دورات هندسية

 

 

آل البيت الأطهار

صفحة 5 من 12 الأولىالأولى 1 2 3 4 56 7 8 9 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 50 من 119
  1. [41]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    من ملامح شخصيتها


    ميز شخص بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير من الصفات والملامح، كيف لا وقد شهدت السيدة عائشة رضي الله عنها في أكثر من مناسبة بأنها شبيهة أبيها صلى الله عليه وسلم، الذي وصفه ربه فقال: (وإنك لعلى خلق عظيم) فكانت:


    الأصدق لهجة:

    ويروى في ذلك عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا ذُكرت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ما رأيت أحدا كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي ولدها. (18)


    والأشد حياءً:

    فإذا كان مربيها ومن أشبهته صلى الله عليه وسلم أشد حياءًا من العذراء في خدرها، فكيف نتوقع أن تكون هي رضي الله عنها؟؟ فلقد بلغ من شدة حيائها رضي الله عنها أنها كانت تخشى أن يصفها الثوب بعد وفاتها، وأنها استقبحت ذلك كثيرا حتى جعلت لها أسماء بنت عميس نعشا، وهو أول ما كان النعش آنذاك، ثم الأكثر من ذلك أنها رضي الله عنها أمرت أسماء أن تغسلها هي وزوجها فقط وأن لا تُدخل عليها أحدا، فكانت رضي الله عنها أول من غطي نعشها من النساء في الإسلام.

    فعن أم جعفر أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت لأسماء بنت عميس: يا أسماء، إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء، إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول الله، ألا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها، ثم طرحت عليها ثوبا، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، تعرف به المرأة من الرجال، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعليّ ولا تدخلي علي أحدا. (19)

    هذا إذا كان الحال بعد الوفاة.. فماذا كان إذن حال الحياة؟؟.. فياليت نساء اليوم يسمعن ويرين.. ليتهن يعشن وفاة فاطمة إن عز عيش حياتها.. ليتهن لم يتخذن اسمها ويتركن فعلها..


    وترضى بأقل القليل.. وهي من هي:

    فهي رضي الله عنها وإن كانت تعلم أنها ابنت سيد المرسلين وخاتم النبيين وسيد ولد آدم، إلا أنها لم تطمع في الحياة، ولم تطمح نفسها إلى الخيال بالعيش الراغد والحياة الهنيئة، بل إنها قد ضُرب بها المثل في زواجها اليسير المهر القليل المؤنة، فقد كان مهرها درع، وأساس متاعها ماهو إلا سرير مشروط، ووسادة من أدم حشوها ليف، وتور من أدم، وقربى، يقول علي رضي الله عنه: "لقد تزوجت فاطمة ومالي ولها فراش غير جلد كبش، كنا ننام عليه بالليل ونعلف عليه الناضح بالنهار، ومالي خادم غيرها". (20)

    وبعد زواجها رضي الله عنها عاشت حياة بسيطة متواضعة، فهي تطحن وتعجن خبزها بيديها مع إدارة كافة شؤون بيتها الأخرى، إضافة إلى واجبات زوجها عليها كما تعلمتها في بيت أبيها صلى الله عليه وسلم، ثم هي وبعد أن أثر الرحى في يديها تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعينها بخادم، فيكون رده عليها صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلك على ما هو خير من خادم؟ تسبحين ثلاثا وثلاثين وتحمدين ثلاثا وثلاثين وتكبرين أربعا وثلاثين حين تأخذين مضجعك". (21)


    فضائلها:

    لا يستغرب إذن على مثل هذه الشخصية العظيمة أن يورد في فضلها الكثير من الأحاديث والروايات التي تبرز مكانتها رضي الله عنها في هذه الأمة، وكان من هذا ما يلي:


    1) أحب أهل رسول الله إليه:

    فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: كنت في المسجد فأتاني العباس وعليّ فقالا لي: يا أسامة، استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته فقلت له: إن العباس وعليّ يستأذنان، قال: هل تدري ما حاجتهما؟ قلت: لا والله ما أدري، قال: لكني أدري ائذن لهما، فدخلا عليه فقالا: يا رسول الله، جئناك نسألك: أي أهلك أحب إليك؟

    قال: أحب أهلي إلي فاطمة بنت محمد، فقالا: يا رسول الله، ليس نسألك عن فاطمة، قال: فأسامة بن زيد الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه. (22)


    2) شجنة من رسول الله:

    عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما فاطمة شجنة مني، يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها. (23)


    3) من خير نساء العالمين:

    عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وآسية امرأة فرعون. (24)

    وفي رواية أخرى عن أنس أيضا: حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون. (25)


    4) وسيدة نساء أهل الجنة:

    عن حذيفة قال: سألتني أمي: منذ متى عهدك بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فقلت لها: منذ كذا وكذا، قال: فنالت منى وسبتني، قال: فقلت لها: دعيني فإني آتى النبي صلى الله عليه وسلم فأصلي معه المغرب ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم انفتل فتبعته، فعرض له عارض فناجاه ثم ذهب، فاتبعته فسمع صوتي فقال: من هذا؟ فقلت: حذيفة، قال: مالك؟ فحدثته بالأمر فقال: غفر الله لك ولأمك ثم قال:

    أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟ قال: قلت: بلى، قال: فهو ملَك من الملائكة لم يهبط الأرض قبل هذه الليلة، فاستأذن ربه أن يسلم عليّ ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنهم. (26)


    وفي رواية أخرى:

    عن بن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض خطوطا أربعة قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون. (27)


    5) تختص بمن ينادي يوم القيامة.. غضوا أبصاركم عنها:

    فعن علي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه و سلم: إذا كان يوم القيامة قيل: يا أهل الجمع، غضوا أبصاركم لتمر فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمر وعليها ريطتان خضروان، قال أبو مسلم: قال لي أبو قلابة وكان معنا عبد الحميد أنه قال: حمراوان. (المستدرك، ج3، ص175، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحذفه الذهبي من التلخيص لضعفه.


    من الأحاديث التي روتها:

    وكان مما روته رضي الله عنها عن أبيها صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك. (28)

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  2. [42]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    موقف وفاة الزهراء رضي الله عنها

    يقول ابن عباس رضي الله عنهما: قد مرضت فاطمة مرضا شديدا فقالت لأسماء بنت عميس: ألا ترين إلى ما بلغت؟ أحمل على السرير ظاهرا؟ فقالت أسماء: ألا لعمري، ولكن أصنع لك نعشا كما رأيت يصنع بأرض الحبشة، قالت: فأرنيه، قال: فأرسلت أسماء إلى جرائد رطبة فقطعت من الأسواف، وجعلت على السرير نعشا، وهو أول ما كان النعش، فتبسمت فاطمة وما رأيتها متبسمة بعد أبيها إلا يومئذ، ثم حملناها ودفناها ليلا. (29)

    وفي رواية أوضح بعض الشيء عن أم جعفر رضي الله عنها أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت لأسماء بنت عميس: يا أسماء، إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء؛ إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول الله، ألا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبا، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، تعرف به المرأة من الرجال، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعليّ ولا تدخلي علي أحدا.

    تقول: فلما توفيت جاءت عائشة تدخل فقالت أسماء: لا تدخلي، فشكت إلى أبي بكر فقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال: يا أسماء، ما حملك على أن منعت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن على بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمرتني ألا يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع ذلك لها، قال أبو بكر: فاصنعي ما أمرتك ثم انصرف، فغسلها عليّ وأسماء.

    قال أبو عمر: فاطمة رضي الله عنها أول من غطي نعشها من النساء في الإسلام على الصفة المذكورة في هذا الخبر، ثم بعدها زينب بنت جحش رضي الله عنها، صنع ذلك بها أيضا. (30)


    وفاتها:


    ماتت فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت أول أهله لحوقا به، وصلى عليها زوجها علي بن أبي طالب بعد أن غسلها هو وأسماء بنت عميس، وكانت أشارت عليه أن يدفنها ليلا، وقد قيل إنه صلى عليها العباس بن عبد المطلب ودخل قبرها هو وعلي والفضل، ولم يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنيه غيرها. (31)

    وعن محمد بن عمر قال: توفيت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم لثلاث ليال خلون من شهر رمضان وهي ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها، وقد اختلف في وقت وفاتها: فروي عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: توفيت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر، وأما عائشة فإنها قالت فيما روي عنها: إنها توفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، وأما عبد الله بن الحارث فإنه قال فيما روى يزيد بن أبي زياد عنه قال: توفيت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمانية أشهر، قال محمد بن عمر: وقد حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة وحدثنا بن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة رضي الله عنها توفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، قال محمد بن عمر: وهذا أثبت عندنا. (32)

    وقد اختلف في سنها وقت وفاتها، فذكر الزبير بن بكار أن عبد الله بن الحسن ابن الحسن دخل على هشام بن عبد الملك وعنده الكلبي فقال هشام لعبد الله ابن الحسن: يا أبا محمد، كم بلغت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السن؟ فقال: ثلاثين سنة، فقال هشام بن الكلبي: كم بلغت من السن؟ فقال خمس وثلاثين سنة، فقال هشام لعبد الله بن الحسن: يا أبا محمد، أسمع الكلبي يقول ما تسمع وقد عني بهذا الشأن؟ فقال عبد الله بن الحسن: يا أمير المؤمنين، سلني عن أمي وسل الكلبي عن أمه. (33)

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  3. [43]
    ابوالبراء البغدادي
    ابوالبراء البغدادي غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابوالبراء البغدادي


    تاريخ التسجيل: Aug 2009
    المشاركات: 1,357
    Thumbs Up
    Received: 1
    Given: 0
    جزاك الله خيرا اخي الحبيب ونفع بك رضي الله عن ال بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجاته الى ابن عمه الى ابنته وسبطيه رضي الله عنهم اجمعين

    0 Not allowed!



  4. [44]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    فاطمة الزهراء رضي الله عنها


    فاطمة رضي الله عنها هي حبيبة رسولنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهي البضعة النبوية والجهة المصطفوية، وفي سيرتها من صبرها واحتمالها وفضلها ومكانتها ما يدعو المسلمين جميعاً -خاصة النساء- إلى الاقتداء بها والتأسي بشخصيتها، وكيفيها شرف أنها سليلة بيت النبوة وسيدة نساء العالمين وأم سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدي شباب أهل الجنة.

    فوائد الحديث عن سير الأعلام :-

    الحمد لله، أكرمنا بالإيمان وأعزنا بالإسلام وهدانا بالقرآن، والصلاة والسلام على نبي الإسلام خير الأنام، وأفضل من صلى وصام، وعلى آله وصحابته الذين عرفوا بسلامة القلوب وصحة الأفهام، واشتهروا بالنجدة والإقدام، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، أما بعد:

    فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا في مستقر رحمته ودار كرامته في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

    هذا موضوع نفتتح به سلسلة مواضيع، وعنوان هذه السلسلة (شباب كانوا أئمة الهدى)، وفاتحتها الخيرة -إنشاء الله- هذا الموضوع: بعنوان ( فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة ) ولا شك أن الحديث في سير الأعلام له فوائد عظيمة، وهذه مقدمتنا الوجيزة تختصر هذه الفوائد في ثلاثة جوانب:

    الأول: إبراز القدوات السامية الصحيحة التي يجدر بنا أن نجعلها خطوات نتأسى بها ونترسم خطاها بدلاً من القدوات الزائفة الزائغة.

    ثانياً: شحذ الهمم العالية؛ فإن في السير سبقاً عظيماً وتنافساً شريفاً وقدوات بلغت مراتب عالية، فمتى ما قرأنا هذه السير ووقفنا عندها شحذت منا هممنا الضعيفة، ورفعت معنوياتنا التي يعتريها كثير من الوهن أو الخلل.

    الثالث: الإلمام بالمعارف المتنوعة؛ فإن السير تتضمن علوماً مختلفة، فقد تمر فيها ومضات من الحكمة، وقد يمر فيها صور من الجرأة، وقد تتجلى فيها ملامح من الحياء، وقد تمر فيها ثمرات من تفسير أو فقه أو أصول أو غير ذلك، فهذه فوائد عظيمة جدير بنا أن نعنى حينئذ بمطالعة السير، وليس أعظم ولا أنفع من سير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فاطمة رضي الله عنها وجوانب الحديث عنها :-

    وأما حديثنا عن فاطمة رضي الله عنها فحديث عذب يرقق القلوب ويذكر بالمعاني الإيمانية اللازمة لنا، ونحن نمر هاهنا مروراً وجيزاً بقدر ما يتسع له المقام، ونبدأ بمحطات مختلفة أولها: الحسيبة النسيبة.

    وثانيها: الوليدة الجديدة.

    وثالثها: الزوجة الأسيرة.

    ورابعها: الشبيهة الحبيبة.

    وخامسها: الصابرة العظيمة.

    ثم نقف وقفات لابد منها مع الأفهام الخاطئة والأفكار الزائغة التي تفسد علينا كثيراً من هذه المعاني الفاضلة والآثار الحميدة.

    حسب فاطمة ونسبها :-

    أولاً: الحسيبة النسيبة.

    عمن نتحدث؟ من هذه الشخصية التي نتجاسر على أن نذكرها ونمر على سيرتها ونشنف الآذان بذكرها، ونعطر الأنوف بعبق ريحها الطيب الأخاذ، ونملأ القلوب بمعاني الإيمان في مواقفها العظيمة ومآثرها الجليلة، من هذه الشخصية والناس يبحثون عن الأحساب والأنساب؟!

    فهل ثمة حسب أو نسب يمكن أن يضاهي ما لـفاطمة رضي الله عنها؟ فمن أبوها؟! إنه محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، حسب الشرف، كما قال عليه الصلاة والسلام: { إن الله نظر إلى بقايا العرب والعجم فمقتهم جميعاً إلا بقايا من أهل الكتاب }، ثم قال عليه الصلاة والسلام: { فاصطفى العرب، واصطفى كنانة من العرب، ثم اصطفى قريشاً من كنانة، ثم اصطفى بني هاشم من قريش، ثم اصطفاني من قريش، فأنا خيار من خيار من خيار } ذلك هو صلى الله عليه وسلم.

    وأما حسب الدين فمن مثله عليه الصلاة والسلام؟ قال تعالى: (( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ))[الأحزاب:40]، وقال تعالى: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )) [الفتح:29].

    وأما حسب الخلق فحسبك قوله تعالى: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ))[القلم:4]، فمن مثل أبيها صلى الله عليه وسلم، وإن جنحنا إلى أمها فـخديجة بنت خويلد ، وما أدراك ما خديجة بنت خويلد ؟! أم المؤمنين وأول أزواج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لم يجمع معها غيرها، ولم يتزوج إلا بعد وفاتها، ومن هي في حسبها وشرفها ديناً وخلقاً ونسباً؟ هي الشريفة المعروفة في حسبها ونسبها رضي الله عنها، وأما حسب الدين فهي أول من آمن بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، هي أول من تلقى خبر الوحي، هي أول من كان المثبت المعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جاء يرجف فؤاده فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

    جاء جبريل عليه السلام إلى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يقول له: { إذا أتتك خديجة فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب } رواه البخاري و الترمذي .

    واحدة من قلائل النساء الكمّل في هذه الدنيا؛ لما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: { كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا خديجة و مريم بنت عمران و آسية زوج فرعون }.

    ولو ذهبنا نمضي في هذا لوجدنا كثيراً وكثيراً، قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: { خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد }، وروى البزار و الطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين }.

    ولننظر إلى زوج فاطمة فارس الفرسان أول المسلمين من الفتيان ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب الفارس المغوار الشجاع البطل الهمام الكمي رضي الله عنه وأرضاه، قال أبو رافع :{ أول من أسلم من الرجال علي ، وأول من أسلم من النساء خديجة } رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي }.

    قال الذهبي رحمه الله في مقدمة ترجمة فاطمة رضي الله عنها: سيدة نساء العالمين في زمانها، البضعة النبوية والجهة المصطفوية، بنت سيد الخلق رسول الله أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشية الهاشمية أم الحسنين رضي الله عنها وأرضاها، ونعيش هذه المعاني وقد خفق بها قلب إقبال الشاعر الكبير فقال:

    فبنا لـمريم سيرة بقيت على طول المدى ذكرها

    والمجد يشرق من ثلاث مطالع في مهد فاطمة فما أعلاها

    هي بنت من هي زوج من هي أم من من ذا يداني في الفخار أباها

    هي ومضة من نور عين المصطفى هذي الشعوب إذا تروم هداها

    ولزوج فاطمة بسورة هل أتى كاد يفوق الشمس عند ضحاها

    أسد بحب الله يرم المشكلات بصيقل يمحو سطور دجاها

    في روض فاطمة نما غصنان لم ينجبهما في النيرات سواها

    فأمير قافلة الجهاد وقطب دائرة الوئام والاتحاد ادناها

    هي أسوة للأمهات وقدوة يترسم الفجر المنير خطاها

    لما شكا المحتاج خلف رحابها رقت لتلك النفس في شكواها

    جادت لتنقذه برهن خمارها يا سحب أين نداك من جدواها

    فمضى يرتل آي ربك بينما يدها تدير على الشعير رحاها

    رضي الله عنه وأرضاها.

    ولادتها ولقبها :-

    ولدت رضي الله عنها -كما ذكر ابن سعد في الطبقات- وقريش تبني البيت، وذلك قبل نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم بخمس سنين، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: والذي تسكن إليه النفس على ما تواترت به الأخبار في ترتيب بنات النبي صلى الله عليه وسلم أن زينب الأولى، ثم الثانية رقية ، ثم الثالثة أم كلثوم ، ثم الرابعة فاطمة الزهراء رضي الله عنها.

    وقال ابن حجر في الإصابة: ولدت فاطمة والكعبة تبنى والنبي ابن خمس وثلاثين سنة، وبهذا جزم المدايني . قال ابن حجر : وهي أسن من عائشة بخمس سنين.

    وأما الزهراء فهو وصف لم يذكر في شيء من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، لكنه ذكر في تراجمها غلبة لهذا المعنى الذي هي أشبه به رضي الله عنها، قال صاحب التاج: والزهراء: المرأة المشرقة الوجه والبيضاء المستنيرة المشربة بحمرة، والزهراء: البقرة الوحشية. ومعلوم أنهم يضربون بها المثل في الجمال، كما قال قيس بن الخطيب : تمشي كمشي الزهراء في دمث الروض إلى الحزن دونها الجرف.

    و الزهراء كذلك السحابة البيضاء التي تبرق وتستنير بذلك البرق، فهذه ولادتها رضي الله عنها، فهي أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأحبهن إليه كما سيأتي ذكره.

    ونمضي إلى صورة واسعة هي أوسع الصور فيما ورد من ترجمة فاطمة رضي الله عنها الزوجة الأسيرة ليكون درساً للآباء والأمهات والبنات وللأمة كلها كيف يكون الزواج، وكيف يكون المهر، وكيف تكون الحياة، وكيف يكون تدبير الأمور، ونحن اليوم نعاني ما نعاني من هذه المشكلات التي أورثت خللاً في المجتمعات، والتي ساعدت على شيوع المعاصي وكثرة السيئات، وقللت من الحصانة والعفة وغير ذلك مما نعلمه.

    خطبتها رضي الله عنها :-

    أما خطبتها فقد كانت -على ما رواه ابن سعد في الطبقات- جاءت بتدرج وببيان لمكانها ومقامها رضي الله عنها، فقد روي أن أبا بكر خطب فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: { يا أبا بكر ! انتظر بها القضاء } وخطبها عمر فقال له: { انتظر بها القضاء } ثم قال بعضهم لـعلي : اخطب فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: بعد أبي بكر و عمر ؟! فذكروا له قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطبها فزوجه النبي إياها.

    وفيما رواه الطبراني بسند رجاله ثقات عن حجر بن عنبس قال: { خطب أبو بكر و عمر فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي: هي لك يا علي ؛ لست بدجال } أي: لست بكذاب. قال الشراح: وذلك أنه قد وعد علياً بها قبل خطبة أبي بكر و عمر رضي الله عنهم أجمعين.

    وإن النبي صلى الله عليه وسلم شاورها واختار لها علياً ربيبه الذي تربى في حجره وعلى نظره، وكان علي يقول: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع سنين لا أصلي إلا أنا وهو. يعني: قبل أن يفشو الإسلام، وقبل أن تظهر الجماعة، وقبل أن يكون دار الأرقم وغير ذلك.

    يقول ابن سعد في الطبقات: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـفاطمة : { إن علياً يذكرك -يعني: يخطبك- فسكتت فزوجها النبي صلى الله عليه وسلم } .

    وفيما جاء أيضاً في خطبة علي رضي الله عنه فيما رواه بريدة أن نفراً من الأنصار قالوا لـعلي رضي الله عنه: اذكر فاطمة واخطبها، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن حرضه نفر من الأنصار، فقال له عليه الصلاة والسلام: { ما حاجة ابن أبي طالب ؟ قال: ذكرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مرحباً وأهلاً، لم يزده عليهما، فقال: ورجع، فقال له الرهط: ما قال لك؟ قال: ما زاد أن قال: مرحباً وأهلاً. قالوا: يكفيك من رسول الله إحداهما، أعطاك الأهل وأعطاك المرحب فلما كان بعد زوجه فقال: يا علي ! إنه لابد للعروس من وليمة }.

    زواجها رضي الله عنها وأرضاها :-

    وعندما تزوجها علي -كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب- كان عمرها خمس عشر سنة وخمسة أشهر، وكان عمر علي واحداً وعشرين عاماً على الصحيح في هذه الروايات، وكان هذا الزواج في رجب بعد ما كان من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقدمه المدينة بنحو خمسة أشهر، ثم بنى بها -أي: دخل بها- بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر، وأخطأ من قال: إن البناء كان يوم أحد. لأن القصة فيها أن حمزة رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم ذبح شارفين في وليمة عرس علي رضي الله عنهم أجمعين.

    فهذه قصة زواج فاطمة رضي الله عنها، فكيف جهزت؟ وما كان مهرها؟ وكيف كانت وليمتها؟ وكيف كان بيتها وجهازها؟ ثم كيف كانت عيشتها ومسيرتها في حياتها؟

    أما المهر فالروايات متكاثرة في أنه عندما خطب علي رضي الله عنه وتقدم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { والله مالي من شيء. فقال: وكيف؟ قال: فذكرت صلته وعائدته علي -يعني: فضل النبي عليه الصلاة والسلام عليه- فتجرأت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما تصدقها؟ } أي: ما تعطيها من المهر؟ فمن هذه الممهورة؟ ومن هذه المخطوبة؟ بنت محمد صلى الله عليه وسلم فقال: { يا رسول الله! ما عندي ما أصدقها } ليس عند علي مهر، قال: { ولم يكن يومئذ صفراء ولا بيضاء }، لا ذهب ولا فضة عند علي ولا عند غيره إذ ذاك في أول الهجرة وفي مطلع الشدة كان المسلمون في شدة كبيرة.

    فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: { أين درعك الحطمية؟ }، وهي درع أعطاها له رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد، و(الحطمية): نسبة إلى بطن حطم، نسبة إلى بطن حطم بن محارب كانوا مشتهرين بصناعة الدروع، وقيل: الحطمية التي تحطم السيوف وقيل: الثقيلة الحصينة.

    قال: { أين درعك الحطمية؟ قال: هي عندي يا رسول الله، قال: أصدقها إياها، فباعها بأربعة وثمانين درهماً فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاها بلالاً وقال: اجعلوا ثلثيها في الطيب وثلث في المتاع }، وهذا من فقه النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته بطبائع النساء، أمرهم أن يجعلوا ثلثيها في الطيب وثلثاً في المتاع واللباس وغير ذلك، فهذا كان مهر سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها وأرضاها، فما بال من يغالون في مهور بناتهم؟ أيظنون ذلك منقبة وشرفاً؟! أيظنونه تعظيماً لمقام بناتهم؟! لو كان ذلك كذلك لكان الأحق به بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وقع لدي عقد فذهبت أكتب هذا العقد لأصحابه فرأيت عقداً قبله والمهر مسطور فيه بمائة ألف، فقلت: يا للعجب! وما ينفع ذلك أو يفيد، ونرى أننا بهذا نسد كثيراً من أبواب الحلال ونفتح أبواباً ونيسر طرقاً للحرام، وقد نكون بذلك آثمين، وقد يكون الآباء في هذا ممن يعضلون بناتهم، وممن يكون عليهم وزر في هذا إذا فاتها قطارها وتأخر عنها حظها من بعد، فهذه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وهذا مهرها.

    جهازها وأثاث بيتها رضي الله عنها :-

    أما جهازها فقالت أم أيمن : (وليت جهازها، فكان فيما جهزتها به مرفقة من أدم -من جلد- حشوها ليف وبطحاء مفروشة في بيتها). هذا هو الفراش الوثير الذي كان في بيت فاطمة رضي الله عنها.

    وقد وردت روايات كثيرة في هذا المعنى، حتى إنهم جاووا بهذا التراب والحصى ليفرش في هذا البيت كأنما هو توطئة، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث مع فاطمة بخميلة ووسادة أدم حشوها ليف ورحائين وسقاء وجرتين، فكم هي هذه الثروة عظيمة؟ وكم هي موجودة في هذا البيت كأنما هو قصر عامر؟ وهو كذلك عامر بالإيمان والتقوى، وما كان حشو فراشهما ووسائدهما إلا الليف، بل قد ورد في صداقها أنه كان لهم جلد لخروف، إذا ناموا جعلوه على جهة الصوف، وإذا احتاجوه لفوه من جهة الجلد، وهذا يدلنا على البساطة، وذلك -كما قلت- رواية أم أيمن مروية عند الطبراني وإسناده رجال الصحيح.

    لننظر إلى هذه المعاني، فمن كانت هذه مقدمتها في خطبتها وفي مهرها وفي جهازها فأي شيء تكون عيشتها؟ وعلى أي صورة تكون حياتها؟ هل فيها مثلما عندنا أو ما عند نسائنا حيث لابد أن يكون المسكن فيه كذا من الغرف، ولابد أن يكون فيه غرفة للنوم وأخرى للطعام وثالثة للجلوس ورابعة لكذا وكذا وخامسة لكذا؟ كأنما يريد أن يسكن في جنة قبل جنة الآخرة، ولا نقول هذا ونحن نعرف أوضاع الحياة الاجتماعية تحريماً له، لكن إذا وجد ما يقتضي التنازل عنه مما هو خير ومما هو في جمع بين زوجين صالحين فالعاقل من يصنع ذلك ويتأسى بخير خلق الله عليه الصلاة والسلام، ولتكن ابنته في شرفها وفخرها أنها كان لها أثر من فاطمة أو غير فاطمة من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فأين كان سكنها وكيف عاشت؟

    في رواية ابن سعد في الطبقات عن أبي جعفر لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل منزلاً، فطلب علي منزلاً حتى يسكن فاطمة فيه، فأصابه مستأخراً عن النبي صلى الله عليه وسلم بعيداً عنه، والنبي لم يكن يحب بعد فاطمة عنه أبدا، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت فاطمة فقال: { إني أريد أن أحولك إلي تكونين قريبة مني. فقالت: كلم حارثة بن النعمان أن يتحول } وكان بيته قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم فأرادت أن يتحول وتأتي فاطمة ، قال عليه الصلاة والسلام: { قد كلمت حارثة وكم تحول عنا حتى استحييت منه }، يعني: أكثر من واحد يريد الجوار وهذا ينتقل. فسمع حارثة رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! إنه بلغني أنك تحول فاطمة إليك، وهذه منازلي وهي ألصق بيوت بني النجار بك -أي: أقربها- وإنما أنا ومالي لله ولرسوله، والله -يا رسول الله- المال الذي تأخذ أحب إلي من الذي تدع.

    وهكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فتحولت إلى جوار أبيها عليه الصلاة والسلام.

    فاطمة وعلي رضي الله عنهما ومكابدة الحياة :-

    وماذا من بعد فاطمة و علي ؟ ومنهما فاطمة و علي ؟

    خذ هذه اللوحة المعبرة المؤثرة في هذه الحياة الزوجية: أقبل علي ذات يوم على فاطمة ودخل وهو منهك متعب مجهد من طبيعة الحياة وشدتها وكسب العيش وكده، فقال: والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، والسانية: البعير الذي يستقى به الماء، كان علي يسقي الماء عن طريق الناقة أو أحياناً بنفسه، قال: قد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه. انتصر المسلمون، وكان عند الرسول صلى الله عليه وسلم سبي، فقال: اطلبي منه خادماً؛ فأنت ابنته أقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه. فذهبت فاطمة إلى أبيها عليه الصلاة والسلام، فقال: { ما جاء بك يا بنية؟ } قالت: جئت لأسلم عليك. واستحيت أن تذكر حاجتها، وقد قالت عندما قال علي ذلك: وأنا قد طحنت الرحى حتى مجلت يداي. والمجل: هو ثخن الجلد ووجود البثور فيه. من كثرة ما كانت تطحن الشعير رضي الله عنها وأرضاها، فلما ذهبت إلى أبيها استحيت أن تذكر حاجتها فرجعت، فقال علي : كلمتيه؟ قالت: لا. فأخذها علي وذهبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي : والله -يا رسول الله- لقد سنوت حتى اشتكيت صدري. وقالت فاطمة : قد طحنت حتى مجلت يداي، وقد أتى الله بسبي وسعة فأخدمنا.

    فماذا قال القدوة العظمى صلى الله عليه وسلم؟ قال: { والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانها }، فهناك أولويات، فهذان يريدان خادماً وفي المسلمين من أهل الصفوة من لا يجد طعاماً، قال: { والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم }.

    لكن هل قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم لا تغمره الرحمة والشفقة على ابنته وفلذة كبده؟ بلى كان ذلك في نهار ذلك اليوم، وإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم في مسائه وليله يأتي إليهما ويطرق عليهما بابهما، وقد دخلا في كسائهما وعليهما فرش إن غطيا الرأس بدت الأقدام وإن غطيا الأقدام بدا الرأس.

    فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فأرادا أن يقوما فقال: { مكانكما. ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ فقالا: بلى يا رسول الله! فقال: كلمات علمنيهن جبريل : تسبحان في دبر كل صلاة عشرا، وتحمدان عشرا، وتكبران عشرا، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا ثلاثاً وثلاثين، فذلك خير لكما من خادم }.

    قال علي : فما تركتها منذ سمعتها، فقال ابن الكواء : ولا ليلة صفين؟! قال: ولا ليلة صفين يا أهل الطرق، أي: أهل الفتن.

    فذكر علي ذلك في محافظته على ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم.

    وانظر إلى هذه الصورة: علي يشقى و فاطمة تتعب والسبي موجود، والأمر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه يريد لأحب أحبابه وأقرب المقربين إليه ما هو الأفضل والأكمل، لا يريد خادماً في الدنيا وإنما خداماً في الجنة، يريد عمران الدار الآخرة قبل عمران هذه الدار، ولذلك صرفهما إلى عبادة، لكنه كان يدل على أن في قلبه من الشفقة والرحمة ما جعله لا ينسى طلبهما، ولا ينسى أنما قاله لهما ربما أدخل إلى نفوسهما شيئاً من هم أو غم، فمسح ذلك بقدومه عليهما، وإيناسه لهما، وتقديمه الخير لهما عليه الصلاة والسلام.

    وهناك صورة أخرى لنرى ما يدور في بيوتنا من المشكلات بين الزوجات وأمهات الأزواج، حتى أصبح هذا الباب باباً تسطر فيه الأقلام وتمثل فيه التمثيليات والمشاهد كما نسمع، بل وتضرب فيه الأمثال.

    فهذه رواية ابن عبد البر يذكرها في الاستيعاب عن ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري قال: قال علي لأمه: اكفي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخدمة خارجاً وسقاية الماء والحاج، وتكفيك العمل في البيت والعجن والخبز والطحن، في صورة من بر الأم ورحمة الزوجة وألفة الأسرة الواحدة بعيداً عن الخصومات والنزاعات والمكائد التي تحفل بها كثير من البيوت من خلال ما يتسرب إلينا من الأفكار الدخيلة والمضامين التي تبث عبر كثير من الوسائل والطرق مكتوبة ومرئية ومسموعة ونحو ذلك.

    هذه ومضات من الحياة الزوجية لتلك الزوجة الأثيرة رضي الله عنها وأرضاها، وأحسب أن فيما نذكره من العبرة ما يغني عن كثير التعليق والتفريع من كلامنا وقولنا، فحسبنا بهذه العظيمة الشريفة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كان مهرها درعاً، وأن كان فراشها أدماً حشوه ليف، وأن كان تجهيز بيتها سقاءين ورحائين، وأن كانت معيشتها أن تخدم بنفسها وأن تقوم بحق زوجها رضي الله عنها وأرضاها.

    شبهها بالنبي صلى الله عليه وسلم ومكانتها في قلبه :-

    لقد قالت عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً وهدياً ودلاً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكانت إذا دخل عليها قامت إليه وأخذت بيده وقبلته وأجلسته في مجلسها) رواه أبو داود في السنن.

    وفي رواية عند البخاري في الصحيح تخبر فيها عائشة بما كان من آخر أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: { إنا كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده جميعاً لم تغادر منا واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخفى مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها رحب بها وقال: مرحباً بابنتي } .

    وفي حديث مسور بن مخرمة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني } رواه البخاري في الصحيح، والبضعة: القطعة من اللحم. وفي رواية هذا الحديث في الصحيح أيضاً: { مضغة مني } ، وفي رواية عند حذيفة : { شدنة مني } قطعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عليه الصلاة والسلام ينص على ذلك ويذكره، وكانت عائشة رضي الله عنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبصر الشبه وتدرك المقام وتعرف الصلة وتعرف وتدرك خفقات قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته الحبيبة الأثيرة رضي الله عنها.

    وهذا ابن عباس رضي الله عنه يروي أن المصطفى عليه الصلاة والسلام دخل على علي و فاطمة رضي الله عنهما وهما يضحكان، فلما رأيا النبي عليه الصلاة والسلام سكتا، فقال لهما عليه الصلاة والسلام: { ما لكما كنتما تضحكان فلما رأيتماني سكتما؟ فبادرت فاطمة فقالت: بأبي أنت يا رسول الله، قال: هذا؟ -تعني علياً -: أنا أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، فقلت: بل أنا أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك. فتبسم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال: يا بنية! لك رقة الولد و علي أعز علي منك }، وهذا من بديع قوله وفصيحه ومن حسن مأخذه عليه الصلاة والسلام، { لك رقة الولد و علي أعز علي منك }، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

    وفي رواية مسور الأخرى: { فاطمة شدنة مني يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها وإنه تنقطع يوم القيامة الأنساب إلا نسبي وحسبي } أو كما قال عليه الصلاة والسلام، والحديث أيضاً رجاله ثقات كما ذكره الهيثمي في المجمع.

    وفي حديث عمران بن حصين كذلك ما يدل على ذلك، قال عمران : { إني لجالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت فاطمة فقامت بحذاء النبي صلى الله عليه وسلم -يعني: في إزاءه مقابلة له- فقال: أدني يا فاطمة فدنت دنوة، ثم قال: أدني يا فاطمة . فدنت دنوة، فقال: أدني يا فاطمة . فدنت دنوة حتى قامت بين يديه، قال عمران : فرأيت صفرة قد ظهرت على وجهها وذهب الدم من شدة الجوع وشظف العيش. قال: فبسط النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه ثم وضع كفه بين ترائبها -أي: عظام صدرها- فرفع رأسه وقال: اللهم! مشبع الجوعة وقاضي الحاجة ورافع الوضعة لا تدع فاطمة بنت محمد قال عمران : فرأيت صفرة الجوع قد ذهبت عن وجهها وظهر الدم، ثم سألتها بعد ذلك فقالت: ما جعت بعد ذلك يا عمران } .

    رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عتبة بن حميد وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات.

    وهذا يدلنا على مكانتها ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم لها، وحسبنا بذلك منقبة وفضيلة وشرفاً وعزاً وكرماً لا يدانيها فيها غيرها كما سيأتي في تعليل ذلك، وفي حديث أبي ثعلبة الخشني -وقد رواه ابن عبد البر في الاستيعاب- قال: { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يأتي فاطمة ، ثم يأتي أزواجه } لم؟ لأنها وحيدة بناته التي بقيت رضي الله عنها وأرضاها.

    وهذا ابن سعد في الطبقات يروي عن ابن أبي ثابت قال: كان بين علي و فاطمة كلام -أي: شيء من الخلاف- فدخل النبي عليه الصلاة والسلام فألقوا له شيئاً فاضطجع عليه، فجاءت فاطمة فاضطجعت من جنب و علي فاضطجع من جنب، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ويدها فوضعها على سرته ثم أصلح بينهما، وخرج عليه الصلاة والسلام، فقيل: دخلت وأنت على حال وخرجت ونحن نرى البشر في وجهك! قال: { وما يمنعني وقد أصلحت بين أحب اثنين إلي } رضي الله عنهما وأرضاهما.

    هكذا كانت فاطمة رضي الله عنها شبيهة برسول الله صلى الله عليه وسلم وحبيبة إلى قلبه، وكانت مضرب مثله ومضرب المثل لا يكون إلا في العزيز القريب الأثير، ألم يقل عليه الصلاة والسلام: { يا فاطمة بنت محمد! اعملي لا أغني عنك من الله شيئا } لم يخصها بالذكر؟ لقربها وحبها. ألم يقل عليه الصلاة والسلام يوم قصة المخزومية : لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها؟ إنه يدل على تعظيمه ومحبته لها عليه الصلاة والسلام.

    وذكر ابن حجر في الإصابة عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال: كانت فاطمة أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأحبهن إليه، وسألت عائشة رضي الله عنها -كما روى الترمذي في سننه بسند حسنه- فقيل لها: (أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: فاطمة . قيل فمن الرجال؟ قالت: زوجها. إن كان كما علمت صواماً قواما). وتكلم الذهبي في السير على صحة هذا الحديث، وإن كان قد حسنه الترمذي ورواه الحاكم وصححه.

    وفي حديث بريدة كان أحب النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة ومن الرجال علي . قال إبراهيم النخعي : يعني: من أهل بيته. ورواه الترمذي كذلك.

    أسباب فضل فاطمة وخصوصيتها التي امتازت بها رضي الله عنها :-

    ولعلنا نتساءل هنا: لماذا كانت لـفاطمة هذه الخصوصية التي حظيت بها رضي الله عنها وأرضاها؟

    هناك إجابة طويلة، لكن لابد من ذكرها مع الإيجاز.

    معنى كنيتها الفريدة رضي الله عنها وأرضاها :-

    أولاً: لأن لها كنية فريدة، وليس المقصود الكنية وإنما معناها، فكنيتها التي ذكرها الذهبي و ابن حجر وغيرهما من العلماء هي (أم أبيها) ولا أعرف أحداً من النساء كنيتها أم أبيها، فهي ابنته ولكنها تكنى بأنها أم أبيها، فلم كان ذلك كذلك؟ لأسباب كثيرة.

    فـفاطمة رضي الله عنها أصغر بناته، وكان بعض بناته قد تزوجن، وبنتاه الأوليان كانتا متزوجتين من ابني أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام في الجاهلية قبل الإسلام، وزينب مزوجة من أبي العاص بن الربيع ، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا فاطمة ، فكانت تشهد ما يلقى النبي عليه الصلاة والسلام من الأذى والصد والإعراض من قريش، وكانت معه عليه الصلاة والسلام في هذه المواقف كما سيأتي معنا، وكانت كذلك عندما مضى النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، ولم يكن قد دخل بـعائشة فمن كان يخدمه؟ ومن كان في بيته يقوم بشأنه؟ ومن كان يعد طعامه؟ ومن كان يهيئ له أحواله؟ ابنته أم أبيها رضي الله عنها وأرضاها، ولذلك كانت قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرفت بهذه الكنية الفريدة.

    امتداد نسل النبي صلى الله عليه وسلم عن طريقها رضي الله عنها :-

    الأمر الثاني: الذرية الحبيبة، فإنه قد قضت حكمة الله عز وجل أن ينقطع نسل بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأن لا يبقى أبناؤه، فلم يبق نسل متصل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، ونعلم كيف كان النبي يحب الحسن و الحسين ، وكيف كان يحني ظهره فيرتحله الحسن و الحسين فيقول: { نعم الراكبان أنتما ونعم الجمل جملكما }، وعندما جاء الحسن والنبي يخطب في المسجد فعثر في مرطه نزل النبي عليه الصلاة والسلام فأخذه، نزل من منبره وأخذه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدعو الحسن و الحسين إلا بـ(ابني)، وكانا يدعوانه (يا أبتي)، فـفاطمة رضي الله عنها أبقت لنبي الله عليه الصلاة والسلام بفضل الله جل وعلا أن يقال له أب وأن يقول هو لهؤلاء إنهم أبناؤه، فكانت له قريبة
    .

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  5. [45]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    صحبتها الطويلة لأبيها صلى الله عليه وسلم :-

    فإن أخواتها من بنات رسول الله عليه الصلاة والسلام تتابعت وفاتهن، وتقدمت وبقيت هي مع النبي صلى الله عليه وسلم دهراً طويلا، ورقية شغل بها عثمان في يوم بدر، وأم كلثوم توفيت بعد ذلك في العام الثامن أو التاسع من الهجرة، ولم يبق إلا فاطمة رضي الله عنها، فصحبت رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى توفي عنها ولفظ أنفاسه الأخيرة إلى الرفيق الأعلى، وهي في هذه الحياة رضي الله عنها وأرضاها، فهذه صفحة من صفحات حياتها في شبهها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه إياها.

    صبرها رضي الله تعالى عنها على البلاء :-

    وعندنا في ذلك كثير وكثير من المناقب لـفاطمة رضي الله عنها، لنرى قدوة للنساء، فالمرأة اليوم من أدنى عارض تجزع وتصيح وتتراجع ولا تكاد تحتمل شيئاً، أما فاطمة فهذه محطات من الابتلاء مرت فيها بنجاح منقطع النظير.

    أولها: أذى الأب الرسول عليه الصلاة والسلام، وكلنا يعرف القصة الشهيرة المروية في السيرة لما ائتمر أبو جهل ومن معه من سفهاء قريش في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: إذا سجد فضعوا سلا الجزور على رأسه وهو ساجد، وقام أشقى القوم عقبة بن أبي معيط ففعل ذلك، فلما نمى إلى فاطمة الخبر وهي التي كانت في بيته عليه الصلاة والسلام تحركت -وكانت صغيرة في السن- فذهبت فألقت ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ونظفته وطيبته، فما رفع رأسه من السجود إلا بعد أن فعلت ذلك، لقد كانت ترى صناديد قريش وهم يتعرضون له عليه الصلاة والسلام بالأذى القولي والفعلي وتحتمل ذلك، وترى في صبر النبي عليه الصلاة والسلام قدوتها وأسوتها رضي الله عنها وأرضاها.

    ثم بعد ذلك كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حصار الشعب الظلوم، عاشت ثلاث سنوات من أشد وأقسى السنوات التي مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والمسلمين معه حتى أكلوا ورق الشجر وحتى قرحت أشداقهم، ولقد روى سعد رضي الله عنه أنه ذهب يتبول قال: فإذا أنا أسمع قعقعة فأخذتها فإذا هي شنٌ -يعني: قطعة من جلد- فأخذتها فدققتها فسففتها فكانت قوتي أياماً.

    هكذا كانوا وكانت فاطمة البنت الرقيقة الصغيرة الفتية في عمرها، وإذا كان قد تزوج بها علي وهي ابنت خمس عشرة سنة في المدينة فكم كان عمرها إذ ذاك؟!

    كانت صغيرة رضي الله عنها وأرضاها، فصبرت واحتملت ومرت بهذه الظروف العصيبة وشظف العيش وشدته تتأسى بأبيها عليه الصلاة والسلام.

    ثم من بعد ذلك كان فقد الأم العظيمة في عام سماه أهل السير (عام الحزن) كان من أشد ما مر برسول الله صلى الله عليه وسلم أن فقد زوجته خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها الحبيبة إلى قلبه المواسية له المؤازرة والمساندة له عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك عظيماً على أصغر البنات التي لم تكن تزوجت بعد وهي فاطمة رضي الله عنها، فصبرت واحتسبت ومضت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم من بعد كانت هناك محطة رابعة في معاناة الهجرة الحزينة.

    فيوم هاجر رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يصحب معه أبناءه، ثم من بعد أرسل أبا رافع مولاه فأخذ زينب و فاطمة رضي الله عنهما، فلحق بهم الحويرث الأشقى فنخز بعيرهما وآذاهما فسقطتا من عليه وقد وهت أجسادهما، وكانتا ضعيفتين، وهذا هو الذي أعلن النبي عليه الصلاة والسلام عنه وعن نفر معه يوم فتح مكة أن يقتلوا ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، وذلك لما فعل هذا الشقي ببنات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومضت هذه الفتاة في ريعان شبابها تحتمل كل هذه الصعاب بإيمان عظيم وصبر جليل واحتساب للأجر عند الله سبحانه وتعالى ومواصلة على الطريق دون جزع ولا تراجع ولا تضعضع ولا ضعف بحال من الأحوال.

    ثم ماذا بعد ذلك؟

    لقد كان موت الأخوة والأخوات، فإخوانها جميعاً ماتوا إبراهيم و القاسم أبناء النبي عليه الصلاة والسلام، ومن بعد ذلك أخواتها واحدة إثر الأخرى وهي تشيع وتدفن رضي الله عنها وأرضاها والحزن يملأ قلبها فينصب على يقينها وإيمانها، فإذا بها ترضى بقضاء الله وقدره، لكن ذلك أمره عظيم.

    إنه ورد في بعض الروايات أنها شهدت أحداً وكان لها فيها شيء من المشاركة، ورأت ما رأت مما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم شج رأسه ودميت قدماه ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه، وقال عليه الصلاة والسلام: { اللهم! اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون }.

    ثم كان المصاب الأعظم الذي لم تتماسك بعده حتى أدركتها منيتها وحانت وفاتها، ذلك الحدث هو فقد الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، يوم قالت فاطمة رضي الله عنها عندما زارت النبي صلى الله عليه وسلم: واكرباه. فقال عليه الصلاة والسلام: { لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة }.

    ثم لما قضى النبي صلى الله عليه وسلم قالت: واكرب أبتاه، إلى جبريل ننعاه، جنة الخلد مأواه. ثم لما دفن عليه الصلاة والسلام قالت لـأنس -كما في الصحيح-: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟! وفي بعض الروايات أنها ما رأيت مبتسمة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.

    وسنذكر الآن بعض فضائلها وما جاء في هذه القصص العظيمة، فكانت صابرة رضي الله عنها صبراً عظيماً يدلنا على ما ينبغي أن تتحلى به النساء المؤمنات من الصبر والاحتمال فيما يتعرضن له في طاعة الله سبحانه وتعالى والثبات على هذا الدين، لا أن يكون ذلك برقة وضعف وخور كما نرى، نسأل الله عز وجل السلامة.

    فضائلها رضي الله عنها وأرضاها :-

    ففي الصحيح من رواية عائشة : { كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها رحب بها وقال: مرحباً بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن يساره، ثم سارها -أي: أسر إليها كلاماً- فبكت -رضي الله عنها- ثم سارها مرة أخرى فضحكت.

    فقالت عائشة : خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نساءه بالسرار ثم أنت تبكين؟! ثم قالت: ما قال لك؟ قالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت لها عائشة : عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أما الآن فنعم، أما حين سارني المرة الأولى فأخبرني أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري؛ فإنه نعم السالف أنا لك. قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني ثانية فقال: يا فاطمة ! أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟ قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت }.

    وفي رواية في لفظ آخر: { لما رآها استبشر وتهلل، فسارها فبكت ثم ضحكت، فقالت عائشة : ما رأيت كاليوم أقرب فرحاً من بكاء } ثم سألتها.

    وفي رواية ثالثة: أن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كنت لأرى هذه -تعني فاطمة - لأعقل نسائنا فإذا هي امرأة من النساء.

    أي أنها كانت تظنها ذات جلد، فلما رأتها تضحك وتبكي قالت: هذه امرأة من النساء ليس عندها شيء مختلف، فلما علمت بذلك عرفت.

    وفي رواية: { فبكيت، قال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة وأنك أول أهلي لحوقاً بي؟! فضحكت } وهذا عند البخاري و مسلم ، وكان الأمر كذلك كما سيأتي في وفاة فاطمة رضي الله عنها.

    وهذا الحديث روي بروايات كثيرة، منها رواية الترمذي وفيها: { أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يموت فبكيت، ثم أخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران فضحكت }.

    وفي رواية حذيفة عند الترمذي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: { هذا ملك نزل من السماء لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم علي وأن يبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وأن الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة } أخرجه الترمذي وحسنه.

    وعندنا رواية في الفضائل -وسيأتي ذكرها باختصار فيما هو من الشبهات والأخطاء- هي رواية عند البخاري و مسلم ، وكذلك عند أبي داود و الترمذي من حديث مسور بن مخرمة في قصة علي بن أبي طالب حين خطب بنت أبي جهل يريد أن يتزوجها على فاطمة ، قال: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم، فقال: { إن فاطمة مني وأنا أتخوف أن تفتن في دينها. ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس ، ثم قال: وإني لست أحرم حلالاً ولا أحل حراماً، ولكن -والله- لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله مكاناً واحداً أبدا }.

    وفي الرواية الأخرى قال: { فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني. وقال: يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها }. وهذا الحديث أيضاً من فضائلها رضي الله عنها وأرضاها.

    ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: { الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة، و فاطمة سيدة نسائهم إلا مكان مريم بنت عمران }، وهذه الروايات كثيرة في فضائلها رضي الله عنها، ومما ذكره الترمذي -أيضاً- أنه قال عليه الصلاة والسلام في شأن قصة خطبة علي أو إرادته خطبة بنت أبي جهل : { إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب ، فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم؛ فإنها بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها } قال الترمذي : حديث حسن صحيح. وقد مر بنا بعض الأحاديث التي فيها فضائل لـفاطمة رضي الله عنها وأرضاها.


    وقفات من شبهات المفرضين

    وقفة مع شبهة هجرها لأبي بكر رضي الله عنه في قضية الميراث :-

    ووقفتنا الأخيرة قبل ذكر وفاة فاطمة رضي الله عنها وقفة مع الأوهام الخاطئة ومع الأفكار الزائغة التي تشوه علينا هذه الصورة المشرقة الوضاءة في سيرة وتعامل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهناك بعض الأوهام التي أخذها بعض الناس مآخذ تبعد عن فهم حقيقة إيمان الصحابة وفضيلتهم رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن ذلك ما هو مشهور في الحديث الصحيح عند البخاري أن عائشة روت أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبيها سألت أبا بكر ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { لا نورث، ما تركنا صدقة } فغضبت فاطمة وعاشت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، والحديث عند البخاري في الصحيح، وقد أورده بألفاظ مختلفة كثيرة، وبعض الناس أخذوا هذا مآخذ شتى وجعلوا خصومة بين أبي بكر رضي الله عنه وفاطمة رضي الله عنها، وبين عائشة رضي الله عنها وعمر رضي الله عنهم أجمعين، وما فقهوا فقه الإيمان، وما عرفوا كيف كان أولئك النفر من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ونحن قد عرفنا ما روت عائشة في فضائل فاطمة وما كانت تلمحه وتدركه من شبهها برسول الله عليه الصلاة والسلام ومحبته لها عليه الصلاة والسلام.

    وأما هذا فقد ذكر العلماء فيه -بإيجاز- أنه أخذ فيه أبو بكر بسنة وحكم النبي صلى الله عليه وسلم، وأن فاطمة كانت متأولة كانت ترى أو تظن أن هذا الحديث لا يدخل فيما أفاء الله عليه من الأراضي كأرض فدك وخيبر وغيرها، ولم يكن من فاطمة رضي الله عنها إلا ما كان من حزنها على أبيها؛ فإنها لم تمتنع حتى عن أبي بكر فحسب، بل كانت بعيدة عن الناس وعن مؤانستهم لما حصل من حزنها على فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كانت أول أهله لحوقاً به كما ذكر عليه الصلاة والسلام.

    والروايات يذكرها ابن حجر ويبين معانيها في الفتح فقد ذكر أن فيما رواه أحمد و أبو داود أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر : أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أهله؟ قال: بل أهله. قالت: فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { إن الله إذا أطعم نبياً طعمة ثم قبضه جعلها للذي يقوم من بعده }، فرأيت أن أرده على المسلمين. قالت: فأنت وما سمعته. قال: فهذا لا يعارض ما في الصحيح من صريح الهجران ولا يدل على الرضا، ثم ذلك فيه لفظة منكرة، وبعد ذلك ذكر رواية الشعبي عند البيهقي أن أبا بكر عاد فاطمة -أي: زارها- فقال لها علي : هذا أبو بكر يستأذن عليك. قالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم. فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت.

    قال ابن حجر : وهو وإن كان مرسلاً فإسناده إلى الشعبي صحيح، وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة في هجر أبي بكر ، وقال بعض الأئمة: إنما كان هجرها انقباضاً عن لقائه والاجتماع به، وليس ذلك من الهجران المحرم، إنما شرطه أن يلتقيا فيعرض هذا ويعرض هذا، وكأن فاطمة لما خرجت رضي الله عنها من عند أبي بكر رضي الله عنها تمادت في اشتغالها بحزنها ثم بمرضها، وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر ، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: { لا نورث }، ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم رضي الله عنه.

    فهل في مثل هذا الفقه ما يثيره أولئك القوم من هذه الفتن والمحن التي يجترءون بها على مقام صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذمون من ثبت في القرآن مدحهم والثناء عليهم، ونحن نعرف في هذا أقوالاً كثيرة، حتى إن ابن حجر رحمه الله أفاض فيها وذكرها، ومن ذلك في هذا السياق ما ذكر في الصحيح -أيضاً- أنه لما ماتت فاطمة رضي الله عنها دفنها علي ليلاً لم يؤذن بها أبا بكر .

    فقالوا: ذلك خصومة، وذلك لئلا ألا يصلي عليها أبو بكر . وغير ذلك. لكن ماذا قال أهل العلم؟ قالوا: كان ذلك بوصية منها لإرادة الزيادة في التستر، ولعله لم يعلم على أبا بكر بموته لأنه ظن أن ذلك لا يخفى عليه، وليس في الخبر ما يدل على أن أبا بكر لم يعلم بموتها ولا صلى عليها.

    وأيضاً لما جاء وبايع كان الناس قريباً منه، ورجع إلى المعروف رضي الله عنه وأرضاه بعد موت فاطمة وأعلن بيعته، وإن كان لم يكن في تركه للبيعة شق عصا ولا مخالفة، ولا إبطال لهذه البيعة، لكنه احترم شعور فاطمة وحزنها وانشغل بها حتى قضى الله ذلك الأمر، قال المازري رحمه الله: العذر لـعلي في تخلفه مع ما اعتذر هو به أنه يكفي في بيعة الإمام أن يقع من أهل الحل والعقل، ولا يجب الاستيعاب.

    ولا يلزم كل أحد أن يحضر عنده ويضع يده في يده، بل يكفي التزام طاعته والانقياد له بأن لا يخالفه ولا يشق العصا عليه، وهذا كان حال علي ، فلم يقع منه إلا التأخر عن الحضور عند أبي بكر ، وقد ذكر سبب ذلك.

    وأما رواية البخاري أن ذلك كان كراهية حضور عمر ، قالوا: لأن عمر كان رجلاً صلباً شديداً، فخشوا من أن تكون المعاتبة وشدة القول في الأخذ والرد، وهم كانوا يريدون المصافاة، حتى إنه لما أراد أن يذهب قيل له: لا تذهب إليهم. فقال: وما عساهم أن يفعلوا بي! وقال علي رضي الله عنه في سياق هذا الحديث كلاماً نفسياً رضي الله عنه وأرضاه، وقال أبو بكر كلاماً كذلك، فتشهد علي -أي: قال: أشهد ألا إله إلا الله- واستفتح الكلام فقال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر. وفي شرح ذلك قالوا: إن علياً كان يرى أن بعض الأمور كان ينبغي أن يشهدها ويستشار فيها، وأبو بكر رضي الله عنه كان يرى جزم الأمر والإسراع فيه؛ لئلا لا ينفرط الحبل، و علي شغل برسول الله عليه الصلاة والسلام وبـفاطمة من بعده، فلم يكن إلا ذلك.

    قال علي رضي الله تعالى عنه: وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيباً. قال الراوي -كما في البخاري -: حتى فاضت عينا أبي بكر بكاءً رضي الله عنه، فلما تكلم قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيه عن الخير، ولم أترك أمراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه إلا صنعته. فقال علي لـأبي بكر : موعدك العشية للبيعة. فلما صلى أبو بكر الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد علي فعظم حق أبي بكر وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكاراً للذي فضله الله به، ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيباً فاستبد علينا فوجدنا في أنفسنا. فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت. وكان المسلمون إلى علي قريباً حين راجع المعروف.

    فهل في هذا النص ما يقوله القائلون وما يرجف به المرجفون وما يقوله الذين أفسدوا على الناس مقاماً كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ينبغي أن يكون عليه حالهم؟!

    إن كان الناس يبرءون أنفسهم من مثل هذه الشحناء فكيف بأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام؟! بل كيف بالصفوة المباركة من المقربين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    وقفة مع شبهة منع النبي صلى الله عليه وسلم علياً عن زواج ابنة أبي جهل :-

    وقفة ثانية في هذه الأوهام والأخطاء، ففيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم }.

    قال النووي رحمه الله: قال العلماء: في هذا الحديث تحريم إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم بكل حال وعلى كل وجه، وإن تولد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحاً وهو حي عليه الصلاة والسلام، وهذا بخلاف غيره، فلما كان ذلك يؤدي إلى إيذاء فاطمة وذلك يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم حرم من هذا الوجه.

    أو لم يكن ممكناً الجمع بينهما من هذا الوجه، قال النووي : وقد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم بإباحة نكاح بنت أبي جهل لـعلي بقول: { لست أحرم حلالاً ولا أحل حراماً } ولكنه نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين: إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة فيتأذى حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهلك من آذاه، فنهى عن ذلك لتمام شفقته على علي وعلى فاطمة .

    والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة.

    وقيل: هذا كان بسبب الغيرة، وهو مذكور أيضاً، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: { إني أخشى أن تفتن في دينها } أي: بسبب غيرتها؛ لأنها ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي ابن عمها رضي الله عنهما، ولذلك أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين هذا فترك علي خطبتها لئلا يؤذي رسول الله عليه الصلاة والسلام، وثبت أن علياًَ لم يتزوج معها غيرها، بل ولم يتسر بغيرها من السراري أو الإماء حتى توفيت رضي الله عنها وأرضاها.

    وهذا موجز ما ذكره النووي ، وقد أفاض -أيضاً- القرطبي في شرح مسلم و المازري كذلك و القاضي عياض في هذه المعاني بنفس هذا المعنى أو قريباً منه.

    وهذه المسائل عند أهل السنة والجماعة وأهل الإيمان والتقوى واضحة لا تلتبس، إلا عند الزائغين والمنحرفين الذين نسأل الله عز وجل أن يسلمنا من طرقهم وأن يجنبنا مسالكهم، وأن يهديهم إلى سواء السبيل والصراط المستقيم؛ فإن الثلم والذم لأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام معارضة لكتاب الله عز وجل ولما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو ذم لهم حتى ولو لم يكن ذلك في النصوص، فلئن كان ذلك كذلك فأي قوم كان هؤلاء؟ وكيف عن لهم أن يكونوا من أصحاب النبي وحملة الدين ثم يكونوا على هذا الذي يصور من فرقتهم وخلافهم وكيد بعضهم لبعض ونحو ذلك؟

    وكيف يمكن أن نفهم وندرك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تزوج أم كلثوم بنت علي رضي الله عنه؟! وكيف ندرك هذه العلاقات العظيمة والمآثر الكريمة والأقوال الجليلة في مدح بعضهم بعضاً وثناء بعضهم على بعض، ومعرفة بعضهم حق بعض، حتى قال سعد -وهو حديث مشهور- ثلاث لـعلي تمنيت لو أن لي واحدة منها، وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم له: { أما أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى } وذكر كذلك قوله صلى الله عليه وسلم في يوم خيبر : { لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله } فهذا كله معروف شائع بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومقامهم وحالهم يدلنا على أنهم أليق بذلك وأجدر به وإن كنا اليوم نعيب الإنسان إذا كانت له خصومة مع صديق أو حبيب أو قريب ونرى في ذلك جفاء في طبعه، ونرى في ذلك سوءً في خلقه فكيف ينسب ذلك إلى صفوة الخلق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وكيف ينسب إلى أبي بكر وهو الذي يبكي عندما يذكر أبناء وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهو الذي جعل نفسه قائماً بأمر الأمة كلها عموماً وأمر أهله صلى الله عليه وسلم خصوصاً! وكيف بـعمر رضي الله عنه الذي كان يعطي أمهات المؤمنين أكثر ما يعطي من العطاء الذي يوزعه للمسلمين، وغير ذلك مما هو مشهور معلوم ثابت بالصحيح.

    فلاشك أن هذا من زيغ الفكر، ومن ظلمة القلب، ومن انحراف النهج والقصد، ومن الفتنة التي ينبغي لكل مسلم أن يبرأ منها وأن يجتنبها، وأن يحذر الناس منها، وأن يدعو إلى غيرها، وأن ينبه الواقعين فيها، ونحن -بحمد الله عز وجل- في قلوبنا من الإيمان واليقين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والتعظيم والإجلال لأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يكون وقاية لنا من ذلك.

    وفاة فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها :-

    وأما وقفتنا الأخيرة ففي وفاة فاطمة رضي الله عنها، وما أدراك ما وفاتها!

    كانت -على الصحيح- بعد ستة أشهر من وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، في يوم وفاتها نادت مولاتها أم رافع ، وجاءت بماء فاغتسلت أحسن اغتسال، ثم لبست أحسن ثيابها، ثم طلبت أن يكون فراشها في وسط بيتها، ثم اضطجعت واستقبلت قبلتها وقالت: كأني مقبوضة،. فما لبثت أن قبضت روحها إلى خالقها وبارئها رضي الله عنها وأرضاها.

    وكان ذلك وهي ابنة ثلاثين سنة على الصحيح، كما روى ذلك عبد الله بن محمد بن الحسن ، وكذلك صلى عليها العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل في قبرها علي و الفضل رضي الله عنهم أجمعين، وكانت فاطمة رضي الله عنها هي أول من وضع له القباء من نساء المسلمين؛ لأنها كانت رضي الله عنها حيية تحب الستر، فكانت في حديث مع أسماء تقول لها: هؤلاء النساء عندما يكفن يكون الثوب فوقهن فكأنه يصف أجسادهن. فقالت: لقد رأيت شيئاً عند أهل الحبشة. وذكرت لها أنهم يضعون جريداً فيرفعون به عن جسم المرأة، فلما ماتت فاطمة رضي الله عنها صنع بها ذلك، فكانت أول امرأة في الإسلام فعل بها ذلك، وكانت وفاتها رضي الله عنها وهي في الثلاثين من عمرها.

    ومضت إلى الله سبحانه وتعالى بهذا الصبر والاحتمال والقرب من رسول الله عليه الصلاة والسلام، والنموذج المثالي للمرأة المسلمة الصابرة المحتسبة، والزوجة الوفية العاملة البارة بزوجها الوفية لعشرتها، وكان لها أعظم الفضل فيما أكرمها الله عز وجل به من الأبناء الذين كان لهم أثر عظيم وبر كبير ومنفعة، حتى ذكر النبي عليه الصلاة والسلام من مناقب الحسن و الحسين ما هو معلوم.

    فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبلها في عباده الصالحين، وأن يجعلها في أعلى عليين، وأن يجعلها قدوة لنساء المسلمين، وأن يلحقنا بها وبأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على خير ما يحب ويرضى سبحانه وتعالى من الإيمان والتقى والهدى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين

    منقول

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  6. [46]
    فاضل عبد اللطيف ال
    فاضل عبد اللطيف ال غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية فاضل عبد اللطيف ال


    تاريخ التسجيل: May 2009
    المشاركات: 567
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    احسنتم وبارك الله فيكم.

    0 Not allowed!



  7. [47]
    الشخيبي
    الشخيبي غير متواجد حالياً
    V.I.P
    الصورة الرمزية الشخيبي


    تاريخ التسجيل: Dec 2005
    المشاركات: 7,931
    Thumbs Up
    Received: 223
    Given: 335
    رضي الله عن فاطمة بنت رسول الله..
    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

    جزاك الله عنا كل خير أخي أبو جندل

    0 Not allowed!



  8. [48]
    ام وائل الأثرية
    ام وائل الأثرية غير متواجد حالياً
    عضو شرف


    تاريخ التسجيل: Aug 2009
    المشاركات: 3,155

    وسام الشكر

     وسام كبار الشخصيات

    Thumbs Up
    Received: 22
    Given: 0
    بارك الله فيكم اخي الفاضل
    جزاكم الله خيرا..

    0 Not allowed!


    .

  9. [49]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    رقية بنت النبى صلى الله عليه و اله و سلم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم
    أما بعد
    فإن الله تعالى قد أرسل الرسل وأنزل الكتب لخير الناس وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وذلك بتوحيدهم لله ونفي الشريك له وإخلاص العبادة لله في كل ما يأتي العبد ويذر، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية، قال الله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وقال تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة"، والمؤمنون يعلمون ذلك ويستيقنونه، ويعلمون أن المصلحة في كل ما أمروا به أو نهوا عنه راجعة إليهم، والله تعالى هو الغني الحميد، وأن العباد مهما عظم سلطانهم وعلا شأنهم لن يملكوا أن يضروه تعالى أو ينفعوه، كما ورد في الحديث القدسي: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني"[1].
    ويستيقن المؤمن أن ما أصابه من الحسنات مما يحبه من الأمور الدينية أو الدنيوية فمن فضل الله الغني وعطائه غير المجذوذ، وأن ما أصابه من السيئات من مصائب الدنيا أو عقاب الله فبسبب ما جناه وكسبته يداه، قال الله تعالى: "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، لذلك فإن موقف المؤمنين من كل ما أمروا به ونهوا عنه هو موقف القبول والتسليم والانقياد والرضا عن الله تعالى كما قال تعالى: "رضي الله عنهم ورضوا عنه" فالمؤمن يرضى عن الله تعالى وعن حكمه وشرعه في كل أحيانه، حتى وإن بدا ظاهره في غير مصلحته أو أنه ربما عاد عليه بالضرر، لأن المسلم يؤمن بالكتاب والسنة ويعتقد صوابهما ويصدق ما جاء فيهما بيقين لا ارتياب فيه، ويرضى بما قضى به ربه باطمئنان لا اضطراب معه، وإن كانت بدايات الأمور لا تقود ظواهرها إلى ما ترجوه النفوس وتأمله.
    في غزوة الأحزاب عندما جمعت قريش القبائل وحزبت الأحزاب وتحالفت مع يهود المدينة ضد المؤمنين ورموهم عن قوس واحدة، وكان موقف الأحزاب في ظاهره أقوى من موقف المسلمين، وذلك في وضع عصيب شديد بينه الله تعالى بقوله: "إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا"، فالأبصار قد زاغت والقلوب اضطربت حتى بلغت الحناجر من شدة الخوف والفزع، وابتلي المؤمنون وزلزلوا الزلزال الشديد، وظن المنافقون أن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يستأصلون ويبادون، بينما لم يُحدث هذا الموقف الشديد عند المؤمنين حقا وهْنا أو ضجرا بل عدُّوا ذلك مصداق ما أخبرهم به ربهم، وكان من أسباب زيادة إيمانهم، كما قال تعالى: "ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما"، وذلك بعكس موقف الكفار والمنافقين حيث لا يثقون في ما جاءت به النصوص الشرعية ولا يثقون إلا فيما يعدهم به الشيطان ويزخرفه لهم ويزينه من الباطل، "يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا"، "وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه"، وحتى يقول قائل من المنافقين يوم الأحزاب: "إن محمدا يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط".
    ويسول الشيطان للمشركين والمنافقين أن كل ما بهم من شر وسوء إنما راجع لأهل الإيمان، وأنه لولا الرسل وأتباعهم وتمسكهم بالدين لما حلت بهم المصائب والنكسات، يتطيرون بهم، كما قال تعالى في حال قوم فرعون في حديثهم عن موسى ومن آمن معه: "وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه"، قالوا: "ما أصابنا هذا إلا بك يا موسى وبمن معك، ما رأينا شرًّا ولا أصابنا حتى رأيناك"، وقد تكرر هذا من الكفار في كل عصر ومصر فقالت ثمود لنبي الله صالح: "اطيرنا بك وبمن معك" أي ما حاءنا هذا إلا من شؤم صالح، ومن آمن به"، وكما قالوا لرسول رب العالمين محمد صلى الله عليه وسلم: "وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك"، أي وإن تنلهم شدة من عيش، وهزيمة من عدو، وجراح وألم، قالوا: هذا من عندك، أي بسببك من إساءة التدبير وإساءة النظر، وبسبب ما أمرتنا به من دينك، والرجوع عما كنا عليه، وكما قال أهل القرية للمرسلين : "إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ [ يس : 18 ]، ولا شك أن ما جاءت به الرسل صلى الله عليهم وسلم ليس سبباً لشيء من المصائب، ولا تكون طاعة اللّه ورسوله قط سبباً لمصيبة، بل طاعة الله والرسول لا تقتضى إلا جزاء أصحابها بخيري الدنيا والآخرة، ولكن قد تصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم، لا بما أطاعوا فيه الله والرسول، كما لحقهم يوم أحُد بسبب ذنوبهم، لا بسبب طاعتهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم تجد هؤلاء الذين يربطون بين التدين وبين المصائب لا يحضون على الخير ولا يعملون على إشاعته، بل يحضون على الشر ويسعون في نشر الفساد بأساليب متنوعة تحت رايات متعددة زائفة ويقيمون لذلك المسابقات ويرصدون لها الجوائز السخية ويستخدمون كافة وسائل الدعاية للترويج لذلك بين الناس، لأن الشيطان يزين لهم أن في ذلك حصول السعادة وتحقيق التفوق والتميز على الأقران، وكثير من أهل الإسلام الذين لم ترسخ في قلوبهم حقائق الإيمان ولم تثبت في عقولهم حكمة الأحكام الشرعية يتابعون هؤلاء المحادين لله ورسوله ويمشون في دروبهم وركابهم، كما أشار إلى ذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله قال" فمن؟" أي فمن غيرهم إن لم يكونوا هم، وفي رواية: "لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها شبرًا بشبر وذراعا بذراع، قالوا: يا رسول الله، فارس والروم؟ قال :ومن الناس إلا أولئك؟"، ولو نظرنا لكثير من المستجدات التي حلت ببلاد المسلمين لوجدنا الكثير من المسلمين يتابعون الكفار فيها وهم قد لا يعلمون منبعها عندهم، وأنها هي من سوء ظن الكفار بالله تعالى وبعلمه وحكمته، كما جاء في قوله تعالى: "يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية"
    والمسلم لأجل ذلك بحاجة إلى متابعة أدلة الشريعة وعدم محاكاة مخالفينا في سلوكهم وأخلاقهم، والتثبت من كل ما يفد إلينا من قبلهم في مجالات الفكر والثقافة والعادات، حتى لا نقع في ما يغضب الرب تعالى ونحن لا ندري.
    المؤمن عندما يصيبه ما يكره من إخفاق أو أذى عند قيامه بما يتصور أنه من واجباته، فإنما يتهم نفسه ويطعن في علمه وعمله ونيته قبل أن يلقي باللوم على غيره، لأنه يعلم أن ما أصابه إنما كان بسببه وأنه ما أتي إلا من قبل نفسه، فهو يسيء الظن بنفسه قبل أن يبادر باتهام غيره، وقد دأب كثير من الناس إذا أصابهم ما لا يحمدونه علقوا ذلك على كيد المخالفين ومؤامراتهم، ولا يكاد يفتش في نفسه وينظر في تصرفاته ليدرك مدى مسئوليته عما أصابه، وإذا كان التصور السليم لا ينفي مؤامرات الأعداء ومكائدهم وسعيهم الدؤوب لإلحاق الضرر والأذى بالمسلمين، بل يعد نفي هذه المؤامرات والمكائد من قبيل السذاجة، لكن لا ينبغي تبرئة النفس من كل سبب للقصور أو النقص، بل لا شك أن من أسباب نجاح كيد الكائدين ومؤامراتهم هو أخطاء النفس وتقاعسها عن القيام بما وجب عليها، .
    والمسلم في الوقت نفسه راض عن ربه مطمئن لما قدره من غير أن يعترض عليه أو يتذمر لما أصابه، بل لا يلوم إلا نفسه ولسان حاله وكأنه يخاطب نفسه قائلا لها: "قل هو من عند أنفسكم" وعمله الدائم الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى، وهو يعلم أنه لن ينقذه مما حل به غير لجوئه إلى الله تعالى واستغاثته به وحده في كشف ما نزل به
    نسأل الله تعالى من فضله أن نكون من الذين إذا أصابهم الخير علموا أن ذلك بفضل الله ورحمته فأثنوا عليه بذلك ونسبوه له، كما قال تعالى: "وما بكم من نعمة فمن الله" ولم ينسهم الشيطان أنفسهم فيغرهم بها حتى ينسبون ما بهم من توفيق وخير إلى جهدهم وفهمهم وعلمهم، وأنه إذا أصابهم شر أو مصيبة علموا أن ربهم الرحمن الرحيم لم يظلمهم وإنما ذلك بسبب تقصيرهم وذنوبهم وعدوانهم وبما كسبته أيديهم، فلاموا أنفسهم وسارعوا إلى التوبة والاستغفار، وكانوا ممن قال الله فيهم: "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذاهم مبصرون"

    -------------------
    [1] أخرجه مسلم باب تحريم الظلم

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  10. [50]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    رقية بنت النبى صلى الله عليه و اله و سلم


    رقية بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمها خديجة بنت خويلد رضي الله عنهم.

    رقية بنت سيد البشر (صلى الله عليه وسلم) محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمية.

    كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد زوج ابنته رقية من عتبة بن أبي لهب وكانت دون العاشرة وزوَّج أختها أم كلثوم عتيبة بن أبي لهب فلما نزلت سورة تبت قال لهما أبوهما أبو لهب وأمهما أم جميل بنت حرب بن أمية حمالة الحطب: فارقا ابنتي محمد. ففارقاهما قبل أن يدخل بهما كرامة من الله تعالى وهوانا لابني أبي لهب.(1)

    إسلامها وهجرتها إلي الحبشة:

    وقد أسلمت حين أسلمت أمها خديجة بنت خويلد وبايعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هي وأخواتها حين بايعه النساء

    وولدت السيدة رقية وعمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث وثلاثين وبعث النبي وعمره أربعين وأسلمت رقية مع أمها خديجة فعلى هذا يكون عمرها عند إسلامها سبع سنوات.

    وكانت تكنى بأم عبد الله وتكنى بذات الهجرتين (هجرة الحبشة وهجرة المدينة)

    ولما أراد عثمان بن عفان رضي الله عنه الخروج إلى أرض الحبشة قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: اخرج برقية معك قال: أخال واحد منكما يصبر على صاحبه ثم أرسل النبي صلى الله عليه و سلم أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما فقال: إئتني بخبرهما فرجعت أسماء إلى النبي صلى الله عليه و سلم و عنده أبو بكر رضي الله عنه فقالت: يا رسول الله أخرج حمارا موكفا فحملها عليه و أخذ بها نحو البحر فقال رسول الله (صلى الله عليه و سلم): يا أبا بكر إنهما لأول من هاجر بعد لوط و إبراهيم عليهما الصلاة و السلام.(2)

    زواجها من عثمان رضي الله عنه:

    شاءت قدرة الله لرقية أن ترزق بعد صبرها زوجاً صالحاً كريماً من النفر الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ذلك هو (عثمان بن عفان) صاحب النسب العريق، والطلعة البهية، والمال الموفور، والخلق الكريم. وعثمان بن عفان أحد فتيان قريش مالاً، وجمالاً، وعزاً، ومنعةً، تصافح سمعه همسات دافئة تدعو إلى عبادة العليم الخبير الله رب العالمين. والذي أعزه الله في الإسلام سبقاً وبذلاً وتضحيةً، وأكرمه بما يقدم عليه من شرف المصاهرة، وما كان الرسول الكريم ليبخل على صحابي مثل عثمان بمصاهرته، وسرعان ما استشار ابنته، ففهم منها الموافقة عن حب وكرامة، وتم لعثمان نقل عروسه إلى بيته، وهو يعلم أن قريشاً لن تشاركه فرحته، وسوف تغضب عليه أشد الغضب. ولكن الإيمان يفديه عثمان بالقلب ويسأل ربه القبول.

    ودخلت رقية بيت الزوج العزيز، وهي تدرك أنها ستشاركه دعوته وصبره، وأن سبلاً صعبة سوف تسلكها معه دون شك إلى أن يتم النصر لأبيها وأتباعه. وسعدت رقية رضي الله عنها بهذا الزواج من التقي النقي عثمان بن عفان رضي الله عنه، وولدت رقية غلاماً من عثمان فسماه عبد الله، واكتنى به.(3)

    وفاتها:

    وتوفيت السيدة رقية (رضي الله عنها وأرضاها ) عند عثمان بن عفان مرجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من بدر ودفنت بالمدينة وذلك أن عثمان استأذن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في التخلف عند خروجه إلى بدر لمرض ابنته رقية وتوفيت رقية يوم قدوم زيد بن حارثة العقيلي من قبل يوم بدر.(4)

    توفيت ولها من العمر اثنتان وعشرون سنة ودفنت في البقيع.

    رحم الله رقية بطلة الهجرتين، وصلاة وسلاماً على والدها في العالمين ورحم معها أمها وأخواتها وابنها وشهداء بدر الأبطال، وسلام عليها وعلى المجاهدين الذين بذلوا ما تسع لهم أنفسهم به من نصره لدين الله ودفاع عن كلمة الحق والتوحيد إلى يوم الدين، و السعي إلى إعلاء كلمة الله..



    المصادر:

    1- أسد الغابة [ جزء 1 - صفحة 1352 ]

    2- المستدرك [ جزء 4 - صفحة 50 ]

    3 - انظر نساء أهل البيت، ص 496-498. وانظر بنات النبي،ص 48-49. وانظر الأعلام، ص31-3

    4- الثقات لابن حبان [ جزء 2 - صفحة 144 ]
    منقول

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  
صفحة 5 من 12 الأولىالأولى 1 2 3 4 56 7 8 9 ... الأخيرةالأخيرة
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML