لاشك أن الحضارة الإنسانية في تطورها ارتقت من خلال الأخذ والعطاء والتأثير المتبادل.

ومن الثابت تاريخيا أيضا أن الشرق كان مهد الحضارات، فالحضارة الفرعونية في مصر والحضارة البابلية والآشورية في العراق، حتى الحضارة اليونانية، كانت متأثرة في فلسفاتها ودياناتها بالحضارة الفرعونية.

عاشت أوروبا عصورا من الظلام، حتى هبت عليها رياح الثقافة العربية من ثلاثة مصادر:



الأول: القوافل التجارية التي كانت تغدو وتروح بين آسيا وأوروبا الشرقية والشمالية عن طريق بحر الخرز "بحر قزوين"، أو عن طريق القسطنطينية، وكانت هي الطريق التي وصلت منها أخبار الإسلام إلى البلاد الاسكندنافية، وعن طريق امتداد الدولة العثمانية التركية من منتصف القرن الخامس عشر في شرق أوروبا.

الثاني: المواطن التي احتلها الصليبيون، وعاشوا فيها زمنا طويلا بين سوريا ومصر وسائر الأقطار الإسلامية والتي امتدت قرنين من الزمان من (1097) حتى سقوط آخر معقل لهم على أيدي المماليك (1291).

الثالث: الأندلس التي فتحها العرب سنة 92 هـ/ 711 وكانت أول قطر يقتطعه العرب من أوروبا المسيحية، واستمرت حتى عام 897 هـ/1492.

ثم لم ينقطع التأثير العربي الإسلامي بعدها، فاستمر ممثلا في الموريسكيين (المسلمين الذين أرغموا على التنصر حتى طرد عدد كبير منهم إلى الشمال الأفريقي). واستمر الوجود العربي تسعة قرون على الأقل، وهي مدة كافية لأن يترك العرب بصماتهم في إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا.

لقد ظلت إسبانيا معبرا انتقلت من خلاله الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبا وأميركا أيضا، والتي اكتشقت عام 1492 سنة سقوط غرناطة واقتسمت منها إسبانيا والبرتغال الشطر الأعظم من القارة الأميركية من كاليفورنيا شمالا إلى أرض الغار في أقصى جنوب القارة.

رابعا: جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا، حيث اجتاز العرب أفريقيا من تونس إلى جزيرة صقلية 212 هـ/ 827، وبقيت في أيدي المسلمين حتى استولى عليها النورماندون 484هـ/ 1091.

انتقلت هذه الحضارة بكافة روافدها الثرية في هذا الوقت الذي كانت تغط فيه أوروبا في ظلمات العصور الوسطى، وأعطى العرب أوروبا علومهم في الأدب والفلك والكيمياء والرياضيات والعمارة وغيرها.

لم يكن العرب جماعات مهاجرة، ولكنهم كانوا محاربين فاتحين أصحاب رسالة اختلطوا وامتزجوا وتزاوجو ونشروا الدين واللغة والحضارة والعلوم. ونشأ هناك جيل كامل (جيل المولدين المستعربين) وظل يحمل الرسالة.

لقد كان الإسلام خطوة تقدمية كبرى بما يحمله من كاهل التخفيف عن عاتق الشعوب من الكثير جدا من القيود والظلمات والعسف والاضطهاد والتخلف التي فرضتها عليهم الإمبراطورية الرومانية.

وكان الإسلام أيضا باعثا لحركة إحياء وخلق علمي من أهم حركات الإحياء في تاريخ العلوم حيث تعايش المسجد مع الكنيسة مع المعبد اليهودي، وأصبح اليهود والنصارى آمنين على أنفسهم وأموالهم، وتمتعوا بامتيازات لم يكونوا يستمتعون بها. لقد تنفسوا رياح الحرية فازدهرت ملكاتهم الإبداعية.

وأحيا التسامح حركة الإحياء العلمي والبناء الحضاري بعد أن أغلق الإمبراطور الروماني جوستنيان في 529 أكاديمية أفلاطون، آخر معقل للعلوم في العالم الروماني.

لم يخرج العرب من جزيرتهم خاليي الوفاض، أو مجرد غزاة، إنما خرجوا إلى رحاب هذا العالم الفسيح يحملون ثروة هائلة من أدبهم، لغة خطاب وشعرا وحكما وأمثالَ وثروة من الأحكام الدينية والأخلاقية والاقتصادية والتشريعية والطبية المنظمة لمختلف شئون الحياة.

كانت الحضارة العربية تحمل معها أيضا إلى جانب التأثيرات العربية روافد أخرى، أولها رافد مدرسة جندتباسبور الزرادشيتية التي اختلطت فيها ثقافة اليونان وعلومهم بثقافة الفرس والهند. ورافد مدرسة حران الوثنية التي كانت مركزا للثقافة الإغريقية منذ عصر الإسكندر الأكبر، وهي جزء من ثقافة مدرسة الإسكندرية المسيحية.

ولا يزال التاريخ يذكر كيف ترجم خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى عام 706 كتب القدماء في الطب والفلك والكيمياء، وكيف اتسع نطاق الترجمة في العصر العباسي، حتى كان لها ديوان وزارة وأكاديمية في عصر هارون الرشيد، وولده الخليفة المأمون. ولعل الأدب من الميادين التي كان الظن أن احتمال التأثير فيه قليل، ولكن كان للازدهار السريع للثقافة العربية في الأقطار المفتوحة خاصة إسبانيا والبرتغال والامتزاج الاجتماعي والثقافي الواسع، وانتشار اللغة العربية كلغة ثقافة وأدب وانتشارها في الأندلس، مما جعل اللغة اللاتينية حبيسة في الكنائس والأديرة.

نشأت لغة جديدة اختلطت فيها اللغة العربية باللغة اللطنية وهي الدراجة للإسبان، حتى نشأ منها لغة جديدة هي اللغة العربية اللطنية، والتي تغلبت على اللغة الإسبانية حتى الآن.

وعندما نتحدث عن الأدب العربي، وخاصة الشعر العربي الذي لم يكن نتاج حضارات سابقة، وإنما كان عربيا خالصا لم يتأثر بآداب حضارات سابقة، حيث نبت وترعرع ونما في الصحراء النجدية نبتا أصيلا اعتز به العرب، وكان هو فنهم الأول.

وعندما أعطى العرب أدبهم لأوروبا أعطوه شعرا عربيا خالصا. لم ينتقل الشعر إلى أوروبا عن طريق الترجمة، إنما عن انصهار سكان جنوب غرب فرنسا وجنوب إسبانيا وصقلية في بوتقة الحضارة العربية من خلال المساجد الإسلامية التي كان يدرس بها الرهبان واليهود ومجالس الأدب العربي التي كان يعقدها الخلفاء على عاداتهم العربية.

واقترنت بموضوعات الأدب العربي أسماء طائفة من عباقرة الشعر في أوروبا خلال القرن الرابع عشر، وثبتت الصلة بينهم وبين الثقافة العربية منهم بوكاشيو ودانتي وبترارك الإيطاليين، وشوسر الإنجليزى وسيرفانتيس الإسباني، ويرجع إليهم الفضل في تجديد الآداب القديمة بتلك البلاد.

ولعل أبرز التأثيرات كان في نشاة فن الموشحات الذي ابتكره شاعر عاش في القرن التاسع الميلادي، هو مقدم بن معافير القيرى الضرير أو محمد بن محمود القيرى.

ومن الموشحات استقى الشعراء الجوالون في أوروبا (التروبادور) والبروفانسيون (جنوب فرنسا)، وكذلك ظهر في إسبانيا فن الزجل.

في عام 1349 كتب بوكاشيو حكاياته المسماه الصباحات العشرة حذا فيها حذو الليالي العربية المعروفة باسم ألف ليلة وليلة، وضمنها مائة حكاية وأسندها إلى سبع سيدات وثلاثة رجال اعتزلوا المدينة فرارا من الطاعون وفرضوا على أنفسهم حكاية يقصها أحدهم على أصحابه كل صباح. من هذه الحكايات اقتبس وليم شكسبير موضوع مسرحيته "العبرة بالخواتيم"، واقتبس منها أيضا الأديب الألمانى لسنغ مسرحيته "ناثان الحكيم".

وكان شوسر إمام الشعراء الحداثيين في اللغة الإنجليزية، أكبر المقتبسين من بوكاشيو، فقد التقى به حين زار إيطاليا، ونظم قصصه المشهورة باسم قصص كانتربري على محور يشبه القصص التي ألفها بوكاشيو "اليكا بيرزن" الصباحات الغشرة، ومنها قصة السيد المستوحاة من قصص ألف ليلة وليلة.

وظل الأدباء الغربيون ينسجون على هذا المنوال في نظم القصص إلى عهد لونجيلو صاحب الديوان الذي سماه "خان بمنعطف الطريق".

وربما كانت صلة دانتي بالثقافة العربية أوضح من صلة بوكاشيو وشوسر لأنه أقام بصقلية في عهد فردريك الثاني الذي كان يدمن دراسة الثقافة الإسلامية من مصادرها العربية، ودارت بينه وبين الملك حوارات ومساجلات في مذهب أرسطو، كان بعضها مستمدا من الأصل العربي، ولاحظ المستشرقون الشبه بين أوصاف الجنة في كلام محيي الدين بن عربي، وأوصاف دانتي في الكوميديا الإلهية، وكان دانتي على معرفة واسعة بالسيرة النبوية الشريفة وقصة الإسراء والمعراج ووصف الأسرار ومراتب السماء، واطلع على رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، واقتبس من كل هذا رحلتة إلى العالم الآخر في كتابه "الكوميديا الإلهية".

وكذلك بترارك الذي درس الثقافة العربية بإيطاليا وفرنسا، وتعلم في جامعة مونبلييه وباريس اللتين تعلم أساتذتها على يد تلاميذ العرب في جامعات الأندلس،

وعاش سيرفانتيس في الجزائر بضع سنوات، وخرج بعدها بروايته "دون كيشوت" التي استمدت أمثالها من أصول أندلسية.

ونستطيع أن نجزم أن للعرب أثرا في ترقية اللغات الأوروبية إلى مقام العلم والأدب الذي كان قاصرا على رجال الدين والكتابات الدينية.

وشيوع التعليم أيامها بالعربية كان سببا لإهمال اللغة اللاتينية، وأثر ذلك في إحياء اللغات الشعبية، وتداول الشعر والبلاغة والعلم عن طريق غير القسس والرهبان المنقطعين للمباحث اللاهوتية.

ولعل هذا أثار الكاتب الإسبانى الفارو القرطبي الذى قال "إن أرباب الفطنة سحرهم رنين الأدب العربي فاحتقروا اللاتينية، وجعلوا يكتبون بلغة قاهريهم. إن إخواننا المسيحيين يعجبون بشعر العرب وأقاصيصهم، ويدرسون التصانيف التي كتبها الفلاسقة والفقهاء المسلمون، ولا يفعلون ذلك لإدحاضها والرد عليها بل لاقتباس الأسلوب الفصيح.

إن الجيل الناشيء من المسيحيين الأذكياء لا يحسنون أدبا غير الأدب العربي ولغة غير اللغة العربية.

وقال دانتي إن الشعر الإيطالى ولد في صقلية، وشاع نظم الشعر بالعامية في إقليم بروفانس (جنوب فرنسا) فانتشر من ذلك الإقليم الشعراء الجوالون الذين يعرفون باسم التروبادور، الذي اشتق اسمها تروير المأخوذة من كلمة طرب العربية، مثل الشعراء القوالون في البادية العربية.

ووجد جيوم التاسع دوق اكتفانيا وأحد فقهاء العربية، تشابها بين أوزانهم وأوزان الزجل الأندلسي، بل وجد في أشعارهم كلمات عربية خالصة، وإشارات لعادات إسلامية، خالصة مثل تخميس الغنائم واختصاص الأمير بالخمس منها.

ولم تنقطع الصلة بين الأدب العربي أو الأدب الإسلامي وبين الآداب الأوروبية الحديثة منذ القرن السابع عشر إلى اليوم.

ولا نجد أديبا واحدا من نوابغ أدباء أوروبا خلا شعره أو نثره من بطل إسلامي أو نادرة إسلامية، ومنهم شكسبير واديسون وبيرون وسوزي وكولردج وشيللي من الأدباء الإنجليز، ومنهم جنى وهاردر وليسنغ وهيتي من الأدباء الألمان، ومنهم فولتير وموتسكيو وفيكتور هيجو من أدباء فرنسا. واعترف لافونتين الفرنسي باقتباسه الأساطير من كتاب "كليلة ودمنة" الذي عرفه الأوروبيون عن طريق المسلمين.

وتأثرت القصة الأوروبية في نشأتها بما كان عند العرب من فنون القص في القرون الوسطى، وخاصة المقامات وأخبار القرون ومغامرات الفرسان في سبيل المجد: منها رحلات جليفر التي ألفها سوفت، ورحلة روبنسن كروزو التي ألفها دينوى مدينة لألف ليلة وليلة، ورسالة حي بن يقظان التي ألفها الفيلسوف ابن طفيل.

وكان لألف ليلة بعد ترجمتها إلى اللغات الأوروبية أول القرن الثاني عشر أثر يربو على كل آثارها السماعية قبل الترجمة فأصبح الاتجاه إلى الشرق حركة مألوفة في عالم الأدب، كما كانت مألوفة في عالم السياسة والاستعمار.

لقد سرت المدرسة المجازية الحماسية في القرون الوسطى إلى الغرب عن طريق فاتحي العرب، فلم تكن أوروبا تعرف الفروسية وآدابها وحماسها، قبل وفود العرب للأندلس.

ومن العرب تعلمت أوروبا الغزل العفيف وتقديس المعشوقة على غرار الشعراء العذرييين والمتصوفة وكذلك أدب التشبيب.

لقد بلغت المفردات العربية التي أضيفت إلى اللغة الإسبانية والبرتغالية ما يملأ معجما غير صغير، وكذلك إلى المعاجم الإنجليزية والفرنسية والإيطالية.


ميدل ايست اونلاين
عبدالمنعم عبدالعظيم ـ الأقصر (مصر)