بعد سرد بعض من صور الحضارة الإسلامية العريقة، والانتشار الواسع لعلم الهندسة وتأثيره في الحضارة الغربية تأثيرًا واضحًا وملموسًا، نجد من الغربيين من يؤثرون الحق وينسبون الفضل لأهله جرَّاء ما لمسوه مما لا ينكره إلا جاحد أو حاقد، ويعترفون بفضل المسلمين وسبقهم في علم الهندسة، والأمثلة على ذلك ما يلي:

قال (درابر): "ومن عادة العرب أن يراقبوا ويمتحنوا، وقد حسبوا الهندسة والعلوم الرياضية وسائط للقياس، ومما تجدر ملاحظته أنهم لم يستندوا فيما كتبوه في الميكانيكيات والسائلات والبصريات على مجرد النظر، بل اعتمدوا على المراقبة والامتحان، بما كان لديهم من الآلات، وذلك ما هيأ لهم سبيل ابتداع الكيمياء، وقادهم لاختراع أدوات التصفية والتبخير ورفع الأثقال.. ففتح لهم بذلك باب تحسين عظيم في قضايا الهندسة وحساب المثلثات".

وقال (سنيوبوس) في "تاريخ الحضارة":

جرى أمراء العرب على أصول إسقاء الأرضين بفتح الترع، فحفروا الآبار، وجازوا بالمال الكثير من عثروا على ينابيع جديدة، ووضعوا المصطلحات لتوزيع المياه بين الجيران، ونقلوا إلى أسبانيا أسلوب النواعير لتمتح المياه والسواقي التي توزعها، وإن سهل بَلَنسيه الذي جاء كان حديقة واحدة، وهو من بقايا عمل العرب وعنايتهم بالسقيا".

وذكر (ويليام ويلكوكس) من أعاظم مهندسي الري في هذا العصر أن عمل الخلفاء في ري العراق في الأيام الماضية يشبه الري في مصر والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا في هذا العصر.

ووصف المقدسي ميناء عكا التي بناها جده أبو بكر البناء المهندس لابن طولون، والطرق التي استعملها في هندستها حتى تدخل إليها المراكب آمنة، فغدت هذه الميناء من العجائب. (28).

وقال (ريسون): "إن استبحار عمران العرب مع سرعة انتشار سلطتهم في المعمور عرَّفنا إلى مكانة المدنية العربية، فكانت هذه الحضارة الباهرة في القرون الوسطى مزيجًا من المدنية البيزنطية والفارسية، وقد تم هذا المزيج المدني بأمرين: عشق العرب التجارة وغرامهم بالاستعمار، وأصبحوا لذكائهم الوقاد، ولما غرس فيهم من حب الاطلاع على كل شئ يخوضون غمار العلوم الطبيعية والرياضية، ولهم المنة على جميع الأمم بأرقامهم العربية، وباستنباطهم فن الجبر والمقابلة وتهذيبهم الهندسة.. وتوصل العرب إلى إثبات تناسب جيوب الأضلاع لجيوب الزوايا المقابلة لها في أي مثلث كروي، ووضعوا هذه القاعدة أساسًا للطريقة التي سموها الشكل المغني في حل المثلثات الكروية (29).

وذكر (سنيوبوس) أيضا فضل العرب المسلمين وحضارتهم فقال:

ولقد جمعت العرب وقرّبت جميع الاختراعات والمعارف المأثورة عن العالم القديم في الشرق (كيونان وفارس والهند والصين)، وهم الذين نقلوها إلينا، ودخل كثير من الألفاظ في لغتنا وهي شاهدة بما نقلناه عنهم، وبواسطة العرب دخل العالم الغربي الذي كان بربريًا في غمار المدنية.

فإذا كان لأفكارنا وصناعتنا ارتباط بالقديم، فإن جماع الاختراعات التي تجعل الحياة سهلة لطيفة قد جاءتنا من العرب، وأخذ الأوروبيون من العرب صنع الجوخ في جملة ما أخذوا من الصنائع، وكان أهل بيزا الإيطاليون ينزلون مدينة (بجاية) في الجزائر فتعلموا منها صنع الشمع، ومنها نقلوه إلى ديارهم وإلى أوروبا " (30).

وذكر (سيديليو) أن بعض الإفرنج زعموا أن العرب لم يعملوا في تقدم الصناعات شيئًا مع أنهم برعوا في جميع الفنون الصناعية، واشتهروا عند الأمم بأنهم دباغون سباكون جلاءون للأسلحة نساجون أصناف الثياب، ماهرون في أشغال المنقاش والمقراض، ويؤيد علو كعبهم في هذه الفنون سيوفهم الباترة ودروعهم الخفيفة الصلبة، وبسطهم ذات الوبر، ومنسوجاتهم من الصوف والحرير والكتان، وما كشمير هذه الأيام إلا نموذجات دالة على تلك الصناعة.

ويقول (رينو): إن العرب لما أغاروا من الأندلس على جنوبي فرنسا، وافتتحوا بقيادة السمح الخولاني وعنبسة الكلبي والحر الثقفي مدائن أربونة وقرقشونة وأفنيون وليون، كانوا مجهزين بأسلحة لم يكن للإفرنج مثلها (13).

وهذا وغيره الكثير والكثير من آراء وتعليقات المنصفين من الغربيين في تأثير الحضارة الإسلامية وبخاصة علم الهندسة في قيام النهضة والحضارة الغربية، وأختم هذا البحث بالمحاضرة التي ألقاها الأمير تشارلز وليّ عهد بريطانيا في مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية في السابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر عام 1993م تحت عنوان: "الإسلام والغرب" جاء فيها حرفيًا:

إذا كان هناك قدر كبير من سوء الفهم في الغرب لطبيعة الإسلام، فإن هناك أيضًا قدرًا مساويًا من الجهل بالفضل الذي تدين به ثقافتنا وحضارتنا للعالم الإسلامي.. فإسبانيا في عهد المسلمين لم تقم فقط بجمع وحفظ المحتوى الفكري للحضارة اليونانية والرومانية، بل فسرت تلك الحضارة وتوسعت بها، وقدمت إسهامات مهمة من جانبها في كثير من مجالات البحث الإنساني في العلوم، والفلك، والرياضيات، والجبر - الكلمة نفسها عربية - والقانون، التاريخ، والطب، وعلم العقاقير، والبصريات، والزراعة والهندسة المعمارية، لقد كانت قرطبة في القرن العاشر أكثر المدن تحضرًا في أوروبا.

كما أن كثيرًا من المزايا التي تفخر بها أوروبا العصرية جاءت أصلاً من إسبانيا في أثناء الحكم الإسلامي، فالدبلوماسية وحرية التجارة، والحدود المفتوحة، وأساليب البحث الأكاديمي، وعلم الإنسان، وآداب السلوك، وتطوير الأزياء، والطب البديل، والمستشفيات جاءت كلها من تلك المدينة العظيمة.

وفوق ذلك، فإن الإسلام يمكن أن يعلمنًا طريقة للتفاهم والعيش في العالم، الأمر الذي فقدته الديانة المسيحية - على حد قول الأمير تشارلز - مما أدى إلى ضعفها، ويكمن في جوهر الإسلام حفاظه على نظرة متكاملة للكون، فالإسلام يرفض الفصل بين الإنسان والطبيعة، والدين والعلم، والعقل والمادة، إن هذا الشعور المهم بالوحدانية والوصاية على الطابع القدسي والروحي للعالم من حولنا شئ مهم يمكن أن نتعلمه من جديد من الإسلام" (32).

تقول زيغريد هونكه في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب):

إن الوقت قد حان للتحدث عن شعب قد أثر بقوة في مجرى الأحداث العالمية ويدين له الغرب، كما تدين له الإنسانية كافة بالشيء الكثير".


منقول