--------------------------------------------------------------------------------

بنيت حقوق المرأة في القرآن الكريم على أعدل أساس يتقرر به إنصاف صاحب الحق،و إنصاف سائر الناس معه،و هو اساس المساواة بين الحقوق و الواجبات000

فالمساواة ليست بعدل إذا قضت بمساواة الناس في الحقوق على تفاوت واجباتهم و كفايتهم و أعمالهم.

و ليس من العدل أن يتساوى الرجال و النساء في جميع الاعتبارات، مع التفاوت بينهم في أهم الخصائص التي تناط بها الحقوق و الواجبات000 و بين الرجال و النساء ذلك التفاوت الثابت في الأخلاق الاجتماعية و في الاخلاق الفطرية و في مطالب الأسرة و لا سيما مطالب الأمومة و تدبير الحياة المنزلية0000

فمن الثابت أن المرأة لم تستقل في حياة النوع كله بالقوامة على الأخلاق الاجتماعية، و لم يكن لها العمل الأول قط في إنشاء قيم العرف و الآداب العامة و لم يكن خلقها مستمداً من الغريزة، فهو في الجانب الاجتماعي منه خاضغ لقوامة الرجل و إشرافه فيما هو أقرب الأمور بها،و ألصقها بتكوينها،و أبرزها بالنسبة إليها خلق الحياء،و خلق الحنان، و خلق النظافة التي تشمل الزينة بأنواعها.

و من الثابت كذلك أن الأخلاق الفطرية في المرأة عرضة للتناقض الذي لا مناص منه بين مطالب الأنوثة و مطالب الكائن الحي في البيئة الاجتماعية فلا مناص من التناقض بين شعور الأنثى التي تحس أكبر السعادة في الاستكانة إلى الرجل الذي تنضوي إليه لما تأنسه فيه من القوة و الغلبة،و بين شعور الفرد الذي يبلغ تمامه بالاستقلال عن كل فرد يفتئت على حدوده الشخصية، و لا مناص من التناقض بين فرح الام بتمام أنوثتها ساعة الولادة و بين فزع الكائن الحي من الخطر على حياته،و يقرب منه التناقض بين اكتفاء وظيفة النوع عند حصول الحمل و بين عبث الشهوة الجسدية لغير ضرورة نوعية، و لن يذهب هذا التناقض المتغلغل في أعماق البنية بغير أثره المحتوم في استقلال الخلق،و شعور الجد و الصدق و الصراحة.

و إذا صرفنا النظر عن التفاوت المستكن في الطباع، و تخيلنا لغر حجة معقولة أنه لا يمنع التسوية بين الجنسين في الكفايات و الواجبات،فالتفاوت بعد ذلك مسألة من مسائل الوقت و توزيع العمل بين كل منهما بما يقتضيه وقته المملوك له لأداء عمله،فليس لدى "المرأة وقت يتسع لما يتسع له وقت الرجل من المطالب العامة،مع اشتغالها بمطالب الحمل و الرضاع و الحضانة و تدبير الحياة المنزلية.

و نظام الأسرة يسلتزم تقرير الرئاسة عليها لواحد من الاثنين: الزوج أو الزوجة و لا يغني عن هذه الرئاسة و لا عن تكليفها أن نسمي الزواج شركة بين شريكين متساويين و توفيقاً بين حصتين متعادلتين فإن الشركة لا تستغني عمن يتخصص لولايتها و يسأل عن قيامها، و ينوب عنها في جميع الأوقات إذ هي عاجزة عنها على الأقل في بعض الأوقات، غير قادرة على استئنافها حين تشاء0000

هذه الفوراق بين الجنسين تدخل في حساب الشريعة لا محالة عند تقرير الحقوق و الواجبات بينهما و تأبى كل مساواة لا تقوم على أساس المساواة بين الحق و الواجب و بين العمل و الكفاية.

و هذه هي المساواة التي شرعها القرآن الكريم بين الرجل و المرأة أو بين الزوج أو الزوجة أو بين الذكر و الأنثى و لا صلاح لمجتمع يفوته العدل في هذه المساواة و لا سيما المجتمع الذي يدين بتكافؤ الفرص و يجعل المساواة في الفرصة مناطاً للإنصاف0000

للمرأة مثل ما للرجل و عليها ما عليه00000 قال تعالى:"و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء و لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله و اليوم الآخر و بعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أردوا إصلاحاً و لهن مثل الذي عليهن بالمعروف و للرجال عليهن درجة و الله عزيز حكيم" (سورة البقرة "آية 228").

و لكل منهما قوة عاملة في دنياه،يطلب منه عمله و يحق له جزاؤه:

قال تعالى:"فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا و أخرجوا من دارهم و أوذوا في سبيلي و قاتلوا و قتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم و لآدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله و الله عند حسن الثواب" (سورة آل عمرن "آية 195").

و لكل منهما سعيه و كسبه:

قال تعالى:"و لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا و للنساء نصيب مما اكتسبن و اسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليماً" (سورة النساء"آية 32").

و لا يختلفون في نصيب مقدور بغير التكاليف التي تفرض على الرجل وحده، فللذكر من الأبناء مثل حظ الأنثيين في الميراث:

قال تعالى:"يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك و إن كانت واحدة فلها النصف و لأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لك يكن له ولد و ورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم و أبنائكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً فريضة من الله إن الله كان عليماً حكيماً"(سورة النساء "آية 11").

و كذلك نصيب الأخوة من رجال و نساء. و مسوغ هذا التفاوت مسئول عن نفقة أخته، و أن الأبن يعول من لا عائل لها من اهله،و ان رب البيت عامة هو الزوج او الأب أو الرشيد من الأبناء و الأخوة و من إليهم،و تقرير وجوب السعي على الرجل أولى و أصلح من تقريره على المرأة التي يظلمها من يساويها به في واجبات السعي على المعاش، مع نهوضها بواجب الأمومة و الحضانة و تدبير المعيشة المنزلية.

و يتفاوت الرجل و المرأة في غير الميراث في بعض مسائل الحقوق التي تتصل بالسعي و المعاش،و منها مسألة الشهادة على الديون و المواثيق:

قال تعالى:"با أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه و ليكتب بينكم كاتب بالعدل و لا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب و ليملل الذي عليه الحق و ليتق الله ربه و لا يبخس منه شيئاً فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً فإن لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى و لا يأب الشهداء إذا ما دعوا و لا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ذلك أقسط عند الله و أقوم للشهادة و أدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها و أشهدوا إذا تبايعتم و لا يضار كاتب و لا شهيد و إن تفعلوا فإنه فسوق بكم و اتقوا الله و يعلمكم الله و الله بكل شئ عليم"(سورة البقرة "آية 282").

و الشهادة في جميع الأحوال-كما نص عليها القرآن الكريم- عمل يعالج فيه الشاهد أن يتغلب على دخائل الحب و البغض و يتجنب الميل مع هواه:
قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا و إن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً" (سورة النساء"آية 135").

و قال أيضاً:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى و اتقوا الله إن الله خبير بما تعملون"(سورة المائدة "آية 8").

و القضية في الشهادة هي قضية العدل و حماية الحق و المصلحة، و لها شروطها التي يلاحظ فيها المبدأ و ضمان الحيطة على أساسه السليم، و المبدأ هنا- كما ينبغي أن تتحراه الشريعة- هو دفع الشبهة من جانب الهوى و ما يوسوس به للنفس في أحوال المحبة و الكراهية و علاقات الأقربين و الغرباء و ليس بالقاضي العادل من يعرض له هذا المبدأ،فيقضي بالمساواة بين الجنسين في الاستجابة لنوزاع الحس، و الانقياد لنوزاع العاطفة، و الاسترسال مع مغريات الشعور من رغبة و رهبة، فالمبدأ الذي ينبغي للقاضي العادل أن يرعاه هنا حريصاً على حقوق الناس أن يعلم ان النساء لا يملكن من عواطفهن ما يملكه الرجال، و أنه يجلس ليحمي الحق، و يدفع الظلم و يحتاط لذلك غاية ما في وسعه من حيطة لأنه أمر لا يعنيه لشخصه و لا يحل له أن يجعله سبيلاً إلى تحية من تحايا الكياسة، أو مجاملة من مجاملات الأندية،و قديماً كانت هذه التحايا و المجاملات تجري في ناحية من المجتمع، و تجري معها في سائر نواحيه ضروب من الظلم للمستضعفين و المستضعفات تقشعر لها الأبدان.

و على هذه السنة من تقرير المبادئ السليمة في شئون العدالة و المصلحة تجري شريعة القرآن، حيث تقتضي الحيطة لحماية البرئ، و إنصاف المظلوم ، و أن يزداد عدد الشهود من الرجال فلا يكتفي منهم بالشاهد و الشاهدين، إمعاناً في دفع الشك و تأويله - حيث وجد- لمصلحة المتهم، حتى تلزمه الإدانة بنجوة من الشكوك و الشبهات.

و لقد يوجد من النساء من تقوم شهادة إحداهن بشهادة ألف رجل، و لقد يوجد من الرجال ألوف لا تقبل شهادة، و لكن المشترع الذي يقول - لأجل ذلك- إن مزاج الرجل و مزاج المرأة سواء في الحس و العاطفة، يتقبل من مغالطة الواقع و الضمير ما يبطل تشريعه و ينحيه عن هذا المقام......

و ليس من غرضنا في هذ1 الكلام على حقوق المرأة، أن نفصل الأعمال التي تجوز لها في المجتمع، فإنها فيما نرى لا تقبل الإحصاء و لا تشابه في المجتمعات مع اختلاف الزمن و تباين الأحوال،فأما الأعمال المباحة للرجل هي الأعمال المباحة للمرأة بدون تمييز، و كل ما تحاط به من حدود، أن تمضي على سواء الفطرة، فلا تخل بالقوامة الضرورية للمجتمع و للأسرة، إذ هي قوامة لا بد من تقريرها لأحد الجنسين و ليس من الطبيعة و لا من المعقول أن يتساوى فيها الجنسان.

----------------------------------------------------------------------------