كلّ أنواع الصبر صعبة السبيل، ومرّة المذاق. ولكنّ أشدّها صعوبة، وأكثرها مرارة، الصبر الجميل، الصبر المتوازن الهادئ.الصبر الذي تتحمّل معه الألم وأنت تبتسم، وتتحمّل معه الجراح وأنت منفرج الأسارير، مضاء القسَمات.

أنينُك نشيد، وتأوّهك غناء، ودمعك ندى، وبكاؤك سرّ عميق من أسرار نفسك.

تتحمّل معه صروف الأيّام وهزّات القدر وأنت شامخ الرأس، كأنّ الأيّام مقبلة عليك، حيويّ الحركة، كأنّ القدر معك.

وتتحمّل معه إساءات الاخرين، بأفعالهم أو حركاتهم أو كلماتهم، كأنّهم يُحسنون إليك ولا يُسيئون إلا لأنفسهم، أو كأنّ ذلك لا يعنيك، فلا يغيّر من اتجاهك، ولا يُحيدُك عن هدفك، ولا يخفِّضُ من النور في دربك، ولا من اليقين الذي يحدوك، ولا من الحقّ الذي يدفعُك.

وتتحمّل من ادّعاءات الواهمين وتخرّصات المتبجّحين، فلا تصغي إليهم إلا كمن يُصغي لمن يروي أضغاث أحلامه، ولا تلتفت إليهم إلا كمن يلتفت إلى صغارٍ يَرسُمون على الرمال، أو يخطّون في الهواء.. لأنّ الأوهام لا تبقى، والخيالات لا تستمرّ، والحقيقة راسخة رسوخَ الجبال، وواضحة وضوح النور في الشمس.

وإذا كان الصبر صبراً على ما تحبّ، وصبراً على ما تكره، فإنّ الصبر الجميل كذلك، فتتحمّل دفقة الحياة مع الصحّة والعافية، فلا تحرّك يدك فيما يُؤذي، ولا تخطو بقدمك فيما يضرّ؛ بل تكون كلُّك زرعاً يانعاً في حقول الناس، ونهراً دافقاً يروي العطاشى ويسقي الظامئين.

وتتحمّل إقبال الدنيا عليك، فلا يزيدك ذلك إلا التصاقاً بمن أدبَرَت عنهم، أو أناخت بهم، فلا تسبك ما هو أعزّ قيمة، ولا تُفقدك ما هو أكثر تعبيراً عن ذاتك، ودلالة على إنسانيّتك.

وأن تصبر على إحسان الاخرين، بأفعالهم أو حركاتهم أو كلماتهم، فتضعهم في موضع ملائم، لا يضرّ بإحسانهم.

وأن تصبر عند تواضع الاخرين، فترفعهم في نفسك، وتجلّهم في نظرك، فتتواضع إليهم، وتقترب منهم، وتشير إلى أعيانهم، وتُرشد إلى أمثالهم.

فالصبر الجميل زينة الغنيّ والفقير، الشابع والجائع، القويّ والضعيف، الفرح والحزين، السليم والسقيم... بل هو زينة الجميع.

وهو قيثارةٌ، كلٌّ يعزف عليها ألحانه، ويستمد منها أنغامه، ليصوغ أغانيه لهدأة الليل، ويُطلق أناشيده لصيحة النهار..........