العربي لا يكون إسرائيليا!
الأهرام في 17/8/1999
بقلم : فهمي هويدي
يكون المرء عربيا أو إسرائيليا، أما ان يجمع بين الصفتين فذلك أمر مستغرب حقا.
أو كيف ينسب المرء إلى قاتله؟!
(1)
أثار هذا السؤال عندي حدثان تتابعا خلال الأيام الماضية أولهما إقرار الكنيسيت اقتراح رئيس الحكومة الإسرائيلية تعيين عضو الكنيسيت العربي عن حزب العمل نواف مصالحة نائبا لوزير الخارجية، وقد اعتبر القرار حدثا احتفي به البعض واعتبروه من دلائل الاعتدال في موقف السيد باراك، خصوصا ان هذه هي المرة الأولي منذ قيام دولة إسرائيل التي يعين فيها عربي إسرائيلي في مثل هذا المنصب .
الحدث الثاني في موقع بعيد جغرافيا حيث أثار البعض في جنوب إفريقيا جدلا مازال مستمرا حول مصطلح الأفارقة البيض وكان رئيس جنوب إفريقيا الجديد شابومبيكي ابرز شخصية شاركت في الجدل، بل لعله من فجره، حين قال في خطاب علني انه حين يتحدث عن الأفارقة فانه يقصد السود وليس غيرهم، وبعد ذلك كتبت واحدة من علماء التربية السود- السيدة توبيكا موار مقالا تحت عنوان هل يمكن للبيض ان يكونوا أفارقة؟ قالت فيه ما نصه: انه لأمر مضحك ويدل على الغطرسة ان يفتح باب الاجتهاد في إمكانية إطلاق صفة الإفريقي على مواطن جنوب إفريقيا الأسود . لكن مالا ينبغي الاختلاف حوله هو ان البيض في جنوب إفريقيا هم أوروبيون أولا وأخيرا، ولا مهرب من ذلك . وأضافت الكاتبة التي ترأس إحدى اللجان التابعة للرئيس مبيكي قائلة إن هدف البيض في جنوب أفريقيا من وراء ادعائهم بأنهم أفارقة هو تمكينهم من الاحتفاظ بحق ملكية الأرض.
هذا الكلام استتبع ردا من جانب بعض الصحفيين البيض، اتهموا فيه توبيكا موار بالعنصرية، الأمر الذي دفع آخرين من السود للمشاركة في الجدل والدفاع عن موقفها، وكانت أهم نقطة قيلت في هذا الصدد هي أن البيض الذين جاء أكثرهم من هولندا قبل قرنين من الزمان كانوا غاصبين وغرباء، وأنهم تمسحوا في الهوية الإفريقية لكي يسوغوا استمرار اغتصابهم للثروة وللسلطة في البلاد، وبعد انتهاء حكمهم العنصري يجب فضح الأكذوبة، ومن ثم لا مفر من إسقاط مصطلح الإفريقي الأبيض.
(2)
لا أخفي أنني كنت اشعر بغصة كلما قرأت مصطلح العربي الإسرائيلي ومن البداية اعتبرته مسكونا بجريمتين اثنتين، أولاهما أنه يطمس الانتماء الفلسطيني ويلغيه من حيث انه لا يذكره أصلا . ثم انك إذا دققت في حرفية ذلك المصطلح فلن تعرف ما إذا كان ينصرف إلى الفلسطينيين أم المغاربة أم اليمنيين أم العراقيين والآخرون عرب أصلاء، ولكنهم يهود وان تسموا هناك بالشرقيين . من ناحية ثانية فانه يلحق العرب بالدولة الإسرائيلية التي انتزعت أرضهم وقتلت وشردت أهلهم، وهدمت قراهم واغتصبت وطنهم، وفي ذلك ذل ما بعده ذل .
بسبب ذلك فقد ظللت أرى مصطلح العربي الإسرائيلي دائما مجللا بالدم ومسكونا بالذل، وهذا هو سر الغصة التي تنتابني كلما وقعت عيناي عليه . حيث أجده يخلع المرء من فلسطينيته ويلحقه بجسم رافض له وغير معترف به أصلا، وإن أوهمه بأنه صار جزءا منه .
حين تابعت الجدل المثار في جنوب إفريقيا، الذي تزامن مع تعيين السيد مصالحة نائبا لوزير الخارجية في إسرائيل، وجدت أن الأفارقة معهم حق، وأنهم بعد سقوط النظام العنصري الأبيض الذي أذلهم طيلة مائتي عام أصبحوا في موقف يسمح لهم بفضح الأكذوبة ونزع القناع الذي تخفى وراءه الوجه القبيح . فهؤلاء البيض لم يكونوا أفارقة يوما ما ولكنهم انتحلوا ذلك الانتماء ليقنعوا أصحاب البلاد الأصليين بأنهم صاروا جزءا منهم وشركاء لهم ليس حبا في سواد عيونهم أو بشرتهم، ولكن بالدقة لكي يضفوا شرعية على امتلاكهم للأرض واستحواذهم على أكبر نصيب من الثروة، كما قالت بحق السيدة توبيكا.
الوضع معكوس في فلسطين فهؤلاء الغزاة البيض أيضا الذين قدموا من إرجاء المعمورة لكي يستوطنوا تلك البلاد التي اعتبروها أرضا بلا شعب، أسسوا دولتهم وفعلوا ما فعلوه بالفلسطينيين، ولم يلجأوا إلى حيلة البيض في جنوب إفريقيا حين ادعوا انهم اصبحوا أفارقه مثلهم، وإنما سلكوا مسلكا أكثر فجاجة وغطرسة، فبعد أن اغتصبوا فلسطين وأقاموا على جثتها دولة إسرائيل، فرضوا سلطانهم على الفلسطينيين وقالوا لهم في نهاية المطاف: لقد صرتم بدوركم إسرائيليين!- ولابد من الوصف الحقيقي لهم، إنهم عرب تحت الاحتلال منذ عام 48، فإنهم أصبحوا في أدبيات هذا الزمان عربا إسرائيليين!
ذلك أمر مفهوم في الخطاب الإسرائيلي، لأن تذويب الفلسطينيين، وإلغاء ذاكرتهم، وخلعهم من هويتهم وكل انتماء أصيل لهم، وذلك كله مطلوب لتعزيز شرعية الدولة الإسرائيلية وتثبيت أركانها . حيث يظل كل انتقاص من فلسطينية العرب هناك، هو إضافة تلقائية إلى رصيد شرعية الوجود الإسرائيلي، فما بالك إذا ذهب الانتقاص إلى حد الإلغاء والطمس المطلق؟
لكن ما يتعذر فهمه وقبوله هو تسريب ذلك المصطلح إلى لغة الخطاب العربي، إلى الحد الذي يدفع البعض إلى الحفاوة بتعيين عربي إسرائيلي في منصب نائب وزير الخارجية، وهو أعتبره أعلى مراتب المذلة والمهانة، وهل هناك مذلة أو مهانة أكبر من أن يضم الفلسطيني إلى جسم الإدارة التي تتولى قهر أهله بل ونجده معبرا عن سعادته بذلك الاختيار؟
(3)
أدري أن ميزان القوة الآن في صالح إسرائيل، وأن فلسطيني الداخل ليسوا في موقف يسمح لهم بفتح الملف علنا- كما في جنوب إفريقيا- ودعوة الجميع إلى الاختيار بين أن يكونوا فلسطينيين أو إسرائيليين .
فثمة واقع مفروض يجبر الفلسطينيين على التعامل مع الإدارة الإسرائيلية، وحمل الهويات الإسرائيلية، ولا تثريب على المضطر والمكره، لكن المشكلة هي مع من التحق بالهوية الإسرائيلية عن اقتناع ورضا، أو عن انتهازية وطمع، وقد أسعدني أن هناك مقاومة في الداخل الفلسطيني لذلك الالتحاق- الذي يوصف بالأسرلة اشتقاقا من كلمة إسرائيل- وأن ثمة جدلا حول الموضوع بين النخبة الثقافية والسياسية، رغم أنه لم يصل إلى حد الدعوة إلى المفاضلة بين ما هو عربي وما هو إسرائيلي .
لكننا قبل ان نتطرق إلى ما يجري في الداخل الفلسطيني بحاجة إلى تحرير نقطة من الأهمية بمكان تتعلق بمفهومنا للدولة الإسرائيلية التي تدعو الفلسطينيين في الداخل إلى ان ينأوا بأنفسهم عن الالتحاق بهويتها والذوبان في نسيجها .
المنطوق الحاكم لذلك التحرير المنشود هو أنه طالما ظلت إسرائيل بمؤسساتها وبنيتها وفلسفتها الراهنة، فإن الفلسطينيين في الداخل ينبغي ألا يقيموا أية علاقة طبيعية معها، كلما كانوا مخيرين في ذلك .
ببساطة لأن إسرائيل الصهيونية هي إسرائيل العنصرية التي تعتبر نفسها بلد يهود العالم، وليست بلد جميع المواطنين الذين يعيشون على أرضها، بمن فيهم المليون فلسطيني الذين بقوا منذ عام 48.
طالما ظلت إسرائيل تطبق قانون العودة الذي يفتح أبوابها لكل يهودي في الكرة الأرضية، بل وتشجعهم على ذلك، الأمر الذي يغذي الاستيطان ويوسع من نطاقه، وطالما ظلت على علاقة عضوية بالمنظمة الصهيونية العالمية، والصندوق القومي اليهودي وطالما اعتبرت نفسها موجودة في الشرق الأوسط وليست منه كما قال أبا إيبان، فلن يكون بمقدور العرب أن يصبحوا مواطنين حقيقيين فيها يوما ما، ولن يمكنوا من ذلك حتى إذا أرادوا، لأن من شأن ذلك التمكين أن يقوض أساس الفكر والمشروع الصهيوني، الذي يقوم على مبدأ الدولة اليهودية النقية وغاية ما هناك انهم سيظلون ورقة للتجمل وتحسين الصورة وللاستخدام والتمويه .
(4)
تعيين السيد نواف مصالحة نائبا لوزير الخارجية الإسرائيلية خطوة جديدة حقا ولكن على مستوى وزارة الخارجية فقط . فقد كان هو نفسه نائبا لوزير الصحة في حكومة إسحاق رابين . هو في الأصل مدرس ونقابي انخرط مبكرا في حزب العمل ومنذ ثلاثين عاما عينت إسرائيل عربيا آخر هو عبد العزيز الزعبي نائبا لوزير الصحة، وفي عام 73 عينت جبر الداهش نائبا لوزير الاتصالات، وعينت وليد صادق نائبا لوزير الصناعة، وهناك فلسطينيون آخرون تمت ترقيتهم في وظائف عدة في مجالات القضاء والتعليم والشرطة والإذاعة والتليفزيون، وأخيرا تم تعيين أربعة نواب عرب في لجنة الخارجية والأمن بالبرلمان الكنيسيت وهي اللجنة التي يفترض أن تبحث في سياسات إسرائيل ونشاطاتها الأمنية والعسكرية والاستخبارية.
استوقفني في الأصداء التي نشرت في أعقاب تعيين السيد مصالحة نائبا لوزير الخارجية تحليل رصين كتبه الزميل مروان بشارة من الناصرة ( نشرته الحياة اللندنية في8/8)، قال فيه أنه يجري تسويق تعيين نواف مصالحة بالخارجية الإسرائيلية في إطار هجمة الدبلوماسية الإيجابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك على أنه إنجاز جديد للأقلية العربية على صعيد المساواة المدنية والسياسية خصوصا بعد تعيين النواب الفلسطينيين الأربعة في لجنة الخارجية والأمن بالبرلمان... وبالرغم من أن نيابة وزير الخارجية ديفيد ليفي لن تؤثر في صنع القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية وبعملية السلام، إذ أن ليفي نفسه استبعد عمليا من مطبخ القرارات في مكتب باراك، إلا أن مجرد وجوده على الجانب الآخر من المتراس مقابل الفلسطينيين والعرب، سيسمح لحكومة باراك بالمتاجرة بذلك العربي للتعبير عن اعتدالها، وكذلك الأمر مع أعضاء لجنة الخارجية والأمن الذين جرى تهميشهم في لجان فرعية لتلك اللجنة الحساسة . إذ عين اثنان منهم في لجنة القوي البشرية الفرعية التي تبحث قضايا التجنيد ومسألة المهجرين والمتدينين، والعرب في الجيش الإسرائيلي كما عين اثنان آخران في لجنة الإعلام الفرعية، التي تتولى مهمة تسويق سياسة إسرائيل الأمنية والعسكرية للعالم الخارجي وللإسرائيليين، وفي الحالتين فإن تأثير الأعضاء العرب الأربعة ينحو إلى الصفر، في حين أن مجرد وجودهم في هذه اللجنة يساعد المؤسسة الإسرائيلية على التبجح بدعاوى الديمقراطية والمساواة يحدث ذلك بينما لا تزال الحكومة ومؤسساتها بغض النظر عن هويتها الحزبية تصادر أراضي العرب وتميز ضدهم في جميع الشئون الحياتية والاقتصادية والمهنية فهم خارج إدارات الشركات الحكومية وأطر التطوير الحكومي حيث لا تنال المجتمعات العربية أي استثمارات جدية للتطوير الصناعي أو الاقتصادي في الوقت ذاته لا يزال بعد دخل الفرد العربي في إسرائيل نصف دخل اليهودي الغربي في المجال ذاته وثلثي دخل اليهودي الشرقي .
ومثل وزارة الخارجية ثمة إجماع إسرائيلي حول لجنة الخارجية والأمن مما يعني انه بدلا من أن تكون اللجنة رقيبا على الحكومة، تصبح مثل غيرها من اللجان هيئة متواطئة مع السلطة التنفيذية، وتصبح العضوية فيها مثل نيابة وزارة الخارجية، ليست أكثر من عملية بصم على السياسة العنصرية والرفضية لإسرائيل ووصمة عار للعرب .
أما على المستوى العربي في إسرائيل فإن هذه التعيينات تشد العرب نحو المزيد من الأسرلة والاندماج على هامش المجتمع الإسرائيلي العنصري بمركباته الأولى داخل دولة اليهود وتصبح كذلك أداة بيد الأحزاب الصهيونية لوقف المد القومي والوطني الذي شهدته الأقلية العربية في السنوات الماضية، وتستغل الحكومة الإسرائيلية مسألة التعيينات للمقربين منها والمنفتحين عليها لمحاربة التيار الوطني، من خلال إقناع العرب بأن هناك مكافأة لهم إذا ما اصطفوا وراءها، وتبقى القضايا المركزية في التميز العنصري قائمة مثلما تريد لها الأحزاب الصهيوينة، كما تبقى الجهود لتجنيد العرب في الجيش على أشدها.
(5)
موضوع الأسرلة محل نقاش في الأوساط الفلسطينية داخل إسرائيل، وقد تصاعد الجدل حوله بشكل حاد في مناسبتين أخيرتين، إحداهما حين حلت ذكرى مرور50 عاما على تأسيس دولة إسرائيل مايو 98، والثانية حين جرت الانتخابات العامة في إسرائيل إبان شهر مايو من هذا العام.
في المناسبة الأولى فوجئ الإسرائيليون بان المنظمات والفعاليات العربية قاطعت الاحتفال، وبينما كان الإعلام الإسرائيلية ترفع فوق بيوت الفلسطينيين في احتفالات ما يسمي بعيد الاستقلال في السابق، فإن الظاهرة اختفت في العام الماضي وسرى شعور عام بين الفلسطينيين مؤداه أن رفع الأعلام الإسرائيلية أو حتى بيعها في جانب التجار هو جريمة تكرس فعل الاقتلاع الذي تعرض له الفلسطينيون في الماضي، والتدجين والتذويب الذي يتعرضون له في الحاضر، وقرأت في تلك المناسبة تقريرا من القدس المحتلة كتبته الزميلة سائدة أحمد (الحياة - 98/5/11) تعرضت فيه لوجهات النظر المختلفة في شأن الأسرلة وقالت ان إسرائيل التي فشلت في اقتلاع جميع الفلسطينيين من أراضيهم من خلال المجازر والترهيب والقمع قبل قيامها وبعده، لجأت إلى تنفيذ سياسة منهجية ومبرمجة لطمس الهوية الوطنية الفلسطينية وتدجين من تبقى منهم، وهم أولئك الذين درجت على تسميتهم عرب إسرائيل وربطت بين حقوقهم المدنية التي لم يحصلوا عليها أبدا بإخلاصهم لدولتهم .
وفي إطلالة على وجهتي النظر فيما يتعلق بـالأسرلة نقلت عن الدكتور نبيل الصالح المتخصص في علم الاجتماع قوله ان إسرائيل نجحت إلى حد كبير في تدجين الفلسطينيين الذين بقوا داخل الحدود التي صنعتها لنفسها . وأن العربي الإسرائيلي النموذج ما هو إلا نتاج لهذه التدجين الذي بدأ مع الأيام الأولى لقيام الدولة . وعزا الدكتور الصالح النجاح الإسرائيلي إلى سياسة القمع التي اتبعتها إسرائيل على مدى 18 عاما، في فترة 1948-1966 التي فرضت حكما عسكريا على العرب وإلى القصور الذاتي الناجم عن غياب القيادة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بسبب طرد غالبية الفلسطينيين إلى خارج فلسطين، وعدم تشكيل قيادة في المنفى للحفاظ على التواصل، إضافة إلى الدور الذي لعبه الحزب الشيوعي الإسرائيلي في إقناع الأقلية العربية بالتنازل عن مفاهيم العدل في التعامل مع قضيتهم، واستبدالها بمفاهيم الاستحقاقات والمواطنة، ويشير إلى أن وثيقة استقلال إسرائيل تحمل توقيع مائير فلنر أحد قياديي الحزب الشيوعي .
في الوقت ذاته فإن إسرائيل تبذل جهدا حثيثا لإزالة الذاكرة الجماعية الوطنية عن العرب الفلسطينيين، من خلال فرض مناهج تعليمية تمجد قيام الدولة العبرية، وتلغي حقيقة وجودهم التاريخي على أرضهم وإرغامهم على حفظ نشيد الدولة والمشاركة في احتفالاتها ولكن هذه السياسة بدأت تعطي مردودا عكسيا لما أرادت المؤسسة الإسرائيلية خصوصا ان المواطن العربي لا يزال يعيش مأساته يوميا، وهو يشاهد بأم عينيه استمرار سياسة مصادرة الأراضي العربية والتميز العنصري والقومي الذي يستهدف اقتلاعه والخلاص منه .
غير أن الناشط الفلسطيني المحامي واكيم وكيم عضو لجنة الدفاع عن المهجرين في إسرائيل نفى نجاح الدولة العبرية في أسرلة الشعب الفلسطيني مشيرا في هذا الصدد إلى صمود الفلسطينيين على أراضيهم رغم سياسة القمع والقبضة الحديدية التي تنفذ باستمرار ضدهم وفي رأيه أن مجمل المؤسسات الإسرائيلية ساعد في تصاعد نمو الحركة الوطنية بين الجماهير الفلسطينية وتراكم مظاهر الاحتجاج بدءا بيوم الأرض عام 1976 الذي أكد الصمود والتمسك بالأرض ومرورا بإنشاء اللجان الأهلية الوطنية التي رفعت شعار الدفاع عن المهجرين داخل حدود الدولة العبرية والتصدي لعمليات مصادرة الأراضي المستمرة وتهويد القرى العربية، وصولا إلى التحدي .
أضاف أن حادثة قرية أم السحالي في الجليل التي وقعت بعد أيام من أحياء الفلسطينيين الذكرى الثانية والعشرين ليوم الأرض مارس 98 جسدت هذا التحدي إذ تصدى مئات الفلسطينيين لرجال الشرطة الإسرائيليين بعد أن هدموا ثلاثة بيوت أقيمت قبل ثلاثين عاما بحجة أنها بنيت بدون ترخيص، وقام العشرات من الفلسطينيين بإعادة بناء البيوت المدمرة بصورة علنية، مما شكل نقطة تحول في العلاقة بين الجماهير الفلسطينية التي فرض عليها العيش في تناقض بين انتمائها الوطني الفلسطيني وهويتها المدنية الإسرائيلية .
في الانتخابات الأخيرة مايو 99 رفعت حركة أبناء البلد التي تضم قطاعا من الفلسطينيين الرافضين للانتماء إلى إسرائيل شعار "صوتك سوطك" في دعوتها إلى مقاطعة الانتخابات وهي المقاطعة التي التزم بها جناح من الحركة الإسلامية، وبينما دعا آخرون إلى المشاركة من خلال الأحزاب الإسرائيلية التقليدية، فإن الدكتور عزمي بشارة الذي أسس التجمع العربي الديمقراطي الرافض بدوره للأسرلة قرر المشاركة في الانتخابات من خارج الأحزاب الصهيونية انطلاقا من فكرة تجاوز التهميش واستخدام الأدوات البرلمانية المتاحة للتأثير على عملية صنع القرار السياسي، وهو ما رفضه الشاعر المعروف سميح القاسم، عضو لجنة الوفاق الوطني، واعتبره أكبر شهادة للأسرلة .
(6)
إن الأسرلة ليست مرهونة بالتفاعلات الحاصلة داخل إسرائيل فحسب وإنما هي في حقيقة الأمر تعبير عن أزمة يعيشها فلسطينية الداخل من جراء مجمل ما يحدث في الساحة العربية، بدءا بانهيار المشروع العربي وتراجع الحس القومي وانتهاء بفك الارتباط بينهم وبين القضية الفلسطينية في اتفاقات التسوية ذلك أن الانحسار القومي يضعف من موقفهم ويثبط من همتهم، ثم إن حذفهم من الخطاب السياسي الفلسطيني يقصم ظهرهم ومثل هذه الملابسات الطاردة لا تدع للبعض سوي خيار الالتحاق بالهوية الإسرائيلية رغم ان هناك آخرين يرون فيها تحديات تفرض المزيد من الصمود والثبات، لأن الأسرلة ليست خيارا ولكنها انتحار من شأنه انقراض فلسطيني الداخل، وإنجاح المشروع الصهيوني الإحلالي والاستئصالي للفلسطيني .
لا أعرف لمن ندعو بالصمود والثبات، والقبض على جمر الهوية الحقيقية: لهم أم لأنفسنا؟!.