ثلاثة أحداث هزت العالم
2/9/2005

الوقعات الكبرى

زياد سلامة

شاء الله تعالى أن تجتمع في السابع والعشرين من رجب أحداث مفصلية في تاريخ الأمة الإسلامية، فمن جهة كانت علامة على النهضة والتحرر والتقدم، ومن جهة أخرى كانت مؤشراً قوياً على سقوط مدو للأمة الإسلامية. في 27 رجب كانت حادثة الإسراء والمعراج، وفيه كان تحرير الأقصى من الصليبيين، وفيه كان سقوط الدولة العثمانية.

الإسراء والمعراج
شاع عند المسلمين أن حادثة الإسراء والمعراج قد تمت في السابع والعشرين من رجب في حدود السنة العاشرة للبعثة، المهم في الأمر أن المسلمين ودعوتهم كانت تتعرض لخطر شديد، فلم يمض وقت طويل على إنهاء قريش لمقاطعة اقتصادية مؤلمة أنهكت المسلمين ولكنها زادتهم ثباتاً مما جعل قريشاً تفكر في أساليب جديدة لمحاربة الدعوة، إلا أن شدة مواجهة قريش للدعوة حدت من عدد المسلمين الجدد الداخلين في الإسلام، وحدت من تأثير الدعوة الجديدة في المجتمع المكي وتحقيق أهدافها في إحداث انقلاب وثورة تقلب نظام المجتمع رأساً على عقب، وتحرر البشر من كل مظاهر التخلف والظلم، عند تحجر المجتمع أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، برزت الإرادة والتصميم، كثف الرسول عليه السلام من اتصالاته مع ذوي الشأن من زعماء القبائل، فقصد العديد منهم، ولكن سطوة قريش حالت دون استجابة مؤثرة.

تمكن الرسول عليه السلام من تحقيق الهدف الأعلى الذي من شأنه لم شعث المسلمين وإقامة كيان ذي سلطان يمكنهم من الانطلاق في نشر الدعوة وتحكيم شرع الله تعالى، وما هي إلا بضع سنوات حتى حققت الإرادة والعزيمة الهدف الأعلى للرسول عليه السلام، وبعد لقاءات دعوية سياسية بين الرسول عليه السلام وزعماء الأوس والخزرج حتى كانت الهجرة وكان إنشاء الرسول عليه السلام للدولة الإسلامية الأولى في التاريخ، فما قبل الإسراء وبعده انتقلت أحوال المسلمين من الضعف والقلة والجمود، إلى القوة والتأثير والحركة المؤثرة، فما قبل الإسراء كانت أحوال المسلمين في حال، وبعد الحادثة حالٌ آخر.

الفتح الصلاحي للقدس

قبل أن يتمكن صلاح الدين الأيوبي من استعادة القدس من أيدي الصليبيين عام 583هـ /1187م ، كيف كان حال الأمة ؟ لقد سقطت القدس بيد الصليبيين قبل ذلك بواحد وتسعين عاماً، في زمن كان الضعف مستشرياً ينخر جسد الأمة فما بين القرن الرابع ونهاية الخامس الهجري، حيث بدأت الحملات الصليبية، عرفت الخلافة العباسية سلسلة انقلابات داخلية فتعددت الدويلات والولاءات( يذكر المستشرق الإنجليزي هاملتون جب أنه كانت في بلاد الشام ست قوى مميزة ومشتبكة في نزاع، الواحدة منها مع الأخرى، وهي :

1- الفاطميون

2- القبائل العربية المحلية والأمراء العرب المحليون

3- الأمراء التركمان والسلاجقة

4- والأمراء أو القادة العسكريون الأتراك

5- القبائل التركمانية المستقلة

6- الإمارات والعصبيات المحلية(مثل إمارة بني منقذ في شيزر، الموارنة، الدروز، النصيرية، الحشاشين،الحركات الفاطمية)

وتعددت الطوائف والمذاهب السنية والشيعية وتعرض العلماء لملاحقات وتصفيات وكثرة عمليات خروج فئات اجتماعية تبحث عن مصادر عيشها من خلال الإرهاب والاغتصاب، وانفتحت أبواب التعامل مع الخارج والاستقواء به ضد الداخل، وكان أصحاب الدول الكثيرة التي انتشرت في المنطقة يجرون اتصالات مع البيزنطيين الأمر الذي شجع الروم على توجيه حملات على بلاد الشام، واستفادت قوات المعارضة الفوضوية الخارجة على سلطان الخلافة كالقرامطة والحشاشين من هذه الفوضى ومارست عمليات التخريب، فكانت المحصلة فوضى سياسية واجتماعية عامة، لعل أهمها وأخطرها التعامل مع الأعداء.

ويعزو جب سر نجاح الحملة الأولى إلى ضعف الجبهة الداخلية للعالم الإسلامي ويذكر أن الفضل في نجاح الحملة الصليبية الأولى يرجع بمقدار كبير إلى ضعف المعارضة التي واجهتها، وإلى الحالة التي كادت أن تصل إلى شفير الفوضى، في ظل هذا الوضع المأساوي المهين وتقدم الصليبيين وارتكابهم مجازر بشعة قدرت ضحاياها من المسلمين بسبعين ألف ضحية في القدس وحدها غداة سقوطها عام 492هـ/1099م واضطر المسلمون لدفع(الجزية) للصليبيين، برزت قوى إسلامية فكرت في المواجهة أهمها دولة بني زنكي بقيادة نورالدين محمود زنكي، وما يهمنا هنا الخطة التي سلكها نور الدين وصلاح الدين، حتى استقامت لهم الأمور وتم تحرير بيت المقدس؟ أخذ صلاح الدين في مصر بإحسان معاملة الناس، أكد صلاح الدين( في مصر) على التنسيق مع نور الدين(في الشام) فأمد نور صلاحاً بالمال والأسلحة، وسار نور على رأس جيش لضرب قلاع الفرنجة، وكانت معركة دمياط 565 هـ أول محاولة عسكرية مشتركة بين قوات نور وصلاح( مصر والشام) وعمل صلاح على استعادة الدولة العباسية هيبتها، وعمل على دعم دور العلماء والفقهاء وقد انعكس توطيد هيبة الدولة على تحسن الموقع في المواجهات الداخلية وعلى أطراف الدولة. ولعل أهم عمل قام به نور الدين وأكمله صلاح الدين هو العمل على توحيد الأقاليم الدويلات وأهمها توحيد الشام ومصر وربطها بمركز الدولة في بغداد، وحرر صلاح الدين مصر من الحكم الباطني الفاطمي، مما ساهم في توحيد مشاعر وأهداف الأمة، وقد عمل صلاح الدين على ضم الدول بالقوة في وحدة واحدة، ومن الأمور المهمة أيضاً أن صلاح الدين لم يدخل في مواجهات كبيرة وحاسمة مع الفرنجة إلا بعد أن أخضع قواته لإعداد وتنظيم ودراسة ومراقبة وتفحص مواقع القوة والضعف في صفوفه وصفوف الأعداء، واستمرت فترة الإعداد هذه تسع عشرة سنة منذ أن تولى صلاح الدين الحكم في مصر 564هـ إلى أول مهاجمة جدية في حطين 583هـ( تخللها مواجهات محدودة مع الفرنجة، وعمليات توحيد دويلات المسلمين الكثيرة، وتعزيز الروح المعنوية للجند والعامة) كل هذه العوامل ساعدت صلاح الدين في التغلب على كل مظاهر الفوضى والاضطراب ومن ثم تحقيق النصر المؤزر في حطين ومن ثم فتح القدس والصلاة في المسجد الأقصى وتطهيره مما أفسده الصليبيون في 27/رجب/583هـ -تشرين الأول1187م.

سقوط الدولة العثمانية

أسس عثمان أورخان دولة صغيرة عام 1299م استطاعت خلال مدة قصيرة أن تمد حدودها داخل أوروبا فقد وصلت غارات بايزيد الأول ألمانيا وتم فتح بلغاريا والبلقان وغيرهما واستطاعت الجيوش العثمانية صد حملة صليبية شرسة عام 1396م وشهدت الفترة الأولى من حكم العثمانيين عشرة سلاطين أقوياء كان آخرهم سليمان القانوني (1520- 1566) ومثلت هذه الفترة حقبة الصعود والازدهار العثماني ففي عهد محمد الفاتح تم فتح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية، وفي عهد القانوني أصبحت الدولة هي الأقوى بحراً في المتوسط الأشد ازدهاراً، ،وتجمع المصادر الأوروبية على تفوق العسكرية العثمانية بالمقارنة مع مثيلاتها الأوروبية: نظاماً وتسليحاً وحشداً حتى عهد القانوني، ووصل الأمر أن تطلب فرنسا مساعدة من العثمانيين، فقد كتب هنري الثاني إلى سليمان القانوني " لم يبق لدى فرنسا أي أمل بالمساعدة من أي مكان آخر عدا حضرة سلطان العالم، حيث إن حضرة سلطان العالم قد قدم من قبل مساعدات لمرات عديدة، إن فرنسا ستكون ممتنة إلى الأبد لو سوعدت بمقدار من النقود والبضاعة، وبخاصة أن هذه المساعدة تعتبر لا شيء بالنسبة لسلطان العالم" بل إن القائد العثماني بربروسا وأثناء إقامته مع اسطوله في ميناء طولون الفرنسي اشترط ألا يسمع طوال فترة إقامته أصوات أجراس الكنائس.

لا نريد الحديث عن عظمة وقوة الدولة العثمانية ولكننا نريد أن نرى أسباب سقوط هذه الدولة بعد هذه العظمة، بعد سليمان القانوني جاء سلاطين وخلفاء ضعاف لم يستطيعوا قيادة الدولة الكبيرة بحنكة وقوة الفاتح أو القانوني، فسليم الثاني ابن القانوني عُرف بالسكير لسوء أخلاقه وانشغاله بالملذات، وهذا السوء سار عليه الكثير من السلاطين العثمانيين فيما يعد حتى إذا جاء السلطان عبد الحميد وجد الأمر في غاية السوء فعجز عن الإصلاح، وما هي إلا بضع سنوات على خلعه عام 1909 حتى سقطت الدولة نهائياً، لقد عانت الدولة من خطر الصفويين والانقسام الشيعي السني، وحاربت البرتغاليين على أطراف الجزيرة العربية ومناطق أخرى وكان عليها رد الهجمات الصليبية والرومانيين، والروس وأثارت الدول العدوة لها دول البلقان عليها، وأدخلتها في حروب كثيرة مما قلب الأمر فصارت هذه الدولة العظيمة رجلاً مريضاً يتحين أعداؤه الفرصة لنزع أجهزة الإنعاش عنه، أضف إلى العوامل السابقة الفساد المالي والإداري والاجتماعي، وظهور حركات وأفكار التغريب والتدخلات الأجنبية، وأهم من هذا وقوف المسلمين متفرجين على التقدم العلمي والعسكري الغربي مكتفين بتمجيد الماضي، كل ذلك عجل في أن يعلن مصطفى كمال أتاتورك ومن خلال الجمعية الوطنية إلغاء نظام الخلافة الإسلامية، وقيام الجمهورية التركية.

خلاصة

هذه ثلاثة أحداث هزت العالم، فالرسول عليه السلام بدأ دعوته من الصفر وتحت العزيمة والمجاهدة أنشأ الدولة الإسلامية، وعندما ابتعد المسلمون عن مبادئ الدعوة الإسلامية، ولما ذكرنا من ظروف، تسلل الصليبيون، وعندما أفرغ صلاح الدين أسباب الهزيمة وتدارك نقاط الضعف، حرر القدس وأتم المسلمون من بعده طرد الأعداء، وعظمة وقوة العثمانيين لم تمنعهم من الهزيمة والسقوط عندما لم يتعلموا من درس إقامة الرسول عليه السلام دولته ولا من درس الأيوبي كيف استقام له الأمر فكان السقوط الذي يئن تحت وطأته كل المسلمين، فما أشبه اليوم بالبارحة، فهل أدركنا أين نحن الآن، وكيف علينا أن نقف على أقدامنا ثانية.

كاتب اردني