الغربيون الذين كتبوا وتابعوا مواقف الأصوليين المتطرفين الثلاثة: "بوش والبابا وبلير" يرون أنهم يمثلون موقفا موحدا مليئا بالحقد والكراهية للإسلام وللمسلمين، وكانت بداية أفكارهم ظاهرة في ميولهم الديني المتعصب للمسيحية، -وقد ناقشته مجلتان شهيرتان "نيوز ويك" الأمريكية و"نيوستاسمان" البريطانية، فيما يتعلق ببلير قبل تسلمه الرئاسة- وكراهيتهم لمن يخرج عنها، وكراهيتهم للعلمانيين عندهم، وهي أزمات دينية داخلية عميقة في بلدانهم، أهم هذه المشكلات أن بلدانهم قطعت شوطا في التسامح العام مع الشعوب والديانات الأخرى.

ونالت شيئا من التسامح، الجالية المسلمة القاطنة في الغرب، وكان حقدهم في البدء موجها للعلمانية الغربية، ولظواهر التسامح مع غير المسيحيين، وكراهيتهم للموجة العلمانية التي أعطت بعضا من الحريات وتعددا في الأديان، وأنتجت مجتمعا خرج عن تزمتهم الديني، وأنجب شبابا من الجنسين منهم من لم يعد مباليا بأي دين أو أسلم، وأنتجت موظفين كبارا في مواقع مهمة لا يعطون الأولوية في حياتهم لمعاداة غير المسيحيين، وزاد من أزمتهم تطرف بعض العلمانيين ولا مبالاتهم تجاه المشكلات الجنسية والشذوذ والإجهاض، وكثير من محظورات الكنيسة.

وقد حُشي هؤلاء الثلاثة بكراهية للمسلمين، كراهية تفوق الوصف، فاستدعى هؤلاء المواقف المسيحية المتطرفة والمعادية للإسلام عبر العصور، وأحيوا القيم المتعصبة التي يسميها بلير "قيمنا" ويطالب بعودتها، وهي التعصب للمسيحية، والحروب الدينية، وعودة الاحتلال للشعوب الأخرى، وسرقة ما يمكن سرقته من ثرواتها، اثنان من هذا الثالوث لم يفكرا فقط في استعادة الحروب الصليبية على المسلمين بل مارسوها، ودعوا لها، وحثوا شعوبهم ومثقفيهم وإعلامهم عليها، وكذبوا ونصبوا، ليحيوا الحروب الصليبية والمواجهات الدامية بين الإسلام والمسيحية.

ونحن لم نخترع هذا الثلاثي المتعصب، بل هو يعلن عن نفسه في كل مناسبة وبلا مناسبة، كما تصرف البابا أخيرا.

ثم يزعم هؤلاء بأن المسلمين متعصبون ومسلحون وإرهابيون، وهم هم الذين يحتفلون كل يوم بمذبحة للمسلمين ويفاخرون بها، وبارتفاع عدد المذبوحين من المسلمين، وكل ذبيح لهم "إرهابي" ولو كان عجوزا منهكا أو طفلا في أيامه الأولى. ومن يتابع الإعلام الأمريكي يرى ويسمع الحفلات اليومية بقتل أعداد كبيرة من المسلمين «الإرهابيين"، فكل مسلم يقتل فهو إرهابي!!

والشبكة الليبرالية الغربية من مفكرين وكتاب وصحف، وجماعات حقوق إنسان، ومؤسسات تراجعت منهزمة مقهورة أمام التعصب والتطرف المسيحي الذي يمثله هذا الثلاثي النكد، وقد كانت أحداث سبتمبر خير هدية وقعت بأيديهم ليستنهضوا شعوبهم على المواجهة الصليبية، وكما يشنون حربا على المسلمين مسلحة مبيدة فهم يقاتلون على جبهتين؛ الأولى داخل بلادهم يتخلصون من خلالها من الإنسانيين والعقلاء والمعتدلين، والعلمانيين بين شعوبهم، ويحاربون ويحاولون قهر الإسلام على أراضيهم، فقد أضعفوا المؤسسات ونشروا الرعب والخوف واليأس في قلوب المسلمين المقيمين في الغرب، والثانية، خارج بلادهم، حيث شرّعوا للمذابح والإبادة، وحددوا الإسلام بأنه عدوهم الذي جعلوه التحدي الأكبر بعد الشيوعية، قبل أحداث سبتمبر.

البابا الهالك -قبل هذا المتعصب الأعمى- كان أهم شخصية بابوية منذ قرون، فقد عمل مع الولايات المتحدة عملا جبارا لتجنيد المسيحية ضد الشيوعية، واستخدمت أمريكا وبريطانيا وبقية الدول الغربية البابوية لحرب الشيوعيين في العالم، ويعتبر نجاح حركة التضامن البولندية من أبرز نماذج الحرب الدينية ضد الشيوعية، وقد اتجه البابا الجديد ليمارس إرهابه الديني ضد المسلمين، يستنهض النصارى في العالم على خصومهم المسلمين، ويستعين بمخلفات الحروب الصليبية من كتب وباباوات وحروب وسياسات، وستمثل الواجهة الدينية والثقافية والعنصرية السياسية لحملات الصليبية التي ينوون تطويرها في بلدان أخرى.

قالوا مرة لستالين إن البابا مستاء من الشيوعيين، فرد بقوله: كم عند البابا من فيالق؟ أي أنه لا جيش لديه، إن الحقيقة غابت عن ستالين، فإن البابا قد أضرّ فيما بعد بالشيوعية، أكثر من جميع الجيوش، وكان من أقوى الذين ساهموا في هدمها، - وحسنا فعل- فلا تستهينوا بهذا البابا، ولا بحربه الجديدة على الإسلام، فهو يحرك الكثير من القلوب والأيدي للكاثوليك في العالم، بل ربما حرك كثير من البروتستانت، كما فعلت المستشارة الألمانية "ميركل" في ألمانيا التي خرجت لنصرة البابا، وهي تمثل الخط الألماني المناصر للثلاني المتعصب. وقد تعين المتطرفين في بلادها لتنضج الأحقاد ضد المسلمين.

الغرب المسيحي اليوم بأشد الحاجة لأن يعلن الحرب ويعلي من صوت الهجاء والشتم والقول بأن المسلمين فاشيون وإرهابيون، ويحملون السلاح لنصرة دينهم، وسوف يستمر هؤلاء ومن على شاكلتهم في الحرب الدينية ضد المسلمين، لأسباب داخلية؛ ليستعيدوا بها التحدي ضد المؤمنين، وليحيوا الأرواح العلمانية الميتة، وليوقفوا المد الإسلامي. وليكسبوا أرضا وثروات، وليستعبدوا شعوبا، وليقتلوا المزيد –بحجة الإرهاب-، وليعيدوهم للقرون الوسطى، للأسف لم يرو ضمأ هؤلاء للدماء قرابة ثلاثمائة ألف من المسلمين قتلوهم بعد أحداث سبتمبر من أفغانستان إلى العراق ولبنان، وحملة الإبادة المنظمة في فلسطين يباركها الثلاثي النكد، الذي يؤيدها ويسلحها، ويهجو ويشوه ويبرر قتل المسلمين فهم إرهابيون دائما.

والنازيون الصهاينة والنصارى دائما يصورون أنفسهم بأنهم رسل حضارة وتقدم، فهذا البابا وصاحباه لا يتحدثون عن تاريخ المذابح والحروب الدينية المخزية عبر مئات السنين التي شنوها قديما، في قارتهم "كحرب المائة عام، وحرب الأربعين عاما، بل يديرون حربا الآن، ويأملون في المزيد منها غدا، ولم يزالوا يقتلون، ثم يسمون جميع ضحاياهم إرهابيين، أو دعاة للإسلام بالسلاح، ويسمون إبادتهم: دعوة للسلام والحرية والديمقراطية!!

إنهم هم فقط لهم حق القتل والإبادة، ويجب أن يقبل المسلمون بالموت وأن يعتبروه حرية وتقدم وتطور وسلاما مسيحيا!!

إنهم يريدون التغطية على جرائمهم بنشر التشويه لسمعة وصورة المسلمين في العالم، وهم بأشد الحاجة لنشر الكراهية والحقد على المسلمين حتى يبرروا إبادتهم، ويبعدوا شعوبهم من جاذبية الإسلام!

هذا البابا نفسه اشتكى من الليبراليين الذين يسيئون للمسيحية بنشر فيلم "شفرة دافنشي"، وأشار إلى أنه لو كانت الإساءة للمسلمين لكان الموقف غير ذلك! إنها أيضا عقدة نقص أمام حمية المسلمين لدينهم، فأراد أن يكسر هذه الحمية، ويشارك في القهر والتشويه، ويحيي ويثير الذين لا يتعصبون للنصرانية!! إنه يريد إعادة الحقد بقوة للمسيحية، وللمسيحيين، ويريد أن يبعث الحمية لدينه وذاته بالتعرض للآخرين.

إنها النازية الدينية المتجددة التي لا نتوقع سواها من هؤلاء المتعصبين، ويبقى على قوى الخير والتسامح في العالم أن تقف في وجه هذا الكذب، وهذا الإرهاب الديني المتجدد، فكرا وممارسة، والنازية التي لا تروى من دماء المسلمين، ولا توفر أرضا ولا عرضا ولا برا ولا بحرا إلا لوّثته، هذه النازية المسيحية، من المهم لعقلاء العالم أن يوقفوها، فهي سفه وحقد ينتج مذابح وشرور لا تنتهي، وتغلف شرورها بكل اسم كاذب وملطف بعيد عن الحقيقة!!

د. محمد الأحمري