دورات هندسية

 

 

جمود التقليدية والفطام المحرم: حالة العمارة العربية المعاصرة

النتائج 1 إلى 4 من 4
  1. [1]
    nmashary
    nmashary غير متواجد حالياً

    عضو

    تاريخ التسجيل: Nov 2003
    المشاركات: 34
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0

    جمود التقليدية والفطام المحرم: حالة العمارة العربية المعاصرة

    د. مشاري عبدالله النعيم



    ذات مرة امسك الشاعر الروسي (بيريلوك) برأس احد زملائه من الشعراء التقليدين وهزه عدة مرات وهو يقول "تقيأ الكلاسيكية، واقذف بوشكين كله من فمك". ولعلنا هنا نردد انه يجب ان نهز رأس كثير من المعماريين العرب المعاصرين بقوة حتى يلفظو "التقليدية" التي تقيدهم حتى "الموت" من رؤوسهم وافواههم. فنحن لانستطيع أن ننكر مثلا أنه لم تمر على العالم العربي حداثة حقيقة يمكن الركون إليها واعتبارها نقلة حقيقة نحو العصر الحديث بل أن الصورة المنطبعة في الذهن عند الآخر ان هذه المنطقة من العالم مازالت تعيش ثقافة "قروسطية" لم تستطع ان تتفلت منها وهو الأمر الذي جعل العمارة العربية في حالة تردد دائم بين الحداثة والتقليدية فظهرت في كثير من الأحيان بصورة لا تحمل اي معنى ولا تقدم أي صورة ثقافية حقيقة. سنحاول في هذه المقال أن نؤكد ان العمارة العربية المعاصرة لم تكن إلا نتاج "هامشي" غالبا ما يظهر كنبات طفيلي يتغذي على الحراك السياسي وهو ما يعني ان هذه العمارة لم تستقل يوما بنفسها كحركة ثقافية لها اصولها المجتمعية وجذورها الفكرية، وهي حالة نادرة لم تمر بها الثقافة العربية وعمارتها في الماضي بل تشكلت مع حالة الاهتزاز العنيف وفقدان الثقة بالذات التي مرت بها المنطقة العربية منذ بداية احتكاكنا بالغرب قبل قرنين من الزمن، انها حالة من التردد جعلت عمارتنا العربية في حالة "عدم فطام" تابعة للآخر ومعتمدة عليه اعتماد كلي في منتجها التقني موتوجهها الفكري. انها حالة من التبعية "النادرة" التي تحيل كل "ابداع" إلى مجرد "تقليد" وكل محاولة للتفرد إلى مجرد تكرار لما قام به ويقوم به الآخر الأكثر قوة ونفوذا. هذه الصورة المشوهة للعمارة العربية المعاصرة يصعب وصفها إلا انها بحق تمثل حالة عدم "فطام" دائمة نتيجة للحالة السياسية العامة التي يعيشعا الوطن العربي برمته.
    لا انكر ابدا ان هذه القراءة الثقافية للعمارة العربية نتيجة افرازات عدة على ان اكثر ما اثار شجوني هو المقال المنشور في مجلة "الكتب: وجهات نظر" (عدد 87، ابريل 2006) والموسوم بـ "البطرياركية العربية والفطام المحرم" للكاتب خيري منصور. ففي هذا المقال تصوير بالغ القتامة للحالة العربية الراهنة التي تجعلنا نبحث عن مخارج وأبواب لا اعتقد اننا قادرين حتى على النفوذ منها لأن العقدة ليست في عدم وجود تلك المخارج بل هي عقدة مترسبة في النفس غائرة في العقل تمنعنا من الحركة أو هي تعيدنا إلى البداية دائما وتعيقنا حتى من العبور من الابواب المفتوحة. أنها حالة تذكرنا بتردد الطفل الذي ينظر إلى عيني أمه كي تأذن له بدخول مكان ما بينما هي مشغولة عنه، اي انه لوكان يملك قراره بنفسه لكان خطى بثقى دون الحاجة لأذن أحد. العمارة العربية في تعاملها مع الحداثة في غاية التردد لأنه لايوجد حداثة حقيقة في منطقتنا العربية حسب تعبير منصور الذي يقول أن "نظرة فاحصة وبأثر رجعي لأهم ما ميز الحداثة العربية في مختلف المجالات قد ترسخ لدينا الاعتقاد بأن تلك الحداثة لم تكن ذات جذور وأنها على الأغلب تتراوح بين التماهي والتقمص، لهذا فهي لم تكن فطاما اصيلا".
    في محاولتنا لفهم الاسباب التي دفعتنا إلى هذه الحالة الجامدة التي جعلتنا "قاصرين" ومعتمدين على ما ينتجه الآخر تأكد لنا اننا كشعوب عربية نعيش حالة نادرة من الحياة السياسية "الأبوية" و"الغليظة" منها أي تلك الأبوية المستبدة التي لا تعطي للأبناء فرصة لإبداء الرأي بل كل ما يجب عليهم فعل هو "السمع والطاعة" وبالتالي تحولت العمارة إلى افراز سياسي معتمد على ثقافة (لا اريكم إلا ما ارى)، وهو ما يسمية خيري منصور هنا بـ "البطرياركية" التي تمثل في الحالة العربية المعادل العضوي للوصاية، وتأجيل سن الرشد، وهي "ربوية" بامتياز، لأنها تضاعف المديونيات قدر تعلقها بالوعي وبالمسكوت عنه، لهذا فهي إذ تحرم الفطام، تنزع ايضا بالضرورة إلى ما يسميه منصور بـ"ختان العقل"، فالماضي حسب رياضياتها قادم من المستقبل، وما من سبيل للخلاص غير النسج على غراره. وهو يؤكد ان ما يضاعف من احساسنا بخطر الديمومة للبطرياركية العربية هو ادمانها شعبيا، وتأقلم الأجيال معها فقد باتت وشيكة التحول إلى قدر. ويبدو ان ثقافة "البطرياركية المعمارية" في الحالة العربية تمثل الهروب إلى الماضي الذي يمثل "العالم الجميل" مقارنة بجحيم الواقع المسجون في التبعية للآخر السياسي على المستوى المحلي والفكري والتقني على المستوى الخارجي.
    تكمن إشكالية العمارة العربية في ان هذه "البطرياركية" تحولت إلى ادمان حتى ان بيئة التعليم لا تنتج راغبين في الفطام من هذه التبعية بل تكرس ثقافة "الفطام المحرم" وتخوف المعماري العربي من "الاستقلالية" حتى بات لايرى نفسه إلا تابع. ولو عدنا إلى مراحل التحول الكبرى في حياة الأمم ضمن ما نسميه "الفطام" سنجد أن الثورة الفرنسية اعلان لفطام لم يكن مبكرا على الاطلاق، وفي اعتقادنا ان كل حالة فطام تمثل حالة حداثةـ اي انها تغير ما قبلها بشكل جذري، فكل الاانقلابات الكونية هي فطام وهي حالات من الحداثة ايظا. على ان الملاحظ هو أن الشعوب لاتفارق عاداتها وما درجت عليه بسهولة، وللماضي نفوذ يلاحقها، وقد يقضم الكثير من حاضرها ومستقبلها ايضا وهي لاتدري. وهو ما يفسر حالة التردد في الثقافة العربية المعاصرة، فالحداثة المادية التي تمثلها العمارة في بعض الحالات لا يواكبها ابدا حداثة سلوكية وقيمية الامر الذي يسحب العمارة العربية دائما إلى مساحات تقليدية محضة ذات حضور "شعبوي" عاطفي وتلاقي تشجيغ منقطع النظير. هنا تبدو التقليدية وكأنها الحل بينما هي تعبر بكل وضوح عن حالة عدم الفطام وعدم المقدرة على النضج وبلوغ سن الرشد لأنها حالة من الطفولة المتكررة أو هي رغبة في استعادة الطفولة الدائمة خوفا من المسؤولية التي عادة يتحملها الراشدون.

    حالات التردد وعدم الحسم والتي يقع فيها معماريين يقفون في منتصف الطريق بين القيد والحرية وبين الاجابة الجاهزة والمعلبة وبين السؤال الطليق تفسر حالة لماذا من فطموا نصف فطام يعودون بين وقت وآخر ليمسكوا العصا من منتصفها، فكما يذكر منصور انهم "هنا بقدر ما هم هناك وهم انفسهم بقدر ما هم "سواهم" ايضا، لهذا يقولون كل شيء كي لايقولوا شيئا محدد على الاطلاق". فالعمارة العربية المعاصرة تقول كل شيء ولا تقول شيء في نفس الوقت وهي حالة تعبر عن الفوضى التي تمكنت من كل تفاصيل المنتج المعماري بل واساليب انتاج من ينتج المعماري نفسه، فالتعليم المعماري في الوطن العربي (حسب الندوة التي عقدتها هيئة المعماريين العرب في بيروت في اواخر شهر مارس الماضي والملتقي العربي الثالث حول التعاليم العالي الذي عقدته مؤسسة الفكر العربي في بيروت 23-26 ابريل 2006) نشعر ان التعليم نفسه يغذي حالة عدم الفطام ويحث على عدم بلوغ سن الرشد، وإذا ما عرفنا ان التعليم في الوطن العربي لا يحظى باستقلالية بل هو منتج "سياسي" بالدرجة الأولى سوف يتأكد لدينا ان اشكالية العمارة العربية سواء في توجهاتها الفكرية أو حتى في اساليب انتاجها تصطدم بقوة امام فروض السياسة التي "تخصي" العقل وتدفعه على استهلاك الماضي والعيش فيه باستكانة مقصودة.

    من هذا المنطلق نستطيع ان نرى أن الانغماس في التقليدية التي عليها العمارة العربية المعاصرة هي نوع من "تحقيق الذات الكاذب" الذي يراه خيري منصور على انه احد سمات المجتمعات النصف حديثة ونصف تقليدية فهي "تتحرك كالبندول بين القرن التاسع عشر والقرن الحادي والعشرين" ويؤكد أن "الامتياز الموروث يهجع كاحتياطي يشهره صاحبه عندما يحتاج إلى الدفاع عن جهله أو هامشيته وكونه فردا عاطلا عن كل شيء حتى عن ذاته". أنها انفصام شبه كامل عن الواقع لأنها لاتنطلق من مصدر قوة بل هي استمرار لحالة "الفطام المحرم" التي يريد من خلاله البعض سجن العقل العربي في بوتقة الماضوية ودفنه في سجلات التاريخ البالية وإخراجه عن مسار الحضارة الانسانية وإلباسه ثوب القرون الوسطى. هذه الذهنية الغير راشدة لها اهدافها ومنافعها في سجن العقل العربي داخل هذه الصورة "المؤسلبة" التي تركن على الآخر في كل شيء حتى في قراراتها البديهية.

    لقد كان الروس يقولون إذا ما كشط الروسي فإن السلافي يظهر على الفور وهذا ما يحدث لنا كعرب ففي ذروة الحداثة أو مابعدها تمارس منظومة القيم الرعوية نفوذها وإليها وحدها يكون الاحتكام في اللحظة الحاسمة. وهو ما يسميه الكاتب خيري منصور "ختان العقل" وهو شيء يشبه الاخصاء والتدجين بحيث يتعرف العقل المختون مبكرا على حدوده الاقليمية ومجاله الحيوي المسموح له بالتجول فيه. فالاخصاء الذهني مطلب اجتماعي بامتياز، تكرس له اعراف وعادات وشعائر، لأن المعرفة اكثر مما يجب هي اول المروق، وبالتالي هي شروع في اقتراف المساءلة والخروج من جنة اليقين. ولعل هذا الامر يجعلنا لانستغرب كثيرا عندما يرى المجتمع في التقليدية ومنتجها الحل الوحيد لعجزه وضعفه، فالجمود اصبح حالة ذهنية مجتمعية يطلبه الجمهور لأنه تدرب على انه هو فسحة الأمل الوحيدة، فلا غرو ان نجد عمارتنا بعد ذلك تنغمس في التقليدية المستهجنة وتجد تشجيعا حارا من متخذ القرار السياسي ومن المجتمع ككل إذ ان حالة التردد نحو الحداثة وبناء مجتمعات معاصرة التي عاشتها المنطقة العربية "بتفوق" خلال القرنين الماضيين اوجدت مجالا خصبا للمجتمع ككل كي يستمرئ حالة عدم الفطام لأنها حالة تتبعها مسؤوليات كبيرة لايجد المجتمع نفسه قادرا على تحملها.

    حالة التقليدية التي تعيشها العمارة العربية حتى في تعاملها مع الحداثة ومنتجاتها تمثل ظاهرة انسانية خاصة جديرة بالدراسة إذ انني اذكر ومنذ مطلع التسعينات (عندما بدأت في الكتابة عن العمارة) وأنا اقرأ عن حالة الفصام بين المادة والسلوك في الثقافة العربية المعاصرة وهو ما يعني ان كل مظاهر التطور المادي في منطقتنا تخبئ سلوك وقيم تقليدية يعتنقها هذا الجزء من العالم لايستطيع التخلص منها بأي حال من الاحوال، فحالة التردد في العمارة العربية هي أمر طبيعي لأته كلما احتدم الصراع بين المنتج المادي وبين القيم التي يعتنقها المجتمع تظهر حالة التردد في اعمق صورها. ربما لا نستطيع أن ندفع هذه الحالة المربكة عن العمارة العربية لكن هذا لايعفينا عن دراستها ورصدها وفهم بنيتها الداخلية والوصول إلى جذورها وهو ما سنقوم به إنشاء الله في مقالات ودراسات قادمة.


    نشر في مجلة البناء - العدد 188 (مايو 2006)

  2. [2]
    جمال الهمالي اللافي
    جمال الهمالي اللافي غير متواجد حالياً
    عضو شرف


    تاريخ التسجيل: Jul 2003
    المشاركات: 1,585

    وسام الشكر

     وسام كبار الشخصيات

    Thumbs Up
    Received: 15
    Given: 0
    من خلال قراءة متأنية في محاولة لاستيعاب حيثيات الموضوع... تضارب فكري وهو يسعى في محاولته الخجولة استيعاب مفهومي الحداثة والتقليدي، ما هي الحداثة التي نريدها وما هو التقليد الذي نرفضه، وما هي المسيرة التي يجب أن ننطلق معها وما هو القيد الذي يجب أن نكسره... ومن أي الأمهات ننشد حالة الفطام.

    التطرق للحالة البطراركية، جعلتني استحضر قولة مأثورة للخليفة الراشد عمر بن الخطاب،" متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" التي تمثل إقرار من مؤسس الدولة الإسلامية بالمنهج الذي ستعتمده المؤسسة السياسية والدينية- إن جاز هذا التعبير- الإسلامية في تعاطيها مع الأحداث والمواقف والمتغيرات... تحرير النفس ومن تمّ تحرير العقل من ربقة العبودية لغير الله... لهذا أرى أن الحالة البطراركية هي أمر دخيل على العقلية المسلمة ومن تمّ العقلية العربية... هي إفراز للصراع الذي أوجده الآخر لمحو حالة تنامي الوعي والإدراك للحقيقة ومكامن وجودها وطرق البحث عنها.

    منهج البحث والاستقراء والاستنباط والتجديد هو وليد الثقافة الإسلامية.... منهج التقليد والتبعية والتسلط والقهر والوصاية والتجهيل والتشويش هو منهج مفروض ولأغراض سياسية أهدافها واضحة ومحددة.... لهذا فالعمارة العربية وهي تقف في مفترق الطرق منذ قرن مضى... وحالة الطفولة التي لم تتجاوز مرحلتها والتي تعاني منها العقلية المعمارية، هي في رأيي البسيط حالة طارئة، فرضها قانون الطوارئ الذي يتيح للمؤسسة السياسية أن تحجر على العقل المعماري العربي الخوض في ما يعنيه بحجة أنه لا يعنيه.... وإذا ذهب للذي لا يعنيه، اتهمته بالتآمر لصالح عدو مجهول.

    لهذا يجب أن تكون لنا وقفة مع الذات، لمراجعة مشوارها الطويل وإعادة تقييم المراحل التي مرت بها العمارة العربية خلال عصورها المختلفة... لن نجمع على رأي واحد، لأن المصالح متضاربة، وهي حقيقة يجب أن نقّر بها إذا أردنا الحصول على نتائج صحيحة... يجب أن نعترف أننا اليوم لسنا واحد، بل مشارب شتى، الحداثيون والتقليديون والإسلاميون والعلمانيون فرق متناحرة وكل فريق بما لديهم فرحون... وفي كل فرقة هناك تشعبات، ترى فيها كل شعبة أنها تمسك بزمام الحقيقة.
    اعتقد أننا عندما نعي حقيقة هذا الاختلاف، نستطيع أن نقرأ الأحداث بموضوعية، قد تقودنا لتحديد مسارنا الصحيح دون أن نلتفت للوراء" ليس المقصود بالوراء هنا، ماضينا المجيد".

    0 Not allowed!



  3. [3]
    awas1
    awas1 غير متواجد حالياً
    عضو فعال


    تاريخ التسجيل: Dec 2009
    المشاركات: 62
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    شكرا كثيرا للمنتدي و للدكتور . مشاري عبدالله النعيم

    0 Not allowed!



  4. [4]
    نهاد معمر
    نهاد معمر غير متواجد حالياً
    عضو


    تاريخ التسجيل: Sep 2010
    المشاركات: 11
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    مرحبا

    شكرا كتير للدكتور النعيم , مقال رائع ومفيد جدا جدا

    0 Not allowed!



  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML