ْ
قراءة لورشة العمل حول التعليم المعماري في الوطن العربي (بيروت 23-25/3/2006)
د. مشاري بن عبدالله النعيم


مساحات ابداعية في التعليم المعماري
دعونا نتفق ان هناك فرق بين منهجة التعليم المعماري وبين ما يمكن ان تنتجه هذه المنهجية من ابداع معماري مع اعترافنا الكامل ان عملية تكوين المعماري سوف تحدد ابداعاته المستقبلية وإذا ما اتفقنا كذلك أن "تكون المعماري" يفوق مسألة منهجة التعليم المعماري لذلك فأننا نستطيع أن نفهم ما قدمه المحاضرون في هذا الصدد حيث بدأ الدكتور ممدوح عبدالكريم (من مصر ونائب رئيس هيئة المعماريين العرب) الحديث (ثاني ايام الورشة) عن "المشروع المعماري، وفي اعتقادي أن هذا الموضوع له اهميته الخاصة كونه جزء من "التكوين" الاساسي لشخصية المعماري ويتطلب الكثير من "المهارة" و "الخبرة" وبناء جسور من التواصل المعرفي والثقافي بين الاستاذ وطالب العمارة. أذكر هنا أن اغلب من درسوا "مراسم العمارة" تحدثوا عن فكرة التعامل مع المشكلة المعمارية عبر اثارة السؤال حولها ومن ثم معالجتها من خلال التصميم المعماري. كما أن البعض تحدث "مجموعات المعارف" التي يمكن أن يدخلها الاستاذ للأستدسو بشكل غير مباشر حتى لا يتحول الاستديو على حد قول الدكتور ياسر صقر (من الاردن) إلى مجرد محاضرة عادية. ويبدو أن بيئة الاستديو تحتاج إلى استاذ مؤمن بهذه الثقافة إلا أن استاذ العمارة في الجامعات العربية إما مكبل ومحروم من ممارسة العمارة وبالتالي فهو في حالة تراجع "ايماني" بقيمة الممارسة في تكوين المعماري وإما يكون في حالة مادية واجتماعية (ضاغظة) على حد تعبير الدكتور فاروق يغمور (من الاردن). في هذا المحور تحدث المعماري والكاتب اللبناني طوني شكر عن "أدب المدينة" وما يعنيه من جمع بين الواقع (شكل المدينة وتفاصيلها) وبين الخيال (الانطباعات الشخصية للقاص أو الاديب وتفسيره الشخصي الابداعي لعمارة المدينة) كما تحدث الدكتور فريد يونس (من لبنان) عن النظرية المعمارية وطالب بأن تتحد العمارة مع العلوم الانسانية حتى تصبح علما. كما طرح الدكتور احمد راشد (من مصر) رؤيته الخاصة حول العمارة والتراث والحداثة وارتباط ذلك بالتعليم المعماري. ويبدو لي ان الاطروحات الثلاث تؤكد على ان العمارة تعني بشكل مباشر التعامل اليومي مع الحياة. العمارة المدينية أو عمارة الحياة المدينية (كما صورها المعماري شكر في تحليله لروايتين للقاص حسن داود احدها عن بيروت والأخرى عن بناية في بيروت) لاتعترف كثيرا بالنظرية المعمارية التي تنحى منحى فرديا على الأعم، وهو ما يدعم ماذهب إليه الدكتور يونس بأن ترتبط العمارة اكثر بالعلوم الانسانية دون ان تفقد ارتباطها بالفن. ولأن العمارة ضمن السياق الحضاري للأمة لذلك فأن المشروع المعماري يجب ان ينفتح على كل هذه التجارب التي تجمع التفاصيل الدقيقة والاهداف الحضارية الكبيرة وتؤكد أن "تكوين المعماري" هو خليط كبير من التعليم والتجربة. شخصيا لا اعتقد ان التعليم المعماري يمكن ان ينفصل عن "التجريب" أي تميز كل مدرسة معمارية بفلسفتها التعليمية الخاصة والتي يمكن أن تستثمر حقول المعرفة المختلفة في عملية التجريب هذه.

التعليم والممارسة: إشكالات سوقية
أحد اشكاليات التعليم بشكل عام والتعليم المعماري بشكل خاص هو ارتباطه بسوق العمل المحلي. أذكر مرة أن احد الاساتذة الايطاليين قال لي أن السوق الايطالية تستوعب فقط 20% من خرجي العمارة في ايطاليا لذلك فأن المدارس المعمارية في ايطاليا تعلم طلابها على انهم يجب ان يكونوا ضمن السوق العالمي. لا اعلم مدى اتفاق البعض مع هذه الرؤية لكن بالتأكيد لايمكن أن نجعل من التعليم المعماري مجرد آلية لتفريخ خريجين للإستهلاك المحلي. في واقع الامر يفترض أن يفتح التعليم المعماري فرص جديدة للسوق بدلا من ان يستجيب فقط لمعطياته، ومن الواضح أن الاختلاف في الرؤية هنا حاد ويناقض ما هو سائد. فالاطروحات التي قدمها كل من الدكتور مصطفى المزوغي (من ليبيا) والمعماري كريم خماش (من الاردن) لا تتناول فكرة السوق احتياجاته (وإن كانت الورقة الاردنية احصائية وتعطي مؤشرات هامة)، فالتجربة المعمارية في ليبيا (كما هي في معظم الدول العربية) نابعة من حاة وظيفية سوقية مباشرة دون أن تكون مع الايام تجربة تعليمية تكون ضمن السياق الثقافي العام وتخرج منه لتصنع سياقها الثقافي الخاص بها.

التعليم المعماري: من الفن إلى التجارة
يتحدث البعض عن العمارة على انها مهنة تقع بين خطوط تماس حادة تمزقها تسحبها تارة إلى الفن وخيالاته وتارة أخرى إلى التجارها وواقعها، ومع ذلك يبقى التعليم المعمارة كأداة توازن بين العالمين اللذان يمزقان العمارة. هناك من يقول عن عمارتنا المعاصرة انه ذهب الفن فيها وبقي البناء ونعتقد أن هذه النزعة النقدية صحيحة وللتعليم فيها نصيب كبير في هذه المحور تحدث المعماري الكسي مكرزل (من لبنان) عن ثقافة الصورة وسطوتها الترويجية وكيف ساهمت هذه الثقافة في بناء "النجم المعماري" وتحول التعليم المعماري إلى بناء الانماط الشخصية المتعالية. الفكرة هنا مثيرة كون فلسفة التعليم في كثير من الاحيان تدفع إلى ممارسات "شخصانية" تحدد هدف المعماري على المدى الطويل. يقابل ذلك ما طرحه الدكتور ياسر صقر (من الاردن) حول تشظي مؤسسة تعليم العمارة من خلال انفصال الفكر والثقافة المعمارية بعنف عن تقنيات وتنفيذ العمارة تناول فيها تجربة خاصة في تدريس الاستديو تعطي الاولوية للطالب في اكتشاف "روح المكان" والتي يمكن بعدها بناء عمارة تعبر عن هذه الروح. في اعتقادي الشخصي ان هناك مجالات متعددة يمكن من خلالها تطوير تعلم العمارة ومازالت ارى أن "التجريب" يصنع روح التعليم المعماري خصوصا إذا ما كان هناك تكامل في التجربة كما طرها الدكتور صقر.

البناء العدد 187 (ابريل 2006)