الإنسان ذلك المحدود
د. محمد عبد الله أحمد
يقول الخلاق العليم: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) سورة النحل 78
تعد نعمة السمع والبصر والفؤاد من أعظم نعم الله تبارك وتعالى على الإنسان، فالسمع والبصر نافذة الإنسان لمعرفة هذا الكون، وقد ورد ذكر هاتين الحاستين في القرآن الكريم أكثر من غيرهما، والمتتبع لذكرهما في القرآن الكريم يجد أن لفظة السمع تأتي قبل البصر في أغلب المواضع، وقد جاء ذكر لفظة السمع مقترن بلفظة البصر في 38 موضعاً في القرآن الكريم مفصلة كالآتي: في 31 موضعاً جاء ذكر السمع قبل البصر، في موضعين جاء ذكر البصر قبل السمع في سورة يونس آية 67: ( هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) وفي سورة الكهف آية
26: ( قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا ) وفي 5 مواضع جاء ذكر البصر قبل السمع جميعها مثبتة للكافرين .
ولنا أن نتدبر في بعض جوانب حكمة تقديم السمع على البصر:
1. في علم الأجنة أثبتت الدراسات أن الأذن الداخلية يبدأ تكوينها في اليوم الثاني والعشرين من بداية التلقيح ويكتمل تكوين جهاز السمع في الأسبوع الثامن وأصبح من الثابت الآن أن الجنين يستطيع السمع من الشهر الرابع ويصبح عالم الأجنة معتم ولكنه ليس بصامت، يبدأ ظهور حويصلة الإبصار في الأسبوع الثالث بعد التلقيح (بعد بداية تكون جهاز السمع) وفي الشهر السابع يكتمل نمو العين ثم تشق الجفون وتفتح، ومن الملاحظ أن جهاز السمع تشق قناته السمعية الخارجية في الشهر السابع للجنين استعداداً للعالم الخارجي .
2. إن تعلم النطق يتم عن طريق السمع بالدرجة الأولى، وإذا ولد الإنسان أصم أغلقت نافذة التفاهم بيه وبين العالم الخارجي فيحدث لديه قصور عقلي شديد ولا يحدث ذلك عند الذين حرموا من نعمة البصر وتستطيع أن تعد المئات بل الآلاف من العباقرة الذين حرموا نعمة البصر ولا تستطيع أن تعد الآحاد من العباقرة الذين حرموا نعمة السمع .
3. من الحقائق أن الذي يفقد السمع قبل النطق لا ينطق، ولقد وردت كلمة السمع في القرآن الكريم في جميع المواضع بصيغة المفرد بينما وردت كلمة البصر تارة في صيغة المفرد وتارة في صيغة الجمع، ويمكن تفسير ذلك لغوياً بأن كلمة السمع مصدر سمعت والمصدر يقع القليل والكثير، أما من الناحية الطبية فيوجد مركزان للإبصار في المخ بينما نجد أن مركزي السمع مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بحيث يمكن اعتبارهما مركزاً واحداً.
حاسة السمع:
تعتبر حاسة السمع في الإنسان في غاية التعقيد، فإذا نظرنا إلى المعلومات التي بين أيدينا الآن نجدها تتناول شرحاً لتركيب جهاز السمع وكيفية انتقال الصوت إلى هذا الجهاز وكيف ينقل جهاز السمع الصوت إلى المخ .
جهاز السمع في الإنسان هو الأذن، يقسم العلماء الأذن من باب التبسيط إلى ثلاثة أقسام هي الأذن الخارجية والوسطى والداخلية، فالأذن الخارجية عبارة عن صيوان الأذن مع الممر الذي يصل إلى غشاء الطبلة، وأما الأذن الوسطى فتتكون من عظيمات ثلاثة تشبه أدوات الحداد المطرقة والركاب والسندان، أما الأذن الداخلية ففيها ما يشبه القوقعة وثلاثة إطارات هلالية غير كاملة.
كيف تتم عملية السمع ؟ يحدث مصدر الصوت اهتزازات في جزيئات الوسط المحيط به، يوصف سلوك هذه الاهتزازات بما يسمى الموجة الصوتية، تقوم الأذن الخارجية بتجميع هذه الاهتزازات ونقلها كما هي عن طريق طبلة الأذن إلى الأذن الوسطى، تقوم الأذن الداخلية بتحويل هذه الاهتزازات إلى إشارات كهربية وترسل إلى المخ عن طريق العصب السمعي، في المخ تتم ترجمة الإشارات الكهربية إلى مدلولاتها الصوتية، والمجال لا يتسع هنا لذكر تفاصيل هذه العمليات التي تتم بإعجاز كامل ولا لذكر كيف أن كل جزء من أجزاء الأذن مناسب لما يقوم به وميسر له تماما.
حدود السمع البشري: تتميز الموجات الصوتية بخاصتين هما عدد الاهتزازات في الثانية الواحدة ويطلق عليها التردد ويقاس بوحدة الهرتز والطاقة التي تحملها هذه الاهتزازات ويطلق عليه شدة الصوت . والأذن الطبيعية البشرية تسمع الصوت المعتدل الشدة الذي يكون تردده أكبر من 20 هيرتز وأقل من 2000 هيرتز، وإذا زاد التردد عن ذلك (تسمى الموجات فوق السمعية) تشعر الأذن بشعور مزعج، وإذا نقص التردد عن 20 هيرتز (تسمى الموجات تحت السمعية) لا تشعر الأذن به ولا تستطيع سماعه، وحساسية الأذن للأصوات عالية جداً بحيث أنها تفرق بين صوتين إذا زاد التردد أو نقص بمقدار 3
هيرتز، فتستطيع الأذن التمييز بين 15000 صوت إذا بقيت الشدة ثابتة . وإذا بقي التردد ثابتاً تستطيع الأذن أن تميز بين 325 صوت مختلف الشدة أي أن الأذن تستطيع أن تميز بين 4875000 صوت مختلف التردد والشدة، وهكذا تستطيع الأذن أن تضع لكل شيء فيما حولها صوت خاص به ولا يتشابه صوت مع صوت حتى أن صوت صرير الأقلام يختلف من قلم إلى آخر، فحدود السمع البشري رغم أنها محدودة إلا أنها غنية داخل هذه الحدود لدرجة أنه يضع لكل شيء له صوت بصمته الصوتية الخاصة به.
حاسة البصر:
كما للسمع جهاز هو الأذن فإن للرؤية جهاز هو العين ووسيلة نقل الصوت للأذن هي الموجات الصوتية وكذلك فإن وسيلة نقل الرؤية للعين هي الموجات الضوئية، والموجات الصوتية هي موجات طولية (اتجاه انتشار الموجة هو نفس اتجاه حركة جزيئات الوسط الناقل) أما الموجات الضوئية فهي موجات مستعرضة (اتجاه انتشار الموجة عمودي على اتجاه حركة الجزيئات) وتحتاج الموجات الصوتية إلى وسط لنقلها ولا يحتاج الضوء إلى وسط ناقل، وتبلغ سرعة الصوت حوالي 330 متر لكل ثانية بينما تبلغ سرعة الضوء حوالي 300 ألف كيلو متر لكل ثانية . ولذلك نرى الرعد قبل سماع صوته.
جهاز الرؤية: تعتبر كرة العين من أروع غرف التصوير الفنية فهي غرفة مظلمة تماماً رغم مرور الضوء فيها، وهي مغلفة بثلاثة جدران هي على الترتيب ( من داخل إلى الخارج) الصلبة وهي التي تعطي العين اللون الأبيض والمشيمية وهي شبكة العروق التي تمد العين بالدم اللازم لتغذيتها ثم الشبكية وهي الغلاف الداخلي الحساس الذي ترتسم عليه صورة الأجسام، وتحوي الشبكية نوعين من الخلايا العصبية، نوع يسمى العصيات وهي حساسة للضوء الخافت واللون العادي ونوع يسمى المخاريط وهي حساسة للضوء الشديد وتمييز الألوان، أما النافذة التي يدخل منها الضوء فهي بلورة رقيقة
شفافة تماماً تسمى القرنية، يمر الضوء بعد نفاذه من القرنية إلى سائل شفاف يسمى إنسان العين ثم إلى القزحية (الحدقة) التي تفتح في مركزها ثقب واحد هو اللازم لنفاذ كمية الضوء المناسبة والتي لا تفسد جهاز الرؤية، والقزحية هي التي تعطي العين لونها المعهود، وإذا نفذ الضوء من ثقب القزحية واجه عدسة العين وهي أعجب وأتقن عدسة في الوجود، فبفضل سبعة عضلات في جانبيها يتغير تحدبها بحيث تقع الشبكة دائماً في بؤرتها حتى تتكون صورة الأجسام عليها، فهي ترتخي عند رؤية الأجسام البعيدة وتتقلص عند رؤية الأجسام القريبة فهي العدسة العاقلة .
كيف تتم عملية الرؤية ؟ تتم عملية الرؤية بصورة مبسطة كالآتي:
عندما يسقط الضوء على الجسم يعكسه إلى العين فيمر من خلال القرنية وإنسان العين إلى الحدقة، تعمل القرنية وإنسان العين على انكسار الأشعة (تجميع الأشعة) في الحدقة، تقوم الحدقة بتحديد شدة الضوء المناسبة وإمرارها من خلال فتحتها إلى العدسة، تعمل العدسة على تكوين صورة للجسم على الشبكية وتكون هذه الصورة حقيقية مقلوبة ومصغرة، تقوم الخلايا الحسية الموجودة على الشبكية والتي يصل عددها إلى 147 مليون خلية بترجمة الصورة الضوئية إلى إشارات كهربية . يرسل العصب البصري هذه الإشارات إلى المخ . يقوم المخ بترجمة هذه الإشارات الكهربائية إلى صورة
حقيقية معتدلة ومتساوية للجسم تتضح فيها الألوان والأبعاد .
حدود البصر: لكي تتم عملية الرؤية لابد من توافر شرطين، شرط يتصل بمدى حساسية العين للضوء من حيث طوله الموجي وشدته والشرط الآخر يتصل بتفاعل الضوء الساقط مع الأجسام، والطول الموجي هو كمية لها علاقة بالتردد (الطول الموجي يساوي سرعة الموجة مضروباً في التردد) ويقاس في الموجة الضوئية بوحدة الأنجستروم (الأنجستروم يساوي جزء واحد من مائة مليون جزء من السنتمتر) أما شدة الضوء فيقاس بوحدة تسمى الامبير، وقد اتفق على أن واحد لامبير يمثل شدة الضوء في وضح النهار عندما تكون الإضاءة متوسطة، وقد وجد أنه عندما تكون شدة الإضاءة معتدلة فإن خلايا
الشبكية تتأثر بالأطوال التي تقع أطوالها من 4000 إلى 7000 انجستروم، وإذا قل الطول الموجي عن 4000 انجستروم (مثل الأطوال الموجية للأشعة فوق البنفسجية وأشعة إكس وأشعة جاما) أو إذا زاد عن 7000 أنجستروم (مثل الأطوال الموجية للأشعة تحت الحمراء والموجات اللاسلكية) فإن العين لا تستطيع رؤية شيء، وبالنسبة لشدة الإضاءة تستطيع العين التمييز بين الأشياء إذا زادت شدة الاستضاءة حتى 16 أمبير أو إذا نقصت حتى 7 أجزاء من عشرة مليون جزء من اللامبير، أما بالنسبة لتفاعل الضوء الساقط مع الأجسام فهناك حقيقة علمية تنص على أنه يجب أن يكون طول الجسم أكبر من 40 جزء
من مليون جزء من السنتيمتر، ولا تستغرب لهذا الطول الدقيق فيوجد ملايين بل مليارات الأجسام التي تسبح حولنا وتقل أطوالها عن ذلك .
الخلاصة:
والآن بعد أن أثبت العلم أن الإنسان لا يستطيع سماع كل شيء حوله بل أن بعض الحيوانات تتفوق عليه في ذلك (كالكلاب التي تتنبأ بالزلازل أو الخفافيش التي تسمع الموجات فوق السمعية)، ولا يستطيع رؤية كل شيء حوله بل أن بعض الحيوانات تتفوق عليه أيضا في ذلك (كالخيل عندما ترى الملائكة والحمير عندما ترى الشياطين) وأثبت أن السمع له حدود لا يتخطاها والبصر له حدود لا يتجاوزها وهما نافذة الإنسان على هذا الكون، فما يراه الإنسان وما يسمعه لا يمثل إلى جزءاً من هذا العالم المحيط بنا، وما لا نراه وما لا نسمعه لا ينفي ذلك عدم وجوده، ومن البدهي أنه إذا كان
السمع والبصر لهما حدود فإن ذلك يعني أن مراكز السمع والإبصار في المخ لهما حدود، ويعني ذلك أيضاً أن التفكير والتخيل وبالتالي العقل البشري له حدود لا يتخطاها، ففي هذا الاستنتاج يقودها إلى الإيمان التام بعالم الغيب، بل يقودنا إلى الإيمان التام بوجود الله الذي ليس كمثله شيء وهو يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير.
وليست الحدود على السمع والبصر هي قيود إنما رحمة من الله وإتقان، ولو كان السمع غير محدود لما استطاع الإنسان أن ينعم بالهدوء والطمأنينة ولا النوم، ولو لم يحتج الصوت إلى وسط لنقله لانتقلت إلينا أصوات الفضاء من انفجارات شمسية وموت وميلاد النجوم . ولو كان البصر غير محدود لما ساتطاع الإنسان أن يرى أمامه لمتر واحد لكثافة ما يحويه الهواء من حولنا من ذرات ومخلوقات دقيقة إذا رآها لحجبت عنه كل شيء، ولو لم يحتج الضوء إلى وسط لنقله ما وصل إلينا ضوء الشمس والنجوم وما كانت هناك حياة على وجه الأرض، فسبحان الله الذي أتقن كل شيء.