وداع رمضان ... وفتوى الإمام !!
بقلم رئيس التحرير
جمال سعد حاتم

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتكفر السيئات، وتُقالُ بمنته العثرات، وتضاعف الحسنات وترفع برحمته الدرجات، وبعد
ما أسرع ما تنقضي الليالي والأيام، وما أعجل ما تنصرم الشهور والأعوام، وهذه سُنّة الله في الحياة، أيام تمرّ وأعوام تكرّ فـ «كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» القصص
استقبال وتوديع رمضان فرصة للتأمل
إن في استقبال رمضان وتوديعه فرص للتأمل ووقفات للاعتبار، فعسى الأمة أن تدرك وضعها وتسعى في الإصلاح، فتقوي ما ضعف، وتعالج ما اختل، فشهر رمضان فرصة رائعة لو صادفت اعتبارًا ولاقت استغلالاً، مع صدق في النوايا والمقاصد، وصواب في السلوك والمناهج
ما أحوج الأمة في أيام محنها وأزمان ضعفها، إلى وقفات عندما تمر بها مناسبة كرمضان لتستلهم العبر والعظات لتجدد العزم على المجاهدة الحقة للشيطان، وتبدأ المسيرة الصحيحة للسير على الصراط المستقيم لتصحح ما أعوج من سلوكها، فرمضان مدرسة للأمة الإسلامية، يجب ألاَّ تخرج منها إلا بإصلاح للأوضاع، ومراجعة لمواطن الخلل في جميع أمورها دينيًا ودنيويًا، فحري بالأمة أن لا يمر بها هذا الشهر دون استلهام لحكمه، والإفادة من مطعياته والنهل من ثمراته وخيراته، والاستفادة من فضائله النيرة، وآثاره الخيرة، ليتمثل الإسلام الحق في حياتها واقعًا ملموسًا، وعملاً مشاهدًا محسوسًا
يمضي رمضان وهو يذكرنا بعظيم جود المصطفى بكل أنواع الخيرات، وبشتى أوجه القربات، فقد كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فهل تقتدي الأمة في حياتها من منطلق صدقٍ من سيرته في جميع لحظاتها وشئونها فسيرته عليه الصلاة والسلام هي الشمس الساطعة والمشعل الوضَّاء والنور المتألق الذي يبدد ظلمات الانحرافات كلها، والاضطرابات جميعها، فحاجة الأمة إلى معرفة السيرة العطرة أشدُّ ما تكون في هذا العصر الذي تقاذفت فيه أمواج المحن، وتشابكت فيه حلقات الفتن، وغلبت فيه الأهواء، وواجهت فيه الأمة ألوانًا من التحدي السافر، والتصدي الماكر، والتآمر الرهيب، فحينئذ لا بد أن يعيش حُب النبي في قلوبنا، وأن نتبعه ببصائرنا وأعمالنا وتوجهاتنا، وأن ننزع الغل والحقد والحسد والبغضاء من قلوبنا، ونتذكر أننا سنلقى ربنا إما بوجه قبيح يفيح من أثر ما ارتكبنا وفعلنا تعلوه آثار الحقد والمكر والنفاقُ من المدعين، أو بقلب نابض بالإيمان وعامر بالإحسان، ووجه وضاء، عافانا الله من النفاق والمنافقين

مرور الأيام يُذكِرُ بِقُرْب الرحيل

نُودع رمضان وقد مضت ليالٍ غرُّ بفضائلها ونفحات ربها، وأوشك باقيها على الرحيل، وكأنها ضربُ خيال، لقد قطعت بنا مرحلة من حياتنا لن تعود، هذا هو شهركم، وهذه هي نهايته، كم من مستقبل له لم يستكمله، وكم من مؤملٍ أن يعود إليه لن يدركه، فاغتنم ما بقي من الشهر بمضاعفة الطاعات، فأيام رمضان تسارع مؤذنةً بالانصراف والرحيل، وما الحياة إلاَّ أنفاسٌ معدودة، وآجال محدودة، وإن عُمرًا يقاس بالأنفاس لسريعُ الانصرام
نُودع رمضان ويذكرنا وداعه بقرب الرحيل، فاحذر الاغترار بالسلامة والإمهال، فالأيام تطوى، والأعمار تفنى، فاستبق الزمن وغالب الهوى، واجعل لك في بقية الليالي مدّخرًا فإنها أنفسُ الذخر، وابكِ على خطيئتك واندم على تفريطك، واغتنم آخر ساعاته بالدعاء، ففي رمضان كنوزًا غالية وَسَل الكريم فخزائنه ملأى ويداهُ سحَّاء الليل والنهار، واستنزل بركة المال بالصدقة، وحصن مالك بالزكاة، وكن للقرآن تاليًا، وودع شهرك بكثرة الإنابة والاستغفار، وقيام لله مخلصٍ في دُجى الأسحار، وإن استطعت أن لا يسبقك إلى الله في بقية شهرك أحدٌ فافعل، فلحظات رمضان الأخيرة نفيسة، ولعلك لا تُدرك غيرهُ، وافتح صفحة مشرقة مع مولاك، واسدل الستار على ماضٍ نسيتهُ وأحصاه الله عليك، وعاهد نفسك على دوام المحافظة على الصلوات الخمس في بيوت الله وبرِّ الوالدين وصلة الأرحام، وطهر مالك عن المحرمات والشبهات، واحفظ لسانك عن الكذب والغيبة وطهر القلب من الحسد والبغضاء، وغضَّ البصر عن المحرمات، واستدرك هفوات الفوات، فالرحيل من الدنيا قد دنا، والتحول منها قد أزف، والرشيد من وقف مع نفسه وقفة حساب وغياب يصحح مسيرتها ويتدارك زلتها
يقول ابن حبان رحمه الله «أفضل ذوي العقول منزلة أدومهم لنفسه محاسبة، والسعيد من استودع صالحًا من عمله، والشقيّ من شهدت عليه جوارحه بقبيح زلله»

علامات القبول والخسران

نودع رمضان ونضع أمام أعيينا أن للقبول والربح في هذا الشهر علامات، وللخسارة والردّ إمارات، وإن من علامات قبول الحسنة فعل الحسنة بعدها، ومن علامة السيئة السيئة بعدها، فأتبعوا الحسنات بالحسنات تكن علامة على قبولها، وأتبعوا السيئات بالحسنات تكن كفارة لها ووقاية من خطرها، قال جل وعلا «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ» هود
ويقول النبي «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» رواه الترمذي
ومن عزم على العود إلى التفريط والتقصير بعد رمضان فالله يرضى عمن أطاعه في أي شهر كان، ويغضب على من عصاه في كل وقتٍ وآن، ومدار السعادة في طول العمر وحُسنُ العمل، يقول المصطفى «خير الناس من طال عمرهُ وحَسُنَ عملُه» ومداومة المسلم على الطاعة من غير قصر على زمن معين أو شهر مخصوص أو مكان فاضل من أعظم البراهين على القبول وحُسْن الاستقامة

بالزكاة تأتلف القلوب

ونحن نودع شهر الجود والكرم لا بد أن نتذكر جيدًا أن من مسالك الإحسان في ختام شهركم إخراج زكاة الفطر ففيها أُلْفَةُ القلوب، وعطف المسلم على أخيه الفقير، فرضها رسول الله طُهْرَةً للصائم وطُعْمةً للمساكين، ومقدارها صاع من طعام من غالب قوت البلد، ووقت إخراجها الفاضل قبل صلاة العيد، ويجوز تقديمها قبل ذلك بيوم أو يومين، فأخرجوها طيبة بها نفوسكم، وأكثروا من التكبير ليلة العيد إلى صلاة العيد تعظيمًا لله وشكرًا على التمام، قال عز وجل «وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» البقرة

سعادة الدنيا ونعيم الآخرة

نودع رمضان ونحن نضع أمام أعيننا حقيقةً عظيمة نتذكرها، ألا وهي أن كل خير وسعادة وحُسن عاقبة ونصر وثواب في الدنيا والآخرة وعافية من الشرور والمكروهات سببُه الإيمانُ بكلام الله تعالى وتلاوته والعمل به كما بينه الله في كتابه، وكما هو مشاهدٌ لكل جيل في تاريخ البشرية، قال الله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ» فاطر ، ، وقال تعالى «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ» الأعراف
نودع رمضان ونحن مُقرين ومعترفين بأن كل شر وعقوبة في الدنيا والآخرة، وكل ذُلٍ وهوان وحرمان ونقصٍ من الثمرات ومحق للبركات سببه الإعراض عن كلام الله تعالى، والاستهانة بأوامره ونواهيه، قال تعالى «وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» الأنعام ، وقال تعالى «كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ» الأنفال


الأسف على حال المسلمين بعد رمضان

يمضي رمضان والناظر في حياة كثير من المسلمين في رمضان وبعد رمضان يأسف أشدَّ الأسف لما عليه بعضُ الناس هداهم الله بعد شهر الصيام من هجر المساجد، وترك الجماعات، والتساهل في الصلوات، واعتزال الطاعات، من قراءة القرآن والذكر والدعاء، والبذل والإحسان والصدقة، والإقبال على أنواع المعاصي والمنكرات، واستمراء الفواحش والمحرمات، وما ذاك إلاَّ من قلة البصيرة في الدين، وسوء الفهم لشعائر الإسلام، وما إضاعة الصلوات، واتباع الشهوات ومتابعة الأفلام وعَفَن القنوات والفضائيات إلاَّ دليل على ضعف الإيمان في نفوس فئام من الناس، فاتقوا الله ولا تهدموا ما بنيتم من الأعمال، اتقوا الله يا من عزمتم على المعاصي بعد رمضان، فربُ الشهور واحد، وهو على أعمالكم رقيب مشاهد «إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا» النساء ، واعلموا أن الموت يأتي بغتة، وما مرور الأعوام بعد الأعوام، وتكرار الليالي والأيام إلا مذكر بتصرُّم الأعمال وانتهاء الآجال والقدوم على الكبير المتعال

شيخ الأزهر وفتاوى آخر الزمان

نودعُّ رمضان ونحن أشد ما نكون إلى الثبات على دين الله أمام الفتن والأزمات، يقول رسول الله «إن من ورائكم أيام الصبر، الصبرُ فيه مثل قبضٍ على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله» قيل يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال «أجر خمسين منكم» أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه في الفتن
ونحن نودع شهر الصالحات تفاجئنا أجهزة الإعلام بتصريح لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر في لقائه مع نجيب جبرائيل رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان نورده بلا تعقيب
يقول فضيلة الإمام «إن الفتوى المثيرة للجدل الخاصة بعدم جواز وصية المسلم بماله لبناء كنيسةٍ فتوى غير مقبولة»
وقال «إن الشرع لا يمنع المسلم أن يوصي ببناء كنيسة إذ أنه حُر في أمواله لأنه قد يجد تعاونًا ومنفعة من شقيقه المسيحي بل يجد أن هناك من المسيحيين من يتبرعون لبناء المساجد»
وأضاف تعليقًا على الفتوى التي اعتبرت الوصية ببناء الكنائس نوعًا من المعصية يماثل التبرع ببناء نوادي القمار والملاهي وأماكن تربية القطط والكلاب والخنازير»
إن هذه الفتوى غير موقعةٍ من مفتي الجمهورية ولا يُعتدَّ بها، مطالبًا بمعاقبة المسئول عن صدور هذه الفتوى، مشيرًا إلى أنه «ليس من الشرع بل من الخطأ الخوض في عقائد الآخرين لأن الديانة والعقيدة وما يؤمن به الشخص هي علاقة بينه وبين ربه» اهـ بدون تعقيب
نائب هولندي متطرف يدعو إلى إلزام المسلمين بتحديد النسل
ساعات قليلة ويمضي رمضان، ولا تزال حلقات الكيد بالمسلمين تتابع، ومكر المتربصين يتسارع، وقوى الحق والباطل تتصارع «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا» الفرقان
ومع ازدياد هجمات أهل الكفر فقد دعا رئيس حزب اليمين الهولندي «هولندا الحرة» جريت فليدرز في خطاب وجهه لحكومة هولندا والحكومة الأوروبية إلى ضرورة اتخاذ إجراءات من شأنها إلزام المسلمين المهاجرين إلى أوربا بتحديد النسل وقال «إن الديموجرافيا السكانية تسير لصالح المسلمين، فبحلول عام سيشكل المسلمون نسبة من سكان أوروبا بعد أن كانوا لا يزيدون على »
وطالب فليدرز حكومات الاتحاد الأوروبي بإحصائيات دقيقة لتعداد المسلمين في دول الاتحاد حاليًا، ومقارنتها بخمسة أعوام سبقت، وذلك لمعرفة حقيقة تزايد أعداد المسلمين في أوروبا بصورة خطيرة نتيجة تزايد هجرة المسلمين من جهة، ومن جهة أخرى تزايد أعداد المواليد داخل الأسرة المسلمة مقارنة بالأسر الأوروبية
وقد ذكرت صحيفة صنداي تلجراف البريطانية مؤخرًا أن حوالي خمس الاتحاد الأوروبي سوف يعتنقون الإسلام في عام في الوقت الذي تتصاعد فيه نسبة المسلمين في أوروبا باطراد
ويضيف التقرير أن بريطانيا والتي يقل عدد قاطنيها عن سكان ألمانيا بحوالي مليون نسمة مهيأة لكي تصبح أكبر بلدان الاتحاد الأوروبي من حيث عدد السكان بحلول عام ؛ إذ يتوقع أن يصبح العدد الإجمالي لسكان البلاد مليون نسمة
اللهم احفظ دينك، واحفظ المسلمين، وأهلك الكفرة أعداءك أعداء الدين، واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


مجلة التوحيد - شهر رمضان