرافي في زمانهم. اقترحت تعاريف عديدة، وخصوصا ضمن المذاهب السنية الرئيسية الأربعة. لا نستطيع هنا تقديم دراسة مفصلة عن دراساتهم، ولكن من المفيد بيان النقطتين التاليتين:

    دار الإسلام :صرح الدسوقي في المذهب المالكي، مدخلاً في الحسبان عنصرين من العناصر الأربعة المذكورة آنفا، أن دار الإسلام يجب أن تكون ملكا للمسلمين ويطبق فيها النظام الإسلامي (حتى إن كان من هم في السلطة غير مسلمين) هذا هو الرأي الشرعي السائد حاليا والذي يتبناه ابن تيمية، في حين يركز علماء الحنفية على قضية معينة بالذات وهي فيما إذا كان المسلمون الذين يمارسون الإسلام آمنين لا يخشون شيئًا بسبب ممارستهم لدينهم.

    فالقضية، عند هذا المذهب، هي أن مسألة الأمن والحماية وليست مسألة الإسلام والكفر الصارمة (بمعنى رفض الإسلام) هي التي تؤخذ بالاعتبار عند إصدار الحكم.

    دار الحرب: طُرحت تعاريف عديدة لمفهوم "دار الحرب"، وهناك اختلافات مهمة بين العلماء بشأن أفضل هذه التعريفات. ومع ذلك يُجمع العلماء على أن البلد الذي يُطلق عليه اسم "دار الحرب" هو ذلك الذي يكون فيه النظام القانوني والحكم لا إسلاميين.

    والإجماع هنا على أن هذا الوصف لا يعتمد على السكان الذين يشكل المسلمون أكثريتهم، بل يعتمد على القانون والنظام السياسي.

    أما عند المذهب الحنفي، فتعد دار الحرب -خلافا لدار الإسلام- هي المنطقة التي لا يجد المسلمون فيها حماية ولا يعيشون بسلام. ومع ذلك، فإن وجود دار حرب لا يعني، حسب التعريفات المختلفة، بالضرورة وجود حالة حرب بين الدارين.

    إن دراسة مكثفة لهذه التعاريف (رغم أنه لا يمكن عرضها هنا بصورة شاملة ومفصلة) تبين أن المعايير التي يعتمد عليها تحديد نوع الدار تحديدا دقيقا وموثوقا لا تكون متناقضة تماما.

    يصر معظم العلماء على وجوب ملكية المسلمين للأراضي وتطبيق الشريعة الإسلامية في بلد ما حتى تسمى "دار الإسلام"، في حين أن طبيعة النظام القانوني والحكومة هما العاملان اللذان يحددان "دار الحرب". في الحالة الأولى نرى أن التركيز على السكان، أما في الحالة الثانية فالتركيز على الحكومة. هذا اللا تماثل هو بالضبط سبب الخلاف العميق بين العلماء المعاصرين؛ لأنهم جميعا يقبلون أن النظام الإسلامي (الذي هو الشرط الثاني اللازم تحققه في بلد ما كي يوصف بأنه إسلامي) لا يطبق حقا، ولا بصورة كاملة في أي بلد في هذه الأيام.

    وهكذا، يأخذ بعض العلماء السكان بالحسبان، ويتبنون الرأي القائل بأن بلدان المسلمين يجب أن تظل تحمل صفة "دار الإسلام"، في حين أن البلدان الأخرى -بالتركيز على الحكومات التي بينت بالدليل القاطع أنها لا تطبق تعاليم الإسلام- لا يمكن تسميتها بدار الإسلام.

    ومع ذلك، إذا ما أخذنا بالحسبان المعايير المبنية على مفاهيم السلامة والأمن التي يتبناها بعض علماء المذهب الحنفي، ربما تكون النتيجة مختلفة جدا، بل متعارضة تماما: فالمسلمون في الغرب يمكن أن يشعروا أنهم أكثر سلامة بقدر ما يتعلق الأمر بممارستهم لدينهم، أكثر من بعض ما يسمى بالبلدان الإسلامية.

    يمكن أن يقودنا هذا التحليل إلى نتيجة مفادها أن وصف دار الإسلام، المبني على معايير السلامة والأمن، ينطبق على جميع البلدان الغربية تقريبا، بينما لا يكاد ينطبق على الغالبية العظمى من البلدان الإسلامية فعلاً التي يشكل المسلمون فيها 60، 70، 80، أو حتى 95% من سكانها. هذا القلب في أوصاف الغرب والبلدان الإسلامية "مستحيل". بالتأكيد، كما يقول الشيخ المولوي بغض النظر عن معيار الأمن، تشير جميع الدلائل إلى أننا لسنا في الواقع في "بلد إسلامي".
    مــــــــنقول من: http://www.islam-online.net/Arabic/c...6/09/02d.shtml
    ...........................يتبع......

  2. [2]
    مفاعل_نووي
    مفاعل_نووي غير متواجد حالياً
    زائر


    تاريخ التسجيل: Aug 2005
    المشاركات: 442
    Thumbs Up
    Received: 1
    Given: 0
    تعقيدات الواقع والرؤية الثنائية

    يقوم هذا الجدل -بغض النظر عن قضايا التعريف- على مفاهيم قديمة يبدو أنها غير عملية في زماننا ولا صلة لها به. إن تطبيق هذه المفاهيم -كما استخرجها العلماء الكبار قبل أكثر من عشرة قرون- على واقعنا المعاصر يُعد خطا منهجيا خطيرا. ففي عالم اليوم، حيث السكان في حركة دائمة، وحيث نشهد تعقيدات متزايدة في توزيع القوة الاقتصادية والمالية والسياسية، إضافة إلى تنوع التحالفات الإستراتيجية ومناطق النفوذ، يعد تبني رؤية ثنائية بسيطة للواقع أمرا مستحيلاً، وهكذا فإن هذه المجموعة من القراءات غير مناسبة كليا. فهي تقود إلى فهم ساذج خاطئ بوضوح لعصرنا.

    حتى إضافة المفهوم الثالث الذي طرحه الشافعي والمتعلق "بدار العهد" ليس كافيا لانتزاعنا من هذه النظرة الثنائية، للعالم. يفترض هذا الوصف وجود بلدان، رغم أنها ليست مسلمة من وجهة النظر السياسية، ولكنها موقعة على معاهدة سلام وتعاون مع دولة مسلمة أو أكثر. يمكن أن تكون المعاهدة مؤقتة أو دائمة، ومفهوم "دار العهد" هذا يفتح بابا مهمًّا إذا ما جرى تكييفه مع الوضع السياسي الحالي على الصعيد العالمي. إن وجود منظمات كمنظمة الأمم المتحدة، أو الوحدة الأفريقية، ووجود تعاهدات عديدة موقعة بين الدول، يمثل تطبيقا واضحا لمفهوم "دار العهد". هذا هو رأي الشيخ مناع القطان Manna alQattan الذي بموجبه يكون هذا هو الوصف الملائم للتطبيق على غالبية البلدان؛ بقدر ما يتعلق الأمر بالمسلمين. ربما يلقي هذا المفهوم ضوءًا جديدًا على نظرتنا إلى العالم المحيط بنا. ومع ذلك، يبين أي تحليل دقيق أن هذه الفئة لا تقدم رؤية واضحة لوضعنا الحالي؛ فمفهوم العهد يتمتع بمعنى معين فقط في ضوء المفهومين اللذين بحثناهما آنفا. ولتحديد طبيعة المعاهدة لا بد أولاً من معرفة طبيعة البلدان التي وافقت على موادها -أي ينبغي أن تكون لدينا فكرة واضحة عما هي دار الإسلام، وما هي ليست دار الإسلام. لقد اصطدمنا بصعوبة تحديد هذا المفهوم، ويبدو أنه إذا ما استخدم لشرح العالم المعاصر تكون صفة "دار العهد" وصفا "لوضع متحرر من الحرب" أكثر مما هي وصف "لمنطقة يعيش فيها المسلمون". وهذا يجعله فكرة أكثر أهمية وفائدة، ولكنه ليس ملائما تماما لأسباب ثلاثة هي:

    1. لم يعد ممكنا استخدام هذا المفهوم كما كان قائما على رؤية كيانين مستقلين (دار الإسلام، ودار الحرب) يتوصلان إلى اتفاق. ففي المناخ الجيوسياسي المعقد في هذه الأيام حيث يسود النفوذ الاقتصادي والسياسي والنزاع المختلف على السلطة، من الصعب وصف مثل هذه الاتفاقات بأنها مستقلة.

    2. إن استخدام كلمة "عهد" للإشارة إلى المعاهدات المعقودة بين البلدان، وإلى العلاقات القائمة بين المسلمين ودولة ما (ودستورها) ربما تؤدي إلى تشويش عميق لمعناها؛ لأن المضمون الذي تشير إليه في الحالتين ليس على الأقل من طبيعة واحدة.

    ويبدو أن استخدام هذه المفاهيم الثلاثة القديمة قد جرّت العلماء إلى إهمال بعض الحقائق الجيوسياسية المهمة التي ينبغي أخذها بالاعتبار طالما أنها تؤثر تأثيرا عميقا في الرؤية الجديدة للعالم الذي يجب علينا تطويره وتنميته.

    3. وعلى مستوى أعمق، إن اعتبارنا مواطنين، على عهد مع مجتمع غير إسلامي يرسخ فكرة أننا لسنا في مجتمعنا، بل نحن على وفاق مع كيان لا نتطابق معه. فمفهوم "العهد" المستخدم بهذه الطريقة يختلف عن فكرة "العقد الاجتماعي" القائم بين مواطن وكيان هو جزء منه ويشعر بالتمتع بكامل العضوية فيه. والحديث عن "دار العهد" لا يجدي في جعل ذلك حقيقة فعالة في عقول المسلمين".

    وهكذا تبين دراسة المناظرات الدائرة بين العلماء أن هناك فجوة كبيرة بين المفاهيم الكلاسيكية والوضع الراهن (الواقع). يعطي بعض العلماء أولوية للواقع، ويحاولون تعديل مضمون هذه المفاهيم ومواءمتها مع هذا الواقع، في حين يتمسك غيرهم بالتراث الفقهي ويبسطون الواقع ويرسخون النظرة الثنائية للعالم، وهي نظرة لم تعد ملائمة أبدا.

    تكشف هذه التطورات الفجوات الموجودة في مقاربة العديد من العلماء: إذ من الواضح أنهم يفتقرون إلى فهم عميق للمشهد السياسي والاقتصادي الجديد الذي يواجههم، إضافة إلى أن الإطار المفهومي الذي هو في تصرفهم غير ملائم ولا واف.

    لم تعد العناصر الأربعة المشار إليها - طبيعة السكان المقيمين في البلد، وملكية الأرض، وطبيعة الحكومة، والقوانين النافذة في البلد - ذات صلة إذا ما أردنا إطلاق مفهوم صحيح لوضع المسلمين الحقيقي في العالم. لا بد من مراعاة نقاط ثلاث في هذا الموضوع: أحدث الاستعمار -على مدى مائة وخمسين إلى مائة وخمسة وسبعين سنة ومن ثم الأعمال السياسية التي عرفت كأنواع من "الحماية"- تغيرات كبرى في البلدان الإسلامية. فقد أسفرت التحالفات بين عدد من الحكام المسلمين والحكومات الغربية والإدخال المستمر لأنظمة قانونية أجنبية غربية: عن تعديلات كبرى في معالم المجتمعات المسلمة نفسها. فهي لا تشكل -وينبغي ألا تشكل- عالما فريدا مغلقا لا يلطخه أي تأثير أجنبي.

    دفعت العوامل السياسية والاقتصادية الملايين من الناس إلى ترك بلادهم والبحث عن عمل وأمن في الغرب. وأسفر ذلك عن استقرارهم في الخارج، وهم الآن يشكلون جزءًا من مجتمعات تتصف بالتنوع والتعددية الثقافية والدينية. يمثل هؤلاء المسلمون أقلية في الغرب رغم أن الجيل الثاني وما تلاه من أجيال يشعرون أنهم في وطنهم تماما كأولاد الذين اعتنقوا الإسلام من أهل الغرب. وهكذا تخلل الغرب مواطنة دينامية جديدة قائمة على الدين وعلى وجود أفراد يعدون أنفسهم مسلمين وأوروبيين وأمريكيين بآن واحد.

    لهذا، نحن نعيش اليوم عصر تنوع، ومزج، وتعقيد عميق جدا لا يمكن فهمه ولا تقييمه بتصنيف ثنائي ساذج بقدر ما هو اختزالي. من الواضح في هذه الأيام أنه لا يكفي التركيز على قضايا طبيعة الحكومة ولم يعد لذلك الأمر صلة بالموضوع، ولا للقوانين النافذة أو لملكية الأرض مع افتراض أن حالة العالم اليوم تجعل معالجة مثل هذه القضايا معالجة شاملة في البلدان الإسلامية والبلدان الغربية على حد سواء حاجة ملحة.

    إن عملية التداول والعولمة تعيدنا إلى تحليل يأخذ بالحسبان الوقائع التي يعيشها الناس. وعندها ستظهر لنا مثل هذه الدراسة أننا بحاجة إلى تغيير راديكالي في تفكيرنا. إذ من الصعب اليوم أن يكون المرء مسلما متساوقا مع مظاهر الحياة كلها ومتوازنا معها؛ لأن العالم المحيط بنا والمعايير التي يقوم عليها التطور، سواء في المناطق الإسلامية أم في الغرب غير متناسقة. هذا خير ما يمكن أن يقوله المرء. وهذا يعني أن علينا العودة إلى مصادر التعاليم الإسلامية كي نجد ما إذا كان بالإمكان اكتشاف إطار، أو دليل، أو اتجاه يساعدنا على قبول التحدي المتمثل بوضعنا المعاصر.

    لا بد من تذكر أمرين باستمرار. أولهما أن تعاليم الإسلام في نظر المسلم صالحة في كل زمان ومكان إذا ما فهمت وطبقت بصورة جيدة، وهذا هو معنى عالمية الإسلام. وثانيهما، أن مفاهيم "دار الإسلام" و"دار الحرب" و"دار العهد" لم ترد أولا في القرآن والسنة. والواقع أنها تشكل محاولة بشرية في لحظة تاريخية معينة لوصف العالم وتزويد المجتمع المسلم بخطة جيوسياسية مناسبة لواقع الحال. هذا الواقع قد تغير تماما: فأصبح من الضروري اليوم العودة إلى القرآن والسنة في ضوء بيئتنا، لتعميق تحليلنا من أجل تطوير رؤية جديدة ملائمة لبيئتنا الجديدة واستنباط آراء مناسبة. لذلك يبدو أن إعادة قراءة التعاليم الإسلامية، وإعادة دراستها، وإعادة تنقيحها قد بات ضروريًّا.

    ففي زمن الإطاحة بكل المعايير القديمة بسبب التغيرات الهائلة التي حصلت في المجتمع، وعندما يغدو من الصعب العثور على إرشاد أو حلول في أعمال العلماء، يصبح من الضروري العودة إلى المصادر وإعداد أولويات حياة المؤمن بوضوح على الصعيدين الفردي والمجتمعي، انطلاقا من وجهة نظر إسلامية. فالمسألة هي: من نحن؟ ماذا يتوقع ديننا منا كمسلمين؟. يبدو هذان السؤالان للوهلة الأولى بسيطين، ولكنهما حاسمان: بفضل وضع إطار عام للهوية الإسلامية متجاوزة الاحتمالات والطوارئ التي تحدث في أرضية خاصة كأوروبا وأمريكا الشمالية، يتيح لنا هذان السؤالان تقرير ما هو مقبول وما نحتاج إليه عن طريق الإصلاحات والتحسينات التي تهدف لخلق عيش متوازن وتعايش إيجابي.

    تعد العلوم الإسلامية الوسيلة الوحيدة التي يستطيع المسلمون -بفضلها- حماية عقيدتهم وممارسة دينهم، والعيش في إطاره، كما هو مطلوب منهم. وتعد كذلك الأدوات التي استخدمها العلماء لتزويد المجتمع الإسلامي بفهم عام، وإطار شرعي ليكون مجتمعنا إسلاميا ويظل كذلك، تعد ضرورية مهما كانت الظروف.

    وبالطريقة ذاتها، نستطيع القول: إن البيئة مهما كانت، تعد مكانا يجب على المسلمين أن يجدوا فيه المصادر اللازمة التي تؤهلهم لأن يكونوا منسجمين في عقيدتهم: وبمثل هذا الفهم ينبغي أن ينظر إلى البيئة بوصفها وسيلة تتكون بفضلها الهوية وتزدهر.

    قال الفيلسوف بيرغسون Bergson هناك طريقتان لمعرفة أي موضوع: من الخارج بفضل إضافة وجهات نظر؛ ومن الداخل بفضل نوع من "الخبرة الحدسية" بالموضوع. وبغير اتباع هذه "الخبرة" حتى حدودها القصوى، فإنه ربما نستلهم من هذا التميز عند النقطة التي تتطلب تحديد "الفضاء" الذي نعيش فيه وتفاعله مع الهوية التي نعرف أنفسنا بها، وفعل ذلك في ضوء مصادرنا. وقبل دراسة أسس الهوية المسلمة، يبدو من الضروري إرساء المبادئ الجوهرية اللازمة "لمكان العيش" والتي تتيح لتلك الهوية أن تزدهر.

    وعلينا تحاشي الخطأ المنهجي المتمثل بقراءة الواقع من خلال مفاهيم مسبقة تشكلت في عصر آخر وبيئة أخرى. وهكذا نطرح تصنيفا للأسس الأولية لتطوير فضاء مناسب. يمكن أن يكون مقياسا نقيم بفضله البيئة الاجتماعية- السياسية الغربية. هذا المنهج الجديد -كما سنرى- قريب من مقاربة بعض علماء الحنفية الذين كانوا -كما رأينا- يفضلون تحديد دار الإسلام أو دار الحرب على أساس أمن المؤمنين قبل أن يهتموا بشكل النظام الشرعي أو الحكومة.

    وبهذا لا يكونون قد عدلوا المعايير والشروط التي تتخذ بموجبها أنواع الدور فحسب، بل عملوا أيضا مبشرين للرؤية العالمية التي نحتاجها اليوم نتيجة للانتفاضات الجماهيرية التي شهدناها في القرن الماضي.

    البيئة التي تضمن حرية الضمير والعبادة للمسلمين (أي حرية العقيدة وممارسات الشعائر الدينية) وتصون سلامتهم المادية وحرية تصرفهم وفق قناعاتهم، لا تكون في الواقع بيئة معادية. ففي أمريكا الشمالية، كما في أوروبا، خمسة حقوق أساسية مضمونة للمسلمين تجعلهم يشعرون وكأنهم في وطنهم حيث يقيمون: وهي حق ممارسة الإسلام، وحق اكتساب المعرفة، وحق إقامة تنظيمات، وحق التمثيل الذاتي المستقل، وحق اللجوء إلى القانون.

    دار الغرب: إعادة تقييم

    يمكن تقييم "دار الغرب" على أساس تحليل مقارن لمجموعتي الاعتبارات الآنفة الذكر: الشروط الأساسية لانتشار الشخصية الإسلامية من جهة، والحقوق الأساسية العامة المكتسبة في الغرب من جهة أخرى، يتجلى على الفور أن العديد من الشروط القانونية التي أرسيناها قد لبيت، وأن المسلمين يتمتعون إلى حد كبير بحق العيش كمسلمين في أوروبا وأمريكا الشمالية رغم أن علينا ألا ننسى وجود مسائل مهمة لا بد من التفكير فيها ودراستها بقدر ما تبدو هذه المسائل عقبة في طريق وجود المسلمين في الغرب بصورة إيجابية وكاملة.

    فعلى سبيل المثال، ينبغي ألا نقلل من صعوبة حماية عقيدة حية في بلدان صناعية خاضعة لمنطق الإنتاج والاستهلاك؛ إذ إن للروحانية أهمية كبرى في الإسلام، وإن حيادية الفضاء العام في مجتمعات علمانية تعني غياب التدين (بل تعني الرفض المطلق والصريح له) أو بدائية أيديولوجية الإلحاد التي لا تسمي نفسها باسمها. ليس هذا مجالاً يتنازع المسلمون فيه مع التشريع والقوانين والأنظمة، بل هي مشكلة جوهرية تضرب جذورها في كل مكان. إنها مرتبطة بقضية حيوية للمجتمعات الإسلامية في الغرب: وهي كيف نحافظ على حيوية الحياة الروحية في مجتمع قد أصبح حديثا -بالمعنى العام للكلمة أي مجتمع علماني صناعي- ومن ثم كيف تحرر المعرفة القادرة -وحدها- على إعطاء حرية صادقة، هي الشرط اللازم لممارسة الاختيار؟ تكشف هذه النقطة عن سلسلة أخرى من "الميادين الإشكالية" الأساسية المتعلقة بقضايا التربية والتعليم عامة وبالتربية الإسلامية خاصة في بيئة علمانية، وبقضايا المساهمة الاجتماعية والسياسية، وقضايا الثقافة، وقضايا سنعود أخرى.

    ومع ذلك يجب أن نضيف هنا مشكلة تزداد حدة كل يوم، وهي مشكلة صورة الإسلام التي تظهرها الأحداث التي تجري على المسرح العالمي. إن ما ينجم من انهيار بسبب الأوضاع السياسية والمصالح النشيطة في البلدان الإسلامية، وأحيانا بسبب تلاعب الحكومات، يشكل نظرة سلبية جدا إلى المسلمين في الغرب، ويثير مدى كاملا من التحاملات والأفكار السلبية المسبقة عن الإسلام والمسلمين. فكانت النتيجة أن القوانين التي تنص على حماية حقوق المسلمين أصبحت تقرأ وتفسر بتحيز بسبب جو الشك هذا، وبالتالي غدا التسويغ الرسمي والقانوني لتصرفات معينة يتصف بالتمييز بصورة واضحة. ومن الغباء التغافل عن هذه الحقيقة لمجرد أنه لا يمكن قياسها أو تحديدها قانونيا على الفور. والواقع أنها تشكل تجربة يومية يعانيها آلاف المسلمين في الغرب، تواجههم بها رؤية وهمية لدى محاوريهم والمتحدثين معهم أكثر مما يجدون أنفسهم في تصادم مع الدساتير والقوانين. يعد تمثيل الإسلام والمسلمين هذا في أسفل الصعوبات التي تعيشها الجاليات الإسلامية في الوقت الحاضر، وربما يكون هو العامل الرئيس، وتكمن هذه الظاهرة أحيانا وراء حجاب "التنافر القانوني الكلي" المفترض، والذي لا يصمد للتحليل الجدي. إن معالجة مسألة الإسلام التي ينظر إليها وكأنها تهديد على أساس أمني تثير النوع نفسه من الإشكالات.
    ...................يتبع....

    0 Not allowed!



  3. [3]
    مفاعل_نووي
    مفاعل_نووي غير متواجد حالياً
    زائر


    تاريخ التسجيل: Aug 2005
    المشاركات: 442
    Thumbs Up
    Received: 1
    Given: 0
    فقبل الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001 والضجة التي أعقبت ذلك، كان المسلمون يعانون كل يوم من الشك فيهم وممارسة التمييز ضدهم. ولكن الأمور ازدادت سوءًا بعد الحادي عشر من سبتمبر، ويجري التعامل اليوم مع مشكلة "العيش معًا" في مجتمعات الغرب التعددية على صعيد التمثيل أكثر من التعامل معها على صعيد السعي إلى معاملة متساوية فيما يتعلق بممارسة الدين وقوانينه. والمسئولية في ذلك مشتركة.

    بغض النظر عن المشكلات (رغم أنه يجب عدم التقليل من خطورتها) يبدو الغرب مكانا يستطيع المسلمون العيش فيه بأمان يتمتعون بحقوق أساسية معينة وبحماية هذه الحقوق. إذن ما هو الاسم الذي يمكن إطلاقه على هذا الفضاء؟ أي اسم نجده مناسبا للمرجعيات الإسلامية ووضعنا الحالي؟ ليس هناك إجماع على مسألة المطابقة والتعريف والتسمية التي يمكن أن توصف بها "دار الغرب" عموما. ويمكننا هنا التمييز بصورة عامة بين ثلاثة مواقف مختلفة -رغم أنها ليست متناقضة تماما- وهي تعبير عن ثلاثة آراء شرعية بشأن هذه المسألة.

    يرى بعض العلماء أن المفاهيم القديمة لدار الإسلام ودار الحرب لا تزال سارية المفعول، حتى إن لم تلبِّ جميع الشروط ذات الصلة بتلك التسمية تلبية كاملة. ويرى علماء آخرون أن التغييرات الكبيرة والمهمة التي حدثت يجب أن تؤخذ بالحسبان، وأن الشروط التي أشير إليها آنفًا التي توصف بموجبها منطقة ما بأنها دار إسلام أو دار حرب لا تحدث اليوم بالطريقة ذاتها في أمكنة مختلفة. إذ يرون أن هذه العناصر يجب إبرازها عندما تبحث وضعية المسلمين في الغرب. ولكي يعرفوا البلدان الغربية، يستخدمون مفهوم الشافعي "دار العهد" أو "دار الأمن".

    أما المجموعة الثالثة من العلماء فيعتقدون أن هذه المفاهيم لم تعد صالحة: والاستمرار في استمرارها يضطرنا إلى تحاشي قضايا بهذه المفاهيم والواقع الذي نواجهه. ويرى هؤلاء أنه لا بد من التفكير في تسمية جديدة وفية للمصادر الإسلامية، وملائمة في الوقت نفسه لوضعنا الحالي. يقول فيصل المولوي، مثلاً: لسنا في الغرب في دار حرب، بل نحن إما في "دار العهد" أو في "دار الدعوة". وإذا ما أردنا الاحتفاظ بالتصنيف التقليدي للعالم كما ورد في فقهنا وهو "دار الإسلام" و"دار الحرب" نكون في الغرب في دار العهد. أما إذا رأينا التصنيف الفقهي القديم لم يعد قابلاً للتطبيق في وضعنا الحالي -وهذا ما نفضله- نكون بموجب ذلك في الغرب في دار الدعوة، كما كان النبي والمسلمون في مكة قبل الهجرة. إذ لم تكن مكة دار الإسلام أو دار حرب بل كانت دار دعوة. وكانت شبه الجزيرة العربية كلها -في نظر المسلمين حين ذاك- دار دعوة.

    من المهم هنا أن نشير إلى ظاهرة مزدوجة: أولاً، بحث التسميات التقليدية -التي نحيت جانبا تقريبا- واقتراح اسم جديد في ضوء المصدر (الفترة المكية) التي تتطابق أكثر مع واقعنا في نقاط عديدة، إن هذه المقاربة الأخيرة (صياغة تسمية جديدة) في نظرنا وبموجب تحليلنا، تعد أكثر المقاربات صحة وأوثقها صلة بالموضوع. فإذا كان المسكن حيث يقيم المسلمون يوفر لهم الأمن -كما هو الحال بصدق في الغرب- فلا بد من أخذ تلك الحقيقة بالحسبان، وبتجاوز كل التصنيفات الدنيوية العلمانية وغير الكافية، على المسلمين أن يتذكروا دائما، في عصر العولمة "والنظام العالمي الجديد" هذا أنه لا بد من مواجهة هذا العصر وتحمل مسئولياتهم في التمسك بصدق في عقيدتهم المتمثلة في وحدانية الله من جهة، وفي احترام قيم العدالة والتضامن من جهة أخرى، من أجل التصرف المناسب، على المستوى الفردي والمستوى المجتمعي.

    والواقع أن المسلم الذي يعلن، حيثما يكون، الشهادة: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، يعيش في أمان ويقوم بالتزاماته الدينية الأساسية، ويشعر كأنه في موطنه؛ لأن الرسول علمنا أن العالم كله مسجد. وهذا يعني أن المسلمين المقيمين في الغرب: أفرادًا ومجتمعات وجاليات في مختلف البلدان، لا يعيشون هناك فحسب، بل هم يحملون مسئولية هائلة: إذ عليهم أن يقدموا لمجتمعهم شهادة قائمة على العقيدة وعلى روحانياتهم وقيمهم، وأن يدركوا حدودهم ومدى التزامهم الإنساني وانخراطهم الاجتماعي.

    تقلب هذه الرؤية الإدراك القائم على المفاهيم القديمة؛ الأمر الذي أدى حتمًا إلى تشجيع المسلمين على تبني موقف يتسم برد الفعل؛ بوصفهم أقلية، ودفعهم إلى اتخاذ قرار بالتمسك بحقوقهم الدنيا والعمل على الدفاع عنها حتى إن كان هذا الموقف مفهومًا خلال العقود الأولى من وجود المسلمين في الغرب وبين الأجيال الأولى من المهاجرين، فلا بد من تجاوزه الآن. وقد حان الوقت لتحديد مسئوليات المسلمين في الغرب، وينبغي أولاً أن يطلقوا على المكان الذي يقيمون فيه اسم دار الغرب بوحي من هذه الاعتبارات.

    اقترح المولوي مفهوم دار الدعوة بالإشارة إلى الفترة المكية حيث كان المسلمون، رغم أنهم أقلية في مجتمع رفض الوحي (في دار الكفر) يعدون أنفسهم مسئولين عن حمل الشهادة على عقيدتهم أمام شعبهم وقبيلتهم. وبالطريقة نفسها، يمكننا القول في النظام العالمي الجديد الذي يبدو أنه نسي الخالق ويعتمد تقريبا على المنطق الاقتصادي حصرًا، إن المسلمين يواجهون المسئوليات ذاتها، خصوصا في مجتمعات صناعية. ينبغي أن يكونوا إيجابيين وواثقين من أنفسهم، فيذكر الناس من حولهم بالله وبالروحانيات، وعندما يصل الأمر إلى القضايا الاجتماعية عليهم الانخراط في دعم القيم والأخلاقيات والعدالة والتضامن. ويجب ألا يستسلموا لبيئتهم، بل بالعكس، عليهم أن يكونوا مؤثرين فيها إيجابيا حالما يكون وضعهم آمنا.

    دار الشهادة

    ويبدو أنه من الضروري إيضاح هذا المنظور من داخل الغرب؛ لأن مفهوم "الدعوة" رغم حيويته يحمل ظلالاً عديدة من المعاني وتصعب ترجمته. وأعتقد أن علينا دراسة مفهوم "الشهادة" بقدر ما تتخذ شكلين مهمين، مبتدئين بالمقاربة ذاتها المتمثلة في إعادة قراءة المصادر بأسلوب مخلص لمقاصدهم، وكذلك في ضوء عالمية الرسالة الإسلامية وتعاليمها.

    الشكل الأول للشهادة يعود إلى الشهادة التي يجب أن ينطقها المرء أمام الله وأمام الناس كافة ليعلم أنه مسلم ويوطد هويته بها، هذا الشكل هو "أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله". أما الشكل الثاني فهو مرتبط بمسئولية المسلمين وفق أوامر الإسلام وتوصياته وهي "حمل الشهادة بعقيدتهم أمام الناس كافة" {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}.

    إننا نجمع في فكرة الشهادة عناصر جوهرية من العقيدة الإسلامية، وهي تذكر واضح لجوهر هويتنا ولبها عبر الإيمان بوحدانية الله (التوحيد) وبآخر تنزيله على النبي محمد، ووعي سام يمنحنا مسئولية تذكير الآخرين بوجود الله، والسلوك بطريقة تجعل وجودنا بينهم تذكرة بحد ذاتها بالخالق والروحانية والأخلاق.

    ينبغي التعبير عن الوظيفة المزدوجة للشهادة بوضوح في النقاط الست المدرجة أدناه، والتي تشير الثلاث الأولى منها إلى هوية المسلم بالتحديد، وتشير النقاط الثلاث الأخيرة إلى دور المسلم في المجتمع:

    1. يظهر المسلمون إيمانهم ويتبنونه بنطق الشهادة، ويرسون أساسا واضحا لهويتهم؛ فهم مسلمون، يؤمنون بالله ورسله وبالملائكة وبالكتب السماوية، وبالقضاء والقدر، وباليوم الآخر. ويعتقدون أن تعاليم الإسلام تأتي من وحي وأنهم أعضاء في أمة إسلامية.

    2. لا تعد الشهادة مرتبطة بالشعائر والممارسات الدينية، بكونها أول أعمدة الإسلام الخمسة فحسب، بل لن تكون هناك شعائر صحيحة أو ممارسات إسلامية من دونها. ومن مقومات هوية المسلم أداء الصلاة والزكاة، والصوم، والحج. يشار إلى ذلك في القرآن الكريم بالوصف التالي: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}.

    3. ويعني هذا بصورة أوسع أن على المسلمين، أو على الأقل لا بد من السماح لهم بمراعاة أوامر دينهم ونواهيه وتعليماته ومراعاة ما هو شرعي وما هو غير شرعي في الإسلام في أثناء تصرفهم في الحياة. وينبغي ألا يجبروا على السلوك بما يتعارض مع ضميرهم لأن ذلك سيكون "تنكرًا للهوية".

    4. نطق الشهادة يعني التصرف أمام الله فيما يتعلق بخلقه بما يرضيه؛ لأن الإيمان "أمانة". وتقوم العلاقات بين البشر على أساس الاحترام والثقة، والأهم من ذلك: والوفاء بالعهود والمواثيق والاتفاقات التي تعقد فيما بين الناس. والقرآن الكريم واضح في هذه النقطة: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} والمؤمنون هم الذين يوفون بالعهد ويحفظون الأمانة {وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}.

    5. يجب على المسلمين -بوصفهم من البشر- أن يحملوا الدليل على معنى الشهادة أمام الناس. وعليهم أن يعرفوا الإسلام ويشرحوا مضمون عقيدتهم وتعاليم الإسلام عموما. ففي كل نوع من المجتمعات، وبالطبع في البيئة اللاإسلامية، يعدون شهادة على الناس وهذا يتضمن فكرة الدعوة.

    6. ليست هذه الشهادة مجرد لفظ ينطق. فالمؤمنون هم الذين يؤمنون ويتصرفون باستمرار بما يتفق مع إيمانهم. يقول القرآن الكريم مكررًا في مواضيع كثيرة: { الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...} مصرًا على أن للشهادة نتائج حتمية تظهر في سلوك المسلمين بغض النظر عن المجتمع الذي يجدون فيه أنفسهم.

    وحمل الشهادة يعني الانخراط في المجتمع وفي جميع مناحي الحياة فيه، حيث يشعر المرء بالحاجة: البطالة، التهميش، والتقصير، وما إلى ذلك. ويعني كذلك الانخراط في عملية الإصلاح الإيجابي، سواء كان إصلاح مؤسسات أو أنظمة قانونية أو اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، يهدف إلى إقامة مزيد من العدل وإلى مساهمة شعبية حقيقية.. (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ...) لأن العدل هو الإظهار الملموس للشهادة.

    وهكذا نرى، أن مفهوم الشهادة هو أنسب طريقة للتعبير عن مفهوم يوحد هوية المسلمين ومهمتهم في ضوء تعاليم الإسلام. كما يناسب وضعنا الحالي ما دام يتيح للهوية الإسلامية ومسئولية المسلمين أن يعملا مترابطين.

    ومن المناسب كذلك، دراسة صلة الشهادة بالوضع الحالي للعالم والتشكيل الجيوسياسي للكوكب. يبدو من الصعب علينا ونحن نخوض عولمة واسعة النطاق الاستمرار بالرجوع إلى مصطلح "دار" بدلاً من اعتبار العالم كله مُقاما لنا. فعالمنا اليوم مفتوح، شئنا أم أبينا. وهذا هو الحدس الذي بنيت عليه التسمية الأصلية التي اقترحها فيصل المولوي عندما خلص إلى القول: إن العالم كله، في نظري، هو دار دعوة.

    وبالتالي، يبدو مناسبا ألا نترجم مفهوم "دار" بمعناها الضيق، أي حيث يسكن المرء، بل يفضل إعطاؤها معنى "الفضاء" الذي يعبر بوضوح أكثر، ونحن نشير إلى البيئة، عن فكرة كونها مفتوحة للعالم أجمع؛ لأن المسلمين منتشرون الآن في جميع القارات. وكانت هذه الهجرات مهمة جدا، وتبدو برغم قيود الصرامة المفروضة على الهجرة، أن حركة السكان مستمرة حتما: فهناك ملايين المسلمين مستقرون اليوم في الغرب. ومصيرهم مرتبط بالمجتمعات التي يعيشون فيها، ولا يخطر بالبال رسم خط للفصل بين المسلمين وغير المسلمين على أساس اعتبارات الفضاء بتعبيرنا، ومن الصعب التعامل مع قضية علاقات قائمة بين "دارين" منفصلتين. بل هي قضية علاقات بين بشر ينتمون إلى حضارات وأديان وثقافات وأخلاقيات مختلفة ويعرفون أنفسهم بفضلها. وهي مسألة علاقات قائمة بين مواطنين متفاعلين باستمرار فيما بينهم مع إطار اجتماعي وقانوني واقتصادي وسياسي يشكل الفضاء الذي يعيشون فيه ويوجهه. إن عملية التعقيد المتراكبة والمميزة للعولمة، تخلط العوامل التي أتاحت لنا سابقا تعريف "الدور" المختلفة.

    وعلينا أن نوغل أكثر: فالتمثيل الجيوسياسي الثنائي القديم المتمثل بكونين متجاورين قادرين على الوقوف وجها إلى وجه بعضهم أمام بعض باستقرار نسبي، لم يعد يتماثل مع حقيقة الهيمنة ومجالات النفوذ في الحضارة والثقافة والاقتصاد، وبالتالي في السياسة طبعا، وخير ما يعبر عن عملية التغريب التي تعد الوليدة الشرعية للعولمة المتعددة الأبعاد، هو باستخدام مفاهيم "المركز" (أوروبا ومراكزها الأمامية في الجنوب) والمحيط (بقية الكوكب) بدلاً من خطة "دارَين" تعيشان واقع المواجهة (انظر الشكلين التاليين).

    المسلمون المقيمون في الغرب في مركز النظام الذي ينتج أجهزة التغريب وقي صميمه ورأسه. على المسلمين الموجودين في هذا الفضاء النوعي، في المركز، وعلى الموجودين في المحيط بصورة أكثر إلحاحا، أن يحملوا الشهادة، ويجب أن يكونوا شهداء على أنفسهم وعلى القيم التي يحملونها. فالعالم كله أرض شهادة في الواقع، ولكن هناك فضاء، قلعة مشحونة بمسئولية رمزية لا تضاهى، ألا وهي صميم النظام الذي يعيش فيه ملايين المسلمين اليوم بأكمله. ويكتسب مبدأ الشهادة معناه الكامل، المحوري والمشع إلى الخارج، في المركز أكثر من أي مكان آخر. ويمكننا أن نضع مخططا لتطور تمثيل العالم حيث كان منقسمًا إلى (دار إسلام ودار حرب). أما التمثيل الجديد إلى (مركز ومحيط) فيخرجنا من منطقة المواجهة.

    لا يمكن للمسلمين في قلب الغرب، أن يتبنوا مسألة الرجوع إلى الرؤية الثنائية ويبحثوا عن أعداء، بل تغدو المسألة هي البحث عن شركاء ملتزمين مثلهم يختارون من الثقافة الغربية منتجات تعزز الإسهام الإيجابي وتقاوم المنتجات الفرعية المدمرة على الصعيدين الإنساني والبيئي، إضافة إلى العمل على تعزيز التعددية الدينية والثقافية على صعيد عالمي. والواقع أن نضال العديد من المفكرين الأمريكيين والأوروبيين لضمان حق المواطنين والثقافات في العيش هو نضال يلقى الاحترام والتقدير. فيجب على المسلمين في الغرب، أن يكونوا أمام الله ومع الناس كافة شهداء منخرطين في هذه المقاومة من أجل العدالة ومن أجل الناس مهما كان عرقهم أو أصلهم، أو دينهم.

    إن مفهوم الشهادة يحمي المعالم الأساسية للهوية الإسلامية ويصونها في ذاتها وفي المجتمع: إذ تدعو دائما وتذكر بالصلة بالله (الربانية) وتعبر عن واجب المسلم أن يعيش بين الناس ويكون عليهم شهيدًا، قولاً وعملاً، التزامًا برسالة الإسلام أمام الناس كافة. وينبغي أن يحدث ذلك في كل مجتمع لأنه الأساس في علاقتنا مع الآخرين. تحتل البلدان الغربية المسماة "بدار الشهادة" أو "عالم الشهادة" بيئة يعود فيها المسلمون إلى تعاليم الإسلام الأساسية ويدعو إلى التأمل في دورهم: معتبرين أنفسهم شهداء على الناس، وفق التعبير القرآني؛ الأمر الذي يجب أن يقودهم إلى تلافي المواقف الرجعية والمفرطة في الحساسية وإلى أن يترافق سلوكهم في المجتمعات الغربية بعمل حقيقي ودءوب من أجل العدالة. فهذه المقاربة إذا ما أخذ بها من الداخل تجعل من الممكن تعريف البيئة الغربية كمنطقة مسئولية للمسلمين. وهذا هو المعنى الدقيق لمجال الشهادة الذي نقترحه هنا والذي ينهي المنظور القائم حاليا.

    فلو سأل المسلمون أنفسهم على مدى سنوات، فيما إذا كانوا سيُقبلون أو كيف يُقبلون في الغرب، لعهدوا إلى أنفسهم مهمة سامية هي دراسة جادة وتقييم حصيف للبيئة القانونية الغربية في ضوء شروطهم ومرجعيتهم الإسلامية. فإن كانوا مع الله حقا، فإن حياتهم يجب أن تشهد باستمرار انخراطا وتضحية من أجل إقامة العدالة الاجتماعية وتحقيق الرفاه الإنساني، والبيئة السليمة، والتضامن بكل أشكاله.

    يستطيع المسلمون الآن، إذا ما أصبحوا مفرطي الحساسية شرعيا تجاه "دار الحرب" و"دار الكفر" وما يترتب على ذلك المفهوم، أن يدخلوا عالم الشهادة بمعنى التعهد بالقيام بواجب أساسي وحمل مسئولية ملحة – ليسهموا حيث هم في تعزيز الخير والعدل بفضل الأخوة الإنسانية. ويجب أن ينتقل تفكير المسلم، كما أسلفنا، من الحماية وحدها إلى "الإسهام" الصادق، ولا بد لهذا النموذج القائم على المدونات الأصلية، أن يكون عونا على تحقيق هذه المهمة. فالمسلمون مع غيرهم من بني البشر أغنياء في هذا العطاء الأخلاقي. ولسوف يكرس هذا العطاء ثراء مجتمعاتهم.
    .........................................انتهى.

    0 Not allowed!



  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML