دورات هندسية

 

 

رمضان شهر الصَّبر

النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. [1]
    الصورة الرمزية ربيع عاطر
    ربيع عاطر
    ربيع عاطر غير متواجد حالياً

    مشرف متميز

      وسام مشرف متميز


    تاريخ التسجيل: Jan 2009
    المشاركات: 1,465
    Thumbs Up
    Received: 18
    Given: 9

    رمضان شهر الصَّبر




    الصَّبر منهجٌ من المناهج الَّتي تدرَّس في رمضان، ودرسٌ من الدُّروس العظيمة الَّتي تُعطى في مدرسة رمضان.

    ارتبط الصبر برمضان ارتباطاً وثيقاً، حتَّى صار رمضان يدعى شهر الصَّبر كما جاء في حديث مجيبةَ الباهليَّةِ رضي الله عنها: [أنَّ أباها أو عمَّها جاء إلى النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام مسلماً، ثمَّ غاب عنه عاماً، وبعد سنةٍ كاملةٍ رَجَعْ فلم يعرفه النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام قال يا رسول الله: أنْا الباهليُّ الَّذي أتيتك العام الأوَّل، قال عليه الصَّلاة والسَّلام: لم أعرفك، قال يا رسول الله: ما أكلت طعاماً مُذْ فارقتك إلاّ بليل]… (لقد كنت صائماً طوال هذا العام) فقال صلوات الله وسلامه عليه: [عذَّبْتَ نفسك، صُمْ شهر الصَّبر، ويوماً من كُلِّ شهر].
    أرأيتم ماذا سمَّى النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام شهر رمضان؟ لقد سمَّاه شهر الصَّبر، قال: [صُمْ شهر الصَّبر، ويوماً من كُلِّ شهر]…
    نعم إنَّه شهر الصَّبر، لأنَّ الصِّيام صبر، كما فسَّر بعض المفسِّرين قوله سبحانه وتعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ *} من أخذ هذا اللَّفظ على ظاهره قال: الصَّبر هو الصَّبر المعروف عند النَّاس، ومن أوَّل هذا اللَّفظ قال: الصَّبر ها هنا هو الصِّيام {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} أيْ بالصِّيام والصَّلاة.
    إنَّ رمضان يُعلِّم الإنسان أنْ يكون مريداً، أنْ يكون صاحب قرار، أنْ يتَّخذ قراره ويخلص له، ويبقى مثابراً على خدمة قراره إلى آخر الطَّريق، إنَّ رمضان يُعلِّمُك أنْ تكون رجلاً يا أيُّها الإنسان، إنَّه يعلِّمُك أنْ تكون صاحب كلمة، صاحب مبدأ…
    إنَّنا نحتاج إلى أنْ نكون أصحاب مبدأ، فقد مضت علينا سنوات، ومضت على أُمَّتنا مئات السِّنين، ولم تكن صاحبة مبدأ، إنَّما كنَّا أُناساً مفعولاً بهم لا فاعلين؛ نعم على مدى عقودٍ بل قرون، ونحن يُفعل بنا، ولا نتَّخذُ قراراً، ولا نقِف وقفةً رجوليَّةً، ولا نكون أصحاب مبدأ، رمضان يُعلِّمنا أنْ نكون أصحاب مبدأ، يُعلِّمنا أنْ نكون رجالاً أصحاب كلمة، أصحاب قرار، أصحاب إرادةٍ، أصحاب قدرة…
    عندما تتَّخذ قراراً بأنْ تمسك عن الطَّعام والشَّراب؛ فإنَّك بذلك تُعلن أنَّك صاحب مبدأ، وتُخلص لهذا المبدأ، وتخدمه…
    أنت مقتنعٌ بضرورة الإمساك؛ لذلك أردت أنْ تمسك، ولذلك قَدرتَ على أنْ تمسك، ثلاثيَّةٌ لا انفصام بين أجزائها: القناعة، والإرادة، والقدرة، ومن قال: إنَّني مقتنعٌ بشيءٍ، ولكنَّني لا أُريده؛ فهو يكذب، ومن قال: إنَّني أريد الشَّيء، ولكنَّني لا أقدر عليه؛ فهو يكذب؛ من اقتنع بأمرٍ أراده، ومن أراد أمراً قدر عليه
    عندما تقول: إنَّني أُريد أنْ أستيقظ إلى صلاة الفجر، ولكنَّني لا أقدر؛
    أسألك بالله عليك: لو كان عندك سفرٌ في السَّاعة الرَّابعة صباحاً في توقيت أذان الفجر أكنت تستطيع الاستيقاظ أم كنت لا تستطيع؟ بلى لأنَّك تريد أنْ تستيقظ، لو كان عملك دوامك الوظيفي في السَّاعة الثَّالثة صباحاً، أكنت تستيقظ، أكنت تقدر أم لا تقدر؟ بلى لأنَّك تريد، لو أنَّ إنساناً واعدك في السَّاعة الثَّالثة ليلاً ليعطيك مبلغاً من المال أو يعقد معك صفقةً تجاريَّة أكنت تقدر أنْ تستيقظ أم لا تقدر؟ بلى لأنَّك تريد في هذه الحالة، عندما لا تقدر فعل شيءٍ ما فذلك لأنَّك لا تريده، وعندما لا تريده فذلك لأنَّك لم تقتنع به القناعة الكاملة.
    رمضان يربِّي في نفسك الإرادة، يربِّي في نفسك الالتزام بالمبدأ، إنَّه يعلِّمك الصَّبر المبنيَّ على القناعة، فأنت مقتنعٌ بوجوب الإمساك؛ لهذا فأنت تمسك، مريداً قادراً على التَّخلِّي عن أُمورٍ ما كنت تستطيع التَّخلِّي عنها…
    يقول قائل: أنا لا أستطيع الاستغناء عن فِنجان القهوة الصَّباحيِّ، وإذا لم أتناول هذا الفِنجان؛ فإنَّ يومي كُلَّه يكون مضطرباً، في رمضان لا يتناول هذا الفِنجان، ولا يكون يومه مضطرباً، لأنَّه أراد؛ فاستطاع أنْ يغيِّرَ نظام حياته.
    الَّذي اختلف أنَّه في رمضان صار مريداً فصار قادراً، وفي غير رمضان لم يكن مريداً؛ فكان عاجزاً
    الصَّبر كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ خير؛ لهذا جعلها الله تعالى سِمَةً لعباده الصَّالحين، فقال سبحانه: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ *} إنَّها خصلةٌ جامعةٌ لكلِّ خير، مانعةٌ لكلِّ شر.
    وللصَّبر أشكالٌ ثلاثةٌ، لو فهمناها لعلمنا أنَّها لم تدع خيراً إلاّ واستوعبته، ولم تدع شرَّاً إلاّ وطردته:
    الأوَّل منها أهونها وهو الَّذي يراه النَّاس صعباً عسيراً إنَّهُ: الصَّبر على المكروه.
    الثَّاني منها: هو الصَّبر على الطَّاعة.
    والثَّالث منها: هو الصَّبر عن المعصية.
    إذا نزل بك ما لا تحبُّ؛ فعليك أنْ تصبر {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ*}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ*}
    ما الَّذي يحملك على الصَّبر على المكروه؟ العقل يحملك على ذلك, والإيمان يحملك على ذلك, أمَّا العقل فإنَّه يقول لك إنَّ هذا المكروه الَّذي نزل لا تستطيع تغيره ولا تستطيع دفعه، فإنْ صبرت أو لججت فالواقع لن يتغير؛ فاصبر فذلك خيرٌ لك، وذلك يساعدك على الرَّاحة النَّفسيَّة؛ وأمَّا الإيمان فيقول لك إنَّ هذا المكروه الَّذي نزل بك من تقدير ربِّك، والله سبحانه يريد بك الخير، فسلِّم أمرك لله لأنَّ الله يعلم خيرك أكثر مما تعلمه، اصبر لأنَّ البلاء لا يدوم، اصبر لأنَّ الحال يتقلَّب في هذه الدُّنيا
    الدَّهرَ لا يبقى على حالهِ * لا بـدَّ أن يُقبلَ أو يُدبر
    فإن تلقـاكَ بمكروهِـهِ * فاصبرْ فإنَّ الدَّهرَ لا يصبر
    اصبر لأنَّ الله سبحانه قد أودع في ظلِّ الشَّر خيراً، فانظر إلى الخير الَّذي وراء الشَّرِّ تجد الشَّرَّ خيراً، وتشكر الله على كلِّ بلاء ينزله بك فضلاً عن الرَّخاء، ولو صفت قلوبنا لرأينا كلَّ أحوالنا خيراً ولرأينا كلَّ ما يُنزله الله بنا من صالحنا.
    هذا الصَّبر هو أهون أشكال الصَّبر، أتعلمون لماذا؟ لأنَّنا إنْ صبرنا وإن لم نصبر فالأمر سيَّان من حيث النَّتيجة العمليَّة, ولكنَّ ما يختلف هو نظرة الله لنا وعاقبة الآخرة، فمن رضي فله الرِّضى ومن سخط فله السَّخط.
    وأمَّا الشَّكل الثَّاني من أشكال الصَّبر فهو الصَّبر على الطَّاعة {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً*}
    {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ}… الصَّبر على الطَّاعة أيُّها الأحبَّة يعني أن تدوم عليها وألَّا تملَّ وألَّا تستجيب لنوازع السَّآمة، وما أكثر ما نرى هذه السَّآمة في العابدين، في أوَّل رمضان تمتلئ المساجد، أيامٌ قليلة تعود المسَّاجد إلى سابق عهدها، كثيرون سئموا لقد أخذتهم الحماسة وفارت نفوسهم ثمَّ انتهت هذه الفورة، سرعان ما انتهت… لم يصبروا على الطَّاعة لقد رأوا هذا الأمر طويلاً…
    إنسان تارك للصَّلاة نذكره وننصحه فيستجيب، أيامٌ معدودات ويترك مرةً أخرى ما القصة؟! لقد قال في نفسه: إلى متى سأبقى أصلي؟! الأمر طويل… وهذا أمرٌ لا نهاية له يوم يومان ثلاثة أربعة… وماذا بعد؟ نقول وبعد ذلك {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ}، { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى*}
    الصَّبر على الطَّاعة ما أحوجنا إليه… رمضان يعلمنا أنْ نصبر على الطَّاعة، أنْ نصبر على التزام أمر الله وإنْ كان ذلك شاقَّاً علينا ولكنَّه من صالحنا، إنَّه يعلمنا قوَّة الإرادة، إنَّه يعلمنا أنْ نمشي في الطَّريق إلى آخره، وأمَّا الَّذي يمشي في طريقٍ خطواتٍ معدوداتٍ ثمَّ ينصرف عنه إلى طريقٍ آخر فإنَّه لن يصل أبداً، التَّقلُّب سيودي بصاحبه إلى أسفل سافلين…
    إذا سلكت طريقاً وأنت مقتنعٌ به فإيّاك أنْ تحيد عنه استجابةً لنوازع الهوى، أمَّا إذا تغيَّرت قناعاتك النَّاجمة عن عقلٍ سليم وقلبٍ سليم؛ فلا بأس أن تبحث عن الأصحِّ، وأمَّا أنْ تغيِّر إتباعك للحقِّ استجابةً للهوى فإنَّ ذلك سيرديك ويهوي بك…
    قوَّة الإرادة لا يساهم شيٌ في تقويتها مثل الصَّوم، سمعنا هذا من غير المسلمين فضلاً عن المسلمين، هذا الفيلسوف الألماني (جيهاردت) يقول بعد دراسة طويلة لسُبل تقوية الإرادة: (إنَّه لا يوجد شيءٌ يقوي الإرادة مثل الصَّوم)… إنَّه أقوى السُّبل القادرة على تقوية الإرادة لو أنَّك رشَّدته وانتفعت به ووجَّهت منافعه ولم تجعله يمضي هكذا دون فهمٍ وتدبرٍ.
    الَّذي يسلك طريقاً لا بدَّ أنْ يكون صاحب همَّةٍ عالية عالية… و [لا راحة للمؤمن إلا بلقاء الله]…
    الشَّكل الثَّالث من أشكال الصَّبر أيُّها الأحبَّة أكثر ما نحتاج إليه في هذا الزَّمان, الصَّبر عن المعصية، هناك أمرٌ عليك أنْ تصبر عليه وأنت متلبسٌ به، وأمرٌ عليك أنْ تصبر عنه وأنت حائدٌ عنه مبتعد، المعصية عليك أنْ تصبر عنها…
    إذا رأيت مالاً كثيراً ليس لك وأنت محتاجٌ إلى مال ولو قليل… ونازعتك نفسك أنْ تمدَّ يدك إلى المال الحرام فاصبر عن المال الحرام…
    إذا كانت نوازع الشَّهوة تُلحُّ عليك، ورأيت نساءً من حولك ونازعتك نفسك أنْ تنظر إليهنَّ ثمَّ أنْ تفعل أكثر من ذلك فاصبر عن الحرام…
    وهكذا كلَّما نازعتك نفسك إلى حرامٍ فاذكر الصَّبر واذكر قوَّة الإرادة وقوَّة التَّحمُّل، اذكر أنَّ من صبر عن الحرام عوَّضه الله عنه حلالاً طيباً، ومن أيقن بذلك رآه بأم عينه…
    يروى أنَّ سيِّدنا عليَّ بن أبي طالبٍ كرم الله وجهه دخل يوماً المسجد وأراد أنْ يربط دابته فلم يرَ حلقةً يربط بها دابته، رأى رجلاً فقال له: (هلّا أمسكت لي دابتي حتَّى أخل المسجد أصلي فيه ثمَّ أخرج؟ قال: أفعل، فأمسك الرَّجل هذه الدَّابة، ودخل سيِّدنا عليٌّ، فلمَّا خرج سيِّدنا عليٌّ رأى الدَّابة واقفةً موضعها والرَّجل قد اصرف، ولكن الرَّجل قد أخذ معه لجام الدَّابة، لقد طمع في اللِّجام واستسهل نزعه عن الدَّابة وأخذه ليبيعه، قال سيِّدنا علي: (حسبنا الله ونعم الوكيل)، أخذ الدَّابة إلى السُّوق -وقد حفظها الله له- ليشتري لها لجاماً، رأى في السُّوق لجاماً يباع، نظر فيه فإذا به لجام دابته! قال للبائع: (بكم هذا اللِّجام؟ ومن أين أتيت به؟) قال: (والله أتاني رجل فباعني إيّاه منذ قليل، من مدَّة قصيرة)، قال: (وبكم باعك هذا اللِّجام؟)، قال: (باعني إياه بثلاثة دراهم)، قال:(سبحان الله! هذا سارق ائتمنته على دابتي فسرق اللِّجام وباعه، وكنت أنوي لمَّا دخلت المسجد إذا خرجت أنْ أكافأه على خدمته وأعطيه ثلاثة دراهم…)! فاستعجل الرِّزق فأخذ اللِّجام وباعه فأخذه مالاً حراماً، ولو صبر عليه دقائق معدوداتٍ لأخذه مالاً حلالاً…
    أيقن بذلك يا أيُّها العبد، أيقن أنَّك إنْ صبرت عن الحرام فالله سيعوضك عن الحرام حلالاً.
    ما أحوج الموظف إلى ذلك، وما أحوج الطَّالب إلى ذلك، وما أحوج الضَّابط إلى ذلك، وما أحوج رجل العلم إلى ذلك… ما أحوجنا جميعاً أيُّها الأحبَّة أن نتذكَّر أنَّ الله سبحانه قد قسم لنا رزقاً معلوماً؛ فمن أخذه حلالاً أُجِر عليه، ومن أخذه حراماً كانت تبعته لازمةً في الدُّنيا وفي الآخرة، ما أحوجنا إلى ذلك…
    ما أحوجنا إلى أن نتعلم من رمضان علم الصَّبر، أيُّها الأحبَّة، علم الصَّبر الَّذي يعصمنا من الوقوع في الحرام ويثبتنا على الطَّاعة ويعيننا على تحمل الشِّدة والمصيبة، ما أحوجنا إلى صبر رمضان ورمضان شهر الصَّبر…
    يا أيُّها الموظَّف، المحاسب، أمين الصُّندوق يا من بين أيديك أموال العباد وأنت محتاج، تذكَّر الصَّبر عن الحرام…
    [ورجلُ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمالٍ فقال: إنِّي أخاف الله ربُّ العالمين] أتراه إنسانٌ حصورٌ لا يشتهي النِّساء؟ لا، لو كان لا يشتهي النِّساء لما كان في المسألة بطولة، ولما كان في المسألة مجاهدة، إنّه يشتهي النِّساء ومع ذلك يقاوم شهوته… وها هنا مكمن البطولة، ها هنا الصَّبر، وبقدر ما تزداد شهوته فيقاومها تعظم بطولته، وترتفع رتبته عند ربِّه سبحانه وتعالى، بقدر ما يزداد احتياجك للمال، وتقام شهوة المال الحرام، وتصبر عنه تكون قيمتك عند الله أعظم، ومقامك أعلى…
    الصَّبر يعني أن تنظر دائماً إلى العواقب؛ فعندما ترى الحرام أمامك وتلحُّ نفسك عليه أن تتناوله فتنظر إلى العواقب فتجد عاقبة الحرام وخيمة… والصَّبر عاقبته عاقبةٌ جميلة… تستسهل الصَّعب، وتنفر من الجميل، لأنَّ الجميل إن أتى بالقبيح لم يبق لجماله وزن.
    الصَّبر يعني أن تفكر دائماً بأنَّ الله سبحانه وتعالى يراك في كل حال وفي كل وقت، عندها لن تجد في نفسك الدَّافع إلى فعل الحرام، وستجد قوَّة المقاومة قد زادت وكبرت بقدر ما تستشعر مراقبة الله تعالى لك، وأمَّا إذا استسهلت الخوض في الحرام فإنّما ذلك لأنَّه قد غاب عنك الأمران معاً… مراقبة الله لك، والتَّفكير بالعاقبة، إذاً ضعف عندك الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، وهما الرُّكنان الأعظمان من أركان الإيمان؛ فمن آمن بالله علم أنَّ الله يراه فصبر عن الحرام ، ومن آمن باليوم الآخر علم أنَّه سيجزى بما يفعل فصبر عن الحرام أيضاً…
    كلُّ مسلمٍ مرابطٌ على ثغرٍ من ثغور الإسلام فانظروا لا يؤتينَّ الإسلام من قبلكم، عندما تخالف أمر الله سبحانه فقد اُقتحم الإسلام من قِبَلك، وكنت سبباً من أسباب ذلِّ المسلمين، عندما تخالف أمر الله سبحانه وتعالى عامداً متعمداً ولا تصبر عن الحرام فقد أسأت إلى الأمَّة كلَّها، وأسأت إلى الدِّين بأسره، وأسأت إلى التَّاريخ الإسلاميِّ أجمع…
    فهذا الموظف قال: الإسلام ليس متوقفاً عليَّ؛ فخان الأمانة! وهذا الضَّابط قال: أنا لست مسؤولاً عن الأمَّة كلِّها؛ فخان الأمانة! وهذا الطَّالب في جامعته وفي مدرسته خان الأمانة، وقال الإسلام ليس مرتبطاً بي فإنْ أنا أخذت شهوتي ولبيت متطلبات الهوى فهذا لا يعني أنَّني مجرمٌ بحق الأمَّة…! الأمَّة كلُّها هكذا… هل توقف الأمر عليَّ؟! شبعت من الكلام المثالي، وشبعت من المثاليَّات الجوفاء، وشبعت من الكلام الحالم الخياليِّ… إنَّني أريد أنْ أكون واقعيَّاً!
    وأن تكون واقعيَّاً في هذا الزَّمان يعني أنْ تكون شرِّيراً، أن تكون واقعيَّاً يعني أنْ تكون فاسقاً، أنْ تكون واقعيَّاً يعني أنْ تكون منحرفاً… لأنَّ الواقع هكذا، الواقع فسادٌ وانحرافٌ وفسقٌ وفجور…
    فإنْ أردت أنْ تكون ابن هذا الواقع فهذا يعني أنْ تكون إنساناً ممتلئاً بأشكال المفاسد والشُّرور… لأنَّ الواقع هكذا، الواقع ليس فيه خيرٌ إلا في الزَّوايا المهملة الَّتي لم يتنبه النَّاس إليها.
    وأمَّا إنْ أردت أنْ تكون محافظاً على مسؤوليتك حارساً لثغرك فعليك أنْ تكون حالماً! عليك أنْ تكون خيالياً! على حسب تفكير النَّاس الحقُّ خيال! والخير مثاليّّةٌ وهميَّةٌ! والَّذي يسمع أحوال الصَّحابة يظنُّ أنَّها من أساطير ألف ليلةٍ وليلة…! (لو رأيتموهم لقلتم عنهم مجانين ولو رأوكم لقالوا عنكم شياطين)…!
    فإن أردت أنْ تكون واقعيَّاً! وأنْ تترك خيالات الصَّحابة! وأوهام الكتاب والسُّنة والعياذ بالله! فهذا يعني أنْ لا تكون مسلماً… هذا بالمختصر المفيد.
    أيُّها الأحبَّة نحتاج إلى الصَّبر في كلِّ مواقف حياتنا، نحتاج إلى الصَّبر على الصَّلاة، الصَّبر على الصِّيام، الصَّبر على الإنفاق، الصَّبر عن الفاحشة، الصَّبر عن المال الحرام، الصَّبر عن كلِّ أشكال المعاصي… نحتاج إلى الصَّبر بكلِّ أشكاله، وهذا ما فُقد من مجتمعاتنا لأنَّه فُقد بدايةً من نفوسنا {إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
    رمضان شهر الصَّبر، فرصةٌ لنتعلم منه كيف نصبر؟ عندما تستطيع أنْ تمسك عن الطَّعام والشَّراب هذا يعني أنّك قادرٌ على فعل أشياء كثيرة… إنَّه رمز.
    الصِّيام يقوِّي الإرادة، الصِّيام يمنعك من كثير من المنكرات [يا معشر الشَّباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنَّه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصَّوم فإنَّه له وجاء] الصَّوم يعوُّده الصَّبر، والصَّوم يعوُّده قوَّة الإرادة ويقوُّي شخصيته…
    فإذا لم تنتفع من رمضان بهذا الدَّرس، وإذا لم تدرس هذا المنهج؛ فإنَّك لن تخرج من رمضان ومعك شهادته ومعك إجازة شهر رمضان إجازة الصِّيام…
    أيُّها الأحبَّة عوداً إلى دروس رمضان، وعوداً إلى صبر رمضان، عوداً إلى قوَّة الإرادة وقوَّة الشَّخصيَّة
    تعلَّم الصَّبر من شهر الصَّبر، تعلَّم الصَّبر من الصِّيام، تعلَّم الصَّبر والمجاهدة من ترك الطَّعام والشَّراب، واعلم أنَّ الصَّبر ليس متوقفاً عند ترك الطَّعام والشَّراب إنَّما الصَّبر مطلوبٌ في كلِّ أحوال الحياة…
    هذا الصَّبر الَّذي نفهمه صومٌ عن كلِّ حرامٍ وعن كلِّ أمرٍ لا يرضي الله، وصبرٌ على كلِّ طاعةٍ وعلى كلِّ أمرٍ يرضي الله، وصبرٌ على كلِّ بلاءٍ وعلى كلِّ أمرٍ يريده الله إلى أنْ يأتي الأجل، صبرٌ لا انقضاء له، هذا الصَّوم الَّذي نفهمه من شهر الصَّوم… لا صومٌ مؤقَّتٌ عن طعامٍ وشرابٍ من الفجر إلى المغرب لمدَّة تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً، ثمَّ تنتهي المسألة… ويعود كلُّ شيءٍ إلى ما كان عليه!
    لا، الصَّوم مفهومه أكبر وأوسع، والصَّبر ينتظم الحياة كلُّها وينظِّم دقائقها وتفاصيلها…
    هذا هو الصَّبر في شهر الصَّبر، فتعلَّموا الصَّبر من شهر الصَّبر، وكونوا صابرين على كلِّ بلاءٍ، وعلى كلِّ طاعةٍ، وعن كلِّ معصيةٍ، إلى أنْ يأتي أمر الله سبحانه… ويموت المرء وقد رضي الله عنه، وتمَّت حياته بما يرضي ربه…
    واذكروا أيُّها الأحبَّة أنَّ الصَّابر حياته كلُّها نيرة مضاءة، واذكروا في ذلك قول النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام [الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله وبحمده تملآن، أو تملأ ما بين السَّماء والأرض، والصَّلاة نورٌ، والصَّدقة برهانٌ، والصَّبر ضياءٌ، والقرآن حجَّة لك أو عليك] أضيئوا حياتكم بالصَّبر، نوِّروا نفوسكم بالصَّبر، واقضوا على ظلمة اللُّجوج، واقضوا على ظلمة التَّسرُّع، واقضوا على ظلمة اليأس والسَّآمة، واقضوا على ظلمة القنوط والملل… بدِّدوا تلك الظُّلمة بنور الصَّبر ، بدِّدوا تلك الظُّلمة بنور تسليم الأمر لله وانتظار الآخرة؛ فالمسلم لا ينتظر في الدُّنيا فرجاً، ولا ينتظر في الدُّنيا انتهاء بلاء… فرجه موته، وانتهاء بلائه دخول جنته، والصَّبر ينتهي عند الموت، ومن بعده عند دخول الجنَّة، فانتظروا الموت والجنَّة فتلك نهاية صبركم يا أيُّها المؤمنون.
    وإنْ استثقلتم الخطبة ورأيتموها طويلةً؛ فاذكروا أنَّها تحتاج إلى الصَّبر، وأنَّ هذا وجهٌ من وجوه الصَّبر على الطَّاعة، فإذا لم تصبروا على هذه الخطبة فهذا يعني أنَّنا لم نبدأ بتطبيق فحواها ومضمونها، فمن هنا يبدأ الصَّبر: إذا كنَّا في طاعةٍ أنْ نشعر باللَّذَّة، إذا كنَّا في صلاةٍ أن تستلذَّ بطولها، وأنْ نصبر على طولها كما كان الصَّحابة الكرام يصبرون على الصَّلاة لياليَ طويلة، ويصبرون على سماع العلم ساعاتٍ مديدةٍ… نسأل الله أنْ يخلِّقنا بأخلاق الصَّحابة، وأخلاق النَّبيِّ المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم.
    نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصَّابرين الصَّبر كلَّه في كلِّ مواضع الصَّبر المرضيَّة إنَّه خير مسؤولٍ وأكرم مجيبٍ…




    المصدر: رمضان شهر الصَّبر

  2. [2]
    العقاب الهرم
    العقاب الهرم غير متواجد حالياً
    مشرف داعم للملتقى
    الصورة الرمزية العقاب الهرم


    تاريخ التسجيل: Feb 2007
    المشاركات: 5,340
    Thumbs Up
    Received: 41
    Given: 17
    فعلا اختى
    نسال الله ان يتقبل منا ومنكم

    0 Not allowed!



    نيـرُون مات ولــم تمُـت رومَـــا
    حافِـظ مـات ولـم تمُـت حَمـــــاة
    بشار سيمُـوت ولن تمُت حِمص



    متغيب عن المنتدى
    دعواتكم

  3. [3]
    ربيع عاطر
    ربيع عاطر غير متواجد حالياً
    مشرف متميز
    الصورة الرمزية ربيع عاطر


    تاريخ التسجيل: Jan 2009
    المشاركات: 1,465

    وسام مشرف متميز

    Thumbs Up
    Received: 18
    Given: 9
    بانتظار تعليقاتكم وإشاراتكم إلى ما يمكن تطبيقه والانتفاع به لتعم الفائدة

    وإنْ استثقلتم الخطبة ورأيتموها طويلةً؛ فاذكروا أنَّها تحتاج إلى الصَّبر، وأنَّ هذا وجهٌ من وجوه الصَّبر على الطَّاعة، فإذا لم تصبروا على هذه الخطبة فهذا يعني أنَّنا لم نبدأ بتطبيق فحواها ومضمونها، فمن هنا يبدأ الصَّبر: إذا كنَّا في طاعةٍ أنْ نشعر باللَّذَّة، إذا كنَّا في صلاةٍ أن تستلذَّ بطولها، وأنْ نصبر على طولها كما كان الصَّحابة الكرام يصبرون على الصَّلاة لياليَ طويلة، ويصبرون على سماع العلم ساعاتٍ مديدةٍ… نسأل الله أنْ يخلِّقنا بأخلاق الصَّحابة، وأخلاق النَّبيِّ المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم.
    نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصَّابرين الصَّبر كلَّه في كلِّ مواضع الصَّبر المرضيَّة إنَّه خير مسؤولٍ وأكرم مجيبٍ…



    تقبل الله منكم


    0 Not allowed!






    لله ثم للتاريخ
    كتاب في كشف الأستار عن الشيعة للكاتب حسين الموسوي

  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML