جمع شتات الكلمات و هو يحاول جاهداً كبح دموعه و قال للطبيب ..
ماذا تقصد بكلامك هذا .. ؟
تلجلج الطبيب و هو يقدم له التقرير الطبى و قال ..
التحليل أثبت تفشى السرطان فى صدر زوجتك بدرجة كبيرة يعجز التدخل الطبى عن منعها .. حاول أن تجعلها تحيا أخر أيامها فى سعادة و تذكر أنه قضاء المولى عز و جل .
لم يسمع الطبيب رد من الزوج سوى دموع حارة أغرقت وجهه و يد ترتعش و هى تحاول الأمساك بالتقرير الطبى .. و عبارة الأيام الأخيرة تتردد فى أذنه بشكل مخيف ..
========================

تعال معى ..
إلى أين تأخذنى .؟
لا تسألى الآن .. ستعرفين فيما بعد ..
تسحب يدها من يده و تتسمر فى مكانها و ملامح العند تتجسد على وجهها و هى تقول .
لن أذهب الى اي مكان قبل أن أعرف الى اين تأخذنى ..!
حتى لو قلت لك أنها مفاجئة ..؟
تهز رأسها مرتين متتاليتين و هى تزداد عنداً و تقول ..
هذا لا يمنع ..
يقترب منها حتى تتلامس أنفاسهما و يقول بصوت هامس .
أستحلفك بحبى أن لا تسألى الآن و ستعرفين فيما بعد ..
تبتعد قليلاً عنه و تقول بخجل .
دائما ما تمتلك أساليب ملتوية يا عادل فى أقناعى بما تريد .
و تمسك يده من جديد و يسيران جنباً الى جنب و كل منهم يرسم بسمة حانية على وجهه .

======================

حاول جاهداً أن يمحو اثار الدموع من مقلتيه و هو يدلف من باب المنزل .. و قف طويلاً فى ردهته و هو يتذكر يوم أن طلب منها المجئ معه الى مكان ما و تبسم عندما تذكر رفضها الشديد لذلك و أصرارها على أن تعرف ما هو ذلك المكان الذى يرغب فى الذهاب إليه و تذكر أيضا كيف أحتضنته فى لامبالاة عندما علمت أنه حصل أخيراً على عش الزوجية السعيد .. أو الذى كان كذلك .!

تقدم بضع خطوات و بدأ فى تفحص كل ركن بالمنزل . .. فى هذا المكان ضحكا و فى ذاك تشاجرا و فى ذلك الركن طبع قبلة على رأسها لكى تنسيها سبب شجارهما .
رفع رأسه الى الحائط .. صورة الزفاف تتوسطه .. تذكر ذلك اليوم جيداً كما لو كان لا يزال يسكن فى جنبات زمنه المنقضى .. أغمض عينيه و غاص فى بحر الماضى .

=======================

هل تعدنى بشئ .. ؟
وما هو يا حبيبتى .؟
أن لا تتزوج بعدى .. و أن أكون أول و أخر حبيبة فى حياتك .
يغمض عين و يفتح الآخرى وهو يقول مداعباً .
و كيف تضمنين أنك أول حبيبة فى حياتى ..؟
تضغط على يديه و تقترب منه حتى شعر بقلبه يقفز من جسده ليسكن جسدها و تقول .
لأنى أحبك منذ أن كنت طفلة .. و أنت تعشقنى منذ أن كنت فى رحم أمى .
ثم ترك نفسه ليذوب بداخلها .. و لما لا و هى أول و أخر حب فى حياته .

=============================

جلس على آريكة فى نهاية الردهة و بدأ يبكى كالطفل .. تذكر كيف كانت تحب أن يناديها بصفة الأمومة . و تذكر عندما قالت له أنها تشعر به كما لو كان أبنها فعلا الذى لم تلده . ذكريات شتى حاصرته من كل الجوانب . هى كل ما يملك فى الحياة .. بل هى الحياة ذاتها .

=========================

مضى عليه و هو فى تلك الحالة ما يزيد عن السبع ساعات و هو شارد العقل و الوجدان .. شعر بيد تربط على كتفه فتبسم و سارع فى أخفاء دموعه بيده و هو يقول ..
لماذا نهضت من السرير يا حبيبتى ..؟
تجلس الى جواره و تضع رأسها على صدره و تقول ..
لأنى لا أشعر بالراحة سوى هنا ..
و تشير الى صدره فيتنهد و يحاول أن يبدو طبيعيا .. و فى عقله يدور أمر واحد .. كيف سيعيش يوماً واحداً بعدها .؟
يضمها أكثر الى صدره .. يشعر كما لو أن ضلوعه قد أمتزجت بضلوعها .. يطلق زفير طويل و يغلق جفونه بعد أن تأكد من نومها على صدره .. و يقرر أن يطرق باب عالم الأحلام و هو فى تلك الحالة لربما كان ذلك العالم أرحم من عالمه الآن .. ربما .!
========================

طرقات تعلو على باب المنزل .. تفتح جفونها و تحاول أن تستوعب مصدر ذلك الضجيج .. تنادى عليه لكى يفتح الباب فلا يرد عليها .. تلمس وجهه بأناملها و تلتمس له الأعذار لنومه العميق و تقرر أن تقوم هى بفتح الباب .
تمضى فى خطوات ثقيلة نحو الباب لتفتحه و تجد شخص يحمل مجموعة من الأوراق يقول بصوت رصين .
أليس هذا منزل الأستاذ عادل حسين ..؟
تقول بصوت منهك .
نعم هو بالفعل ... هل هناك شئ ؟
يقول و هو يتفحص الأوراق التى بيده و قد بدا صوته متردداً بعض الشئ ..
بلغيه أسفنا لحدوث خطأ فى نتيجة التقارير و الفحوصات الطبية التى أستلمها بالأمس و لقد كان الخطأ بسيط حين قام عامل المعمل بلصق أسم صاحبة التحليل على تقرير لا يخصها هى بل يخص مريضة أخرى و قد أصر الطبيب على أن أقوم بتسليم الأستاذ عادل نتيجة التحليل الصحيحة بأسرع وقت و أن أبلغه أن النتيجة الصحيحة أثبتت أن الموضوع لا يتعدى التهاب رؤى ..
ثم يسلمها بعض الأوراق و هو يتمتم بعبارات أسف متتالية فترد هى بعبارات شكر مقتضبة و تغلق الباب و تهرول الى زوجها النائم منذ الأمس على الآريكة .. تقترب منه و تنظر الى وجهه جيدا الذى طالما أحبت مظهره و هو نائم .. تداعبه لكى يصحو و تثبت له أنها على حق عندما أصرت أن مرضها لا يستدعى كم القلق الذى كان يعيشه و لكنه لا يستجيب .. تنادى بأسمه فلا يحرك ساكناً .. يحتل وجهها كل ملامح الرعب و هى تهزه و تصرخ مرات عديدة بلا جدوى .. فلقد فارق ... الحياة !


منقول للامانة
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى