العلاقة بين البيت والستائر علاقة مصاهرة ووجود إذ لا يمكن للبيت أن يكون عاريا كما لا يمكن للستائر أن تكون في الفضاء معلقة لوحدها. من هنا ندرك ما لمعنى البيت من دلالة أعمق من كونه مكانا للسكن. فهو العش، الرحم الذي يٌحمى من داخله من خطر العالم الخارجي، خطر الفضاء – الفراغ. وما للستائر من معنى من كونها معلقات على نوافذ وأبواب. فهي الإطار الذي يغلف الروح وهي في هناءتها اليومية.

بدا نقول أن البيوت تستعير من الفضاء جزء من فراغه الكبيرة وتقتطعه لتستوطنه في العش ولكنها تفتح فيه نوافذ وأبواب، لتوصل باطنه بالفضاء الخارجي ولتوصل الفضاء الخارجي به. ثم تأتي الستائر لتوضع على الموصلات بين الاثنين: النوافذ والأبواب لا لتغلقها ولا لتفتحها، بل لتؤشر إلى أن ثمة تكوين ما على الأرض يسكنه الإنسان. فالستائر إذن جدل البيت ،أي جزء من الإنسان في عمله، أو في وجوده. وبما أن للبيت مهما كان شكل بنائه وهندسته هيأة القبو وفيه قطع من الفضاء. فأن الستائر فيه لها لغة درامية بين فضاءين يتصارعان معا في داخل وخارج البيت. ومادة صراعهما الإنسان في يقظته الحالمة –فضاءه الذاتي- وفي نومه القبوي.- فضاء الجسد الداخلي-. ففي المثيولوجيا لا يكون البيت إلا مظلما فهو جزء من تكوين: العالم السفلي، الكهوف ،المغارة ،الأقبية ،المنعزلات والسجون..الخ. لذا ليس فيه نور كما يشير باشلار. وهذا يعني انه كيان رحمي، سري، غائر في الذاتية ومكون لها. له طابع الأنا وهي تبحث عن وجودها بين أنوات أخرى وله بعد ذلك طريقة القول الخاص لأنه يحمل سمات ساكنيه المتميزة عن الآخرين. ففيه تتوالد كل الكائنات الأجنة وتنمو ثم تموت أن كون صغير تكتمل فيه دورة الحياة والطبيعة. وعندما تخرج كائناته للعالم، للنور. تكون على أتم الاستعداد لأن تواجه أضواءه ومشكلاته وقضاياه. لذا فالبيت يولد مظلما على بقعة من أرض الروح الفسيحة فيقتطع في داخله أجزاء من الفضاء ويوطنها فيه. ثم يبدأ محاورته معها. وفي جدلية الداخل - الخارج نكتب قصائد الحياة اليومية التي هي، جدل العلاقة التي تمنحها لنا ستائر من قماش أو ستائر من الكلمات.- تتوازن في الحياة الشعبية كلمة الترحيب أو الرفض بالضيف وطبيعة الستارة المسدلة عندما تفتح للضيف أو تغلق - كل مشاعر وأسباب وجودنا اليومي خلف الستائر تتجسد على هيأة أفعال وممارسات.لها علاقة ما بالخارج.

ولأن البيت مظلم وروحي ورحمي، فقد مارست المدنية عليه عنفها وحداثتها. فجعلته بأضواء ومفروشات وهيأة بصرية دالة على مركز وجاه ومال وقوة. ولكنه في كل مواجهة له مع الذات يستدعي الظلمة والنور الخافت، واللون الهادي، والحياة الهمس، والرحبة المتسعة، والفسحة العلنية للعب، والمستراح المفرغ، والبعد النفسي للقيلولة، والتأمل بجوار موقد الشتاء، والتهنئة الجسدية وهي تستقبل حرارة الجو، والتعود على القبول فيه حتى لو كان صغيراً. من هنا نجد الخارج المضيء، والقوي بشمسه، وأضوائه وعنفه الفضائي، وسلطته الكبيرة، وخيمته السماء. يمارس على البيت عنفا آخرا بجوار عنف المدينة والحداثة . تأتي الستائر لتمنع دخول جزء من هذا العنف الفضائي والمديني، فهي الأخرى لاتحيا ولا تتجدد إلا في المنطقة الرمادية من العلاقة بين فضاء البيت الداخلي والخارج . هي أشبة بالخادمة التي تحفظ أسرار سيدتها، فتجعل من البيت محطة شبه مضيئة للروح كي تعيد بها رحميتها المستباحة.وفي الوقت نفسه على استعداد لأن تفضح كل شيء. ومن هنا أصبحت الستائر جزء من المرأة ومن ثوبها الستر، ومن مادتها الأمومة، ومن لغتها المنغلقة على بيتها، ومن حبها للرحمية والولادة الجديدة، ومن أنها ذات بنية عقلية غير خارجية. العالم بالنسبة لها بيتها بساكنيه المخمليي المشاعر وبأرائكه الدالة على الراحة الدائمة، وفي العادات الشعبية المنسابة. وما انثناءات الستائر وهي مسدلة من الأعلى إلى الأسفل إلا أنثى بثياب أرستقراطية في عرض مسرحي جميل يذكرك بالانوثة والشعرمعاً. من هنا لا توّلد الستائر إلا شعرية فضائية بيتية ببنية أنثوية قادرة على المنح والعطاء والديمومة والولادة، ، وطاردة للموت وللغربة ومحتوية على مناخ يجمع بين الظلمة الخفيفة والإضاءة الخفيفة.

2

البيت كون وسط في عالم متناقض وجبروتي النغمة.- هنا نتحدث عن البيت بمعناه الواسع الشرقي منه والغربي رغم التباين في الوظائف بين الأثنين- تأتي الستائر لتجمل العالم الداخلي، ولتجعله قطعة من بناء روحي جميل بشاعرية ألفة يومية غير مملة لا يتسرب إليها الرفض ولا الممتنع عن الممارسة الحياتية. وفي الوقت نفسه تمنع العالم الخارجي والغرباء من الدخول إلى بيوتنا دون مصاهرة حقيقية. فالستائر جزء من مبدأ القبول والرفض، ومادة مانعة منفتحة ولغة مهفهفة في فضاء مشكتبك العلاقة. وبما إن البيت كما تقول المثيولوجيا قطعة مجتزئة من الكون ترسو على الأرض. ففيه كل ما في الكون من: ضوء وظلمة ،علانية ومجهول. إبهام وإعلان.. والبيت سديم واسع الأرجاء فيه كواكب ونجوم، بعضها يختفي بالموت أو بالسفر، فتبقى أشياؤه ذكريات، وبعضها يظهر متأخرا،فيجلب أشياءه الجديدة. البيت مقبرة وحاضنة فيه تجتمع الأشياء القديمة الموروثة فيحمل متحفية الناس ولغتهم القديمة وغالبا ما تلجا النسوة العجائز إلى الاحتفاظ بصرار قديمة تستوطنها زاويتها الخاصة جامعة لها في بضع كلمات خاصة لا تفتحها إلا بعد أن تسمي بالرحمن عليها إنها موروثها الروحي الخفي الذي يديم لها الاتصال بمن فقدت.، وفيه أيضاً تجتمع الأشياء الجديدة: جديد أعمال الساكنين ورغباتهم.. له من لغة الشتاء: المدفأة والموقد والحطب والستائر ودفئ الفراش، وله من لغة الصيف: المراوح والتبريد ونور الشمس ولعب الأطفال، وله من لغة الربيع اخضرار النفوس ونمو العلاقات، والسفر والمفسحات وهفهفة الثياب. وله من لغة الخريف ظهور الشيب وملامح الكبر والقول المبهم ومخزن يفسد فيه بعض الطعام. وعندما يرسو البيت على تله أو بقعة منخفظة على الأرض يقتطع جزء من الضوء الخارجي لأنه مكون من مكونات الكون، كما يقول باشلار عنه. يمثل هذه العلاقة بضوء داخلي فقط توفره ستائره وتحجبه في الوقت نفسه. فالبيت مثل الكون تماما لا يضاء إلا من داخل