دورات هندسية

 

 

الداعية وإدارة الذات: قلب يطل على أفكاره

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 11
  1. [1]
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً

    عضو متميز

    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38

    الداعية وإدارة الذات: قلب يطل على أفكاره

    (والله ما نمت فحلمت، ولا شبهت فتوهمت، وإني لعلى طريقي ما زغت) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (30/415)].
    كلمات نور فاه بها صديق هذه الأمة، يبوح من خلالها بسرٍ إيمانيٍّ من أسرار نجاح الداعية، يوم أن كان يوصي خليفته عمر الفاروق، يقلده أمانة الدعوة، ويحمله تبعة المسئولية، في آخر لحظات حياته المباركة، التي كانت ترجمة عملية لقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].
    لقد كان هدف أبي بكر يلوح أمامه مذ تحمل قلبه بهم هذا الدين، فسار على طريقة خلف صاحبه محمد صلى الله عليه وسلم، فما نام عن هدفه، ولم تتخطفه أوهام الشبهات والغفلات، وأنى لقلب شعاره: "أينقص الدين وأنا حي" أن يغفل أو ينام.
    وبهذا يسن أبو بكر لكل داعية من بعده سنة حسنة، تعد عنوانًا لنجاح أي داعية، وسرًّا من أسرار نبوغه وتوفيقه، إنها وضوح الهدف، ورؤية الطريق، التي تجعل صاحبها يحوز العادة الثانية من عادات الفاعلية، فينضم إلى زمرة الدعاة الأفذاذ الذين يستحق أحدهم مدح البحتري:
    قلب يطل على أفكاره ويد تمضي الأمور ونفس لهوها التعب.
    ولقد مضينا سويًّا مع إخواننا الدعاة في رحلة الفاعلية مع العادة الأولى من عادات الإنجاز والفاعلية، ممثلة في إتقان فن الإيجابية، التي تحجز لصاحبها مكانًا في صف النفوس العالية التي لهوها التعب في سبيل الله.
    ثم عرجنا على العادة الثانية، فكانت: قلب يطل على أفكاره، فعلمنا فيها وجوب تحديد الداعية لأهدافه، وأنواع هذه الأهداف، والجوانب التي ينبغي على كل داعية أن يضع لنفسه أهدافًا فيها، ما بين الجانب الإيماني والدعوي، والجانب المادي، والجانب التطويري، والجانب الاجتماعي.
    واليوم نضع نقاط الرؤية لكل داعية على حروف أهدافه، ونهديه خطوات عملية واضحة، ونرسم له نموذجًا للاحتذاء، حتى يتم له اكتساب عادة تحديد الهدف، ليكمل خطوته الثانية على درب الفاعلية الدعوية.
    نقطة الانطلاق:
    وإنما تعد نقطة الانطلاق الحقيقية نحو صناعة الداعية لهدفه، وتحديده لرؤيته في الحياة أن يعرف نفسه حق المعرفة، وأن يحسن التفرس في ذاته ويحكمها؛ كيما يكون مرشحًا لتوجيه غيره، كما نصحه من قبل الزاهد الحكيم سمنون رحمه الله حين قال: (إنَّ من تفرَّس في نفسه فعرفها؛ صحَّت له الفراسة في غيره وأحكمها) [تاريخ بغداد،(9/236)].
    ومقصودنا بأن يعرف الداعية نفسه: هو أن يتعرف على ميوله وإمكاناته؛ لكي يحدد المجال الدعوي الذي من خلاله سيرفع راية هذا الدين، ويجعل منه النقطة المحورية لجوانب حياته، فيسخرها كلها في خدمة هذا المجال، حتى يكون ممن جعلوا صلاتهم ونسكهم ومحياهم ومماتهم لله رب العالمين.
    إننا لا نسطر هذا الكلام لكل من أراد أن يبذل شيئًا لله ـ وإن كان هذا أمرًا مطلوبًا لكل مسلم ـ بل نخاطب الداعية صاحب الهمة العالية، الذي أبت نفسه الأبية إلا أن يبذل حياته كلها لدينه وأمته، ومن ثم فلا يقنع بالدون، ولا يرضى باليسير، ولا يقر قراره حتى يرى نفسه في مصاف الدعاة المؤثرين في هذه الأمة.
    وتصنيف الطاقات والتعرف على الإمكانات هي السنة النبوية التي كان يمارسها المربي الأول محمد صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الغر الميامين، الذي كان يعرف قدراتهم وطاقاتهم، ويوجههم بحسبها، فانظر إليه صلى الله عليه وسلم، وهي ينبيك عن هذه السنة فيقول:
    (أرحم أمتى بأمتى أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) [رواه الترمذي، (3791)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (3791)].
    ولذلك نرى استعمال النبي صلى الله عليه وسلم لتلك السنة واضحًا جليًّا في توظيفه لقدراتهم وإمكاناتهم، فيخصص بعضهم لكتابة الوحي ممن عرفوا بالأمانة والمهارة في الكتابة، كزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم.
    بينما يخصص آخرين لقيادة الجيوش، لما عرفوا به من عبقرية حربية، وكفاءة عسكرية، كخالد بن الوليد، وأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم، ويبقي معه فئة ثالثة يتخذهم وزراء، ويدربهم على أمور الحكم والقيادة؛ حتى يعدهم لمهمة الخلافة من بعده، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.
    وبهذه الفراسة النبوية، وبحسن توظيف الطاقات والقدرات، أمكن لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم أن يحوزوا القمم السامقة كل في مجاله الذي برع فيه، وأمضى فيه حياته كلها يبذل لدين الله من خلاله، فكان منهم الحكام والقادة، والعلماء والخطباء، والوزراء والاقتصاديين، وغير ذلك من مجالات التخصصات التي تحتاجها دعوة الإسلام.
    واليوم لا بد أن يسير داعية الإسلام على نفس سيرة السلف الأولين رضي الله عنهم أجمعين؛ كيما يحسن تبليغ الأمانة، وأداء الرسالة من بعدهم، فيكون خير خلف لخير سلف.
    ولم تعرف فنون الإنجاز والفاعلية سوى التركيز على المواهب والطاقات سبيلًا لمن كان مراده التفوق والنبوغ والنجاح، يقول مؤلفو كتاب قوة التركيز: (نحن جميعًا قد حبانا الله ببعض المواهب على اختلافها من شخص لآخر، وجزء كبير من حياتك يدور حول اكتشاف هذه المواهب، ثم استخدامها وتوظيفها فيما يعود عليك بالنفع.
    وعملية الاكتشاف هذه تستغرق العديد من السنوات مع كثير من الأشخاص، وبعضهم لا ينجح أبدًا في التوصل إلى أعظم مواهبه، وبالتالي تكون حياتهم أٌقل رضاء ومتعة، وهؤلاء الأشخاص غالبًا ما يقضون حياتهم في صراع ومعاناة؛ لأنهم يقضون معظم حياتهم في وظائف وأعمال لا تتناسب مع نقاط قوتهم أو مجالات تفوقهم، وذلك أشبه بمحاولة تمرير صندوق عبر فتحة مستديرة بالقوة، والنتيجة الوحيدة لذلك هي الفشل، كما أنها تتسبب في شعورنا بمزيد من التوتر والضغوط والإحباط).
    قواعد التعرف على الذات:
    وها هي بعض القواعد التي من خلالها يستطيع الداعية أن يتعرف على نفسه، ويحدد اتجاه سيره الرئيس في طريق الدعوة إلى الله تعالى:
    1. لا تكن غير نفسك:
    بمعنى ألا تقلد غيرك تقليدًا أعمى، فتهفو إلى أن تصبح مثل فلان أو علان من النماذج الدعوية الناجحة؛ لمجرد أنك رأيت الناس يعجبون به ويثنون عليه، حتى ولو كان مجاله وتخصصه لا يناسب ميولك وإمكاناتك، وساعتها ستكون كالمـُنْبَتِّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، (أو كذلك الغراب الراقص الذي أراد أن يتعلم مشية أحد الطيور فلم يستطع، فلما أراد أن يعود إلى مشيته نسيها، فكان مشيه مثل الراقص الأبله) [إدارة الذات، د.أكرم رضا، ص(35)].
    ويحكي الكاتب الأمريكي المشهور ديل كارنيجي تجربة مريرة له تعلم منها أنه لن يستطيع أن يكون غير نفسه فيقول: (عندما قدمت إلى نيويورك لأول مرة من مزارع الذرة في ميسوري التحقت بالكلية الأمريكية للفنون المسرحية إذ كنت مصممًا على أن أصبح ممثلاً، كانت لدي فكرة اعتقدت أنها رائعة وأنها طريق قصير وسريع للوصول إلى النجاح، حتى إنني لم أفهم لماذا لم يكتشفها آلاف الطموحين قبلي.
    كنت أدرس كيف توصل الممثلون المشهورون إلى أهدافهم وبعد ذلك أدرس وأقلد أفضل مزاياهم وصفاتهم، فأجعل من نفسي نجمًا ناجحًا ولامعًا، لكن هذه الفكرة كانت سخيفة وواهية؛ إذ كان علي أن أمضي عدة سنوات من حياتي أقلد الآخرين قبل أن أكتشف الفكرة الأكيدة والأساسية، وهي أن أكون ذاتي، وأنني لا يمكن أن أكون غير ذاتي) [كيف تتعامل مع الناس، ديل كارنيجي، ص(18)].
    2. الاستخارة والدعاء:فما ندم من استخار، فعليك أن تستخير الله تعالى وتدعوه في سجودك أن يهديك ويوفقك إلى تخير المجال الذي تستطيع أن تنبغ فيه وتحقق من خلاله رسالة الداعية الرباني، فهو سبحانه العليم بما يصلح عبده، ولذا يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (كان رسول الله e يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها) [رواه البخاري، (1096)].
    قال الإمام الشوكاني رحمه الله معلقًا على هذا الحديث: (هذا دليل على العموم، وأن المرء لا يحتقر أمرًا لصغره وعدم الاهتمام به فيترك الاستخارة فيه...) [ نيل الأوطار، الشوكاني، (3/72)].
    فإذا كان الدعاء والاستخارة مشروعين حتى في صغار الأمور فما بالنا بقرار ستبنى عليه حياة الداعية بكاملها.
    3. الاستشارة:قال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، بل كان سيد النبيين e وصاحب أرجح عقل وجد على ظهر الأرض عليه الصلاة والسلام، يستشير أصحابه رضي الله عنهم، في كل أحواله.
    ففي غزوة الخندق حيث سارع النبي e بمجرد علمه بتجمع قبائل العرب في جيش قدره عشرة آلاف مقاتل إلى عقد مجلس استشاري أعلى، تناول فيه أمر الدفاع عن كيان المدينة، وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهل الشورى اتفقوا على قرار قدمه الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه؛ حيث قال: (كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا). فأسرع النبي e إلى تنفيذ هذه الخطة [الرحيق المختوم، المباركفوري، ص(470)].
    فما بالنا بمن هو دونه e في كل شيء من أمثالنا نحن الدعاة إلى الله؟!
    فاحرص ـ أيها الداعية الموفَّق ـ على استشارة من هم أكثر منك خبرة وأكبر منك سنًّا، وأسبق منك قدمًا على طريق الدعوة من الدعاة والمربين، لا سيما المقربين منك، وتعرف على رأيهم في تحديد ميولك وإمكاناتك، واختيار المجال الدعوي الذي يناسبك، سواءً كان في الخطاب العام، أو الدعوة الفردية، أو طلب العلم وتعليمه، أو التربية أو الكتابة والتأليف، أو العمل الإعلامي والمؤسسي، وغير ذلك من مجالات البذل لدين الله تعالى.
    4. الإمكانات أولًا ثم الميول:فليست القضية في حبك لعمل معين، بغض الطرْف عن إمكاناتك واستعداداتك الحقيقية، فالإمكانات تأتي في المقام الأول، ثم إن وافقت الميول فذلك نور على نور، أما إن كنت تهوى تخصصًا دعويًّا معينًا لا يتناسب مع إمكاناتك فذلك مضيعة للعمر، مدعاة للفشل أو على الأكثر للنجاح المتواضع.
    ولابد هنا أن يتعلم الداعية حقيقة هامة، نبهنا إلينا الإمام مالك رحمه الله لما رد على العمري الزاهد كتابه الذي نصح فيه الإمام أن يعكف على نفسه ويتفرغ للزهد والعبادة، فكتب إليه مالك رحمه الله يعلمه تلك السنة الربانية:
    (إن الله قسَّم الأعمال كما قسَّم الأرزاق، فرُبَ رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير) [سير أعلام النبلاء، الذهبي، (8/114)].
    وهي نفس الحقيقة التي أدركها الإمام الذهبي رحمه الله، فقام يرصعها لك في كلامه الذهبي: (ومازال في كل وقت يكون العالم إمامًا في فن، مقصرًا في فنون، وكذلك كان ... صاحبه حفص بن سليمان ثبتًا في القراءة، واهيًا في الحديث، وكان الأعمش بخلافه ثبتًا في الحديث لينًا في الحروف) [سير أعلام النبلاء، الذهبي، (5/260)].
    فاعلم ـ أيها الداعية الهمام ـ أنك كائن متفرد، حباك الله تعالى بتكوين خاص، لا يشبهك أحد في الوجود، فكن نفسك واكتشف ذاتك، وركز على مواهبك، فبذلك تختصر على نفسك سنين من المحاولات ذات الجدوى الضعيفة، وتشق لنفسك طريقًا بين الدعاة النابغين.
    وبقي لنا بعد أن حددت اتجاهك الأساسي في طريق الدعوة إلى الله تعالى، أن تتعلم كيف تعيد صياغة منظومة أهدافك في الجوانب الأربعة ـ الإيمانية الدعوية، والمادية، والاجتماعية، والتطويرية ـ بما يخدم هدفك الرئيسي، ومجال بَذْلِك ودعوتك، وهو ما سنتعلمه سويًّا بإذن الله في الحلقة القادمة.
    أهم المراجع:
    1. صناعة الهدف، هشام مصطفى عبد العزيز وصويان شايع الهاجري.
    2. قوة التركيز، جاك كانفليد ومارك فيكتور هانسن ولس هيوت.
    3. صنف نفسك، أحمد بن صالح الزهراني.
    4. تاريخ دمشق، ابن عساكر.
    5. الرقائق، محمد أحمد الراشد.

  2. [2]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    روى أنس بن مالك: أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين ـ وأبو بكر يصلي بهم ـ لم يفجأهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه، ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فرحًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليهم بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر[صحيح البخاري، (648)].

    هكذا كانت ابتسامة الرحيل عن هذه الدنيا، لأشرف جسد وطئ الثرى، وأطهر روح خلقها البارئ المصور، إنها ابتسامة الفوز والظفر، بعد أن أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام حياته ولياليه، لا يهدأ له بال، ولا يقر له قرار، حتى يحقق هدفه، ويبلغ دعوة ربه للعالمين، فالآن الآن حق له أن يبتسم.

    ولِمَ لا وقد أقر الله عينه بتحقيق هدفه، ورأى بأم عينه الشريفة حلمه ماثلًا أمامه في آخر لحظة من لحظات حياته المباركة، بعد أن لمح تلامذته النجباء يصلون خلف صديق الأمة، فاطمئن فؤاده إلى أنه قد أدى الأمانة، ولن تصعد روحه إلى بارئها إلا وقد تسلمها منه فريق من الغر الميامين، الذين لا يعرفون لهم هدفًا في الحياة إلا رفعة هذا الدين، ونشر ضيائه بين ربوع العالمين.

    ولأحفاد هؤلاء الأماجد من دعاة اليوم نسطر هذه الكلمات، التي نحاول فيها أن نفتح لهم آفاقًا من صنوف الفاعلية؛ لكي يستطيع داعية اليوم أن يضاعف من إنجازاته في حقل إيصال نور الهداية إلى قلوب العباد.

    وقد وصلنا مع الداعية الهمام عبر هذه الحلقات إلى العادة الثانية من عادات الفاعلية، متمثلة في حيازة ذلك القلب المتفرد الذي لا يزال يطل على أفكاره، فلا يغيب هدفه عن ناظريه، ولا تفارق طموحاته في نصرة دين الله مخليته.

    إنها عادة صناعة الهدف، والتي تعني أن يصوغ الداعية الصادق لحياته أهدافًا واضحة، يكتب عبرها سيناريو أيامه المعدودة، ويرسم خلالها من أوقاته لوحة إيمانية مباركة، ملؤها البذل لدعوة الله، حتى تعود حياته كلها تطبيقًا شاملًا لقول رب العالمين: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الأنعام:162].

    ولقد علمنا سابقًا يا دعاة الإسلام، أن هناك جوانب خمسة لابد لكل حامل للواء الدعوة أن يضع له فيها أهدافًا محددة، حتى تتكامل سويًّا لتصنع منه داعية لا يشق له غبار، هذه الجوانب هي:

    1- الجانب الإيماني: ويشمل علاقة الداعية بربه، واهتمامه بقلبه، وحفاظه على أوراد الطاعات، واحترازه من الذنوب والآثام.

    2- الجانب الدعوي: ويشمل التخصص الدعوي، و نوعية الأنشطة التي سيخدم من خلالها قضية الدين.

    3- الجانب المادي: ويشمل المهنة، والمال، والصحة.

    4- الجانب الاجتماعي: ويشمل مسئولية الداعية تجاه عائلته وأسرته وعلاقاته الاجتماعية.

    5- الجانب التطويري: ويشمل اكتساب المهارات الذهنية والعملية والدعوية، التي تعينه على القيام بمهمة الدعوة خير قيام.

    واليوم نواصل مع داعية الإسلام جولتنا حول العادة الثانية من عادات الفاعلية، فنعطيه نموذجًا تطبيقيًّا، ومنهجًا عمليًّا يمكنه من صياغة ما يمكن أن نسميه: وثيقة الأهداف الدعوية، التي من خلالها يستطيع كل داعية أن يرسم له طريقًا في الحياة، يعينه على استثمارها أمثل استثمار، حتى يستفرغ وسعه في نصرة هذا الدين.

    وثيقة الأهداف الدعوية:

    وتشمل هذه الوثيقة أركان صناعة الهدف، والتي تتمثل في:

    1- الرسالة. 2- الرؤية. 3- الأهداف.

    أولًا ـ رسالة الداعية:

    والرسالة: كما يعرفها مؤلفو كتاب صناعة الهدف: (هي المهمة الكبرى أو الدور الأكبر الذي يعيش الإنسان من أجل تحقيقه في الحياة).

    فهي الغاية الكبرى، والمهمة العظمى التي يكرس من أجلها المرء حياته، وهي عند داعية الإسلام قد حُددت سلفًا من أول يوم وطئت فيه قدماه ميدان الدعوة المباركة، حين ردد لسانه و قلبه مع سيد من سادات دعاة الإسلام:

    قد اختارنا الله في دعوته وإنا سنمضى على سنته

    فمنا الذين قضوا نحبهم ومنا الحفيظ على ذمته

    إنما الذي نريده من الداعية المبارك أن يحدد المجال الذي سيركز فيه جهده، حتى يتسيد ساحته، ويكون فيه إمامًا من أئمة الدعاة المتقين.

    وكثيرة هي مجالات الدعوة إلى الله، ما بين تعلم لكتاب الله وتعليمه، أو دراسة للعلم الشرعي ونشره، أو خطابة ودروس ومحاضرات يهز من خلالها الداعية أعواد المنابر، أو صحافة وإعلام يعاكس من خلالهما الداعية خطة أهل الباطل في إفساد جماهير المؤمنين، أو غير ذلك من ساحات الشرف التي يمكن أن يغشاها كل من أراد أن يبذل أوقاته في خدمة دين الله تعالى.

    ولقد قدمنا فيما سبق أن ذلك المجال إنما يتحدد وفق إمكانات الداعية، وميوله، وحاجة الساحة الدعوية التي يقدرها الداعية، بعد استخارة لربه ومولاه، واستشارة لخبراء الدعوة وأساتذة التربية.

    وكمثال على ذلك: لو افترضنا أنك وجدت نفسك في مجال الخطابة والتدريس والمحاضرات، فألفيت هذا الميدان يتوافق مع ميولك وإمكاناتك، ووافقك أهل الخبرة على ذلك، فيمكنك أن تصيغ رسالتك في الحياة في كراسة أهدافك كما يلي:

    رسالتي في الحياة: خدمة دين الله تعالى من خلال فنون الإلقاء العام.

    ثانيًا ـ الرؤية:

    وتمثل الطموح الواقعي والإطار العملي الذي تتحقق من خلاله الرسالة، ويعرفها الدكتور صلاح الراشد، فيقول: (الرؤية هي النتيجة النهائية التي تسعى شخصيًّا لصنعها، يعني هو ما تود الوصول إليه، والرؤية كلمة عامة للأهداف)، وعلى ذلك فإن الرؤية تمثل الترجمة العملية للرسالة، لكنها في صورة أهداف بعيدة المدى، وفي مثالنا السابق، يمكن أن تكون الرؤية كالتالي:

    رؤيتي: أن أكون صاحب منابر دعوية عامة، يكون لها تأثير في عموم أمة المسلمين، من خلال الفضائيات، والمواقع الإسلامية، والمساجد الضخمة، بحيث يتجاوز تأثيري القطر الذي أعيش فيه، فأكون من دعاة الأمة المؤثرين.

    ثالثًا ـ الأهداف:

    وهي الخطوة الثالثة نحو حيازة الداعية لذلك القلب العظيم، المطل على أفكاره، فهي الترجمة التخطيطية للرؤية، بمعنى أنه إذا كانت الرؤية هي الأهداف الاستراتيجية العامة، التي من خلالها سيحقق الداعية رسالته في الحياة، فإن الأهداف هي نتائج واقعية عملية محددة بمدى زمني، يمكن تحويلها إلى خطط خمسية وسنوية، ثم شهرية وأسبوعية، وحتى قائمة الأعمال اليومية.

    وإذا تم للداعية المبارك حيازة تلك المنظومة الثلاثية الرائعة: الرسالة والرؤية والأهداف، فإنه ينطلق بعون الله في حياته، و لا يمر عليه يوم من أيامه إلا وقد اقترب من رؤيته خطوة، فيتمكن بذلك من استثمار عمره الاستثمار الأمثل، فيعظم ربحه مع الله تعالى.

    ودعنا الآن أيها الحبيب، نكمل لك النموذج العملي السابق، ولنضع أهدافًا في الجوانب الخمسة لحياة الداعية، وفق الرسالة والرؤية السابقتين، حتى يسهل عليك صياغة منظومتك الثلاثية بعون الله تعالى:

    أهداف الجانب الإيماني:

    وهي من أهم الجوانب على الإطلاق في حياة الداعية، إذ أن العلاقة العامرة مع رب العالمين، هي سر نجاح الداعية في دعوته، وهي الزاد الذي لابد لكل داعية أن يتزود به في طريق دعوته، وإلا انقطع به السير، وضل به الطريق.

    إنه ذلك الجانب الذي ربى عليه ربنا المتعال، أعظم روح حملت أعظم رسالة في تاريخ البشر في بداية الإعداد لحمل أمانة التبليغ، يوم أن فرض الله تعالى على رسوله ومصطفاه قيام الليل بين يديه في الأسحار، فناداه قائلًا:

    {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 1-8].

    هذا هو البرنامج الرباني لإعداد أعظم داعية من أجل تبليغ القول الثقيل، إنه قيام الليل وخلوات الذكر في ساعات النهار، ونصب البدن في ميدان العبادة بعد الفراغ من أوقات العمل في ميدان الدعوة، وما ذاك إلا لأن(قيام الليل والناس نيام، والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفسافها؛ والاتصال بالله، وتلقي فيضه ونوره، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن، وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة؛ واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته وفي الليل الساجي ... إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل، والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل! وينير القلب في الطريق الشاق الطويل، ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير).

    وإذا أردنا أن نحصر أركان الشخصية الربانية التي ينبغي على كل داعية أن يحوزها، ويضع له فيها أهدافًا واضحة؛ حتى يكون مؤهلًا لحمل رسالة الدعوة، نجدها تنحصر في أركان ثلاثة، لابد للداعية الهمام أن يضع له فيها أهدافا واضحة، وهي:

    1- صلاح القلب:

    فعماد التربية الإيمانية (هو القلب الحي الموصول بالله تبارك وتعالى، الموقن بلقائه وحسابه، الخائف من عقابه، "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، ألا وهي القلب"، والقلب الحي هو موضع نظر الله تعالى، ومهبط أنواره ... "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ... وبدون هذا القلب العامر بالإيمان، المشرق باليقين، يكون الداعية ميتا، وإن عده الإحصاء في ضمن الأحياء).

    والاهتمام بصلاح القلوب، والتركيز على أعمالها هو طريق المربي الأول صلى الله عليه وسلم، وصحبه الأطهار، كما يشرح لك ذلك ابن رجب في محجته، فيقول: (فأفضل الناس من سلك طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وخواص أصحابه في الاقتصاد في العبادة البدنية، والاجتهاد في الأحوال القلبية، فإن سفر الآخرة يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان).

    ولا يتحقق صلاح قلب الداعية إلا بوصفين:

    - عمرانه بأعمال القلوب من المحبة والخوف والرجاء، والخشية والمراقبة، وغيرها من المنجيات.

    - سلامته من آفات القلوب، من الرياء والعجب والغل وغيرها من المهلكات.

    2- استقامة الجوارح: وذلك من خلال:

    - إتقان الفرائض: فهي أعظم ما يتقرب به إلى الله تعالى، كما علمنا ذلك حبيبنا صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) [البخاري، (6502)]، وهذا الإتقان لا يكون إلا بشدة الاهتمام بها، والمحافظة عليها في أوقاتها، وتقديمها على النوافل، والإتيان بآدابها الباطنة، من فهم أسرارها، والشعور بمعانيها، وذوق حقائقها الإيمانية.

    - المحافظة على أوراد الطاعات اليومية: من النوافل، مع تحقيق آدابها الباطنة، فيصير حاله كذلك الذي وصفه الأستاذ الراشد، حينما نصح كل داعية أن (ينتفض على الفتور المستولي، وأن يقطع التواني، آيبًا إلى بداياته القديمة، يوم كان حمامة مسجد، مستغفرًا مخبتًا، متنقلًا بين تسبيح وحمد وتكبير وتهليل، مكررًا كنز الجنة: لا حول ولاقوة إلا بالله، منقلبًا إلى بين عمودين يمرغ الجبهمة طورًا، متغنيًا بالزهراوين والحاميمات وما بينهما قبل شروق وغروب، مائلًا إلى المقابر من بعد، وعاكفًا على قراءة فصول من المدارج، والجواب الكافي، وإحياء الإحياء، متأملًا التحفة العراقية لنفخر به هو تحفة بعد ذلك حقًا).

    - تعظيم حرمات الله، واجتناب الآثام: فالداعية الرباني واحد من ركب المؤمنين الذين وصفهم سيد من ساداتهم، هو الصحابي المربي، عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه، حين قال: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل، يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه، فقال به هكذا) [البخاري، (6308)].

    (والذين يعدون للدعوة إلى الله تعالى وتوجيه الناس، يتأكد في حقهم اجتناب الشبهات والورع عنها: إذ هم المرآة أمام الناس، ينظرون إليهم، ويتأسون بهم).

    - التوبة الفورية، مما قد يقع الداعية فيه مما حرم الله تعالى: فمهما ارتفع منسوب إيمان الداعية في قلبه، فلابد له من سنة الغفلة، لكنه لا يتجاوزها إلى النوم والغطيط، فلا يقيم على معصية الله أبدًا، ولا يحاصره خندق الذنوب والآثام، بل هو سائر على صراط ربه المستقيم، فإذا ما أخذه الشيطان مرة على حين غرة، سارع ليثأر منه بتوبة نصوح، يجدد بها عهد الدعوة مع ربه، ثم يأخذ في التعويض من خلال اجتهاد في طاعة مولاه، حتى يعض شيطانه أصابع الندم على أن فكر في إغوائه، بعدما رآه بعد التوبة أقرب إلى ربه، وأرفع في إيمانه.

    3- حسن الخلق: وهو الركن الثالث من أركان الشخصية الربانية، والمؤهلة لإنقاذ هذه الأمة من وهدتها إلى تلك المنازل العالية التي أرادها الله لها، و لا تتأتي تلك المنقبة الإيمانية الرفيعة للداعية الرباني إلا من خلال:

    - اكتساب مكارم الأخلاق الإيمانية: من مثل الصدق، والأمانة، والإحسان، والتواضع والعزة، وغيرها من خلال الخير، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، حتى يسير خلف محمد صلى الله عليه وسلم على طريق: (كان خلقه القرآن) [مسند أحمد، (1107)].

    - التخلي عن مساوئ الأخلاق، وآفاتها: كالكذب والخيانة، وإخلاف الوعد، والغيبة والنميمة، وسائر آفات السلوك، فيخرج من هذه الدنيا كما خرج منها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي نعته لنا ابنة أبي خيثمة عند موته، فقالت: (واعمراه، أمات الفتن، وأحيا السنن، خرج نقي الثوب، بريئا من العيب).

    - الالتزام بالآداب الإسلامية: مثل آداب الاستئذان، وآداب الطعام، وآداب السلام وغيرها من محاسن آداب الإسلام.

    تلك هي أهم آفاق أهداف الجانب الرباني، التي لا بد لكل داعية أن يحوزها حتى يؤهل نفسه لحمل أمانة الدعوة، والسير في ركب عظماء الدعاة إلى الله تعالى.

    وموعدنا إن شاء الله وقدر في الحلقة القادمة، لنكمل مع الداعية الهمام بقية جوانب أهدافه، فإلى أن نلتقي، أستودع الله دينك وأمانتك، ومنظومة أهدافك.

    أهم المراجع:

    1- صناعة الهدف: هشام مصطفى، صويان الهاجري.

    2- كيف تخطط لحياتك، د.صلاح الراشد.

    3- في ظلال القرآن، سيد قطب.

    4- مجموعة رسائل العين، محمد أحمد الراشد.

    5- تاريخ الطبري.

    6- صفات الداعية، مصطفى الطحان.

    7- تربية الشباب، الأهداف والوسائل، محمد الدويش.

    8- المحجة في سير الدلجة، ابن رجب الحنبلي.



    منقول

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  3. [3]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:16].

    عن ابن عباس أنه قال: (إن الله استبطأ قلوب المهاجرين؛ فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، فقال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} الآية) [تفسير الألوسي، (20/326)].

    وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} الآية إلا أربع سنين) [تفسير ابن كثير، (8/19)].

    بهذا العتاب الرباني لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعاة الإسلام الأول حازت بحوث فقه الدعوة مبررًا تربويًّا كيما تهتف في أذن كل داعية، تعاتبه وتهيب به أن ينفض عن قلبه غبار غفلة لعلها تسربت إليه في زحمة انشغاله بهمومه الدعوية، فأعقبته فتورًا إيمانيًّا، وفقرًا في حياة القلب.

    لكن عتابنا لداعية اليوم لا يتمثل في مجرد وعظ أو تذكير، إنما يتخطى ذلك إلى وضع أهداف واضحة في الجانب الإيماني، تشكل في مجموعها ملامح السمت الرباني الفذ اللازم لكمال الشخصية الدعوية الإيمانية التي يناط بها مهمة العودة بهذه الأمة إلى سابق مجدها وعزها من جديد.

    ويتعاضد هذا الجانب الإيماني مع غيره من الجوانب الأخرى: الدعوي والمادي والاجتماعي والتطويري، كيما يكمل أركان لوحة الفاعلية الرائعة، لتترجم رسالة الداعية ورؤيته إلى واقع حي ملؤه النجاح والإنجاز لدعوة الله تعالى، وبذلك يحوز الداعية الرباني مقعد صدق في صفوف الدعاة الناجحين، ويكون من أصحاب العادة الثالثة من عادات الفاعلية، والتي هي صناعة الهدف، أو حيازة قلب يطل على أفكاره.

    ولقد مضينا مع الداعية في المقال السابق مع وثيقة الأهداف الدعوية، وتعرفنا معه على معنى الرسالة والرؤية والأهداف، وفصلنا له القول في أهداف الجانب الإيماني، ونشرع هذه المرة في استكمال بقية الجوانب إن شاء الله.

    أهداف الجانب الدعوي:

    والجانب الدعوي هو قطب الرحى لحياة الداعية الصادق الذي قرر أن تكون صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين، إذ هو يمثل منزلة العبودية العالية التي يسرها الله تعالى لعبده الداعية؛ ليحجز من خلالها مقعدًا له بجوار الحبيب صلى الله عليه وسلم في أعالى الفراديس.

    من أجل ذلك كان لزامًا على الداعية الهمام أن ترتسم أهدافه الدعوية بين ناظريه، حتى يستطيع أن ينفق ذخائر عمره النفيس في تحصيل تلك المنقبة الرفيعة، والمنزلية العالية التي لا ينالها إلا أماجد المؤمنين، ولعل هذه الأهداف يمكن تحديدها في جوانب ثلاثة:

    1-تنمية روح البذل والفداء:

    إن هذه الروح هي وقود السير في درب الدعوة، وبدونها يموت قلب الداعية، وتموت معه همته، ويغدو سيره على الطريق روتينيًّا رتيبًا، لا أثر فيه لحرارة الإيمان.

    وتذكو هذه الروح في النفس بصدق العاطفة الإيمانية تجاه دعوة الله تعالى، تلك التي وصفها داعية الباكستان، أبو الأعلى المودودي رحمه الله في تذكرته لدعاة الإسلام، حين خاطبهم قائلًا: (إنه من الواجب أن تكون في قلوبنا نار متقدة تكون في ضرامها على الأقل مثل النار تتقد في قلب أحدكم عندما يجد ابنًا له مريضًا ولا تدعه حتى تجره إلى الطبيب, أو عندما لا يجد في بيته شيئًا يسد به رمق حياة أولاده ولا تزال تقلقه وتضطره إلى بذل الجهد والسعي.

    إنه من الواجب أن تكون في صدوركم عاطفة صادقة تشغلكم في كل حين من أحيانكم بالسعي في سبيل غايتكم، وتعمر قلوبكم بالطمأنينة وتكسب عقولكم الإخلاص والتجرد والحنيفية، وتركز عليها جهودكم وأفكاركم؛ بحيث أن شؤونكم الشخصية وقضاياكم العائلية إذا استرعت اهتمامكم, فلا تلتفتون إليها إلا مكرهين.

    وعليكم بالسعي أن لا تنفقوا لمصالحكم الشخصية إلا أقل ما يمكن من أوقاتكم وجهودكم؛ فتكون معظمها منصرفة لما اتخذتم لأنفسكم من الغاية في الحياة.

    وهذه العاطفة ما لم تكن راسخة في أذهانكم ملتحمة مع أرواحكم، ومالم تكن آخذة عليكم ألبابكم وأفكاركم, فإنكم لا تقدرون أن تحركوا ساكنًا بمجرد أقوالكم) [تذكرة دعاة الإسلام، أبو الأعلى المودودي، ص(24)].

    إن داعية لا يدمن مطالعة سيرة سيد أولي العزم من الرسل، ولا يحني ظهره على سير أماجد السلف من دعاة الإسلام، ولا يجول بخواطره مع مواقف قادة الدعوات وأساتذة البذل في واقع الدعوة المعاصر، ولا يعكف قبل ذلك على تدبر آي الذكر الحكيم، ومجالس مدارسة حديث سيد المرسلين، فأنى له أن يواصل البذل لدعوة الله، وأنى له أن يعيش من أجل قضية الإسلام؟!

    فكيف يكون حال داعية لم يعش مع قول ربه جل وعلا، وهو يبين له أركان عهد الدعوة فيقول سبحانه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].

    وكيف تكون همته وهو لم يتدبر قول عائشة رضي الله عنها لما سئلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى وهو قاعد؟ فقالت: (نعم، بعدما حطمه الناس) [رواه النسائي، (1668)، وصححه الألباني في صحيح النسائي، (1657)].

    وكيف يتسنى له أن يواصل مسيرته بنفس تواقة إلى ما عند الله وهو لم يتأمل خبر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لما قدموا له الطعام، وكان صائمًا، فأطرق برأسه، ودمعت عينه وهو ينظر إلى طعامه، وقال كأنما يعاتب نفسه الزكية: (قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه ... ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا .. ثم بكى حتى ترك الطعام) [رواه البخاري، (4045)].

    2-تحديد معالم التخصص الدعوي:

    ولقد سبق لنا تفصيل القول في ذلك، وعلمنا أن هذا هو منهج رسول الله r في تربية أصحابه الغر الميامين، وعليه درج الصالحون والنابهون من دعاة الإسلام إلى يومنا هذا، وبدون ذلك يصبح تفوق الداعية ونبوغه أمرًا عسيرًا.

    فلابد لكل داعية همام يريد أن يحوز قصبًا للسبق في مضمار السباق الدعوي أن يحدد نقطة انطلاقه الرئيسية في ميدان الدعوة، ويختار المجال الدعوي الذي يتناسب مع طاقاته وإمكانته، وميوله وهواياته، وحاجة ساحة العمل الدعوي، وذلك عبر استخارة الحكيم الخبير جل وعلا، ثم استشارة لمن يعرف من أساتذة الدعوة وخبراء التربية، كما سبق وأن بيَّنا.

    لكن ذلك التحديد الذي نريد، لا يتمثل في مجرد اختيار لمجال بذل ينفق الداعية فيه عمره، بل يتجاوز ذلك إلى تحديد لمعالمه، وتفصيل لها، حتى تشكل في مجموعها مراحل لمساره الدعوي؛ حتى يلقى الداعية ربه وقد مد نسبًا له مع إمام أهل السنة رحمه الله، حينما كان يقول لابنه في أثناء المحنة: ( يا بني لقد أعطيت المجهود من نفسي) [مناقب الإمام أحمد، ابن الجوزي، ص(339)].

    فلابد أن يخط الداعية الوصف التفصيلي لتخصصه، ولا يكتفي بمجرد العناوين الكبيرة، حتى يغدو هدفه كأنه واقع معاش أمام ناظريه، فإن الأمر كما يصفه ستيفن كوفي في عاداته السبع: (كل الأشياء يجري صنعها مرتين, فهناك الخلق الذهني أو الشق الأول, وهناك الجانب المادي وهو الشق الثاني.

    فعلى سبيل المثال، فأنت عندما تعتزم بناء منزل فإنك تقيمه في ذهنك بكل تفاصيله قبل أن تدق مسمارًا واحدًا في مكانه, كما أنك تحاول أن تصل إلى إحساس واضح بنوع المنزل الذي تريده, فإذا ما كنت في حاجة إلي منزل للعائلة فإنك تخطط لوجود غرفة تصلح مكانًا طبيعيًّا لجمع شمل الأسرة, كما أنك سوف تعمل على وجود أبواب متحركة وفناء خارجي للعب الأطفال, فأنت تعمل مع الأفكار, ويظل عقلك نشطًا حتي تصل إلى صورة واضحة لما تريد أن تقيمه.

    وبعد ذلك تنتقل بالأمر إلى صورة التصميم المعماري وتطوير خطط البناء, ويتم كل ذلك قبل أن تمس سطح الأرض, ولو تجاوزت الشق الأول وتجاهلته وشرعت في العمل على الفور في الشق الثاني؛ فإن هذا الجانب المادي سوف يكلفك تعديلات عالية التكلفة قد تصل إلى ضعف قيمة المنزل الحقيقية)[العادات السبع لأكثر الناس فاعلية، ستيفن كوفي، ص(138)].

    ولنفترض أن داعية قد حدد مجال تخصصه الدعوي بارتقاء المنابر الدعوية العامة، فيمكن له أن يحدد بعض معالم هذا التخصص الكبير على النحو التالي:

    1- ممارسة الخطابة والتدريس من خلال المساجد.

    2- تأليف الكتب الإسلامية لشباب الإسلام.

    3- بث الوعي الإسلامي لعموم الأمة من خلال الفضائيات.

    4- نشر الإنتاج الدعوي الشخصي من خلال شبكة الإنترنت
    .

    وغير ذلك من معالم الخطاب الدعوي العام التي توفرها وسائل العصر الحديثة، والتي يمكن من خلالها تبليغ كلمة الدعوة إلى أمة الإسلام، وكلما كان تحديد تلك المعالم أوضح وأكثر تفصيلًا، فإن احتمالات النجاح فيه تكون أقوى وأعلى.

    3-تحديد المهارات اللازمة لإتقان التخصص.

    فإن ممارسة الداعية لتخصصه الدعوي تقتضي إتقانًا للمهارات التي تعينه على إتقان الأداء، وإحراز النجاح المتميز في خدمة دعوة الله تعالى من خلال تخصصه، وتلك المهارات هي ما سنتعرف عليها، عند تعرضنا للحديث عن أهداف الجانب التطويري من منظومة الأهداف الدعوية، بإذن العلي القدير.

    وسلام على كل داعية آمن بالله، ثم استقام على أهدافه واتقى.

    أهم المراجع:

    1- العادات السبع لأكثر الناس فاعلية، ستيفن كوفي.

    2- تفسير ابن كثير.

    3- تفسير الألوسي.

    4- تذكر دعاة الإسلام، أبو الأعلى المودودي.

    5- الرقائق، محمد أحمد الراشد.

    6- المسار، محمد أحمد الراشد.


    منقول

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  4. [4]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    (من للإسلام إن لم نكن نحن)، كلمات تقطر نورًا تفوه بها السلطان المظفر قطز، يوم أن داهم التتر ديار المسلمين، وأرسلوا إليه يهددونه بغزو مصر، فرأى ـ رحمه الله ـ من أمراء المماليك تقاعسًا وإخلادًا إلى الأرض، فصاح فيهم بتلك الزفرة الإيمانية الصادقة، التي رافقتها دموع الحرص على دين الله، فكان أن أحيا الله تعالى بها هممًا، فكانت بعدها عين جالوت، حين أعز الله جنده، ونصر عبده، وهزم أحزاب التتر وحده.
    ولا زالت أجيال دعاة المؤمنين تتواصي بأمثال تلك الكلمات القطزية، وعنهم أخذناها لنرسلها لك يا داعية اليوم، لنهمس في أذن قلبك: (من للإسلام والمسلمين إن لم تكن أنت)، لتجيب بعدها بعزم وحزم، وتدق صدرك قائلًا: (أنا لدعوة الإسلام إن شاء الله).
    لكن عهدنا بك أيها الهمام أنك لست برجل كلمات فحسب، إنما كأي داعية صادق، يسبق فعلُه قولَه، وتترجم إنجازاته كلماته، لذا ندعوك معنا أن تخطو خطوة كبيرة نحو حيازة الشخصية الدعوية الفعالة، التي تعيش لهذا الدين حياة ملؤها النجاح والإنجاز لدعوته، ولا يكون ذلك حتى تحوز ذلك القلب المطل على أفكاره، فتحصل العادة الثانية من عادات الفاعلية: تحديد الهدف، تلك التي بدأنا معك في الحديث عنها منذ حلقات عدة.
    ولقد بسطنا القول في الحلقات السابقة في كيفية وضع الداعية لأهدافه في الجانب الإيماني ثم الجانب الدعوي، وبقي أن نكمل الحديث عن بقية جوانب الحياة الفعالة (المادي، الاجتماعي، التطويري)، التي لا بد لكل داعية أن يضع له فيها أهدافًا تتناسب مع رسالته ورؤيته، حتى يسير خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت لواء: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].
    واليوم نشرع بحمد الله في تفصيل أهداف الجانب المادي في حياة الداعية الهمام، فلننطلق سويًُّا في رحلة الفاعلية على بركة الله.
    أهداف الجانب المادي:
    إن الجانب المادي هو ثالث الجوانب التي ينبغي أن يضع الداعية له فيها أهدافًا واضحة، حتى تكتمل لديه وثيقة الأهداف الدعوية، التي من خلالها يحيا حياة متوازنة، ملؤها الإنجاز لدعوة الله تبارك وتعالى.
    ولربما يخطئ كثير من الدعاة المتحمسين، في التعامل مع هذا الجانب من حياة الداعية، على أساس أنه مرتبط بذم الدنيا الغرورة، إلا أن الداعية الواعي ليعلم أن هذا الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا إنما هو لما يفعل فيها مما يغضب الله تعالى، وما يحصل عليها من الالتهاء بها عن ما أوجبه الله على عبده، أو ما هو أنفع له في دينه ومعاده، وأما الدنيا ذاتها، فهي كما قال عنها علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ومطلب نجح لمن سالم، فيها مساجد الله عز وجل، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه) [عدة الصابرين وذخيرة السائرين، ابن القيم، (1/70)].
    وإنما نعني بالجانب المادي ثلاثة أمور لا بد للداعية أن يحصل فيها قدرًا متوازنًا حتى تكتمل له منظومة أهدافه، وهي: الاستقرار المادي، والنجاح الوظفيفي، والصحة البدنية، ولعلنا نتناول اليوم أول أركان الجانب المادي في حياة الداعية الفعال، ألا وهو:
    أولًا: الاستقرار المادي:فالمال عصب الدعوات، وهو كذلك عصب استقرار الحياة الدعوية، به يحصر الداعية همه في دعوته، بعد أن صان نفسه عن اللهاث خلف الدنيا، وكان الإمام أبو الزناد رحمه الله حصيفًا حكيمًا في رده، لما قيل له: (لِمَ تحب الدراهم، وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: لأنها وإن أدنتني منها، فقد صانتني عنها)، وأما سعيد بن المسيب رحمه الله فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، فقال: (لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يعطي منه حقه، ويكف به وجهه عن الناس) [سير أعلام النبلاء، الذهبي،(4/238)].
    ويختلف القدر المناسب من المال الذي ينبغي على الداعية أن يسعى لتحصيله، بحسب حاجاته الأسرية، ومستواه الاجتماعي، ومهامه الدعوية، لكن الضابط العام لذلك، هو حدوث الاستقرار المادي، الذي به يزول هم الحاجة إلى المال من قلب الداعية، ويكف نفسه عن سؤال الناس، ويخرج به من حيز الضيق إلى حيز العيش المستقر، بحيث لا يكون في غنى مطغٍ، ولا فقر معوز، مع وجود قدر معقول من الادخار لنوائب الأيام التي يبتلى بها دعاة الإسلام في كل مكان، وكل ذلك بالطبع ما لم يتعارض هذا مع حاجات دعوته، ومتطلبات قضيته التي من أجلها باع نفسه وماله لله رب العالمين، الذي وصف صفوة المؤمنين بقوله: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111]، فلئن طرق نداء الدعوة سمع الداعية الهمام، فلا عليه أن يخمص بطنه، ويرق عيشه فداء لدعوة الله تبارك وتعالى.
    ولتحصيل الاستقرار المادي، فهناك سبيلان أمام الداعية، لا بد أن يجمع بينهما، حتى يحقق أهدافه المالية:
    1-اكتساب وظيفة جيدة، تدر دخلًا مناسبًا:
    وهذا هو السبيل الأول لتحقيق الاستقرار المادي، وسنرجئ الكلام عليه عند الحديث عن النجاح الوظيفي الذي يمثل الدعامة الثانية لأهداف الداعية المالية.
    2-تبني القناعات المالية الصحيحة:
    وهي التي تقي الداعية شر التبذير والإسراف، وسوء الإنفاق المالي، فإن الدخل المناسب وحده لا يكفي لتحقيق الاستقرار المادي ما لم تسانده قناعات مالية صحيحة، (ففي إحصاء نشرته إحدى الصحف تبين أن 70% من مشاكل الناس وقلقهم سببه المال، بل ويظن البعض أن الحل في زيادة الدخل فقط، ولكن ليس ذلك بالصحيح، فقد توصل "جورج جالوب" في هذا البحث: أن معظم الناس يظنون أن زيادة دخلهم بنسبة 10% ستحل كل مشاكلهم، لكن هذا غير صحيح في معظم الحالات؛ لأن كل زيادة في الدخل يقابلها زيادة في الإنفاق أكبر، وعودة القلق والمشاكل من جديد)[ دع القلق وابدأ الحياة، ديل كارنيجي، ص(235)].
    إذًا؛ فالحل ليس فقط في زيادة الدخل، ولكن في تغيير القناعات المالية للداعية، واكتسابه قناعات مالية عملية، وإذا أردت ذلك أيها الهمام فاحرص على ما يلي:
    اصنع سجلًّا لنفقاتك:
    هل تعرف "جون د. روكفلر"؟ إنه ببساطة أحد أكثر رجال الأعمال ثراءً في القرن العشرين، هل تعرف أيضًا أنه كان يحتفظ بسجل نفقاته حتى بعد أن حاز من المال الكثير؟ حتى إنه كان يعرف مصير كل سِنْتٍ أنفقه كل يوم، وهذه قناعتك الأولى نحو التحكم السليم والتوظيف الجيد لأموالك ومدخراتك، أن تعمل على ضبط ميزانيتك؛ حتى تتعرف على المواطن التي تنفق فيها من مالك.
    اشترِ ما تحتاجه فقط:
    هل تذكر يا أخي يومًا ذهبت فيه إلى المتجر وقمت بشراء منتجٍ استخدمته لأيام ثم لم تستخدمه مرة أخرى؟ إنها تلك القصة المتكررة، وهي أننا ننفق الكثير من المال في شراء أشياء لسنا في حاجة إليها، وتلك هي القناعة الثانية التي يجب أن ترسخ في ذهن الداعية المتوازن، فأنت في حاجةٍ ماسةٍ إلى أن تعيد التفكير في عاداتك الشرائية، فلست في حاجة أن تشتري ما لا تحتاجه لمجرد رغبتك في تملكه!
    احذر من الاستدانة:
    ربما يذكر كثير منا آباءه وأجداده، يوم لم يكن هناك أنظمة تقسيطٍ أو بطاقات ائتمان، حيث كانوا يتبنون نظرية مفادها: أن الدْين من أبرز أسباب الإجهاد العاطفي والنفسي في حياة الإنسان، ولكن حينما صار شعار كثير من الناس: (اشتر الآن، وادفع فيما بعد)، ومع إغراءات السلع والمشتريات، أثقلت تلك الديون كاهل كثير من الدعاة؛ حتى صارت حملًا تنوء من حمله الجبال، فإن الدَّين همٌّ بالليل وذل بالنهار.
    وهذه هي القناعة المالية الثالثة التي يجب أن يحرص الداعية عليها، وهي السعي الدائم للتحكم في الديون، وأن تجعل شعارك الدائم: (أنا إن غلا عليَّ شيء تركته)، فإن لم تستطع ضبط ميزانيتك أو تغيير عاداتك الشرائية؛ فلا أقل من أن تمنع تراكم الديون عليك.
    اقتطع جزءًا من دخلك الشهري:
    والآن، دعني أضرب لك مثالًا، لو أن عندك سلة فواكه سعتها 10 تفاحات، وفي صباح كل يوم تملأ السلة بتلك التفاحات العشرة، ثم تأخذ منها في كل مساء تسع تفاحات، فكم تفاحة ستتبقى بعد عشرة أيام؟ ستتبقى عشر تفاحات، أي أن السلة ستكون ممتلئة تمامًا بالتفاحات العشرة.
    وهكذا تكون محفظة الداعية حين يقتطع من ميزانيته الشهرية 10% كل شهر، فيحصل سنويًّا على مدخرات أكثر من ميزانية شهر كامل، وبهذا تكون قد أضفت إلى قناعاتك المالية القناعة الرابعة، ادخر 10% من ميزانيتك الشهرية كل شهر.
    وفي الحلقة القادمة، نتناول مع أخينا الداعية قواعد تحقيق الدعامة الثانية من دعامات أهدافه المادية، والتي هي النجاح الوظيفي بإذن الله تعالى.
    أهم المصادر:
    1- دع القلق وابدأ الحياة، ديل كارنيجي.
    2- التنازع والتوازن في حياة المسلم، محمد بن حسن بن عقيل موسي.
    3- عدة الصابرين وذخيرة السائرين، ابن القيم.
    4- سير أعلام النبلاء، الذهبي.

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  5. [5]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    شخصيات فريدة حقًا تلك التي تتلمذت على يد سيد المربين محمد صلى الله عليه وسلم، فكونت بمجموعها ذلك الجيل الفريد الذي حمل أمانة الدعوة أول مرة، والذي كان ولا يزال خير جيل عرفته البشرية، وسيظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
    وأشد ما يُبهرك في شخصيات هذا الجيل الفريد هو ذلك الشمول الذي تراه في فهمهم وسلوكهم وتكوينهم، فترى الواحد منهم يمضي ليله ونهاره في البذل لذلك الدين، حتى لتحسبه لا يملك الوقت ليفعل شيئا آخر غير تبليغ دعوة الله تعالى.
    لكنك عندما تحيط بجوانب حياته، تجده غير غافلٍ عن تحصيل المقومات التي تؤهله ليكون جنديًّا فعالًا في سبيل الله تعالى، فلقد فهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم أن الداعية الذي اتضح هدفه أمام ناظريه، وأطل قلبه على أفكاره حقًّا لا بد له من استقرار مادي، ونجاح وظيفي، حتى يكف نفسه شر الحاجة، وينفي عن قلبه انغماسًا بهموم المال.
    وانظر إلى ذلك النموذج الرائع لتلميذٍ نجيب في المدرسة المُحمدية ينبيك عن خبر ذلك الشمول، فعن أنسٍ، قال: قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلنى على السوق، فدلوه فذهب فاشترى وباع فربح فجاء بشئ من أقط وسمن.
    ثم لبث ما شاء الله أن يلبث فجاء وعليه ودع زعفران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مهيم؟) فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، قال: (ما أصدقتها؟) قال: وزن نواة من ذهب، قال: (أولِم ولو بشاة)، قال عبدالرحمن: فلقد رأيتنى ولو رفعت حجرًا لرجوت أن أُصيب ذهبًا وفضة [السيرة النبوية، ابن كثير، (2/328)].
    وبفهم ذلك الشمول العوفي يُؤذن للداعية السائر في درب الفاعلية أن يحصل جانبًا مهمًّا من جوانب السمة الثانية من سمات الداعية الفعال، التي هي سمة صناعة الهدف، وحيازة القلب المطل على أفكاره، بامتلاك رسالة ورؤية وأهداف واضحة لحياته الدعوية، تلك التي تتسع لتشمل جوانب حياته كلها، دعوية كانت أو إيمانية، أو مادية أو اجتماعية أو تطويرية، والتي يلزم للداعية أن يضع لنفسه فيها أهدافًا واضحة، تخدم رؤيته الدعوية، لتصير حياته كلها وقفًا على دعوته وقضيته.
    ولقد مضينا مع داعية الإسلام في الحلقة السابقة، في وصف أهداف الجانب المادي، المتمثلة في ثلاث دعامات رئيسية، من استقرار مادي، ونجاح وظيفي، وصحة بدنية، ففصلنا له القول في أولى الدعامات، واليوم نعرُج على الدعامة الثانية، والمتمثلة في حيازة النجاح الوظيفي العملي.
    النجاح الوظيفي ضرورة للداعية:
    وعندما يصل الداعية إلى تلك المرحلة في وضع وثيقة أهدافه الدعوية، فإنه يجد أمامه طريق من اثنين بإزاء تحديد الوظيفة التي يكسب منها رزقه، فإما أن تكون تلك الوظيفة ذات صلة وثيقة بمجال دعوته، كمن فتح له باب العمل في مؤسسة دعوية، أو كان عمله الدعوي في المجال الإعلامي، أو غير ذلك من الأحوال التي يوافق فيها التخصص المهني للداعية تخصصه الدعوي، فنجاحه في وظيفته في تلك الحالة نجاح لدعوته.
    وإما أن تكون وظيفته المهنية لا تصب في مجال تخصصه الدعوي، وفي تلك الحالة أيضًا لا يسع الداعية الهمام إلا تحصيل النجاح في وظيفته، وذلك للأسباب التالية:
    1. تحصيل الاستقرار المادي الذي تحدثنا عنه في المرة السابقة، فلا يمكن أن تُدر وظيفة الداعية عليه دخلًا مناسبًا إلا وهو ناجح فيها، حتى يتمكن من أدائها على أكمل وجه، ثم التطور في سُلَّمها، وتحصيل مزاياها.
    2. الداعية قدوة للناس: سواء في دعوته أو وظيفته أو حياته الأسرية، فالناس تنظر إلى داعية الإسلام بمنظار مكبر، وهو (إمام لمن حوله يقلدونه، ولا بد أن يكون فعله أبلغ في التعبير عن عقيدته ومعاني دعوته من قوله، لأن المنظر أعظم تأثيرًا من القول) [المنطلق، محمد أحمد الراشد، (202)].
    وعندما يكون الداعية ناجحًا في مجال وظيفته، فإنه بذلك يضرب للناس المثال الحي للمسلم الحقيقي الذي نُريد أن نُقدمه للناس، وأما إن كانت الأخرى فإن فشل الداعية في وظيفته سيشكل عائقًا خطيرًا يصدُّ الناس عن سماع كلماته.
    أسس النجاح الوظيفي:
    ولإحراز ذلك النجاح الوظيفي، فلابد لداعية الإسلام من بناء ثلاث أسس، تُمثل أركانًا لنجاح الداعية في مهنته:
    الأساس الأول: المهارة:
    تعطل محرك الباخرة وحاول القبطان عمل كل ما في وسعه لإصلاحه، بما في ذلك الاستعانة بأحسن الخبراء في مجال البواخر، ولكن كل جهوده باءت بالفشل.
    وفي أحد الأيام وأثناء مناقشة القبطان لأحد مساعديه بخصوص نفس المشكلة، اقترب منه أحد الأشخاص وقال له: (آسف لإزعاجك، فإن الباخرة معطلة منذ عشرة أيام، ومن باب الفضول سألت واحدًا من طاقم الباخرة؛ فقال لي: إن المحرك به عطل، ويحتاج إلى إصلاح، فهل ما زلت في حاجة لأحد يقوم بإصلاحه؟)، وبدون تردد قال القبطان: (نعم، ولماذا تسأل؟)، فرد الرجل قائلًا: (بإمكاني أن أقوم بإصلاحه).
    ظهرت الدهشة على وجه القبطان؛ حيث أن هذا الشخص لم تكن تبدو عليه علامات تدل على أنه خبير بأمور البواخر، واصطحبه القبطان إلى مكان محرك الباخرة، وتركه ولكن ظلَّ يُراقبه من بعيد.
    أخرج الرجل من جيبه مطرقة صغيرة وبدأ يطرق على المحرك بضربات متنوعة في أماكن مختلفة ويسمع، ويقوم بلمس المحرك ثم يقوم بالنظر إلى أماكن مختلفة في المحرك، وأخيرًا طرق جزءًا معينًا في المحرك، وقام بربط مسمار كان غير محكم، وبدت الدهشة على وجه القبطان عندما بدأ محرك الباخرة في العمل مرة أخرى.
    سعد القبطان سعادة عارمة، وسأل الرجل: (كيف استطعت عمل ذلك؟)، فردَّ عليه الرجل بابتسامة، وقال: (المهارة)، وناول القبطان ورقة مكتوب عليها رقم واحد فقط: (ألف دولار)، نظر القبطان إلى الورقة وقال له: (ألف دولار مقابل عمل لمدة عشر دقائق، أرجوك اشرح لي هذا؟)، ورد عليه الرجل وقال: (بكل سرور)، وناوله ورقة أخرى كتب عليها: (دولار واحد مقابل الطرق على المحرك بالمطرقة، و999 دولار لأنني عرفت بالتحديد المكان الذي يجب أن أقوم بالطرق عليه في المحرك) [مفاتيح النجاح العشرة، إبراهيم الفقي، ص(61-62)].
    فالمهارة إذًا أساس النجاح في أي وظيفة، فلابد للداعية أن يُجيد المهارات التي تتطلبها وظيفته، وعليه لكي يصل إلى تلك الدرجة المطلوبة من الإتقان في عمله، أن يحدد أولًا ما هي المهارات التي تتطلبها وظيفته؟! سواء كانت مهارات فنية، أو مهارات إدارية، بحسب طبيعة الوظيفة.
    ثم يتبع ذلك بالمران المستمر، لاكتساب تلك المهارات، ويضم إلى تدريبه سؤال أهل الخبرة ممن سبقوه في مضمار وظيفته، فاستفد أيها الداعية (من خبرات من هم أقدم منك في العمل، حتى وإن كانوا أقل منك تعليمًا وأدنى شهادة، فالخبرة العملية لها أهمية قصوى في العمل) [حتى لا تكون كلًا، عوض القرني، ص(157)].
    الأساس الثاني: الالتزام:
    كثيرًا ما يتمتع بعض الناس بالمهارة اللازمة للنجاح، لكنهم لا ينجحون، ذلك أن المهارة وحدها لا تكفي في تحقيق النجاح سواء في الوظيفة أو في الحياة، ما لم يُساندها من الداعية التزام وانضباط بواجبات وظيفته، فما الذي تفيده الموهبة للعمل إن لم يستخدمها صاحبها بانتظام وانضباط في أداء وظيفته على الوجه الأكمل، فعلى الداعية أن يكون قدوة في التزامه بعمله، سواءً في مواعيد حضوره وانصرافه، أو تسليم الأعمال، أو أداء مختلف واجبات وظيفته.
    يقول جون سي ماكسويل: (إذا أردت أن يُثمر يومك عن شيء، يجب أن تزرع فيه شيئًا، إن موهبتك هي البذرة التي ولدت بها، ومهاراتك هي التي غرسته أنت بنفسك في الماضي، والالتزام هو ما يتحتم عليك غرسه اليوم لكي تجعل من يومك تحفة فنية وغدك نجاحًا واعدًا) [لليوم أهميته، جون سي ماكسويل، ص(166)].
    الأساس الثالث: التطوير المستمر:
    (افترض أنك رأيت شخصًا يتصبب عرقًا وهو يحاول قطع إحدى الأشجار بمنشار صدئ، وحينما تسأله:
    - ماذا تفعل يا رجل؟
    - يرد عليك بحدة ونفاذ صبر: ألا ترى؟ إنني أحاول قطع هذه الشجرة.
    - فتقول له: يبدو عليك الإرهاق التام، فكم من الوقت مضى عليك وأنت تحاول قطع هذه الشجرة؟
    - فيقول: أكثر من خمس ساعات وأنا في هذه المهمة الشاقة.
    - ولماذا لا تأخذ استراحة قصيرة تسن فيها هذا المنشار الصدئ الذي تستعمله؟ فلا شك أن ذلك سوف يجعلك تنتهي من هذه المهمة بسرعة أكبر.
    - ليس عندي أي وقت أضيعه في سن هذا المنشار، فأنا مشغول) [العادات السبع لأكثر الناس فاعلية، ص(414)].
    إن هذا الرجل الذي قصَّ علينا ستيفن كوفي قصته، يُمثل نموذجًا لكل من كف عن تطوير نفسه، وتنمية مهاراته، اكتفاء بما وصل إليه من بعض النجاح، ومثل هذا لا يستطيع أن يواكب التطورات السريعة التي يتسم بها عصرنا، فالمهارة مع الانضباط يصلان بك إلى النجاح في وظيفتك، لكن هذا النجاح لكي يكتسب صفة الدوام، بل ويتطور باستمرار.
    فلابد لك أيها الداعية من إدمان التطور المستمر، وتعلم ما يستجد من مهارات في مجال وظيفتك، حتى تكون دومًا عند مستوى توقعات شركتك أو مؤسستك، فعليك بالدورات التدريبية المستمرة في مجال العمل، وبالاطلاع على تطورات التقنية والمعرفة في مجال تخصصك المهني، فإنك بذلك تضمن لك مكانا دائمًا ومتميزًا في شركتك بإذن الله تعالى، وتذكر دائمًا قول جيم رون: ( إذا أردت أن أُنجز المزيد، يجب أن أكون أفضل مما أنا عليه) [لليوم أهميته، جون سي ماكسويل، 279].
    ويبقى الآن لداعية الإسلام بناء الدعامة الثالثة والأخيرة من دعامات الاستقرار المادي، والتي هي التمتع بالصحة الجيدة، وهي ما سنتعرف عليه في المرة القادمة بإذن الله تعالى.

    أهم المراجع:
    1. السيرة النبوية، ابن كثير.
    2. المنطلق، محمد أحمد الراشد.
    3. لليوم أهميته، جون سي ماكسويل.
    4. حتى لا تكون كلًّا، د.عوض القرني.
    5. العادات السبع لأكثر الناس فاعلية، ستيفن كوفي.
    6. مفاتيح النجاح العشرة، د.إبراهيم الفقي.

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  6. [6]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير)

    [ رواه مسلم، (6945)].

    حديث جليل يرسم لداعية الإسلام الدعامة الثالثة من دعائم الاستقرار المادي الذي لابد أن يحوزه الداعية حتى تتم له صياغة منظومة أهدافه الدعوية، فيكون من أصحاب العادة الثانية من عادات الفاعلية والإنجاز والمتمثلة في حيازة القلب المطل على أفكاره، الذي قد اتضحت أهداف حياته أمام ناظريه، في شمول واتزان، يمكنه من أن يبذل حياته كلها لدعوته، ويعيش في ظلال قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].

    فالصحة البدنية وحيازة الجسد القوي، هو عامل له أثر كبير في نجاح الداعية ومدى تأثيره في دعوته على عكس ما يظن كثير من دعاة الإسلام.

    أثر الصحة البدنية على حياة الداعية:

    فلن يتمكن داعية الإسلام من ممارسة أعماله الدعوية بكفاءة وهو ضعيف البدن معتل الصحة، فإن العقل السليم في الجسم السليم، كما أن تقدم العمر بالداعية يُوهن من قوته، ويُعجزه عن القيام بكثير من الأعمال الدعوية التي تحتاج إلى مجهود وافر، وكلما زاد اهتمام الداعية بصحته وجسده من الآن، فإن ذلك يقلل إلى حد كبير من آثار تقدم العمر على أدائه الدعوي.

    وإذا كان الداعية ممن أكرمهم الله بأعمال دعوية ميدانية تنفيذية، أو كان يعمل في أعمال دعوية متعددة الميادين؛ فإن الاهتمام بالصحة يكون في حقه أولى وآكد.

    ولقد يتعلل كثير من الدعاة بأنهم لا يجدون الوقت الكافي لمتطلبات الحفاظ على الصحة السليمة، من ممارسة للرياضة، واهتمام بالغذاء الصحي المتوازن، وتناول قدر كاف من النوم والاسترخاء.

    وهنا لابد أن يعلم الداعية أن إنفاق بعض الوقت في الرياضة والحفاظ على الصحة يوفر له كثيرًا من الأوقات الضائعة، بل ويرفع كفاءة الداعية في استغلال ساعات عمله الدعوي إلى أقصى طاقة، وسر ذلك يشرحه لك ستيفن كوفي فيقول: (ويعتبر القيام بالتمارين الرياضية أمرًا هامًّا وغير عاجل، وأغلبنا لا يقوم بها بانتظام، ولأننا لا نقوم بها، نجد أنفسنا عاجلًا أو آجلًا في نطاق الأنسطة العاجلة والهامة من حيث التعامل مع المشكلات والأزمات الصحية، التي تأتي كنتيجة طبيعية لإهمالنا.

    ويظن معظم الناس أنه لا يوجد الوقت الكافي لممارسة التمارين الرياضية بانتظام، ويا له من مثال مغلوط...إننا نتكلم عن ثلاث إلى ست ساعات في الأسبوع، أو على الأقل ثلاثين دقيقة في اليوم، ويبدو هذا وقتًا قصيرًا للغاية باعتبار الفوائد الجمة التي ستعود علينا، مؤثرة على باقي الساعات الـ162، أو 165 في الأسبوع)[العادات السبع لأكثر الناس فاعلية، ستيفن كوفي، 416].

    إذا فالوقت الذي تنفقه في الحفاظ على صحة بدنية عالية يُوفِّر عليك وقتًا كبيرًا، وذلك لاعتبارين:

    1. أنه يعطيك حالة من الحيوية والنشاط، بحيث تكون كفاءتك في أعمالك الدعوية أعلى، وبذلك تزيد من استغلالك لوقتك، ويرتفع معدل آدائك.

    2. أنه يجنبك الوقوع في الأزمات الصحية، التي تأتي من جراء إهمال مقومات الصحة السليمة، وبالتالي يُوفِّر عليك الأوقات الطائلة التي من الممكن أن تُضيِّعها في معالجة تلك المشكلات الصحية.

    أسس العناية بالصحة البدنية:

    ولكي يكستب الداعية تلك الصحة البدنية السليمة، فلابد له من مراعاة ثلاث أسس، تُمثل أركان الصحة السليمة:

    الأساس الأول: التغذية السليمة:

    من أعظم ما يمنح الداعية صحة سليمة وطاقة متجددة التغذية السليمة، وعلى الداعية أن يتناول من الطعام ما يقوي به جسده، ويجدد به طاقته، مع البعد عن الإسراف؛ فالله عز وجل يقول: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

    فلابد للداعية أن يُوازن في طعامه بين عناصر الغذاء المختلفة، فكما يقول أحد خبراء التغذية: (لابد من وجود ألوان أربعة على كل مائدة: الأبيض، والأحمر، والأخضر، والأصفر)، وتتضح هذه الألوان في تقسيم علماء التغذية للطعام إلى ست مجموعات على قسمين؛ كما هو مبين



    مواد إنتاج الطاقة
    الكربوهيدرات "النشويات"
    الحبوب الكاملة؛ مثل: القمح والأرز أو ما يستخرج منها؛ مثل الدقيق والسكر والنباتات التي يخرج منها مثل القصب والبنجر.

    الدهون
    الدهون الحيوانية والزيوت النباتية، وما يصنع منها؛ مثل القشدة والسمن النباتي.

    البروتينات
    لحوم الحيوانات والطيور والأسماك، والبيض.

    والبقول؛ مثل الفول والعدس والحمص.

    مواد البناء الترميم والوقاية
    الفيتامينات
    متوفرة في الخضـروات الطازجة والفواكه، مثل فيتامين (أ) الموجود في الجزر، وفيتامين (ج) الموجود في البرتقال.

    الأملاح المعدنية
    مثل الحديد المتوفر في الخضـروات، مثل السبانخ، والباذنجان، وفي الكبد.

    والفسفور والكالسيوم المتوفران في الألبان، كما تتوفر مجموعة كبيرة من الأملاح في الفواكه.

    الماء
    يحتاج الجسم من 2-3 لتر ماء يوميًّا، وهو العامل المشترك بين جميع الأغذية

    فلابد للداعية أن يوزع هذه العناصر على وجباته الرئيسة، بصورة متوازنة ومعتدلة، بحيث يحتوي طعامه دومًا على العناصر الغذائية المتكاملة: من كربوهيدات، وبروتينات، وفيتامينات ومعادن، وبعض الدهون.

    وإليك طائفة من النصائح حتى تحصل على الغذاء الصحي المتكامل:


    - إذا كان أكثر من 70% من كوكبنا يتكون من الماء، وأكثر من 80% من جسمنا من الماء؛ فأهم بند من بنود التغذية على الإطلاق هو الماء، ولذا؛ أكثِر من شرب الماء طوال اليوم، ولا تنتظر حتى تصل إلى درجة العطش لكي تشرب، واحرص على تناول الأطعمة الغنية بالماء مثل الخضروات والفاكهة، وأكثِر من تناول العصائر والسوائل.

    - ابدأ يومك بتناول بعض الفواكه، وتناول باستمرار السلطة مع الوجبات.

    - لا تأكل إلا عند الإحساس بالجوع، فإدخال الطعام على الطعام، والوصول إلى حد التخمة داء قاتل.

    - اجعل تناولك لطعامك في أوقات يومية محددة، وتجنب الأكل بينها قدر الإمكان، وإن شعرت بالجوع، فسد جوعك بالخضروات والفواكه.

    - احرص على عدم تناول الطعام قبل النوم بساعتين على الأقل.

    الأساس الثاني: الرياضة المنتظمة:

    فممارسة الرياضة بصورة مستمرة هي مفتاح الصحة السليمة، فقد أجرى الدكتور "رالف بافينبيرجر جونيور"، عالِم الأوبئة والطبيب البشري بجامعة "كاليفورنيا" دراسات علمية، وخلُص إلى أن: (اللياقة البدنية وسيلة لحماية الجسم من الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والجلطات، بالإضافة إلى الإصابة بمرض السكر، والسمنة، وهشاشة العظام، وربما سرطان القولون أو غيره من أنواع السرطان، وربما أيضًا الإصابة بالاكتئاب).

    ولذا؛ اجعل لنفسك برنامجًا يوميًّا من ممارسة الرياضة:

    1. المشي لمدة تتراوح ما بين نصف ساعة إلى ساعة كاملة.

    2. المشاركة في بعض الألعاب الجماعية، التي تُنمِّي قدرة الإنسان على الاتصال؛ مثل كرة القدم أو السلة وغيرها.

    3. ممارسة السباحة كلما سنحت الفرصة لذلك، فهي رياضة ممتعة، فوق أنها من أكثر أنواع الرياضة حفاظًا على صحة الإنسان، ولياقته البدنية.

    الأساس الثالث: الراحة المنتظمة:

    يقول الدكتور عبد الكريم بكار: (الأعمال الشاقة تستهلك طلاقة أرواحنا وحماستنا وحيوية أجسامنا، ولذا؛ فإن من المهم أن نأخذ قسطًا من الراحة بعد كل عمل شاق)[ بصائر في الشخصية، د.عبد الكريم بكار، ص(11- 12)].

    إن راحة البدن بعد العمل الشاق، وتقوية الجسم بالرياضة النافعة، مما يدفع عن الداعية السآمة والملل، ويجدد نشاطه وحيوته، ويُعدُّه ليوم آخر يمتلئ بالعمل والإنجاز الدعوي.

    وإليك تلك النصائح لكي تنال الراحة المتوازنة:

    1. لا تنس حق جسمك من الراحة مهما كانت الظروف، فإن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فتحميل النفس ما لا تطيق من السهر تدميرٌ لطاقاتها وتعويق لعملها، فتذكر دائمًا أن لبدنك عليك حقًّا.

    2. أفضل قاعدة في التعامل مع النوم عرفها الإنسان هي: نم مبكرًا واستيقظ مبكرًا، بل إنه قد ثبت علميًّا أن أفضل أوقات النوم ما كان بعد صلاة العشاء، وأن الساعة من النوم في أول الليل تعادل ساعتين من آخره، ولا يقوم مقامها ساعاتٌ من نوم النهار.

    3. يعتبر عدم الانتظام في مواعيد النوم من أكثر الأمور المثيرة للفوضى في حياة الداعية، لذا؛ حاول أن تجعل لنفسك مواعيد محددة في النوم، ولا تكن ممن يقضون معظم حياتهم في الفراش، بل اذهب إلى الفراش عند الحاجة إلى النوم، وغادره عند عدم الحاجة إليه.

    4. لا تتناول الكافيين في الفترة المسائية (كالمشروبات الغازية)، وتوقف عن الطعام قبل ساعتين على الأقل من موعد النوم، حتى لا تصاب بداء السمنة.

    5. لا تنس آداب النوم الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء، وأذكار النوم والاستيقاظ، والنوم على الشق الأيمن، ولا تنس احتساب النية في النوم؛ فتنوي بكل ذلك حفظ صحتك لتقوى على مهامك الدعوية، فتُحصِّل خيري الدنيا والآخرة، وتعيش في ظلال قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]
    أهم المراجع:

    1. لليوم أهميته، جون سي ما كسويل.

    2. المفاتيح العشرة للنجاح، د.إبراهيم الفقي.

    3. حتى لا تكون كلًّا، د.عوض القرني.

    4. العادات السبع لأكثر الناس فاعلية، ستيفن كوفي.

    5. بصائر في الشخصية، د.عبد الكريم بكار

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  7. [7]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) [رواه الترمذي، وصححه الألباني].
    هكذا يبين نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف طبيعة المؤمن، من أنه يألف ويؤلف، ويحرص على التواجد بين الناس، والتواصل معهم، حتى يشتد بناء مجتمع الإسلام ويقوى، ويستطيع أن يؤدي دوره الرسالي بين سائر الأمم.
    لكن لداعية الإسلام نظرة إلى أخرى إلى هذا الحديث وأمثاله من الوصايا الشرعية التي تبين لنا أهمية العلاقات الاجتماعية السليمة، إذ أنها بمثابة أضواء على طريق رؤيته الشاملة نحو تدوين وثيقة أهدافه الدعوية، والتي بها يحوز القلب المطل على أفكاره، فيكتسب العادة الثانية من عادات الفاعلية والإنجاز، وهو صناعة الهدف وتحديد الرؤية.
    ولقد مضى بنا الحديث في الحلقات السابقة عن ثلاثة جوانب في رؤية الداعية لحياته: وهي الإيماني والدعوي و المادي، وآن الأوان لكي نبدأ الحديث عن الجانب الاجتماعي، لنختم بعده بالجانب التطويري؛ حتى تكتمل رؤية الداعية لجوانب حياته المختلفة، ويقطع خطوة كبيرة على طريق الفاعلية بإذن الله.


    أثر الجانب الاجتماعي على حياة الداعية:


    إن اهتمام الداعية بالجانب الاجتماعي في حياته، سواءً كان على مستوى أسرته أو أهله أو المجتمع المحيط من حوله يكتسب أهمية خاصة في التأثير على نجاح دعوته ككل، وذلك للأسباب التالية:
    1-تأمين ظهر الداعية: فإن داعية لا يهتم بأهله وأسرته يترك ثغرة كبيرة داخل بيته، إذ مع الوقت لابد أن تحدث تداعيات خطيرة على مستوى الزوجة والأولاد، فيحدث الخلل سواءً في مستوى التزامهم، أو تعايشهم مع قضية الدعوة، أو على مستوى العلاقات الشخصية بينه وبين زوجته، وبينه وبين أولاده كذلك، وكل ذلك يخلق مشاكل لا حصر لها في بيت الداعية، مما سيشكل معوقًا كبيرًا أمام نجاحه في دعوته ولا شك.
    2-تحقيق النجاح الدعوي: فالدعوة هي في حقيقتها مجموعة من العلاقات الاجتماعية المتشابكة التي يسخرها الداعية في خدمة قضيته، فإذا لم يكن الداعية مراعيًا للجانب الاجتماعي، وناجحًا فيه في محيط دعوته، فأنى له أن يحقق النجاح في دعوة الناس وتربيتهم على الإسلام، بل إن نسبة كبيرة من نجاح أي إنسان في حياته ترجع إلى إتقانه فن التعامل مع الناس، يقول ديل كارنيجي: (إن هناك 15% من نجاح الشخص ترجع إلى معرفته الفنية، بينما 85% الباقية ترجع إلى المهارة في الهندسة الإنسانية، ترجع إلى الشخصية والقدرة على قيادة الناس).
    وفي كتابه الشهير: النجاح للمبتدئين، يقول زيج زيجلر: (في هذا الكتاب أركز كثيرًا على النجاح في تكوين العلاقات الشخصية، فالأبحاث تشير إلى أن العلاقات الشخصية تعد مفتاح النجاح في الصحة والرخاء المالي، والسعادة والأمل، بل قل إنها مفتاح النجاح في كل ما له أهمية تقريبا في حياتنا هذه).
    وإذا كان الداعية يعمل في مؤسسة دعوية ضمن فريق، فإن اهتمامه بالجانب الاجتماعي ونجاحه فيه يعد شرطًا لنجاحه في عمله الدعوي المؤسسي، فإنه (في زماننا باتت القدرة على العمل ضمن فريق شرطًا للإنجازات العملاقة، وبات من الواجب على كل واحد منا أن يشذب في شخصيته كل الزوائد التي تمنعه من الاندماج والالتحام بالآخرين).
    3-تحقيق المصالح الدعوية: فإن كثيرًا من المصالح الدعوية المادية والمعنوية يمكن تحقيقها من خلال علاقات اجتماعية جيدة، وكم حفظ الله دين كثير من الناس من خلال علاقات حسنة بالداعية، وكم أجرى الله على أيديهم كثيرًا من الخير؛ بسبب تلك العلاقات معهم، ولربما فاق ما يحصل منهم من نفع للدعوة في كثير من الأحيان بعض الدعاة أنفسهم، فلا يستطيع الداعية مهما كانت إمكاناته أن يحقق كل مصالح دعوته إلا من خلال علاقات جيدة مع الآخرين، كما يقول الدكتور عبد الكريم بكار: (كلما ارتقى الإنسان في مدارج الكمال، زادت حاجته إلى الآخرين، على خلاف ما يتوهم، وصار المزيد من نموه واكتماله مرتبطا بالمزيد من العلاقات الجيدة مع أسرته وزملائه وعملائه).

    أسس الاستقرار والنجاح الاجتماعي:

    إن للجانب الاجتماعي دعائم وأسس لابد للداعية من الاهتمام بها، وكتابتها في وثيقة أهدافه الدعوية؛ من أجل تحقيق النجاح في ذلك الجانب، ومن ثم ينعكس ذلك على نجاحه في دعوته، وهذه الأسس هي:

    الأساس الأول: النجاح في محيط الأسرة:


    فالأسرة هي الملاذ الآمن بعد الله تعالى، الذي يرجع إليه الداعية كي يستريح من عناء الضغوط المختلفة، ترى إذا كان هذا الملاذ الآمن نفسه قد تحول إلى مصدر لمزيد من الضغوط، فكيف يكون حال الداعية؟!
    يقول جون ماكسويل: (الناس في حاجة إلى التعامل مع ضغوط شديدة في أيامنا هذه، فبيئة العمل لا ترحم، وعادة ما تكون المدارس بيئات عدائية، وإيقاع الحياة بلغ سرعة يصعب السيطرة عليها، لقد أضحت حتى قيادة السيارات من مكان لآخر في المدن الكبرى أمرًا شاقًّا، أين يستطيع المرء العثور على الملاذ في هذا المناخ؟ إن لم يجد المرء الملاذ في البيت؛ فلن يجده في مكان آخر).
    ولا يتم الاستقرار الاجتماعي للداعية في محيطه الأسري إلا بأن يحقق أهدافًا ثلاثة في داخل بيته وأسرته، وهي:

    1- تحقيق الدفء الأسري:


    وذلك من خلال تنمية روح المحبة والمودة بينه وبين زوجته، والتي ستنعكس بدورها على تربية الأولاد، وسهولة توجيه الزوجة، واستجابة الجميع للداعية.

    2- التربية الدعوية للزوجة:

    فإن نمو الزوجة وتطورها الإيماني والدعوي، هو مهمة لابد أن يحملها الداعية على عاتقه، حتى تكون زوجته مشاركة له في قضيته، وتستطيع حماية ظهره، والقيام بمساندته في بيته وخارج بيته، كما كان من أمنًا خديجة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي وصفها فقال: (قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد الناس) [السيرة النبوية لابن كثير، (2/135)].

    ويقع كثير من دعاة الإسلام في خطأ كبير حينما يهملون مهمة تربية زوجاتهم، ثم يعض أحدهم أصابع الندم من هول المفاجأة بعد سنين طويلة حينما يدرك مدى الفجوة الواسعة التي حدثت بينه وبين زوجته على مستوى الهموم والاهتمامات، أضف إلى ذلك الفشل الذريع في تربية الأولاد تربية سليمة؛ لضعف المستوى الشرعي والتربوي لدى الزوجة.
    ولو خصص الداعية وقتًا أسبوعيًّا لتربية زوجته عبر منهج تربوي متوازن وشامل، مع إشراك لها في همومه الدعوية، وغرسها في ميدان الدعوة النسائية؛ لحصل من جراء ذلك خير كثير، ولوفر الداعية على نفسه معاناة كبيرة.

    3- تربية الأولاد عبر منهج تربوي واضح محدد

    ولربما بدا هذا الهدف لكثير من الدعاة بدهيًا، حتى يرون عدم الحاجة إلى ذكره، لكن الواقع المر للمستوى التربوي المتدني لأبناء كثير من الدعاة يلجئنا إلى ضرورة ذكرهذا الهدف والتنبيه عليه، فكم رأينا في الواقع من أبناء مشاهير الدعاة، ممن لهم سبق وفضل في مضمار الدعوة، لكن أبناءهم لم يكونوا بمستواهم أو حتى بما يقارب مستواهم، إن لم يكن قد أصيب الداعية فيهم ببلاء انحرافهم عن الالتزام بالدين عياذًا بالله.
    ولعل سر وجود تلك الظاهرة هي هذا الاعتقاد التربوي الخاطئ لدى كثير من دعاة الإسلام، وهو أن مجرد اختياره لزوجة فاضلة من أوساط الدعوة، ومجرد رؤية أولاده له فارسًا في ميدانها، أن ذلك كفيل بسير تربية أولاده على أكمل وجه، دون أن يبذل هو مع زوجته جهدًا مقصودًا لتربيتهم، عبر منهج تربوي محدد، له برامج تنفيذية واضحة، مع إعطاء الوقت الكافي لمتابعة مستوى الأولاد بالتعاون مع الزوجة.
    والداعية حين يظن هذا الظن الخاطئ، فإنه يتجاهل تلك المؤثرات التربوية الخاطئة، غير الممنهجة التي يتعرض لها الأولاد بفعل احتكاكهم بالبيئة الخارجية، كما يتجاهل أيضًا متطلبات كل مرحلة سنية لأولاده، والمشاكل الخاصة التي تظهر في الأولاد بفعل تقلبهم في مراحل النضج المختلفة.
    الأساس الثاني: دوام الصلة والبر مع الوالدين والأقارب:
    فبر الوالدين، ودوام صلة الرحم، من أعظم عوامل النجاح الاجتماعي للداعية في محيط أسرته، و ممهدات قوية من أجل التأثير الدعوي في محيطهم، واتخاذهم أعوان وأنصارًا لدعوته وقضيته.
    وإن المرء ليعجب من داعية قد يكون له عقود في ميدان الدعوة؛ وهو لم يفكر قط في الاهتمام بدعوة أقاربه وذوي رحمه، وكأنه لم يسمع قول الله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214].

    الأساس الثالث: علاقات طيبة مع المجتمع من حوله:


    فإقامة علاقات اجتماعية حسنة مع الآخرين، لا سيما في محيطه الدعوي ينبغي أن يكون هدفًا دائمًا للداعية، يحاول تنفيذه عبر أي احتكاك اجتماعي مع من حوله، فإن الفوز بحب الآخرين هو دائمًا أنجح الوسائل في دعوتهم، وإشراك الداعية لهم في قضيته.
    يقول جون ماكسويل: (في ظل الظروف المثالية يفوز الشخص المحبوب، وحتى في ظل الظروف غير المثالية، يفوز الشخص المحبوب).
    ولكي يستطيع الداعية أن يحقق كل هذه الأهداف في الجانب الاجتماعي، فلابد له من إتقان مجموعة كبيرة من المهارات الاجتماعية، وهو ما سنرجئ الكلام عنه إلى المرة القادمة بإذن الله، والتي سنخصصها للجانب التطويري في رؤية الداعية.
    أهم المراجع:
    1- النجاح للمبتدئين، زيج زيجلر.
    2- لليوم أهميته، جون ماكسويل.
    3- سحر الاتصال، محمد العطار.
    4- كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، ديل كارنيجي.
    5- 256 بصيرة في الشخصية، د.عبد الكريم بكار.
    6- السيرة النبوية، ابن كثير.


    منقول

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  8. [8]
    أمير صبحي
    أمير صبحي غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية أمير صبحي


    تاريخ التسجيل: Feb 2009
    المشاركات: 911
    Thumbs Up
    Received: 4
    Given: 0

    Lightbulb


    السلام عليكم


    تنظيم رائع منك حقيقة ً .. نسأل الله الإمامة الصالحة

    إستفسار : هل إستقت من الكاتب جون سي ما كسويل مقالات صحية أم أفكارا ً ضمنية فى مشاركتك عن الجانب الإجتماعي للداعية وأثره ؟

    بارك الله بك َ وفيك أخي أبو جندل الشمري

    تحياتي



    0 Not allowed!


    قِف دون رأيك في الحياة مجاهداً --- إن الحياة عقيدة وجهاد

  9. [9]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أمير صبحي مشاهدة المشاركة

    السلام عليكم


    تنظيم رائع منك حقيقة ً .. نسأل الله الإمامة الصالحة

    إستفسار : هل إستقت من الكاتب جون سي ما كسويل مقالات صحية أم أفكارا ً ضمنية فى مشاركتك عن الجانب الإجتماعي للداعية وأثره ؟

    بارك الله بك َ وفيك أخي أبو جندل الشمري

    تحياتي



    تحياتي لك اخي الكريم امير

    انا لم استقي شيئا الموضوع منقول

    انا لست من كتبه

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  10. [10]
    ماهر عيون
    ماهر عيون غير متواجد حالياً
    عضو شرف


    تاريخ التسجيل: Aug 2008
    المشاركات: 3,272

    وسام الشكر

     وسام كبار الشخصيات

    Thumbs Up
    Received: 6
    Given: 2
    سلمت يمناك ياأستاذنا ابو جندل الشمرى وبارك الله فيك

    0 Not allowed!



  
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML