الولايات المتحدة تلهث وراء بترول السودانوليس عطفا على أهله
محمدعبدالباقي احمد علي حامد ودالزومه:
تعقيبا على ما نشر بالعدد 8225 بتاريخ الثلاثاء 2001/6/5 صفحة 8 بعنوان (السودان يواجه لعنة البترول وورطة نقل الترابي الى الحبس المنزلي) للكاتب محمد الحسن احمد.
كتبت هذا التعقيب ليس لتأييد حكومة السودان (فقد نتفق ونختلف معها في كثير من المواقف)، لكن لكي اعبر عن رأيي وآراء كثير من اهل السودان.
في البدء احب ان اشير الى ان معظم السودانيين في الداخل والخارج على مختلف اتجاهاتهم السياسية استبشروا خيرا في هذه الفترة وذلك بسبب تدفق البترول وان كان قليلا الآن، لكن اول الغيث قطرة. وكذلك للانفراج السياسي الذي حصل الآن فإن حزب الامة قد عاد الى الوطن وجناح الهندي مشارك في الحكومة والاخوان المسلمين وغيرهم، وكذلك عاد المشير جعفر النميري وهناك في الطريق من سيسلك دربهم وسوف تظهر الايام ذلك.
وفي غمرة فرحة الشعب السوداني بهذه الانفراجات والمؤشرات الطيبة يطالعنا الكاتب محمد الحسن احمد بالصورة الداكنة التي رسمها للسودان وذلك من منظور تحليلاته، ونحن نحترم حرية الرأي وحرية التحليل والتعبير من دون مهاترات، لكن ليس بالضرورة ان يكون ما ذكرته انا او ما كتبه الكاتب هو الصحيح عن السودان.
فعن البترول السوداني يقول الكاتب: ان النظام قد اخطأ كثيرا عندما كرس كل طاقاته نحو استخراج البترول.. الخ. وانا اقول وكثير من الشعب السوداني يقول عكس ذلك فلماذا يا اخي تريد ان تحرمنا من هذه الفرحة والأمل؟ فإن كان هذا النظام أو غيره من الأنظمة كرس كل طاقته لاستخراج هذا النفط فهذه محمدة يجب ان نشكره عليها وبداية في الطريق الصحيح وهذا عمل استراتيجي لمستقبل الاجيال فإن معظم الدول المتقدمة صناعيا وزراعيا لعب البترول فيها الدور الرئيسي ومن الظلم بمكان ان نصف الشركات العاملة حاليا في مجال النفط (الصينية والماليزية والكندية وغيرها) بالشركات المتطفلة لانها استخرجت النفط وشركة شيفرون الاميركية هي التي اكتشفته. اولا نشكر هذه الشركات لوقفتها وعملها في السودان. وثانيا ما هي الفائدة التي وجدناها من شركة شيفرون فهي تريد ان تستخرج النفط متى وكيفما أرادت ومتى أرادت حكومتها ذلك؟ فإلى متى نكون ويكون اقتصادنا رهن السياسات والمصالح الاجنبية؟
وأقول لك نعم تلهث الولايات المتحدة نحو البترول والاستثمار في السودان وذلك ليس حبا في السودان (سلة غذاء العالم العربي) ولكن لكي يكون لها موطئ قدم فيه وفي القارة الافريقية البكر من ناحية المعادن والزراعة ولكي لا تنفرد الصين بكل ذلك، خاصة ان الصين مرشحة لأن تكون القطب المناوئ للولايات المتحدة في المستقبل.
وبخصوص الاتفاق بين الفصائل الجنوبية فإنه لن يشكل خطرا كبيرا لأن هذه الفصائل متناحرة في ما بينها وتحكمها أهواء شخصية وقبلية ولا تثق في بعضها بعضا فكيف تتصور ان عدوك بالأمس تتحالف معه وتحارب معه في خندق واحد؟ فالرؤية المستقبلية لهذا التحالف ان يحاول احد هذه الفصائل تصفية الفصيل الآخر والتخلص منه وجميعهم يكيدون لبعضهم بعضا. وما حصل لتصفية القادة ولكاربينو كوانين ليس ببعيد، وكيف نتصور ان الحكومة تترك حماية منابع النفط لفصائل; فأين الجيش السوداني والقوات الأخرى والقوات الصديقة واذا كانت الحكومة تكرس طاقاتها للبترول فهل هي غير قادرة على حمايته؟ وهل تقف حكومات الشركات المستثمرة متفرجة؟
وبخصوص دفاعك ودفاع كثيرين عن انتهاك حقوق الانسان بالسودان، أقول انظر يا أخي الى جميع الانظمة التي حولك فستجد فيها كثيراً من المعتقلين سياسيا، وبها انتهاكات صريحة وواضحة ولكن الدول الكبرى تغض النظر عنها عندما يكون الأمر في دولة غير موافقة لسياساتهم تقوم الدنيا وتقعد ومن المؤسف ان يتبعها في ذلك ابناء البلد فهم ربما يدرون أو لا يدرون ان هذه الدول تستغلهم في ذلك، فاصدقني القول هل الولايات المتحدة وغيرها من الدول الأوروبية منزعجة لاعتقال الترابي؟ وهل انت نفسك منزعج لاعتقال الترابي؟ أم هي كلمة حق أريد بها باطل؟
أما بخصوص سكرتارية التجمع فانقل هذه الصورة الى أي دولة أخرى بأن يلتقي معارضون فيها بمسؤول دولة أخرى تناصبك العداء ويؤيدون ويتحالفون مع من يقاتلك ويعاديك هل يتركون من غير حساب؟ واذا تركوا كذلك أين هيبة الدولة وماذا سوف يحصل بعد هذا اللقاء؟ فهل تعتقد ان أي دولة أخرى سوف تترك هؤلاء الناس يفعلون ما يشاءون؟
وفي نقدك لحكومة الخرطوم بوقف القصف الجوي كان الاجدر نقد حركة التمرد التي لم تستجب لوقف اطلاق النار ووضعت شروطاً تعجيزية كوقف تصدير واكتشاف البترول. ومن هنا نلمس الايادي الخفية التي تدير حركة التمرد ولم يبق لحركة التمرد إلا ان تشترط وقف النشاط الصناعي والزراعي والصحي حتى توافق على وقف اطلاق النار، وحركة التمرد لا تريد وقف اطلاق النار لأن من وراءها لا يريدون ذلك ويدفعون الطرفين لمواقف يريدونها هم حتى يبرروا تدخلهم المباشر. وغير المباشر وربما ظنت حركة التمرد ان موسم الخريف هو خير لها بل هو شر لها، وازاء هجوم المتمردين على الحامية والمدن واصدار بياناتهم الكاذبة التي تزعم انهم استولوا على هذه المنطقة أو تلك هل تريد من حكومة الخرطوم ان تقف متفرجة بحجة وقف اطلاق النار؟ فبأي منطق تتكلم أنت (تسمع المتمردين بأنهم هاجموا وتنتقد الحكومة بأنها دافعت) أخشى عليك ان تقتل من تحب من غير ان تشعر.
وخلال مواقف الحكومة السابقة تبين انها تريد تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة ولكن يبدو ان الاخيرة لها سياسة واحدة تريد ان تنفذها مهما عملت حكومة الخرطوم. وهذه السياسة لا تخفى على أحد موضوعة بواسطة أو بضغط من الجماعات الصهيونية، فكيف لرئيس دولة تدعوه هذه الجماعات لمناسبة منظمة من قبل الصهاينة ويعلن ان المأساة في السودان هي كارثة أعظم كارثة انسانية ويحذر حكومة السودان ويعلن في المكان نفسه تعيين مبعوث للسودان ويتم اتهام السودان بدعم الارهاب وانتهاك حقوق الانسان والرق وغيرها من الاتهامات التي تمنحها الحكومة الأميركية لكل من يعارض سياستها ولا يجري في فلكها وهي الاتهامات التي ابعدت الولايات المتحدة عن لجان الأمم المتحدة ومنها لجنة حقوق الانسان ومما زاد الأمر مرارة دخول السودان في هذه اللجنة. فالولايات المتحدة لا تستطيع حل مشكلة السودان إذا لم تغير سياستها فكيف لها محاربة الحكومة وتقديم دعم 3 ملايين دولار لمعارضي الحكومة وتحريض الدول المجاورة وان تعمل في السابق كل مجهوداتها لمحاربة السودان (ولا أظن انها تستطيع عمل أكثر مما عملته في السابق ضد هذه الحكومة). وبعد كل هذا وذاك تريد حلاً لهذه المشكلة