دورات هندسية

 

 

الفصل والوصل/قصة قصيرة/سعيد سالم

النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. [1]
    said salem
    said salem غير متواجد حالياً

    جديد

    تاريخ التسجيل: Apr 2006
    المشاركات: 2
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0

    الفصل والوصل/قصة قصيرة/سعيد سالم




    الفصل والوصل


    قصة قصيرة..سعيد سالم

    لم أكن أعرف إلى عهد قريب كم عدد البحيرات عندنا، وأين تقع على خريطة البلاد، كما لم أكن أعرف أن مياهها عذبة تنبع طبيعيا من الأرض وتصب فى البحر. أما أهم ما كنت ومازلت أجهله حقا فهو ذلك السر الإلهى السابح فى المنطقة التى تصل وتفصل فى الوقت ذاته ما بين البحر والبحيره، أو كما يقولون : ما بين المالح والحلو.
    من هنا انتابتنى رغبة جارفة فى التعرف على هذه المعلومة الجغرافية الطبيعية، بدأت بالقراءة وانتهت بذهابى إلى أقرب بحيرة لمدينتى وهى بحيرة "إدكو".
    عند المنطقة التى يمتزج فيها النهر بالبحر والتى يسميها الصيادون بـ "البوغاز" التقيت بصياد عجوز قرأت فى معالم وجهه الاستعداد الواضح لتحمل الحديث معى، بينما كان يطرح شبكته فى الماء ممسكاً ببدايتها وقد تجسدت على تضاريس وجهه وخطوطه الغليظة المتشابكة كل معانى الرضا والصبر بعد طول جدل مع متناقضات الحياة.
    لم أبذل جهداً يذكر فى اقتحام عالمه البسيط الهادئ، ففى غضون دقائق قليلة كنا نتحدث كما يتحدث الأصدقاء. قال والسيجارة مدلاة من فمه وقد بلل رذاذ الموج جزءا كبيرا منها:
    - فى هذه المنطقة يعيش سمك الحلو مع سمك المالح.
    تناثرت حبات المياه على وجهينا بعد ارتطام موجة بالصخرة التى نجلس عليها، وشردت قليلاً حين تذكرت ما كنا ندرسه فى علم المعادن عن الطبقة الفاصلة بين المعدن وطلائه والواصلة بينهما أيضا والمسماة بالإنجليزية The Transition Layer.
    لم أعاود انتباهى إليه إلا حين سمعته يقول فى وقار شديد:
    - مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان. صدق الله العظيم
    فقلت بانبهار تلقائى شديد:
    - سبحان الله.
    تجسدت العلاقة بين الماء والشمس والهواء والشبكة والسمك والرزق والحظ والحياة والموت جميعا على الكرمشات الجميلة تحت عينيه بتجاعيدها المتداخلة فى شكل هندسى بديع.
    عاودنى الشرود حين انتقلت من عالم البحار إلى عالم المعادن إلى عالم الوجوه البشرية التى تفنن الخالق فى إبداعها على أكمل وجه، ولأول مرة أنتبه إلى مغزى نظراتها التى اتضح لى الآن فقط وأنا أنظر إلى وجه الصياد العجوز أنها لا تختلف فى جوهرها عن طبيعة المسافة الواصلة بين العذب والمالح، أو بين المعدن وطلائه الزجاجى.. تلك الطبقة التى تشتمل عناصرها المكونة لها على نسب لابد أن تتوازن فيها بين خواص المعدن وخواص الطلاء كيمائيا وطبيعيا وإلا تشقق الطلاء وانفصل عن المعدن وتركه عاريا معرضا للتأكسد والصدأ والتآكل.
    لو لم ألتق بهذا الوجه النحاسى المريح، لما تبين لى كم أنا غرير ساذج يسيل لعابه وتنفتح مغاليق قلبه على مصاريعها حين تمن عليه محبوبته بنظرة هى الوعد والوعيد، مثلما هى المعدن والطلاء. الحلو والمالح.. الحلم والواقع!
    وبحماس يقول لى الصياد:
    - كم من أساتذة جاءوا وحللوا المياه هنا فعادوا مبهورين بالسر الإلهى.
    - كيف؟
    - المسافة لا تتجاوز أمتار قليلة يسبقها مباشرة ملح ويليها مباشرة عذب، وأما التركيز فلا يتغير أبداً.. هنا أو هناك!
    تماما كالمسافة بين وجهها وقناعها.. تلك المسافة التى كانت خافية عن عينى وقلبى فلم أحسب لوجودها حسابا، لأن المسافة بين نواياى وأقوالى لا تتجاوز الصفر قيد أنملة .. تماما مثل هذا الصياد.
    تقول لى هامسة فى دلال يمتزج بالحياء:
    - أحبك . أحبك.
    وتصب على وجهى نظراتها الواصلة الفاصلة فينساب من فمى نهر من حلو الكلام.. "قد ظمئنا فكان ريقك وردا .. وثملنا فكان خدك وردا .. جمع الله شملنا فوددنا .. أن بين الصباح والليل سدا .. أحبك يا غزالى يا قطتى ياوردتى ياعصفورتى.. أحبك".
    البحر ثائر أمامى أما البحيرة فهادئة .. والسر قابع فى المسافة المائجة بينهما.. تستمع إلى غزلى فى نشوة وشبق. ويختفى السر فى المسافة. يذوب الأبيض فى الأسود. يا إلهى. كلما أمعنت النظر فى وجه الصياد تنهال على الرؤى وتسقط الحجب ويتوالى الكشف .. انها تستمتع حتى النخاع بذوبانى فى مسافتها الرمادية بين الملح الأجاج الفاصل والعذب الفرات الواصل .. تتفنن فى الحرص والحذر والريبة والتوجس. تدرك جيدا أنها لا تستطيع السيطرة والقيادة والتحكم إلا من منطقة البرزخ. لو أنها أقدمت أو تراجعت شبراً واحدا لأحبتنى مثلما أحبها وأطلقت قلبها من إسار عقلها الفولاذى، لكنها لا تريد .. رغم أنها تعلم علم اليقين أننى لا أعرف كيف أعيش بلا طمأنينة تمتزج فيها الحقيقة بالحلم فينصهران بلا مسافة. يتوحدان تماماً.
    قال الصياد فى سكينة رائعة وهو يسحب الشبكة وقد امتلأت بالأسماك من القبيلتين مثلما امتلأ وجهه بفرحة هادئة:
    - لا تتحرك من جانبى حتى الطرحة الأخيرة
    أسعدنى أنه متفائل بوجودى فأومأت برأسى موافقا فى سعادة. قال بلهجة آمرة:
    - ستتعشى معى اليوم إن شاء الله.
    سوف تقول لى فى قلق والخوف يدب فى قلبها:
    -لماذا لا تصدق أننى أحبك مثلما تحبنى؟
    -لأنك لا تدركين كم أحبك .. وكيف أحبك.
    وسوف تدرك بفطرتها أننى وضعت يدى فى قلب البرزخ. قلبت بها مياهه وحركتها يمنة ويسرة وصنعت بها دوامات ودفعت بها الماء فى وجه الفراغ وقادنى الصياد إلى منزله. تصاعدت رائحة الشواء فى فضاء المقابر. المسافة بين منزله ومقبرة أبيه لا تتجاوز أمتاراً قليلة تضم بعض البيوت الصغيرة، ولحم السمك شديد البياض شهى المذاق.
    يقول العجوز إنه كثيراً ما يأتى فى الليل ليتحدث مع أبيه حتى أنه يكاد يسمع صوته كلمة بكلمة.. أشعل نرجيلته وبرقت جمرات الفحم بلون أحمر قان يشع بالدفء والحرارة ووهج المؤانسة فى ضوء القمر. قال وهو ينفث سحابة كثيفة من دخان المعسل الذى أحب رائحته:
    -لم أشعر أبداً أنه مات
    -كيف؟
    -هناك وصل بينى وبين برزخه.
    سوف يزداد خوفها من أن تصل يدى إلى عمق أكثر فى المنطقة الرمادية .. أنا اليوم أبصر وأسمع جيداً. صرت أستشف ضباب الفصل فى نظراتها وأسمعه فى نبراتها.
    رائحة الشاى تتخلل سحب الأوهام الوردية .. أوهامى. أوهام الصياد العجوز وكل الذين عشقوا أوهامهم وعاشوا بها سعادة وشقاء دون حرص أو حذر .. المسألة تتلخص فى أنهم يطلقون لأرواحهم العنان على الأرض فى البرزخ. فى فضاء الكون العظيم.
    ويرتشف العجوز الشاى بصوت مسموع .. يستحلب لذته فى أزير حاد يصل إلى مسامعى ممتزجاً بإنذار سرى قاطع بثته روح هائمة من حوله.
    -احترس من وقود النار.
    فأقول لها غاضبا حين ألقاها:
    -أنت لا تعرفين الحب
    وتتساقط دموع رمادية من المسافة الفاصلة الواصلة .. ولن أصدقها من جديد حين تقول:
    -ورحمة أبى أحبك.
    فأسألها بخبث طفولى:
    -هل تشعرين أنه مات؟
    -ماذا تقصد؟
    -هل هناك وصل بينك وبين ……
    ولا أكمل فلا تفهم ويعود بى العجوز إلى البوغاز .. يصافحنى وأتناول منه لفافة السمك ثم يفاجئنى بقوله مودعا:
    -أنت رجل طيب جدا
    وتنتابنى الدهشة فأسأله فى فضول شديد
    -وكيف عرفت؟
    قال بعينين لن أنساهما ما حييت:
    -من نظرتك للمياه لحظة الامتزاج.
    ****

  2. [2]
    بوجراح
    بوجراح غير متواجد حالياً
    عضو متميز جداً
    الصورة الرمزية بوجراح


    تاريخ التسجيل: Apr 2006
    المشاركات: 1,247
    Thumbs Up
    Received: 4
    Given: 0
    جزاك الله خير أخي وبارك الله فيك على هذه القصة الجميله فعلن أتحفتنا بها وارجو من الله ان تواصلنا هنا بالمنتدى ولا يحرمنا منك اللهم آمين أخي أنتظر جديدك أخوك :
    [blink]
    بوجراح
    [/blink]

    0 Not allowed!



  3. [3]
    بوجراح
    بوجراح غير متواجد حالياً
    عضو متميز جداً
    الصورة الرمزية بوجراح


    تاريخ التسجيل: Apr 2006
    المشاركات: 1,247
    Thumbs Up
    Received: 4
    Given: 0

    Exclamation الحمدلله رب العالمين

    ورحمة أبى أحبك.......؟
    :eek: تنبيه أنظرو إلى المرفق !!
    للتنبية
    أظافه لمعلوه في هذا الموضوع؟

    0 Not allowed!


    الملفات المرفقة

  4. [4]
    اميمة كريم
    اميمة كريم غير متواجد حالياً
    عضو فائق التميز
    الصورة الرمزية اميمة كريم


    تاريخ التسجيل: May 2006
    المشاركات: 2,131
    Thumbs Up
    Received: 3
    Given: 0
    جزيت خيرا اخ سيد---ومرحبا بك اخا جديد معنا------------------------------------------------------بس فى حاجة مزنوقة فى لسانى وعاوزة اقولها--كو----كو----كو-----كو(كل ديه قصة قصيرة؟؟؟!!!)

    0 Not allowed!






  5. [5]
    said salem
    said salem غير متواجد حالياً
    جديد


    تاريخ التسجيل: Apr 2006
    المشاركات: 2
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    نعم يا اميمة كل هذه قصة قصيرة والقصة القصيرة يمكن ان تكون اطول من ذلك بكصير لو كنت تتابعين القصص التى تنشر فى الأهرام مثلا أو ضمن المجموعات القصصية للقصاصين كما ان هناك ما يسمى بالقصة القصيرة الطويلة وهى تجمع بين القصة والرواية من حيث الطول وكمية الأحداث التى تدور بها مع جزيل شكرى لاهتمامك بقراءة القصة مع انك لم تقولى ان كانت اعجبتك أم لا..مع تحياتى
    سعيد سالم

    0 Not allowed!



  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML