خلق الرحمن أساسه الرحمة
إذا تفكر الإنسان المؤمن في أول آية في كتاب الله عز و جل و هي (بسم الله الرحمن الرحيم)، فإنه يجد بأن أكثر صفة ألزمها المولى لأسمه هي الرحمة، و نجد بأنه في أول آية يكرر الله لفظ الرحمة مرتين (الرحمن الرحيم). و لمعرفة الحكمة من هذا الأمر علينا أن نتفكر في الآية السابعة من سورة غافر و هي
(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).
حيث نجد بأن الملائكة يصفوا الله بأنه وسع كل شيء رحمة و علما، و نلاحظ بأنه في هذا الوصف قدمت كلمة الرحمة على العلم و هذا يفيد بأن رحمة الله سبقت علمه. وهذا يعني بأن المولى إذا أراد أن يخلق أي شيء فإن متطلبات الرحمة هي مواصفات هذا الخلق. فخلق الرحمن عبارة عن تصميم هندسي مبني على مواصفات الرحمة، و تبين الأمثلة التالي ذكرها كيف أن خلق الله مبين على الرحمة و لماذا وصف الله نفسه بالرحمن الرحيم.
رحمة الله عز و جل في خلق جسم الإنسان:
عندما أراد الله عز و جل خلق الهيكل العظمي في جسم آدم عليه السلام فإن الرحمة تطلبت بأن يكون هذا المنشأ الذي يحمل وزن أعضاء الجسم خفيف الوزن لتقليل الجهد اللازم بذلة لرفع إطراف الجسم و تقليل الجهد المبذول في الحركة. فيأتي علم الله عز و جل ليجعل هذه المواصفات خلق مادي، فنجد أن الله عز و جل خلق العظم البشري من مادة فخارية كما يصف ذلك المولى في آية 14 من سورة الرحمن (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ). فاختيار الله للمادة الفخارية هو لأن الرحمة تطلبت ذلك و لأن المادة الفخارية تتميز بأنها خفيفة الوزن و قاسية في ذات الوقت مما يضمن خفة في الوزن و سهولة في الحركة.
ومثال آخر على رحمة المولى في جسم الإنسان تكمن في خلق الله عز و جل للمفاصل و هذه آية يراها كل إنسان كل يوم أمام عينيه، حيث أن الرحمة تطلبت في خلق المفاصل أن لا يحدث شد كبير للجلد عند انثناء المفصل لكي لا يحدث هناك ألم عند الحركة من الشد الناتج في الجلد عند المفصل. فيأتي علم المولى لإظهار هذه الرحمة في خلق تعرجات في الجلد المحيط بالمفصل و هذه التعرجات تزيد من كمية الجلد عند المفاصل و بالتالي عند انثناء المفصل فإنه لا يحدث شد كبير في الجلد في تلك المنطقة لأن هناك كمية إضافية في الجلد هناك و بالتالي لا يوجد الم عند الحركة و انثناء المفصل.
نلاحظ كيف أن الله عز وجل إذا أراد أن يخلق أي شيء فإن متطلبات الرحمة تكون بمثابة المواصفات الهندسية للخلق وبناءاً على هذه المتطلبات يخلق الله عز وجل المخلوق. تصديقاً لوصف الملائكة لله عز وجل (وسعت كل شيء رحمة وعلماً).
رحمة الله عز و جل في خلق النحل:
عندما أراد المولى خلق النحل فإن الرحمة تطلبت أن تبذل النحلة أقل جهد ممكن في بناء بيتها، فيأتي علم الله عز و جل ليجعل هذه المواصفة خلقا في أن المولى أوحى للنحل بناء جدر بيتها بترتيب سداسي و الذي يضمن تغطية اكبر حجم بأقل كمية من مادة الشمع و بالتالي بذل أقل جهد من النحلة في جمع الطعام لتصنيع الشمع اللازم لإتمام صنع بيتها.
رحمة الله عز و جل في خلق الأسماك و الطيور:
تتطلب الرحمة في خلق الأسماك و الطيور بأن يبذل هذا المخلوق أقل جهد في الحركة في الماء أو الهواء، فيأتي علم الله لإظهار متطلب الرحمة هذا في خلقه لمقدمة أجسام الأسماك و الطيور بشكل محدب و مدبب مما يضمن تمزيق نسيج الماء و الهواء المكون من ذراتهما بأقل جهد ممكن من عضلات السمكة و الطير (مثل قطع السكين لنسيج قماش).
جعل الله عز وجل الجزء الأمامي من أجسام الطيور محدب وفي بعض الأحيان مدبب (أي مساحة تماس صغيرة مع الهواء).
كما هو موضح في الصورة المبينة، هذا من شأنه أن يمزق نسيج ذرات الهواء(الرتق) بسهولة كبيرة مقارنة فيما إذا كانت مساحة التماس كبيرة وبالتالي جهد أقل من عضلات الطير للحركة في الهواء.
خلق الله عز وجل شعر على السطح الخارجي للطيور. وهذا الشعر يؤدي إلى إثارة الهواء المحيط بسطح الطير مما يؤدي إلى عدم السماح لذرات الهواء بتكوين طبقات على سطح الطير وبالتالي تقليل ممانعة الهواء لمرور الطيور خلاله.
رحمة الله عز و جل في خلق الفراش:
تتطلب الرحمة في خلق الله عز و جل للفراش أن تستطيع الفراشة الطيران بأقل جهد ممكن من عضلاتها، فيأتي علم المولى لإظهار هذه الرحمة في أنه خلق أجنحة الفراش بحيث أن لها مساحة تماس كبيرة مع الهواء و بالتالي فإن حركة قليلة لجناح الفراشة يولد قوة رفع كبيرة للفراشة و بالتالي لا تتعب الفراشة في حركتها.
تتطلب الرحمة في خلق الفراش أن تبذل الفراشة أقل جهد ممكن من عضلاتها في الطيران يأتي علم الله عز وجل لإظهار هذه الرحمة في أنه خلق أجنحة الفراشة على الهيئة المبينة في صورة
رحمة الله عز و جل في خلق النبات:
عندما أراد المولى خلق النبات فإن الرحمة تطلبت أنه عند تعرض النبتة لرياح شديدة فيجب أن لا تتعرض أغصانها لانثناءات كبيرة لكي لا تتعرض للكسر. فيأتي علم المولى لإظهار متطلب الرحمة هذا في خلقة لآلية في جسم النبتة بحيث أن هذه الآلية تزيد المساحة العرضية و كمية الخشب في النبتة عند تعرضها لاهتزازات كبيرة من أثر الرياح الشديدة. تؤدي هذه الزيادة في كمية الخشب إلى زيادة قوة و قساوة أغصان النبتة و بالتالي تقليل الانثناءات الناتجة في أغصانها و بالتالي إزالة خطر حدوث الكسور في جسم النبتة.
رحمة الله عز و جل بالناس:
تبين الأمثلة السابق ذكرها إن شاء الله تعالى كيف أن خلق الله مبين على أسس الرحمة و تبين الحكمة من أن المولى ألزم صفة الرحمة إلى اسمه، و أنه يريد الرحمة و الهداية للناس أجمعين و يبين لهم هذه الآيات لكي يلين قلبهم إلى الله و إلى رسالته المحتواة في القرآن الكريم و أوامره المبنية على الرحمة.
فيجب على الإنسان المؤمنأن يبين هذه الرحمة للناس أجمعين
لكي يعودوا إلى الله
و يدركوا حب الله عز و جل لهم
و كيف أنه صمم أجسامهم على أسس الرحمة
و نلاحظ جمال وصف الملائكة لله بأنه وسع كل شيء رحمة و علما.
تعتبر آية (خلق الرحمن أساسه الرحمة) آية عظيمة من الحق يراها كل إنسان أمام عينيه كل يوم و يستطيع أن يفهمها أي إنسان بغض النظر عن لغته و ثقافته.
بقلم الدكتور زيد غزّاوي
أستاذ الهندسة الطبية في الجامعة الهاشمية
سبحان الله
اللهم ارحمنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك