دورات هندسية

 

 

بنو امية النجباء

صفحة 1 من 6 12 3 4 5 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 58
  1. [1]
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً

    عضو متميز

    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38

    بنو امية النجباء

    بين الفينةِ والأخرى يخرج لنا بعض بأمور يُثيرون بها الفتنة، ويخالفون بها الحقائق، ويغالطون الوقائع، ومن تلك الترهات الطعن في بني أميَّة ملوك الإسلام العظام وسبِّهم عن بكرةِ أبيهم ولَعْنِهِم واختلاقِ الأحاديث والأقوال الشنيعةِ فيهِم، ورمَيِهِمْ بِكُلِّ قَبيحةٍ ورذِيلةٍ، وكُلِّ ظُلمٍ وبَغْيٍ، والكَذبِ عليهم كَذِباتٍ لا يسترها الليلُ وإن طال، ولا مَغيبُ الشَّمْسِ ولو حُرِمَتِ الشُّرُوقَ والزَّوال.
    وأعظم منه تفسير القرآن بأهواء وآراء ما أنزل الله بها من سلطان، كتفسير قوله تعالى: (( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ))[الإسراء:60] بأنهم بنو أميَّة!!!
    وزادوا في الافتراء فوضعوا الأحاديث على النبي صلى الله عليه وسلم في ذمَّ بني أميَّة؟!!
    يقول الإمام ابن القيِّم (ت: 751ه) في «المنار المنيف» (117): (وكلُّ حديث في ذمِّ بني أُميَّةَ فهو كذِبٌ، وكلُّ حديث في مَدْحِ المنصور والسفَّاح فهو كذِبٌ).
    ومعلوم أنَّ من بني أميَّة خيار هذه الأمة وأبطالها كعثمان بن عفان وخالد بن سعيد بن العاص أحد السابقين الأولين وكان خامس خمسةٍ في الإسلام([1])، وأخواه أبان وعمرو واستشهدوا ثلاثتهم يوم أجنادين رضي الله عنهم.
    ومنهم معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين، وأخوه يزيد بن أبي سفيان ووالدهما أبو سفيان صخر بن حرب وغيرهم رضي الله عنهم، ثم بعدهم ملوك الإسلام وأمراء المؤمنين.
    ومعلومٌ أَنَّ خُلَفاءَ بني أُميَّةَ مِنْ خيارِ مُلوكِ المسلمين، ولا أدَلَّ على ذَلِكَ ولا أَظْهَرْ، من كثرةِ فُتُوحاتِهِم، وما خصَّهُمُ اللهُ عز وجل ويَسَّرَهُ على أيديهم، مِنْ نَشرِ الإسلامِ وتمكينِهِ في الأرض، حتَّى أصبَحَ المُسلِمُ عزيزاً، ولا تجرؤُ أُمَّةٌ -وإن عَظُمتْ- على انتِقَاصِ قدرهِ، أو هَضْمِ حَقَّهِ.
    وعهدُ بني أُميَّةَ من خير عهودِ الإسلام، ففيه انتشرَ الإسلام في مشارق الأرضِ ومغاربها، وانحسر الكُفْرُ وكُبِتْ.
    وفيه انتشر العلم والفقه، ودُوِّنَ الحديث، ودُوِّن التفسير، وعمَّ الرخاءُ في العالم الإسلامي، حتى بلغَ الحال بالمسلمين في بعض عهودِ بني أُمَيَّةَ، ألاَّ يجدوا محتاجاً يأخُذُ زكاةَ أمْوَالِهِمْ، لِغِنى المسلمين وكِفايَتِهِم، على الرُّغْمِ من اتساع الرِّقْعَةِ وكثرةِ المسلمين.
    ويشهد لِفضلِهم -على الجُملة- قوله صلى الله عليه وسلم: { خيرُ القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم }([2]).
    وأن الرسولَ صلى الله عليه وسلم كان كثيرٌ مِنْ عُمَّالِهِ في البلدان من بني أميَّة، وكذا عمالُ أبي بكر وعمال عمر وعثمان وماتوا وهم عنهُمْ راضونْ.
    بل هم بنو عمومة النبي صلى الله عليه وسلم، ويجتَمِعُون مع النبي صلى الله عليه وسلم في نسب واحد وجدٍّ واحد فكلهم من قريش وفضل قريش على غيرهم ظاهر ...
    ويشهدُ لفضل بني أميَّة على العموم، قول الله تعالى: (( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ))[الحج:40-41]. فالله عز وجل قد مكَّنَ لبني أُمَيَّةَ في الأرض، وبدَّلَ خوفَهُم أمناً، ونَصَرهم في جِهادهم، حتى فتحوا مشارقَ الأرض ومغاربها، من «كاشغر» على حدود الصين في الشرق، إلى الأندلس وجنوب فرنساً في الغرب. ومِن بحرِ قزوين في الشَّمَال، إلى المحيط الهندي في الجنوب.
    فهل بعدَ هذا النَّصر نَصْرٌ؟! وهل بعدَ هذا التمكين تمكينٌ؟!
    وهذه الأمورُ وغيرُها زادَتْ غَيْظَ الحاقِدين والمُتَرَبِّصين بالمسلِمين، فأخذوا يُلَفِّقُونَ الأكاذيبَ والأباطيلَ، مُحاولين تشويه عَصْرِ بَني أُميَّةَ، ونشَرُوها بين الناس. خاصَّةً عندما اشتدَّ عودُ دعوةِ العبَّاسيين في آخرِ عَهْدِ الدولةِ الأُموية.
    وهكذا استمرت هذه الحملة بل الحَمَلات، حتى بعدَ سُقُوطِ الدولةِ الأُمَوِية.

    يُعاونهم في ذلك كُلُّ طوائفِ الضَّلال، من منافقين أبطنوا الكفر، وأظهروا الإسلام، خوفاً مِنَ المسلمين، ومِنْ مُبْتَدِعَةٍ كَرِهوا ما كانت عليه الدولة الأموية مِنْ نَشرِ السُّنة، والعقيدة الصحيحة ومُحاربة البدع.
    إنَّ الدولة الأموية التي فتحت أوروبا والأندلس، ووصلت إلى جنوب فرنسا هذه الدولة لا يمكن أن تسلم من أيدي المستشرقين الذين أبغضوها ؛ لأنَّها أدخَلَت الإسلامَ في أوربا.
    بل بعضُ الجُهَّال تأثروا ببعض الدعوات التي أطلقها الحاقدون في بني أمية: فعيَّر بعضهم بني أيَّة بأنهم عادوا الإسلام في بداية عهده!! وأنهم لم يسملوا إلاَّ في أواخر عهد الرسول صلى الله عليه وسلم!!

    أبناء الطلقاء!

    يقول الدكتور عبد الشافي بن محمد عبد اللطيف -أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر- في كتابه «العالم الإسلامي في العصر الأموي» ص (ب-د) راداً على أولئك الجهال وغيرهم: (لئن كان بعض الأمويين عادى الإسلام في البداية، وتأخر إسلامهم إلا أنهم لَـمَّـا أسلموا عام الفتح، أظهروا مِن حُسنِ البلاء في الفتوحات، وقاموا بأدوار بارزة في رفع راية التوحيد، وأبدوا من الحب لدين الله، والجهاد في سبيله، ما لفت إليهم الأنظار، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسند إلى كثير منهم أجلَّ الأعمال وأخطرها، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون الثلاثة من بعده.

    ثم قال الدكتور عبد الشافي كذلك في (ص:7-8) من كتابه المذكور: (ومع أن الجميع أسلموا بعد فتح مكة، وحَسُن إسلامُهم، وأبلوا بلاءً حَسَناً في نُصرَةِ الإسلام، وإعلاءِ كلمةِ الله، إلاَّ أنَّ بعضَ الناس نَسِيَ كُلَّ عداواتِ قُريشٍ للرَّسول صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر إلاَّ عَدَاءَ بني أُمَيَّة!! وكأنهم وحدهم الذين وقفوا هذا الموقف!!
    ومع أن الإسلام يجُبُّ ما قبله، إلا أن بعض ذوي الأهواء، لا يريد أن يفهم ذلك، ولا يكُفُّونَ عن ذِكرِ المواقف السيئة لبني أمية، التي كانت قبل إسلامهم، وكأن القوم ما أسلموا!! وما جاهدوا في الله حق جهاده!!
    حتى إن هؤلاء المدَّعين لتأصيل العداوة بين البيتين (بني هاشم وبني أمية) قديماً، نَسُوا أنَّ بعض بني أمية، كانوا من السابقين إليه من بني هاشم، فقد كان عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، من السابقين إلى الإسلام، وكذلك كان أبناء سعيد بن العاص: خالد بن سعيد، وعمرو بن سعيد، من السابقين إلى الإسلام، فقد أسلم خالد بن سعيد بن العاص وكان خامساً في الإسلام كما تقول ابنته أم خالد: [[ كان أبي خامساً في الإسلام [أي أسلم بعد أربعة سبقوه فقط] وهاجر إلى أرض الحبشة، وأقام بها عشر سنين، وَوُلِدتُ أنا بها ]].
    وكذلك أسلمَ أخوه عَمْرو بن سعيد بن العاص، وهاجر الهجرتين، ثم لحق بهما أخوهما، أبان بن سعيد([3])، وكذلك خالد وأبان ابنا سعيد بن العاص، من كُتَّابِ الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم.
    لكن على الرغم من إسلام هؤلاء الرجال من بني أمية، منذ البداية، وتضحياتهم وهجرتهم إلى الحبشة، وعلى الرغم من إسلام جميع بني أمية عند فتح مكة، وترحيب الرسول بهم، وفرحهِ بإسلامهم، والاعتماد عليهم في جلائل الأعمال -كما سنذكره بعد قليل- إلاَّ أنَّ كُلَّ ذلك لم يشفع عند أصحاب الأهواء، حتى الكلمة الطيبة، التي قالها الرسول صلى الله عليه وسلم في معرض العفو العام عنهم وفي اليوم الذي سماه يوم بر ووفاء، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» حتى هذه الكلمات، جعل بعض الناس منها سُبَّةً في جبين بني أمية وحدهم! وجعلوا يعيرونهم بأنهم الطلقاء، وأبناء الطلقاء!
    ولم يفهموا أن هؤلاء الطلقاء وأبناءهم، قد أسلموا، وحَسُنَ إسلامهم، وكانت لهم مواقف مشهودة في نُصرَةِ الإسلام في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعده في الفتوحات في عهد خلفائه الراشدين..).
    فبنو أمية يدخلون في جملة مسلمة الفتح، الذين وعدهم الله بالحسنى في قوله تعالى: (( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ))[الحديد:10].
    الله سبحانه وتعالى يعدهم بالحسنى، جزاء قتالهم وجهادهم، حتى مع تأخر إسلامهم، رحمة منه سبحانه وتعالى.
    ولكن بعض أصحاب الأهواء من المؤرخين، يأبى إلا أن يرميهم بالكفر، نعيذ أنفسنا وإياهم بالله من ذلك).

    الأمويون في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:

    وكذلك الأمر عند الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقد استخلف جماعة منهم.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة (7/192): (وقد استعملهم أبو بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه).
    قلتُ: أمَّر أبو بكر خالد بن سعيد على بعض الجيوش في غزو الشام([4])، ويزيد بن أبي سفيان جعله الصِّدِّيق أحد الأمراء الأربعة الذين نَدَبَهم لغزو الروم([5]).
    قال الدكتور عبد الشافي في كتابه السابق (12-13): (لَحِقَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى بعد أن بَلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، وبويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة، فسار على نَهْج الرَّسول صلى الله عليه وسلم، في استعمالِ بني أُمَيَّة، والاستعانة بهم في جلائل الأعمال.
    وقد استجابوا للصدِّيق، ولكنهم فضَّلُوا الجهاد في سبيل الله على الأعمال الإدارية، فاشتركوا في معارك الإسلام الكبرى، في عَهْدَي الصديق والفاروق، سواءٌ في حروبِ الرِّدةِ، أو في معارك الفتوح في الشام وفارس..).
    ثم ذكرَ أمثلة ذلك، وعزاها لبعض كتب التاريخ والسير، ثم قال (ص:14): (وهكذا استمرَّ الأمويون يعملون في عهد أبي بكر، مجاهدين في سبيل الله مُفَضِّلِينَ ميادين القِتَال على الأعمال الإدارية، ولو كانوا يبحثون عن المناصب، والجاه والمال، لقعدوا في ولاياتهم، وأعمالهم الإدارية، كما طلب منهم أبو بكر).

    الأمويون في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه:


    عندما توفي الصديق رضي الله عنه في سنة (13هـ) وبُويِعَ الفاروق بالخلافة سارَ على نهج صاحِبَيْهِ في استعمال بني أُمَيَّة، والثقة بهم فلم يعزل أحداً منهم من عمل، ولم يجِدْ على أحدٍ منهم مأخذاً، والكُلُّ يعرِفُ صَرَامةَ عمر في مثل هذه الأمور وتحرِّيه في أمر وُلاتهِ وعُمَّالهِ، وتقصِّيه أعمالهم وأخبارهم، ومحاسبتهم بكلِّ دِقَّةٍ وحَزْم، فاستمرارهم في عهده يدُلُّ على أمانتِهم وكفايتهم، فقد بقي يزيد بن أبي سفيان والياً على دمشق، كما زاد عمر في عمل معاوية بالشام، فقد ضم إليه ولاية حمص فوق ما كان يتولاه من الأعمال.
    وهكذا استمر الأمويُّون في خلافة الفاروق، وكانوا من خيرة عُمَّالهِ، ولا يُعرَفُ عنه أنه عزل أحدا منهم رضي الله عنه.

    الفتوحات في عهد بني أمية:

    بعد أن تَمَّ الصُّلح بين الحسن بن علي، وبين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم، وبايع الحسن معاوية وذلك عام (41هـ)، فكان لأهل السنة عام الجماعة، وكان لآخرين عام الفرقة: انطلقت جيوش الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، غازية في سبيل الله، ففتحت «سوسة» و«جلولا» و«فزان» و«قصوركوار» و«خاور» و«غبرامس» و«ميلة» و«تلمسان» في بلاد المغرب الإسلامي، وغيرها.
    ثم لما وافت المنية خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين وخالهم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما سنة (60) تولى ابنه يزيد، ومع ما قيل فيه حقاً وباطِلاً، إلاَّ أنه كان شجاعاً، ذا هِمَّةٍ علِيَّة، ونفس أبيَّة، تتطلَّعُ نفسه للقتال، فاستمر في إعداد الجيوش للجهاد، وإرسال الكتائب تلو الكتائب، ففتح الله للمسلمين في عهده «المنستير» و«الزاب» وتيهرت و«طنجة» وغيرها إلى المحيط الأطلسي. ثم توالت الفتوحات، واستمرت في سائر عهود خلفاء بني أمية، حتى بلغت الفتوحات في عهدهم أقصى حد استطاعه المسلمون تقريبا، حتى أن خلفاء بني العباس، لم يستطيعوا زيادة تلك الفتوحات -مع حرصهم على ذلك- زيادةً تُذكَر، بجانب فتوحات الأمويين، فاقتصر العباسيون على حماية الثغور، والمحافظة على هذه الرِّقعة العظيمة، التي بلغت حدود الصين شرقاً، والأندلس وجنوب فرنسا غرباً، وبحر قزوين شمالاً، والمحيط الهندي جنوباً.
    بل رُبَّما لو سَلِمَت دولتُهم من ثورات الثائرين هنا وهناك، والدَّعوات السياسية السِّريَّة -بعد استقرار الأمر لبني أمية بعد وفاة يزيد- التي أشغلتها عن الجهاد والفتوحات، وأضعفت التفاف الناس عليها: لكان قد عمَّ الإسلام الأرض قاطبة.
    قال الدكتور عبد الشافي (587): (أمَّا أبرزُ أمجادِ الأمويين الباقية على الزَّمن: فهي جهودهم في ميدان الفتوحات الإسلامية، فرغم المصاعب الجَمَّةِ التي كانت تعتَرِضُ طريقهم، والقوى العديدة المعادِية لهم، والتي كانت تَشُدُّهُم إلى الوراء، فقد نفذوا برنامجا رائعا للفتوحات، ورفعوا راية الإسلام، ومدُّوا حُدود العالم الإسلامي، من حدود «الصين» في الشرق، إلى «الأندلس»، و«جنوب فرنسا» في الغرب، ومن «بحر قزوين» في الشمال، حتى «المحيط الهندي» في الجنوب.
    ولم يكن هذا الفتحُ العظيم، فتحاً عسكرياً ليبسط النفوذ السياسي، واستغلال خيرات الشعوب، كما يدَّعي بعضُ أعداءِ الإسلام، وإِنَّما كان فتحاً دِينِيّاً وحضارِياً، حيث عَمِلَ الأُمويُّون بجدٍ واجتهاد على نشر الإسلام في تلك الرقعة الهائلة من الأرض، وطبَّقُوا منهجاً سياسياً في معامَلَةِ أبناءِ البلاد المفتوحة، هيَّأَهُم لقبول الإسلام ديناً، حيث عاملوهم معاملةً حُسْنَى في جُمْلَتِها، واحترموا عهودهم ومواثيقهم معهم، وأشركوا في إدارة بلادهم، فأقبلوا على اعتناق الإسلام عن اقتناع ورضا.
    وبذلك تكوَّنَ في العصر الأموي عالمٌ إسلاميٌّ واحدٌ، على هذه الرقعة الكبيرة من الأرض، أخذ يشق طريقه تدريجياً نحو التَّشابهِ والتماثل في العادات والتقاليد والأخلاق، ومعاملات الحياة. وأخذت أُمَمُهُ وشعوبُه، تنسَلِخُ من ماضيها كُلِّهِ، وتنصَهِرُ في بوتقةِ الإسلام، الذي حقَّقَ لها العزة والكرامة والحرية والمساواة، مُكَوِّنَةً الأُمَّةَ الإسلامية) اهـ.


    العلم والسنة في عهد بني أميَّة:

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة» (8/237-239): (وبنو أمية كان الإسلام وشرائعه في زمنهم أظهر وأوسع مما كان بعدهم).
    وفي الصحيحين عن جابر بن سمرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: { لا يزالُ الأمرُ عزيزاً إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش }، ولفظ البخاري: { اثني عشر أميراً }.
    وهكذا كان، فكان الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم تولى من اجتمع الناس عليه وصار له عِزٌّ ومَنَعَة: معاوية، ثم عبد الملك
    وأولاده الأربعة، وبينهم عمر بن عبد العزيز، وبعد ذلك حصل في دولة الإسلام النقص ما هو باق إلى الآن، فإنَّ بنو أُمَيَّةَ تولَّوا على جميع أرضِ الإسلام، وكانت الدولة في زمنهم عزيزة، والخليفة يُدعى باسمه عبد الملك وسليمان، لا يعرفون عضد الدولة، ولا عز الدين، وبهاء الدين، وفلان الدين، وكان أحدهم هو الذي يصلي بالناس الصلوات الخمس، وفي المسجد يعقد الرايات، ويُؤَمِّرُ الأمراء، وإنما يسكن دارَهُ، ولا يسكنون الحصون، ولا يحتجبون عن الرعية. وكان من أسباب ذلك أنهم كانوا في صدر الإسلام في القرون المفضلة، قرن الصحابة والتابعين، وتابعيهم) اهـ.


    أسباب كثرة الافتراء على بني أمية:

    أمَّا سببُ كثرةِ الافتراءاتِ على الأمويين، فقد بيَّنَهُ الدكتور عبد الشافي في كتابه السابق ص (أ - جـ) من المقدمة، في معرض كلامه عن سبب تأليفه كتابه ذلك حيث قال: «ولقد كان الدافع لهذا العمل، أنَّ تلك الحقبة من تاريخ المسلمين، لا تزالُ في حاجة إلى دراسة واعية مُتأنية، يكون رائِدُها البحث عن الحقيقة التاريخية المجرَّدة، مُستقاةً مِن أوثق مصادرها، وإلى كلمةٍ حيادِيَّة مُنْصِفَةٍ، تقومُ على تحليل الروايات، ومقارنة الحوادث، واستنطاق النصوص التاريخية، ذلك لأنَّ مُعظم الكتابات المعاصرة -وهي كثيرة- التي تناولت هذا العصر، اتخذت موقِفاً مُعادِياً للأمويين، معتمدة في ذلك على روايات خُصُومِهم، أو آراء ذوي الهوى والميول من المؤرخين! فجاء تاريخ خلفائهم وولاتهم مشوَّهاً، يشُوبُهُ كثيرٌ من الزَّيْف والتحريف، والبعد عن حقائق التاريخ، وقد تضافرت عِدَّةُ عوامل أسهمت في ذلك التشويه، وصبغت عصر بني أمية بألوان قاتمة مُظْلِمة، منها:
    1- أنَّ معظم الأمويين وقفوا من الرسالة المحمدية موقف العداء المطلق، وحملوا لواء معارضتها، وشن الحرب ضدها أكثر من عشرين عاماً، ولم يدخلوا الإسلام إلا عند فتح مكة سنة (8 هـ).
    ومع أنهم أسلموا، وحسُن إسلامهم، إلا أن بعض خصومهم، استغلوا هذا الموقف، واتَّخَذُوا منه ذريعة للنَّيْل منهم، والتشهير بهم.
    2- أنَّ بني أمية دخلوا في صراع سياسي مع آل البيت، منذ مقتل عثمان رضي الله عنه فمالت عواطف كثيرٍ من المسلمين إلى آل البيت، نظراً لمكانتهم في نفوس الناس.
    وعَمَّقَ هذا الشُّعُور، ما تعرض له بعض أفراد آل البيت من المآسي، مما خلق شعورا يكاد يكون عاماً، بالكراهية للأُمَويِّين، حيثُ لم يكن مِن السهل على أي مسلم، مهما كان مذهبه واتجاهه السياسي، أن يرضى عن حادث مقتل الحسين رضي الله عنه ذلك الحادث الذي شَغَلَ حيزاً كبيراً في كتب المؤرخين، وأساء إلى سُمعَةِ الدولة الأموية.
    3- ما وقع فيه بعض خلفاء وولاة بني أمية من أخطاء جسيمة ...
    4- كثرةُ أعداء بني أُمَيَّة، من الخوارج، ومن الحاقدين عليهم، والطامعين في الحكم، مثل المختار الثقفي، مما اضطر الأمويين إلى الدخول معهم في معارك طاحنة، والتنكيل بهم.
    وفوق ذلك: الموالي مِن الفُرس، الذين لم ينسوا زوال دولتهم على أيدي العرب، فصبوا جام غضبهم على الأمويين، واتهموهم بالتعصب ضدهم.
    تجمَّعت كُلُّ هذه العناصر الموتورة، وكان لكل منها شُعراء وخطباء، ونقلة للأخبار ورواة، وراحت تبثُّ الشائعات في جوانب العالم الإسلامي، وتُضَخِّمُ الأخطاء الصغيرة، وتفتعل الأكاذيب، وتلفِّق الروايات عن العصر الأموي ورجاله.
    كما شارك دعاةُ بني العباس -إبان المرحلة السرية لدعوتهم، والتحضير للثورة على الدَّولة الأموية- في هذا التَّـيَّار، وأخذوا يُرَكِّزُون على تشويه سُمعةِ الخلفاء والولاة، ليخلقوا رأياً عاماً معادياً للدَّولة، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً كبيراً.
    5- ظَلَّت هذه الأخبار والشائعات، يتردَّدُ صَدَاها على أَلسِنةِ الناس، حتى بدأ عصرُ التَّدوين، فدَوَّنَ المُؤَرِّخُونَ كُلَّ ما وَصَلَ إلى سَمْعِهم، وسواء أكان حقاً أم باطلاً.
    وكان مِن سُوءِ حَظِّ الأُمويين: أنَّ تاريخهم دُوِّن في عصر خصومهم العباسيين.
    وقد لَعِبَتِ الخُصُومةُ -التي بلغت حَدَّ استئصال شأفة الأمويين، ونبش قبورهم- دورها في تشويه هذا التاريخ، وطمس معالمه.
    لقد أدَّت تلك العوامل مجتمعة، إلى تشويه كثير من جوانب التاريخ السياسي لعصر بني أمية، وتزييف عديد من حقائقه، وتلفيق الشائعات والأباطيل، حول خلفائه وولاته) ا هـ.
    وقال الدكتور محمد السيد الوكيل، في مقدمة كتابه «الأمويون بين الشرق والغرب» (1/5-6): (لم تكن الدولة الأموية نشازا في العالم الإسلامي كما يدعي بعض المستغربين.
    ولم تكن حداً فاصِلاً بين نظام الدَّولةِ الإسلامية في عهد الخلافة الرشيدة، وبين النظام الذي قامت على أساسهِ، كما يزعم بعض المتقوِّلين! الذين يُرَوِّجُونَ لِدَعوةٍ كاذبة، بأن الدولة الإسلامية، لم تكن إلاَّ في عهد الرَّسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين!
    وإنما كانت دولة إسلاميةً أصيلةً، وإن حدث فيها بعض التجاوزات، التي لا تعيبها حقيقةً كدولة، وإنما تؤخذ على بعض الخلفاء الذين حصل منهم هذه التجاوزات.
    وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن هؤلاء المتجاوزين بشرٌ يَقَعُ منهم الخطأ، كما يقع من غيرهم، لارتفع هذا اللَّوْمُ العنيفُ، الذي يُوَجَّهُ إليهم.
    نعم! إنَّ كذبة الأمير بلقاء مشهورة، وخطأه ليس كخطأ العامة، ولكنه ما دام غير معصوم، فالخطأ حاصل لا محالة، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقرر تلك الحقيقة حين يقول: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).
    على أننا ينبغي أن نعلم: (أن كثيراً من التُّهم التي أُلصِقَتْ بالخلفاء، وبخاصة بني أمية لم تثبت صحَّتُها، وإنما كانت مِن وضع أعدائهم...).
    ثم قال: (إن الذين استباحوا لأنفسهم الكذب، لا يتورَّعُونَ عن إلصاق التُّهم بغيرهم، ولا يكفُّون عن تشويه حياة أعدائهم.
    ولست أُريدُ مِن وراءِ ذلك تبرئةَ خلفاءِ بني أمية مِن كُلِّ ما نُسِبَ إليهم، ولكني أُريدُ توضيحَ حقائق لا ينبغي أن تخفى على الباحث، وهي أن كثيراً مما وُجِّهَ للخلفاء من التهم: زَيْفٌ لم يستطع أحدٌ إثباتَهُ بطريق يُمْكِنُ التَّسْليم به).
    ثم قال الدكتور الوكيل (1/8-9): (إنَّ الدَّولةَ الأُموية التي فتحت بلاد الهند والسند، حتى وصلت حدود الصين شرقاً، وواصلت فتوحاتها في المغرب العربي، بل وجاوزته إلى أوروبا، حتى فتحت الأندلس، ووصلت جنوب فرنسا، هذه الدولة، لا يُمْكِن أن تَسْلَمَ مِن ألسنة المستشرقين والمستغربين على حَدٍّ سواء ؛ لأن هذه الفتوحات المُذْهِلَة، أَوْرَثَتِ الأعداءَ حِقْداً لم يستطيعوا إخفاءَهُ، ولم يقدروا على تجاوزه، بل ظلُّوا يجترُّونه قروناً طويلة، حتى واتتهم الفرصة، بإصابة الدولة الإسلامية بالشيخوخة، التي تُصِيبُ الأمم دائماً من غير تفريق، فانقضُّوا عليها وهي تحتضر، ليأخُذُوا منها ثأرهم، وهي على فراش الموت.
    ومَهْمَا قال الحاقِدُون عن الأمويين، ومهما أثاروا الزوابع والعواصف من حولهم، فإن تاريخهم حقبةٌ مُشْرِقَةٌ مِن أحقاب التاريخ الفذ.
    وسيرى الدَّارِسُ لهذه الحقبة: ما نشَرُوهُ مِن الحضارة، وما خلَّفُوهُ وراءَهُم من النظم، وما أنجبوا من القيادات، التي ساقت جيوشهم من نصر إلى نصر، حتى دان لهم أكثرُ مِن نصفِ الأرض المعروفة في تلك الفترة من الزمان.
    وإذا تركنا الأمويين في الشرق، لِنُلْقِي نظرةً على دولتهم في الغرب، نرى ما لم يخطر لأحد على بال في تلك الفترة، نرى حضارة في العمران، في القصور الرائعة، والمساجد المبهرة، نرى الحدائق في البيوت والميادين، نرى الشوارع المرصوفة والأسواق العامرة) انتهى المقصود نقله من كلام الدكتور.
    صقر قريش:


    ويبقى بنو أمية رغم الإبادة!

    بعد أن قام بنو العباس بإبادة جماعية لبني أمية، تفلت بعض الأمويين وفروا هاربين، وكان من الأمويين الفارين -رغم الأمان الذي بذله له أعوان العباسيين- عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك المعروف بعبد الرحمن الداخل «صقر قريش».
    لقد قطع هذا الرجل النهر سباحة، وانتهز من العباسيين غفلتهم فجمع الأعوان وجيش الجيوش وذهب إلى الأندلس، وغامر مغامرات عجيبة غريبة عنيفة حتى وصل إلى سدة الحكم! وأعاد الدولة الأموية من جديد، ولكن في الغرب لا الشرق.
    هكذا قامت دولة الأمويين في الغرب أقامها رجل واحد منهم.
    قال أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي لبعض جلسائه: أخبروني من صقر قريش من الملوك؟
    فقال بعضهم: ذاك أمير المؤمنين الذي راض الملوك، وسكَّن الزلازل، وأباد الأعداء!!
    قال: ما قلتم شيئاً!
    وقال بعضهم: فعبد الملك بن مروان. قال: لا..
    فقالوا: من هو يا أمير المؤمنين؟
    قال: صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر البحار، وقطع القفار، ودخل بلداً أعجمياً، منفَرِداً بنفسه، فمصّر الأمصار، وجنَّد الأجناد، ودوَّن الدواوين، وأقام مُلْكاً عظيماً بعد انقطاعه بحسن تدبيره، وشدة شكيمته...
    إن عبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه، وطَّدَ الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور، وقتل المارقين، وأذل الجبابرة الثائرين.
    فقالوا جميعاً: صدقت يا أمير المؤمنين.
    تلك شهادة له من عدو، آثر أن يقتل بني أمية، وأن يدفن آثارهم فلا يتكلم بها أحد، ولكن شجاعة عبد الرحمن وحزمه، جعلت الخليفة يشيد به، ويذكر محاسنه مرغماً، والفضل ما شهدت به الأعداء.
    ومن العجائب في هذا أنَّ عبد الرحمن الداخل حكم ثلاثاً وثلاثين سنة، ومن بعده من بني أمية عمّروا في حكمهم بخلاف بني العباس.
    فمنذ دخل عبد الرحمن الأندلس إلى ولاية الناصر مات من بني أمية في المغرب سبعة خلفاء في الوقت الذي مات فيه من بني العباس اثنان وعشرون خليفة، ولله الحكمة البالغة.
    وعلى الرُّغم من سعي النصارى في أوروبا على إزالة هذه الدولة الفتيَّة إلا أنها تخرج في كل معركة منهزمة سوى معركة واحدة في عهد عبد الرحمن الناصر.
    خاتمة:
    وبعد هذا فمهما قال الحاقِدُونَ عن الأمويين، ومهما أثاروا الزوابع والعواصف من حولهم، فإن تاريخهم حقبة مشرقة من أحقاب تاريخ أمتنا الفذ.
    ومما يجدر بنا أن نشير هو أن الطاعنين في بني أمية لم يُعلم عنهم أنهم نصروا الإسلام أو جاهدوا مع المسلمين، أو فتحوا مصرا من الأمصار بالسيف، أو ذُكِرَ لهم تاريخ في كتب السِّيَر والمغازي سوى أنهم كانوا يعينون النصارى والمشركين على المسلمين، ويسعون في سفك دمائهم، وما حادثة إدخال التتار في بغداد قديماً والنصارى حديثاً عنا ببعيد.
    ويبقى ذكر بني أمية في سجلاَّت التاريخ شاهدا على بطولتهم ودينهم وشجاعتهم وتمسكهم بالسنة، وأمَّا أعداؤهم من الرافضة وأذنابهم فليس لهم ذِكرٌ سِوى أنهم أهل الخيانة والكذب، واللطم والبكاء في كُلِّ عام.
    هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرّ الميامين والله تعالى أعلم وهو أعز وأكرم.


    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) انظر: سير أعلام النبلاء (1/260).
    ([2]) رواه البخاري ومسلم.
    ([3]) انظر: السير للذهبي (1/261).
    ([4]) انظر: السير (1/260).
    ([5]) السير (1/329).
    ([6]) قمع الدجاجلة (230).


    منقول بتصرف






    من مواضيع ابو جندل الشمري :


    1 Not allowed!


    التعديل الأخير تم بواسطة ابو جندل الشمري ; 2009-11-04 الساعة 12:06 PM

    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  2. [2]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    لا يعد البحث عن حقيقة التاريخ الأموي ضرورة ثقافية فقط، بل يستمد أهمية تربوية ومعنوية خاصة في ضوء ما نلمسه كبارًا وناشئة من فوارق جمة بين نقاء عهد النبوة وعصر الخلفاء الراشدين ـ كما تصوره صفحات التاريخ ـ وشدة الظُلْمَة في عصر الأمويين كما تصفه تلك الصفحات.

    إن هذه النقلة المفتعلة قُصِدَ منها ـ إلى حد كبير ـ تقليص سنوات الأسوة والمجد والوَضَاءَة في التاريخ الإسلامي لأغراض يعرفها من يقدرون دور التاريخ في صياغة الأمم والدفع بها إلى آفاق أرحب.

    إن قبول التاريخ الأموي كما يُعرض علينا في جُلِّ كتابات القدماء والمحدثين يضعنا أمام تساؤلات ملحة تفرضها عدة تناقضات حادة:

    فنحن أمام دولة حققت إنجازات كبرى في مجال الفتوح ونشر الإسلام، وقدمت شخصيات فذة تركت آثارًا ضخمة في ميادين السياسة والحرب والإدارة، واستمرت تقود المسلمين ـ آنذاك ـ على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأديانهم وطموحاتهم أكثر من تسعين عامًا في دولة واحدة، امتدت من حدود الصين إلى جنوبي فرنسا..

    غير أن كثيرًا مما وصلنا من تاريخ تلك الدولة لا يتفق مع عظمة منجزاتها سالفة الذكر؛ فقد ذاع عن ذلك العصر أنه كان عصر مؤامرات سياسية، ورِدَّةٍ خُلُقية، واضطراب اجتماعي، وخلل اقتصادي، واستهانة بمقدسات المسلمين... فتولدت عن ذلك ثورات كثيرة، وسالت دماء غزيرة... وهو العصر الذي شهد - كما استقر في أذهان كثير من المسلمين - توارث الحكم بعد أن كان شورى، وتبديد أموال الدولة على هوى حكامها بعد أن كانت مصونة.. وهو العصر الذي شهد قتل الحسين - رضي الله عنه - وصلب ابن الزبير - رضي الله عنهما - وضرب الكعبة بالمنجنيق، وانتهاك حرمة المدينة المنورة، وظلم الموالي..

    إلى آخر ما يشيع عن بني أمية، وما أصبح يشكل في وعي الكثيرين صورة عن عصر قاتم..

    أما الإنجازات الكبرى التي سبقت الإشارة إليها فيثور حولها لغط كبير وغبش وجدال تصعب معه الرؤية الصافية والنظرة المتسقة..

    وبعيدًا عن ذلك التباين والتناقض - غير المبرر - بين المنجزات والمثالب.. كان لزامًا علينا أن نستحضر بعض المسلَّمات الأساسية الواضحة: منها أن تاريخ الدولة الأموية يقع في دائرة خير القرون المشهود لها بذلك من المعصوم صلى الله عليه وسلم في قوله: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" متفق عليه.. ولا يمكن للعقل تصور هذه النقلة الكبيرة التي يتحدث عنها المؤرخون بين صفاء عصر الراشدين وظلام عصر بني أمية، وما كان الثاني إلا امتدادًا طبيعيًّا للأول.. فيه عاش بقية رجاله، ومن تبعهم بإحسان.. وصاغوا تاريخه وأمجاده.. مع التسليم بوجود فارق لابد منه بين العصرين..

    كما أن ما خلَّفه الأمويون من آثار تاريخية خالدة - سبق بيان بعضها - لا يمكن أن يصدر عن حقبة تاريخية بكل تلك السوءات التي لا تلبث أن تضخِّمها كثير من كتابات المؤرخين وغيرهم.. كما أن التاريخ لا ينفرد بصياغته في عصر ما حفنة من الرجال ـ ولو كانوا متميزين ـ على امتداد هذه العقود من الزمان التي عمرتها الدولة، وإنما هو نتاج عوامل شتى تتداخل فيها تأثيرات الزمان والمكان والبشر، وتلعب فيها قوى المجتمع وتكويناته الظاهرة والمستترة دورًا كبيرًا.. ومن خلال هذا المنظور ينبغي تفسير التاريخ الأموي فلا يجوز أن يتحمل حكامه من بني أمية كل أوزاره ومثالبه، ولا أن ترد جميعها إلى صنعهم وتأثيرهم.. تمامًا كما ينبغي ألا يُنسب إليهم وحدهم شرف كل أمجاده ومفاخره..

    إن هذه الحقائق الثابتة تقودنا إلى البداية الطبيعية للحديث عن حقيقة التاريخ الأموي ألا وهي بحث الظروف التاريخية التي دُوِّن فيها ذلك التاريخ.. والعوامل المتعددة التي حكمت ذلك التدوين أو أثرت فيه.. فقد تمت كتابة التاريخ الأموي في العصر العباسي، وفي أجواء معادية لبني أمية، وعلى أيدي رجال تعددت مذاهبهم واتجاهاهم الفكرية وولاءاتهم السياسية... وقد ترك ذلك كله آثارًا ضخمة على تناولهم لتاريخ هذه الحقبة بالغة الأهمية والحساسية.. ومن هنا تأتي أهمية دراسة مصادر ذلك التاريخ وتحليل موقفها من بني أمية واتجاهات أصحابها ومؤلفيها..

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  3. [3]
    ماهر عيون
    ماهر عيون غير متواجد حالياً
    عضو شرف


    تاريخ التسجيل: Aug 2008
    المشاركات: 3,272

    وسام الشكر

     وسام كبار الشخصيات

    Thumbs Up
    Received: 6
    Given: 2
    استاذى ابو جندل لا اعرف ماذا اقول لك غير بارك الله فيك وجعلك للاسلام ذخرا فارس من فرسان السنه فعلا انت فخر لنا











    احبك فى الله

    0 Not allowed!



  4. [4]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ماهر عيون مشاهدة المشاركة
    استاذى ابو جندل لا اعرف ماذا اقول لك غير بارك الله فيك وجعلك للاسلام ذخرا فارس من فرسان السنه فعلا انت فخر لنا











    احبك فى الله
    احبك الله بالذي احببتني فيه بارك الله فيك اخي الكريم
    هذا اطراء لا استحقه اخي الكريم

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  5. [5]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    تعرَّضَ التاريخ الأموي إلى كثير من التشويه والتحريف، واتسعت هذه الظاهرة لتشمل جُلَّ مصادر التاريخ الأموي، وامتدت لتترك بصماتها على بعض كتب التفسير والحديث التي تشكل مصدرًا خصبًا من مصادر التاريخ الإسلامي في تلك الحقبة. وإذا كان الله تعالى قد قيض للحديث الشريف من يكشف صحيحه من ضعيفه وموضوعه، لما له من أهمية تشريعية خاصة فإن طبيعة علم التاريخ واتساع مجاله وتعدد عصوره وفيض رواياته قد وقفت حائلاً دون تتبع كل محاولات التحريف والكذب فيه على اتساع مصادره وتنوعها..

    أدلة تحريف التاريخ الأموي:

    وتتعدد الأدلة على حدوث الكذب والتحريف في كتابة التاريخ الأموي؛ فقد أثبت بعض المؤرخين القدماء ذلك وحذروا منه، رغم أنهم لم يجدوا بُدًّا من ذكر هذه الأخبار الموضوعة لشيوعها أحيانًا، ولكيلا يتهمهم أحد بجهل شيء ذكره آخرون.. أو لأنهم كانوا يعتبرون من الأمانة العلمية أن يذكر أحدهم كل ما يُروَى له، واتجه فريق آخر منهم إلى الانتقاء من هذا الركام الكبير فاختار ما صَحَّ عنده، ونبه إلى زيف كثير مما عداه..

    فيقول شيخ مؤرخينا القدماء ابن جرير الطبري في مقدمة كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "فما في كتابي هذا من خبر يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، فليعلم أنه لم يأت ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِّيَ إلينا".. ويروي أبو الفرج الأصفهاني ما يعتبره من أكاذيب بعض الرواة وينبه إليه أحيانًا فيقول:"... وهذا من أكاذيب ابن الكلبي وإنما ذكرته على ما فيه لئلا يسقط من الكتاب شيء قد رواه الناس وتداولوه"..

    هذا بينما ينتقي ابن الأثير بعض الروايات ويهمل بعضها ويقول في سبب ذلك: ".. فإن الناس قد حشدوا تواريخهم بمقتضى الأهواء".. ويشن ابن العربي حملة عنيفة على أهل الأهواء من المؤرخين.. ولا يثق إلا برواية أهل الحديث الذين يتفحصون رواياتهم ويميزون بين غثها وسمينها، ويقول: "وغير ذلك هو الموت الأحمر والخطر الأكبر؛ فإنهم ينشئون أحاديث استحقار الصحابة والسلف والاستخفاف بهم، واختراع الاسترسال في الأقوال والأفعال عنهم.. فإذا قاطعتم أهل الباطل، واقتصرتم على رواية العدول سلمتم من هذه الحبائل"..

    وقد حاول خصوم الأمويين تشويه صورتهم أثناء وجود دولتهم وبعد زوالها.. من ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني من أنه لما تزوج خالد بن يزيد بن معاوية رملة بنت الزبير بن العوام أنشد فيها أبياتًا من الشعر، فتلقف بعض خصوم الأمويين هذه الأبيات وزاد فيها:

    فإن تسلمي نسلم وإن تتنصري يخط رجال بين أعينهم صلبانًا

    فلما سمع عبد الملك بن مروان هذا الشعر قال لخالد: تنصرت يا خالد؟ فقال: وما ذاك؟ فأنشده هذا البيت، فقال خالد: على من قاله ومن نحلنيه لعنةُ الله..

    وقد يكون الخوف من بني أمية حال أحيانًا دون التمادي في صنع الروايات ضدهم، فلما ذهبت دولتهم اتسع نطاق الكذب ضدهم، حتى أصبح الكذابون يقدِّمون قصصًا مخترعة بكاملها فقد ذكر الأصفهاني - أيضًا - أنه قد وقع فَخَارٌ بين رجل من زنادقة الشعوبية ورجل من ولد الوليد بن عبد الملك ـ وذلك في دولة بني العباس ـ خرجا فيه إلى أن أغلظ المسابة، فوضع الشعوبي عليهم كتابًا زعم فيه أن أم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك عشقت الشاعر وضاح اليمن، فكانت تدخله صندوقًا عندها، إذا خافت عليه أن ينكشف أمره، فوقف على ذلك خادم للوليد فأنهاه إليه، وأراه الصندوق فأخذه الوليد فدفنه، ودفن الشاعر فيه حيًا!!..

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  6. [6]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    عوامل تحريف التاريخ الأموي

    إن تدوين العلوم لم يصبح ظاهرة واسعة مشتهرة إلا في العصر العباسي، لكن ذلك لم يحدث فجأة، وإنما سبقته مراحل طويلة كانت العلوم تُدَوَّن فيها على استحياء كعامل يساعد الذاكرة والحفظ، الذي ظل يمثل عماد الحركة العلمية الأكثر احترامًا وتقديرًا.. وقد وُجِدَتْ عدة عوامل أحاطت بذلك التدوين التاريخي في طوره التمهيدي الباكر قبل العصر العباسي، وفي طوره النشط الذي أصبح فيه ظاهرة عامة.. وبعض هذه العوامل أثَّر تأثيرًا كبيرًا على تحريف التاريخ الأموي مثل ضياع معظم النتاج التاريخي الباكر، ومن المؤكد أن كثيرًا من ذلك النتاج التاريخي كان سينصف بني أمية، وسيلقي مزيدًا من الضوء على تاريخهم، وسيعطي وجهات نظر محايدة عنهم أو مؤيدة لهم، إذا كُتِبَ معظمُه في عهدهم، وبأيدي بعض رجالهم، أو علمائهم المقربين منهم والخبيرين بهم، لقد حكمت دولة بني أمية المسلمين أكثر من تسعين سنة، وكان لهم في هذه المدة دعاة وأولياء وحواريون من مؤرخين وفقهاء ومتأدبين وشعراء، وعلى ذلك فمن البديهي أن نفترض أنه كان هناك نتاج ضخم من الكتابات لصالح بني أمية ودولتهم، ولم يأخذ حظه من العناية والتدوين، أو من النشر والإذاعة، أو تعرض عمدًا للإضاعة والإخفاء، ويذكر المسعودي ما يعزز هذا الافتراض بقوله: "ورأيت في سنة 324 هـ بمدينة طبرية من بلاد الأردن من أرض الشام عند بعض موالي بني أمية ممن ينتحل العلم والأدب، ويتحيز إلى العثمانية.. كتابًا فيه نحو من ثلاثمائة ورقة بخط مجموع مترجم بكتاب "البراهين في إمامة الأمويين.. ونشر ما طوي من فضائلهم.. أبواب مترجمة، ودلائل مفصلة"..

    كما ضاعت جُلُّ الوثائق السياسية لذلك العصر بما تحمل من دلالات قوية على سير الحياة فيه من وجهة نظر حكومية أو إدارية. وقد ساعدت عدة أسباب على ضياع ذلك التاريخ:

    منها نظرة العلماء آنذاك إلى الآثار المكتوبة كعامل مساعد فقط على التذكرة والحفظ، دون أن يُعَوَّل عليها بشكل أساسي في التعليم وحلقات الدرس؛ وذلك لتخوُّفهم مما يَعْرِض للكتابة من تغيير وتبديل أو نسخ وإزالة أو تحريف وتصحيف...

    ومن هذه الأسباب قيام كثير من الثورات التي أكلت كثيرًا من التراث المعارض لها وسط مظاهر الغضب الجامح، بل إن كثيرًا من هذه الوثائق السياسية الخاصة بالعصر الأموي كان قد لحقها الدمار حين تعرضت بعض الدواوين التي كانت تحفظ فيها للحريق في أيام بني أمية، مثلما حدث في ديوان الكوفة الذي احترق بما كان يضمه من وثائق سنة 82 هـ إبان فتنة ابن الأشعث، ومثلما حدث لديوان الفسطاط الذي تعرَّض للحريق أيضًا في العصر الأموي.. وهكذا لم يبق من مستندات الدولة الأموية إلا ما ندر من أوراق البردي أو بعض المسكوكات التي عُثِرَ عليها أخيرًا، وبعض النصوص الوثائقية التي حفظتها لنا كتب التاريخ المتأخرة مثل ابن سعد والبلاذري والقلقشندي وغيرهم، والتي يجب تناولها بحذر شديد؛ إذ إن معظمها قد نَقَلَ من كتب متقدمة وليس من الأصول، كما أسفرت جهود العلماء حديثًا عن اكتشاف بعض قصور الخلفاء والأمراء الأمويين بالشام، مما يعطي صورة قريبة من واقع التطور المعماري والفني في العصر الأموي، واهتمام الأمويين بهذه النواحي الحضارية، ومدى ما بلغوه في هذا الشأن.. ومن المؤكد أن ضياع هذه الآثار التاريخية عن دولة الأمويين قد أساء كثيرًا إلى تاريخهم حيث انفردت الكتابات المتأخرة والتي تم معظمها في العصر العباسي بالتأثير الأكبر والدور الأعظم في رسم صورة بني أمية، ومعروف عداء العباسيين للأمويين.

    ومن أسباب ذلك التشويه الذي أصاب التاريخ الأموي تأثير الحزبية السياسي على عملية تدوينه، فقد شهد العصر الأموي تكوين عدد من التجمعات الإسلامية التي ناصبت الأمويين العداء كالشيعة والخوارج والزبيريين، وبعضها نشأ متأخرًا نتيجة اجتهادات دينية وكلامية مثل المعتزلة، كما كان هناك بعض الموالي الفرس الذين اعتصموا بقوميتهم الفارسية وشكلوا جبهة مناوئة للأمويين في معظم فترات تاريخهم، وقد كان لهذه التجمعات جهود بارزة في تشويه صورة بني أمية كحلقة من حلقات العداء لهم أثناء قيام دولتهم وسيطرتها، كما أسهم بعض تلك التجمعات في تحريف تاريخ الأمويين عندما كُتِبَ ذلك التاريخ بعد ذهاب دولتهم، حيث برز كثير من المؤرخين الذين يدينون بأفكار تلك الاتجاهات المعادية للأمويين، وكان من الطبيعي أن تأتي كتاباتهم عنها متأثرة بذلك العداء.. وكان للشيعة الدور الأبرز في ذلك المجال.. حيث وضعوا الأحاديث في فضائل علي - رضي الله عنه - وبنيه، ووضعوا الأخبار الكاذبة على خصومهم الأمويين، حتى قال مؤرخهم ابن أبي الحديد:"واعلم أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من وجهة الشيعة؛ فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلقة في صاحبهم، حملهم على وضعها عداوة الخصوم".. وكان الإمام الشعبي يقول عنهم: لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدًا وأن يملئوا بيتي ذهبًا على أن أكذب لهم على عليٍّ لفعلوا، ولكن ولله لا كذبت أبدًا.. وكذلك كان بعض الصادقين من آل البيت يبرءون من هؤلاء الكذابين على الملأ، ويحذرون منهم مثل: علي زين العابدين وجعفر الصادق وعمر بن علي بن الحسين..

    وإذا كان ذلك الكذب كله قد تم في العصر الأموي، وفي أثناء سيطرة الأمويين، وفي الحديث الشريف والتاريخ معًا، فإنه قد ظهر منهم جماعة في العصر العباسي من كبار المؤرخين الذين ترجموا تلك العداوة المتأصلة إلى تَزَيُّدٍ في روايات التاريخ الأموي، واختلاق لبعض الأخبار التي تسيء إلى بني أمية وتشوه سيرتهم، وتلوين لأخبار ثورات الشيعة ضد بني أمية بألوان البطولة والتعاطف مع الثائرين، والاتهام والتشنيع على الأمويين، ومن هؤلاء المؤرخين البارزين: أبو مخنف لوط بن يحيى وهشام بن الكلبي، وأبوه محمد بن السائب الكلبي ثم الأصفهاني واليعقوبي والمسعودي وغيرهم..

    وبرع عديد من المؤرخين الموالي ـ من المسلمين غير العرب ـ في التاريخ وروايته مثل: الواقدي والمدائني وابن إسحاق وأبي معشر السندي وأبي عبيدة والبلاذري والطبري والدينوري وغيرهم.. واحتفظ بعض هؤلاء الموالي بقوميتهم الفارسية وأحقادهم على العرب واستعلائهم عليهم، وشمل ذلك العداء الدولة الأموية التي مثلت عندهم الرفعة العربية والانتصار الإسلامي مما كان له أثره في تلوين كتاباتهم عن الأمويين بألوان التعصب والعنصرية والبغضاء.. وبرع بعض هؤلاء الموالي في تأليف كتب المثالب يجمعون فيها كل ما يشتهون من مساويء العرب وقبائلهم ورجالهم وقد ينسبون بعض هذه الكتب إلى رجال من قادة العرب أنفسهم، ليخفى غرضهم، ويشيع وضعهم ومن أبرز هؤلاء المؤرخين الموالي: أبو عبيدة معمر بن المثنى، وغيلان الشعوبي، والهيثم بن عدي... وقد ضاعت كتب المثالب فلم تصلنا، ولكن وصلتنا روايات أصحابها في كتب التاريخ.. وما أحرانا أن نقف عندها وقفة متريثة وقد عرفنا اتجاهات أصحابها ونواياهم..

    وظهرت فرقة المعتزلة في الفترة الأخيرة من عمر الدولة الأموية، وكان موقف المعتزلة من الأمويين سافر العداء؛ إذ يعدونهم فاسقين وفاقدين للعدالة التي يجب توافرها في الخلفاء، وهم يعتبرون أن الفاسق في منزلة بين الإيمان والكفر - وهو ما يعبرون عنه في أحد أصولهم الخمسة بالمنزلة بين المنزلتين - وهو على ذلك في النار، إذ لا توجد في الآخرة إلا الجنة والنار..

    ومعروف أن الصلة وثيقة بين التشيع والاعتزال؛ فقد تأثر المعتزلة كثيرًا ببعض آراء الشيعة، مما أدى إلى كراهية مشتركة للأمويين وتحامل عليهم.. وكان جماعة من أبرز المؤرخين والأدباء يدينون بالاعتزال، وقد ظهر ذلك واضحًا في كتاباتهم المعادية للأمويين، والتي يُخرج بعضها الأمويين عن دائرة الإسلام إلى دئرة الكفر - لا الفسوق فحسب!! - ومن أشهر هؤلاء وأشدهم عداًء للأمويين: الجاحظ، وابن أبي الحديد..

    وقد مر بنا القول بأن حركة تدوين التاريخ - والعلوم عامةً - إنما نشطت وأصبحت ظاهرة عامة في العصر العباسي.. وقد كان ذلك من سوء حظ بني أمية الذين كُتِبَ تاريخهم في ظل السيطرة العباسية المعادية.. كتاريخ دولة مهزومة، يحيط بتدوين تاريخها مناخ فكري معادٍ لها، ومناخ سياسي متسلط ضدها، وقديمًا قيل: ويل للدولة المهزومة حين يكتب تاريخها المنتصرون..

    على أن قوة الأمويين لم تنتهِ بانهيار دولتهم.. بل انبعث أحدهم - عبد الرحمن بن معاوية "الداخل" - عبر البحار والمفاوز ليصل إلى بلاد الأندلس، فيقيم بها دولة ظلت تنافس العباسيين وتهددهم في بعض الأحيان، وظلت ذكراهم عالقة في في نفوس بعض المسلمين الذين صدمهم الواقع بعد ذهاب دولة الأمويين، وتبخُّر الأحلام في تغيير حقيقي ورديء، حتى قال قائلهم:

    يا ليت جور بني أمية عاد لنا يا ليت عدل بني العباس في النار

    ونتيجة لهذا الخوف من الخطر الجاثم في الشمال الغربي الأقصى واحتمالات امتداده عبر ما تبقى من عصبية للأمويين في المشرق، مع ما يغذي هذه المخاوف من ماضٍ مؤلم من الحروب والصراع بين الأمويين وخصومهم إبان حكمهم... نتيجة هذه العوامل جاء الانتقام المريع من الأمويين على يد العباسيين وأعوانهم، وقصص هذا الانتقام تملأ صفحات من التاريخ، ورغم ما قد يكون فيها من تحيز ومبالغة وافتعال فإنها تظل حية الدلالة على مشاعر الكراهية التي حكمت سنوات من خلافة العباسيين ضد الأمويين، فقد أعمل العباسيون القتل الذريع فيمن اشتهر من رجالهم، حتى اضطر كثير منهم إلى الاختفاء عن العيون والتسمي بغير أسمائهم، والانتساب إلى غير جدودهم..

    ولم يكن ذلك العداء مقصورًا على الفترة التي تلت نجاح العباسيين في إقامة دولتهم بل ظل يثور ويخبو حينًا بعد حين، حتى إننا نجد الخليفة المعتضد العباسي يصدر منشورًا سنة 284 هـ يُقرَأ على العامة يقول فيه: "اللهم العن أبا سفيان بن حرب ومعاوية ابنه ويزيد بن معاوية ومراون بن الحكم وولده، اللهم العن أئمة الكفر، وقادة الضلال، وأعداء الدين ومجاهدي الرسول ومغيري الأحكام وسفاكي الدم الحرام، اللهم إنا نبرأ إليك من موالاة أعدائك..... " إلخ..

    ولما ضعف سلطان الخلفاء وذهبت قوة الخلافة في العصر العباسي الثاني، أصبحت السلطة الكاملة في يد المتغلبين من الجند، وقامت الدويلات المستقلة التي اتخذ بعضها التشيع الغالي مذهبًا، كالفاطميين والبويهيين، ولقد ظهر في ذلك العصر جماعة من أشهر المؤرخين في تاريخ الإسلام كالطبري (ت310هـ) والمسعودي (ت346هـ) وابن الأثير (ت630هـ) ولم يعد توجه الدولة السياسي صوب معاداة بني أمية؛ فقد ذهبت دولتهم وزال خطرهم، وظهرت مستجدات سياسية جديدة.. غير أن عوامل أخرى أسهمت في استمرار النظرة التاريخية المتحاملة على الأمويين:

    منها استقرار الرواية التاريخية إلى حد كبير بشأن الدولة الأموية؛ فبعد مضي عقود من الزمان على ذهاب تلك الدولة كانت أجيال من الرواة لأخبارها الذين نشئوا في عصر العداء الشديد لها قد تركوا رواياتهم وكتبهم لتمثل المادة التي سيبني عليها المتأخرون من المؤرخين في العصر العباسي الثاني وما تلاه.

    ومنها أنه في غياب السلطة الشرعية المؤثرة للخلافة المقهورة، وشيوع روح الخوف والبطش من الجند المتغلبين على الخلافة، علا شأن طبقة من العوام والغوغاء، تغذوها مشاعر الكراهية التي تأصلت منذ عصور سالفة ضد الأمويين، كما تغذوها اتجاهات بعض الدويلات المستقلة من التشيع والمغالاة والرفض..

    كانت هذه أبرز العوامل التي أدت إلى تحريف التاريخ الأموي، وإن وُجدت عوامل أخرى مساعدة قادت إلى نفس النتيجة وإن لم تقصد إليها:

    من ذلك ظهور التأثيرات الإقليمية على الكتابات التاريخية، وقد بدا ذلك عندما ظهرت مدارس تاريخية متميزة في عدد من الأمصار الإسلامية.. مثل مدرسة العراق والحجاز ومصر والشام، وقد نشطت حركة التدوين التاريخي في مدرستي العراق والحجاز، وكلا المصرين كان من المعارضين في أحيان كثيرة للأمويين؛ فتأثرت كتابات مؤرخيه بهذا العداء القديم.. ونظرة عجلى في تاريخ الطبري تثبت تغلب الروايات الحجازية والعراقية على ما سواها، والطبري شيخ لكثير ممن تلاه، وعلى ذلك جاءت معظم أخبار أحداث ثورة الحسين وغيرها من ثورات الشيعة وثورات الخوارج، ومعظم أخبار ولاة الأمويين البارزين كزياد والحجاج وخالد القسري من رواة مدرسة العراق، مما لونها بألوان العداء، كذلك جاء معظم أخبار أحداث ثورة الحَرَّة، وثورة ابن الزبير، وأخبار مجتمع الحجاز.. متأثرة برواة مدرسة الحجاز التاريخية، ومن المؤسِف ذلك الضمور الملحوظ في نشاط التدوين في مدرسة الشام آنذاك، والتي كنا نتوقع أن تجيء أكثر إنصافًا للأمويين ودولته


    منقول

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  7. [7]
    ابوالبراء البغدادي
    ابوالبراء البغدادي غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابوالبراء البغدادي


    تاريخ التسجيل: Aug 2009
    المشاركات: 1,357
    Thumbs Up
    Received: 1
    Given: 0
    بوركت وطاب مسعاك وجعل الجنة مثواك اخي العزيز

    0 Not allowed!



  8. [8]
    إسلام علي
    إسلام علي غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية إسلام علي


    تاريخ التسجيل: Mar 2005
    المشاركات: 12,009
    Thumbs Up
    Received: 1,093
    Given: 2,479
    جزاك الله خيراً أخي الحبيب أبو جندل
    إن شاء الله سننقل نشاطنا لقسم الدعوة
    عملاً بوصية المهندس الحبيب م / مهاجر

    ولنا صولات وجولات قادمات
    حتى يعلم الجميع خطر أعداء الأمة

    ويكفينا نوم وغفلة وسطحية
    تحياتي

    0 Not allowed!



    لنعمل بجدية لتحسين مجال العمارة والإنشاء في سبيل خدمة أمتنا وهويتها الإسلامية, لا للتغريب ولا للعبثية والتفاخر في العمارة.
    لنتجنب أن نكون ممن قال الله فيهم
    : ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون )

  9. [9]
    م عامر
    م عامر غير متواجد حالياً
    مشرف الملتقى العام
    الصورة الرمزية م عامر


    تاريخ التسجيل: Nov 2007
    المشاركات: 6,550
    Thumbs Up
    Received: 184
    Given: 186
    حياك الله وبارك بك أخي الحبيب أبو جندل ..
    معلومات طيبة ..

    0 Not allowed!


    -----
    الحمد لله الذي أكرمنا بنعمة الإسلام
    {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (56) سورة الأحزاب
    أللهم ارزقنا نعمة الرضى واجمعنا مع الحبيب المصطفى في جنات العلى
    -----
    موقع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم


  10. [10]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابوالبراء البغدادي مشاهدة المشاركة
    بوركت وطاب مسعاك وجعل الجنة مثواك اخي العزيز
    بارك الله فيك اخي ابو البراء

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  
صفحة 1 من 6 12 3 4 5 ... الأخيرةالأخيرة
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML