دورات هندسية

 

 

جميع حلقات برنامج قصص القران 2 للاستاذ عمرو خالد (فيديو و كتابه نصيه لنص الحلقه)

صفحة 2 من 7 الأولىالأولى 1 23 4 5 6 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 65
  1. [11]
    zanitty
    zanitty غير متواجد حالياً
    مشرف متميز
    الصورة الرمزية zanitty


    تاريخ التسجيل: Jan 2007
    المشاركات: 6,146

    وسام مشرف متميز

    Thumbs Up
    Received: 1,109
    Given: 1,645
    الحلقه الرابعه على اليو تيوب
    http://www.youtube.com/watch?v=lH_2g0fRPZc

    0 Not allowed!


    ليكن اخر كلامنا فى كل مجلس هو دعاء كفاره المجلس
    سبحانك اللهم و بحمدك... اشهد ان لا اله الا انت... استغفرك و اتوب ا
    ليك

    من طلب رضا الله بسخط الناس
    رضى عنه الله و ارضى عنه الناس
    و من طلب رضا الناس بسخط الله
    سخط عليه الله و اسخط عليه الناس



    استحضار النيه (مهم جدا للجميع)


  2. [12]
    zanitty
    zanitty غير متواجد حالياً
    مشرف متميز
    الصورة الرمزية zanitty


    تاريخ التسجيل: Jan 2007
    المشاركات: 6,146

    وسام مشرف متميز

    Thumbs Up
    Received: 1,109
    Given: 1,645

    ( الحلقة الخامسة )

    [SIZE=/'2/']( الحلقة الخامسة )[/size]
    [SIZE=/'2/']
    [/size]

    [SIZE=/'2/']لقراءه نص الحلقه من هنا[/size]
    [SIZE=/'2/']http://www.amrkhaled.net/articles/articles3564.html
    [/size]
    [SIZE=/'2/']
    [/size]
    [SIZE=/'2/']بسم الله الرحمن الرحيم،
    [/size]
    [SIZE=/'2/']والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.[/size]
    [SIZE=/'2/'] أهلًا ومرحبًا بكم، سنتحدث اليوم عن طفولة وشباب سيدنا موسى عليه السلام.[/size]
    [SIZE=/'2/']
    [/size]

    [SIZE=/'2/']اختصاص ومهمة:[/size]
    [SIZE=/'2/'] لماذا اختص الله سيدنا موسى بتكليمه؟؟ ولماذا سيدنا موسى بالأخص هو كليم الله؟ (... وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)(النساء: من الآية164) لم يرتق ِ أحد من البشر ويصل إلى منزلة أن يكلم الله عز وجل دون وسيط إلا سيدنا موسى عليه السلام وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في المعراج، ماذا يوجد برسالة سيدنا موسى أوصله إلى هذه المنزلة؟[/size]
    [SIZE=/'2/']قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فجعل الناس يطوفون بالبيت يقولون ما أجمله ما أحسنه إلا موضع لبنة، فأنا موضع اللبنة ) أي أنه هو الذي أكمل هذا البناء، فما هي لبنة سيدنا موسى الذي تفرد بها على مر التاريخ؟[/size]
    [SIZE=/'2/']هو قائد صنعه الله ليقضي على الظلم ويحول أمة من مستضعفين إلى أعزة منتصرين، مهمته أصعب مهمة في التاريخ بعد مهمة النبي صلى الله عليه وسلم هي مهمة سيدنا موسى عليه السلام، فهو مطلوب منه: [/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']1-[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']مواجهه أكبر طاغية على مر التاريخ (فرعون) ذلك السفاح الذي قتل آلاف الأطفال، يواجهه بمفرده بلا قوة وبلا سلاح.[/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']2-[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']أن يدعو فرعون إلى التوحيد. [/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']3-[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']أن يدعو بلده كلها إلى الإيمان بالله.[/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']4-[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']أن يحرر بني إسرائيل من الذل الذي ملأهم. [/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']5-[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']أن يخرجهم من مصر (... فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ)(الأعراف: من الآية105) وذلك ليبني بهم أمة جديدة ويقوم بعمل نهضه لهذه الأمة.[/size]
    [SIZE=/'2/'] ولذلك هيئته مناسبة لهذه المهمة، فهو طويل أسمر ذو شعر أجعد مفتول العضلات، ذو شخصية قوية، ولكن لماذا أصبح كليم الله؟ انتبه معي .. إن المهمة شاقة جدًا، واعلم أيضًا أنه كان مهدد بالقتل منذ كان في المهد حتى وفاته، لا يوجد أحد غيره من الأنبياء كان له هذا الحظ من التهديد بالقتل، كل الأنبياء هُددو بالقتل بالفعل وتعرضوا لمحاولات قتل، لكن سيدنا موسى الوحيد الذي كان كذلك منذ مولده وحتى وفاته، ذلك بالإضافة إلى مهمته سالفة الذكر، لذا فهو يحتاج لإعانة غير عادية حتى لا يضعف، بل يصمد ويواجه ويستمر في تحقيق مهمته تلك، هو في حاجة لدعم من الله ليعطيه قوه هائلة لمواجهة كل ذلك الظلم والبطش، ولذلك تكررت كلمة الخوف في قصة سيدنا موسى كثيرًا جدًا؛ لأنه تعرض لأهوال وفي الوقت نفسه هو بشر فلابد وأن يخاف كسائر البشر، وكأن رسالته من أجل نصرة الضعفاء والمظلومين وتوحيد الأمة على قول لا إله إلا الله ، فهي التي تحرر الأنفس الذليلة، هذا هو معنى لا إله إلا الله ، ألا تخاف من قوي ولا ذو سلطان أو أي أحد فلا إله إلا الله القوي والأقوى من أي شيء أو أحد، إذًا سيدنا موسى جاء بالتوحيد والتحرير وحرية الشعوب، وذلك يعني أن أوربا ليست أول من أتت بالحرية، بل إن سيدنا موسى وأنبياء الله هم أول من تكلم عن الحرية. [/size]
    [SIZE=/'2/']مراحل قصة سيدنا موسى:[/size]
    [SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']تنقسم حياة سيدنا موسى إلى أربع مراحل، مرحلتين إعداد ومرحلتين تنفيذ.[/size]
    [SIZE=/'2/']·[/size][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']مرحلة الإعداد الأولى: وهي منذ المولد وحتى الثلاثين من عمره ويقضيها ما بين قصر فرعون وبين بيوت بني إسرائيل، ما بين أمه وبين آسية.[/size]
    [SIZE=/'2/']·[/size][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']مرحلة الإعداد الثانية: وهي عبارة عن عشر سنوات يقضيها في مدين حتى يصبح في الأربعين من عمره. [/size]
    [SIZE=/'2/']·[/size][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']مرحلة التنفيذ الأولى: وفيها يعود إلى مصر لمواجهة فرعون، وتستمر لمدة خمسة عشر عامًا. [/size]
    [SIZE=/'2/']·[/size][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']مرحلة التنفيذ الثانية: وفيها يخرج من مصر، وبناء بني إسرائيل وتحريرهم من الذل الذي قضى عليهم، وتستمر لمدة عشرة أعوام وحتى الوفاة.[/size]
    [SIZE=/'2/']وهذا يعني أن سيدنا موسى توفي وهو في سن الخامسة والسبعين من عمره تقريبًا. [/size]
    [SIZE=/'2/']صناعة قائد:[/size]
    [SIZE=/'2/'] مرحلة الإعداد الأولى بين قصر فرعون وبيت أمه في البيوت الفقيرة لبني إسرائيل، بين ذلك القصر الفخم، وتلك البيوت الفقيرة، وذلك لينشأ ولديه الثقافتين، ثقافة الملوك وثقافة الفقراء، حتى يتمكن من التعامل مع الفئتين ، لذلك قال الله له ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)(طـه: من الآية39) أي أنه سيتم إعداده على يد الله سبحان الله وتعالى.[/size]
    [SIZE=/'2/']نيل وبحر:[/size]
    [SIZE=/'2/'] لسيدنا (موسى) ذكريات عديدة مع ماء النيل، فلقد رُمى في النيل، والتقط من النيل، وعاش جزء من حياته مع أمه على ضفاف النيل، وجزء آخر من حياته في قصر فرعون على ضفاف النيل أيضًا، ثم نجا من فرعون وانشق البحر وتجاوزه هو وبني إسرائيل، ثم قصته مع سيدنا (الخضر) ورحلته في الماء، كلمة (موسى) ذات نفسها في اللغة المصرية القديمة معناها المُلتَقط من الماء، (مو) هي الماء، و(سى) هي المُلتقَط، وفي كلام آخر أن (موسى) معناها ابن الماء. هناك أمر آخر.. من تعتقد أنه اسماه (موسى)؟ لا يوجد سوى ثلاث بدائل: إما (فرعون) أو أمه أو (آسيا) ، فأما فرعون فهو لم يكن يحبه، وأما أمه فلا تملك تسميته؛ لأنها أمام الجميع المرضعة، فلا يتبقى سوى (آسيا) التي قامت بتسميته بذلك الاسم وهي الوحيدة التي لها مثل هذه المقدرة. [/size]
    [SIZE=/'2/']بين حنان أميه:[/size]
    [SIZE=/'2/'] أصرت أم موسى أن تربيه في بيوت بني إسرائيل على ضفاف النيل، وسط حياتهم البسيطة، ولقد حاولت معها (آسيا) امرأة فرعون كثيرًا إقناعها بتربيته في القصر، إلا أنها لم تفلح في ذلك، فقد كانت أم موسى على يقين من الله(... إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (القصص:7)،[/size][SIZE=/'2/'](فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ... ) (القصص:13)[/size][FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/'] [/size][/font][SIZE=/'2/']ووافقت (آسيا) على أن يذهب (موسى) مع مرضعته التي رفض أن يرضع من سواها وذلك خوفًا من أن يموت جوعًا، مرضعته التي هي في الحقيقة أمه، ذهب سيدنا (موسى) مع أمه إلى بيوت بني إسرائيل وعاش معها فترة الرضاعة والفطام؛ أي عامين عاش هذين العامين بين حنان أميه، أمه الحقيقية (يوكابد) وأمه بالتبني (آسيا)، هذا الحنان الذي يعيشه سيدنا (موسى) هو أولى صفات القائد، حيث يعينه على الوقوف للصعاب وفي نفس الوقت يكون قائد رحيم، تخيل معي بعد أن حُرمت أمه منه بقذفه في اليم، وكاد قلبها ينفطر عليه، ثم عاد إليها لتقر عينها به، تخيل مقدار الحب والحنان اللذين ستغدقهما عليه، وفي نفس الوقت حُرمت (آسيا) من الأولاد فتخيل أيضًا مقدار الحب والعطف اللذين سوف ينعم بهما منها، إن صفة الرحمة التي اكتسبها هي ما تميز القائد الحكيم، فالقائد بدون رحمة يصبح جبار مثل (هتلر) مثلًا .[/size]
    [SIZE=/'2/']في قصر فرعون:[/size]
    [SIZE=/'2/'] وهناك اكتسب (موسى) صفة جديدة من صفات القائد وهي الصفة الثانية له وتتمثل في التعليم المتميز، فهو في قصر فرعون حيث سيتعلم علوم لا يتعلمها باقي المصريين، فما بالك ببني إسرائيل، لم تكن أمه لتستطيع أن توفر له هذا القدر من التعليم، وكأن الله قد أرسله في بعثة إلى أحسن الجامعات للتعلم، شيء آخر تعلمه في قصر فرعون وهي الصفة الثالثة له كقائد وهي القوة البدنية الهائلة، فمن عادات الفراعنه تربية أولادهم على التدريبات البدنية القوية، الصفة الرابعة تعلم في قصر فرعون أن يكون ذو نفس حرة، والتي تؤهله بعد ذلك للتصدي لفرعون نفسه، نعم فرعون نفسه، حياته مع فرعون في نفس القصر في حد ذاتها أفقدته هيبة فرعون؛ فقد رآه على طبيعته، وهو جائع وهو مريض وهو يذهب ليقضي حاجته كسائر البشر، لأنه بشر عادي، فأصبح بالنسبة لـ (موسى) إنسان عادي لا يهابه .[/size]
    [SIZE=/'2/']الحقيقة الأولى:[/size]
    [SIZE=/'2/'] عمره الآن سبع أو ثمانِ سنوات، تعود سيدنا (موسى) أن يزور مرضعته كثيرًا، مثلما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع مرضعته (حليمة السعدية)، في هذه المرحلة من عمره والتي بدأت فيها شخصيته بالتكون وصار من الطبيعي أن يسأل أو يسمع ويعقل الكلام الذي يسمعه قررت (آسيا) أن تخبره الحقيقة بأنه ليس ابنها وأنها قد التقطته من الماء، لأنه حتمًا سيعلم ذلك، فقد شاهد حادثة التقاطه الكثيرمن الناس، ذلك بالإضافة إلى أن فرعون لا يحبه، فكان من الطبيعي أن يسألها عن أمه من تكون؟ فأجابته بأنها لا تعلم، وفي الوقت نفسه لم تستطع أمه (يوكابد) أن تخبره بحقيقة أنها هي أمه؛ فهو لا يزال صغير وخشيت أن يكثر كلامه مثل سائر الأطفال، فظل لا يعلم لنفسه أمًا، في هذه الفترة بدأت تظهر لديه الصفة الخامسة للقائد ألا وهي الشجاعة، فقد أصبح صاحب نفس شجاعة تتحمل الصدمات، انظر معي إلى شخصيته، لديه الرحمة وفي نفس الوقت الشجاعة وعزة النفس، مما أدى إلى أن تكون نفسه نفس سوية، هذه هي صناعة الله سبحانه وتعالى.[/size]
    [SIZE=/'2/']بين قصر فرعون وبيوت بني إسرائيل:[/size][SIZE=/'2/'] [/size]
    [SIZE=/'2/'] سمحت (آسيا) لـ(موسى) بزيارة مرضعته رغم صغر سنه، وظل سيدنا (موسى) يتردد على مرضعته ويتودد إليها حتى نشأت علاقة قوية بينه وبينها، وبينه وبين إخوته هارون ومريم، وبدأ يشعر براحة في بيوت بني إسرائيل أكثر من تلك التي يشعر بها في قصر فرعون، ففرعون يكرهه ولولا (آسيا) لما ظل هناك، أراد الله له ذلك لينشأ لديه حب لبني إسرائيل وفي نفس الوقت يعتاد على حياتهم منذ صغره فلا يشعر بغربة بينهم بل يأنس إليهم، فرحت أمه (يوكابد) كثيرًا لما رأته يأنس إلي بيت أبيه وإخوته وقومه حتى وإن كان لا يزال لا يعلم أنه منهم، فأرادت أن تزيد من هذه الصلة، فشرعت تحكي له قصص عن سيدنا (يوسف) عليه السلام، وهذا ذكاء منها فقد اختارت له شخصية تاريخية ورمز تاريخي محبوب لدى الفريقين، حتى إذا ذهب إلى القصر وتحدث عن سيدنا ( يوسف) لا ينزعج منه أحد؛ فالمصريون يحبون سيدنا ( يوسف) وفي الوقت نفسه هو من بني إسرائيل، وهي تريد أن تنمي لدى سيدنا (موسى) حبه لبني إسرائيل تمهيدًا لإخباره بأنه منهم، وهنا تظهر لديه صفة جديدة من صفات القائد وهي الصفة السادسة ألا وهي القدوة والمثل الأعلى الذي يحتذي به، ثم أخبرته أن هذا القائد العظيم الذي أصبح يحبه ويراه مثلًا أعلى هو من أجدادها، فازداد تعلق سيدنا (موسى) بمرضعته وبني إسرائيل، وزاد انتمائه إليهم.[/size]
    [SIZE=/'2/']الحقيقة الثانية:[/size]
    [SIZE=/'2/'] إلى أن أتى اليوم المناسب الذي تستطيع أن تأتمنه على السر فأخبرته بأنها هي أمه الحقيقية، وأنها لم يكن لديها أي وسيلة أخرى لتنجيه من موت محقق على يد فرعون سفاح الأطفال إلا بقذفه في النيل، وأن الله قذف في قلبها إيمانًا بأنه سيعود إليها ، وها هو قد عاد بالفعل، وسردت له القصة من بدايتها وحتى نهايتها، وأخبرته بأنه يجب أن يعود إلى قصر فرعون حتى لا تُقتل هي أو يُقتل هو إذا علم فرعون بحقيقة أمرهما.[/size]
    [SIZE=/'2/']المرونة والموازنة:[/size]
    [SIZE=/'2/'] لم تكن أم ( موسى ) أمًا عادية بل كانت مربية ذكية، فقد غرست لديه صفة جديدة من صفات القائد، الصفة السابعة وهي المرونة والتوازن، ما رأيك أنت؟ هل يعود إلى حياته في قصر فرعون المليء بالفساد ، فهناك فرعون الذي يقول (أنا ربكم الأعلى) وكهنة وآلهه، أيعود بعد أن عرف الحقيقة وعرف أمه واستقر بين أحضانها، نعم .. أصرت أمه على عودته إلى ذلك القصر بالرغم من كل ذلك؛ فهو لا يزال بحاجة للمزيد من التعليم الذي لا يستطيع أن يحصل عليه إلا في ذلك القصر وحده فقط، وهذه الفترة هي التي أصقلت صفة المرونة والتوازن لديه، الكثير منا سوف يختارون عدم العودة لذلك القصر لما فيه من فتن ومصائب حتى ولو كان ذلك على حساب الفائدة التي يمكن أن يحصل عليها، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" المؤمن الذي يخالط الناس خير من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه". تعلم سيدنا موسى الموازنة بين شيء فيه المفسدة والمصلحة في نفس الوقت، ويصر على الحصول على الفائدة دون أن يتأثر بالمفسدة، لذا ظل سيدنا موسى في قصر فرعون ليستفيد من العلم المتاح لديه في القصر ويحتك أكثر بالمصريين، ليعرفونه أكثر لأنهم سيدافعون عنه فيما بعد، تواجده في القصر واحتكاكه بالمصرين بعد أن عرف حقيقته وأصله لبني إسرائيل علمه الصفة الثامنة للقائد وهي الشخصية المنفتحة، فقد عاش في البيئتين رغم اختلافهم واختلاف ثقافتهم، يستطيع الآن أن يتعامل مع برتوكولات القصر وطبيعة الحياة الملكية ويتعامل مثل الملوك والفراعنة، وفي الوقت نفسه يستطيع التعامل مع الحياة البسيطة لبني إسرائيل التعايش معها بأريحية بالغة على عكس طبيعة الملوك العاديين.[/size]
    [SIZE=/'2/'] ولما بلغ أشده:[/size]
    [SIZE=/'2/'] الصفة التاسعة والتي لا يصلح قائد بدونها، الهدف والرسالة، ولقد قرر أن يكون هدفه إنقاذ بني إسرائيل، الكثير منا يظن أن سيدنا (موسى) حرر بني إسرائيل لأن الله كلفه بهذا، ولكن الحقيقة هي أنه اختار ذلك بنفسه فاختبره ربه ووجده مصرًا على أن ينقذهم مما هم فيه بعد أن أحس مدى الذل الذي يعيشونه فكلفه الله بذلك وأيده.[/size]
    [SIZE=/'2/']الصفة العاشرة وهي الصحبة الصالحة والتي من دونها يضل أي قائد وأي شخصٍ ناجح، وتمثلت صحبته الصالحة في أخوه هارون الذي سوف يسانده ويقف بجانبه وينصحه إلى آخر رحلته.[/size]
    [SIZE=/'2/'] إلى الآن اكتسب سيدنا (موسى ) عليه السلام عشر صفات أساسية من صفات القائد وهي: [/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']1.[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']الرحمة[/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']2.[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']التعليم المتميز[/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']3.[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']القوة البدنية الهائلة[/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']4.[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']نفس حرة[/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']5.[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']الشجاعة[/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']6.[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']القدوة والمثل الأعلى[/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']7.[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']المرونة والتوازن[/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']8.[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']الشخصية المنفتحة[/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']9.[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']الهدف والرسالة[/size]
    [FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/']10.[/size][/font][SIZE=/'2/'] [/size][SIZE=/'2/']الصحبة الصالحة[/size]
    [SIZE=/'2/'] وقد لخص الله لنا كل ذلك في آية عظيمة، هي من دلالات إعجاز القرآن الكريم (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ)(القصص:14). [/size]
    [SIZE=/'2/'][/size]
    [SIZE=/'2/']قام بتحريرها: قافلة تفريغ الصوتيات – دار الترجمة[/size]
    [SIZE=/'2/']جميع حقوق النشر محفوظة [/size][SIZE=/'2/']Amrkhaled.net©[/size]
    [SIZE=/'2/']يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع[/size][FONT=/'Tahoma/'][SIZE=/'2/'] [/size][/font][SIZE=/'2/']للاستعلام:

    [/size]
    لتحميل الحلقه صوت و صوره من موقع الاستاذ عمرو خالد
    http://server4.amrkhaled.net/uploads/1299/05_vh.rm
    و لمشاهدتها على اليو تيوب من هنا
    http://www.youtube.com/watch?v=8ZQ6VM4w570

    0 Not allowed!


    ليكن اخر كلامنا فى كل مجلس هو دعاء كفاره المجلس
    سبحانك اللهم و بحمدك... اشهد ان لا اله الا انت... استغفرك و اتوب ا
    ليك

    من طلب رضا الله بسخط الناس
    رضى عنه الله و ارضى عنه الناس
    و من طلب رضا الناس بسخط الله
    سخط عليه الله و اسخط عليه الناس



    استحضار النيه (مهم جدا للجميع)


  3. [13]
    zanitty
    zanitty غير متواجد حالياً
    مشرف متميز
    الصورة الرمزية zanitty


    تاريخ التسجيل: Jan 2007
    المشاركات: 6,146

    وسام مشرف متميز

    Thumbs Up
    Received: 1,109
    Given: 1,645
    الحلقة السادسه
    لقراءه نص الحلقه من هنا
    مقدمـة:
    بسم الله الرحمن الرحيم،
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهلا بكم، فلنكمل مع سيدنا موسى، هيا بنا نرى اختياره وإخلاصه وحمله للرسالة، ونرى نموذج سيدنا موسى نصير المظلومين والضعفاء الذي نادى لإعلاء كلمة لا إله إلا الله لأنها كلمة تعلم الناس أنه لا ذل ولا خضوع إلا لله سبحانه وتعالى فكلمة لا إله إلا الله هي رسالة سيدنا موسى.
    إن شعارنا هو سنحيا بالقرآن، فرمضان هو شهر القرآن وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (الفرقان: ۳۰) فقد هجروا قراءة القرآن، بل وهجروا فهمه وتنفيذه والتخلق بأخلاقه والعيش بقيم القرآن لذلك يجب أن نستخرج قيم القرآن ونقوم بتنفيذها. يقول عبد الله بن مسعود "ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرف بليله إذ يقوم بالقرآن، وبنهاره إذ يتخلق بالقرآن وبسمتِه (أي طريقة معاملته مع الناس) بحسن أخلاق القرآن". وتقول السيدة عائشة عندما سئلت عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم قالت:(كان خلقه القرآن) ولذلك يجب أن تكون قرآنا يمشي على الأرض. لذلك يجب أن نقوم بنشر ملصق "سنحيا بالقرآن" في كل مكان لنذكر الناس؛ لأن هدفنا هو تجميع (١۰) ملايين ختمة، فمن الممكن أن يرى أحد الملصق الذي قمت بوضعه فيقرر أن يقوم بختم القرآن فتأخذ ثواب قراءة القرآن.
    القيمة: القدرة على الاختيار الصحيح:
    نشأ سيدنا موسى في بيت فرعون وعاش في القصر، وأي إنسان يعيش في القصور في هذه السن الصغيرة يكون لهذه العيشة المترفة بريق وجمال. فقد كان سيدنا موسى يعيش في بيت فرعون وفي الوقت نفسه كان يعرف كل الحقائق وهو أنه ليس ابن فرعون ولا ابن آسية بل إنه ابن المرضعة، وأنه من فقراء بني إسرائيل غير أن اسمه الأمير موسى وكان معه الحرس والخيل والجنود، وكانت آسية تعرف أنه ليس ابنها وقالت له إنه ليس ابنها ولكنها لا تعرف أنه ابن المرضعة.
    ما سنتناوله اليوم خطير لأن سيدنا موسى سيختار وبناءا على اختياره سيؤهله الله إلى منزلة ومكانة عظيمة. إن الحياة كلها اختيارات بينما يترك الله مفارق طرق في الدنيا ليقوم العباد بالاختيار، فرب العالمين يعطي عبده الحرية لكي يختار الطريق الذي يريده وسيدنا موسى هو أول شخص يترك الله له الحرية لكي يختار. فقيمة حلقة اليوم هي القدرة على الاختيار الصحيح؛ فهناك البعض ممن يستطيع الاختيار، وهناك البعض ممن لا يستطيع الاختيار ويترك نفسه للدنيا لكي توجهه، وهناك من يجعل أحدا يساعده على الاختيار لأنه لا يستطيع أن يتخذ قرارا، ولكن لكي ينجح الإنسان في الدنيا والآخرة يجب أن يكون لديه القدرة على الاختيار الصحيح في الوقت الصحيح.
    الفرق بين قصر فرعون وبيوت بني اسرائيل:
    هناك فرق كبير بين قصر فرعون وبيوت بني إسرائيل، فقد كان بقصر فرعون زينة وأموال وحرس وحشم وخدم والأمير موسى، أما بيوت بني إسرائيل فقد كانت بيوتا فقيرة مصنوعة من الخوص على ضفاف النيل يعيش فيها أناس فقراء. فالفرق بين المكانين كبير للغاية، فمن يختار أن يمثل سيدنا موسى؟ وما الذي سيختاره؟
    إن سيدنا موسى سيختار الحق فقد عرف الاختيار الصحيح في الوقت الصحيح أما بعض الناس فلا يستطيعون الاختيار أو اتحاذ القرار، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يكن أحدكم إمعة إن أحسن الناس أحسن وإن أساءوا أساء ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا) يجب أن تستطيع أن تتخذ القرار الصحيح، ولا تترك الناس لكي تختار لك. إن اختيار سيدنا موسى هو الذي سيؤهله لكي يكون كليم الله فيمكن أن يذهب بك الاختيار إلى أعلى عليين وجنة الخلد بينما قد يضيعك اختيار آخر. لذلك يجب على الإنسان أن يفكر ويختار الاختيار الصحيح في الوقت الصحيح.
    رسالة سيدنا موسى هي رفع الظلم عن بني اسرائيل:
    يقول سيدنا موسى إنه من بني إسرائيل على الرغم من أنه الأمير موسى فإنه صاحب رسالة ورسالته هي رفع الظلم عن بني إسرائيل. وقد بدأ يحمل هذه الرسالة ويشعر بها، بل وأصبح قرار حياته، ففرعون كان ظالما وكانت هذه الناس مظلومة فسيدنا موسى لن يقبل الذل والظلم؛ لأن الله جعله شخصية حرة ليست ذليلة فلن يقبل الذل لأهله. ولذلك يعتبر سيدنا موسى نصير المظلومين في تاريخ البشرية وهو بطل الحرية في تاريخ البشرية فقد قال لا للظلم ولكن بلا عنف، بل بحكمة وعقل فقد قرر منذ هذه الفترة أن ينتمي إلى هؤلاء ويعيش لهؤلاء المستضعفين على الرغم من أنه لم يكلف بعد برسالة من الله! فقد كان عمره ثلاثين عاما بل إنه قد كلف عندما بلغ من العمر أربعين عاما ولكنه رجل مؤمن موحد يحب الله والناس ولا يريد الظلم بل يريد رفع الظلم عنهم، ولذلك بدأ بجمع بني إسرائيل فأصبح له أنصار وأتباع وأشياع.
    عندما يختار الإنسان يختبر الله هذا الاختيار ثم يسوق الأحداث سوقا لكي تكبر نتيجة هذا الاختيار وتعلو، فقد كان بنو إسرائيل يقولون إن سيدنا موسى يقول إنهم من أتباعه ولكنه أيضا الأمير موسى، ولذلك يجب أن يحدث موقف حاسم يوضح أنه منهم. فعند الاختيار سيختبر الله أولاً اختيارك وعند الإصرار عليه يدفع الأحداث دفعا ليظهر أن اختيارك صحيح حتى وإن كانت النتيجة سيئة.
    الحدث الفاصل:
    من جمال القرآن أنه يحكي القصة في آيات قليلة لتفكر فتفهم منها أمورا عديدة، يقول الله تعالى في سورة القصص {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} (القصص: ١٥) دخل سيدنا موسى "المدينة" أي المكان الذي يعيش فيه بنو إسرائيل لأن الأمراء كانوا يسكنون على أطراف المدينة وقصر فرعون كان على أطراف المدينة، "دخل المدينة على حين غفلة من أهلها" أي أنه جاء سرا للقاء بني إسرائيل دون علم فرعون فيبدو أن العلاقة بين سيدنا موسى وفرعون كانت متوترة، وكلمة "شيعته" تطلق على الأنصار والأتباع الأقوياء جدا ففي هذا ما يدل على أن سيدنا موسى كان له أتباع وأنصار على الرغم من أنه لم يكلف بالرسالة بعد ولكنه لا يريد الظلم. لذلك يجب أن تساند أي شخص مظلوم، فهذا هو ما أهل سيدنا موسى ليكون كليم الله، لا يمكن أن تكون ظالما وتعتق في رمضان، إذا كنت ظالما لزوجتك أو أمك أو أولادك أو شريكك أو جارك أو خادم عندك.
    أما الرجل الآخر فهو مصري من حاشية فرعون فلم يكن المصريون من أعداء موسى بل إنهم إما ساندوه أو آمنوا به أو ساندوه ولم يؤمنوا به ولكن كلمة "من عدوه" تدل على أنه من حاشية فرعون، وكان يضرب الرجل من بني إسرائيل ضربا شديدا فلم يستطع سيدنا موسى أن يرى ذلك، ولم يتحمل فوكزه موسى، فالوكز هو الضرب بقبضة اليد فمات الرجل، ولم يكن يريد سيدنا موسى أن يقضي عليه فحدث الظلم - هذا يحدث كل يوم ولكن هذه أول مرة يقول فيها أحد لا للظلم- ولذلك فهذا حدث فاصل ومن هذه اللحظة سيكون سيدنا موسى البطل الذي ضحى لنصرة المظلومين وسيخرج بعد ذلك عشر سنوات فقد اختار، وبعد ذلك سيجعل الله الأحداث تساق سوقا لمشيئة الله.
    لا للظلم بل يجب العدل:
    ندم سيدنا موسى وقال {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (القصص: ١٦) فندم لأنه كان من الممكن أن يبعد الرجل دون وكزه، وندم أيضا لأنه من المحتمل أن يكون الرجل الذي من بني إسرائيل هو الذي أخطأ وأنه قتل شخصا دون ذنب بل كان يجب أن يعرف القصة ويحكم أولاً، فشعر أنه تسرع {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ}فتاب سيدنا موسى واستغفر بسرعة{قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي}. فتعلم سيدنا موسى ألا يقضي في شيء قبل أن يسأل ويتحقق أولاً وعرف أن العدل قيمته كبيرة جدا، ولذلك سيظل عشر سنوات لكي يعرف قيمة العدل، هذا يدل على أن الظلم خطير جدا فلا يجب أن يفعل سيدنا موسى ذلك. كلمة "رب" تعني الذي يربي فسيربي الله سبحانه وتعالى سيدنا موسى عشر سنوات يتذكر فيها هذه الحادثة لكي يعلم أنه لا للظلم بل عليه بالعدل.
    {فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} كيف علم سيدنا موسى أن الله غفر وهو غير مكلف بعد؟ فالمؤمن عندما يتوب يعلم أن الله غفر له فالفاء هنا للسرعة. - بالله عليكم استغفروا الله الآن- عاهد سيدنا موسى الله تعالى فقال {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرا لِّلْمُجْرِمِينَ} (القصص: ١٧) فقد أنعم عليه بالقوة والمغفرة وسرعة الاستيقاظ، ولذلك فقد عاهد الله أنه لن يكون ظهيرا ولا مساعدا لمكان فيه فرعون وفيه ظلم.
    لا للتعميـم:
    {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} (القصص: ١٨) فهو لم يرجع إلى قصر فرعون لأنه كان خائفا، كما لم يرد أن يكون ظهيرا للمجرمين. فخوف سيدنا موسى يدل على أن الأمور بينه وبين فرعون كانت متوترة وخاف أن يعاقبه فرعون على قتل الرجل، هذه أول مرة يخاف الأمير موسى حيث يجب أن يذوق معنى الخوف التي تشعر به بنو إسرائيل ولكنه لم يذق الخوف وهو صغير حتى لا يكون ذليلاً ولكي يستطيع أن يحررهم.
    (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ) فالرجل نفسه من بني إسرائيل قد تشاجر مع رجل آخر من المصريين فيبدو أن هذا الرجل يحب المشاكل فقال له موسى (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ) أي أنه يفهم بطريقة خاطئة وأنه يريد أن يحل مشاكل بني إسرائيل عن طريق الشجار وهي ليست الطريقة الصحيحة لحل المشاكل مع بني إسرائيل ولا الطريقة الصحيحة لإزالة الظلم فهي طريقة خاطئة. كثير من المسلمين المتدينين يحدثون مشاكل كل يوم ظنا أنهم بذلك يحلون المشاكل على الرغم من أن الأمان والسلام والرحمة والحب والهدوء والكلام العاقل هو أفضل طريقة لحل المشكلات، فاحذروا أن تكونوا مثل هذا الرجل.
    لكن سيدنا موسى قد رأى الرجل يضرب بشدة ففكر سيدنا موسى هل يدافع عنه أم لا {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} (القصص: ١۹) نظر سيدنا موسى إلى الرجل من بني اسرائيل وقال له (إنك لغوي مبين)ثم بدأ يتجه إلى المصري ولكن الرجل من بني إسرائيل ظن أنه يريد أن يضربه فقال (أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ) فلم يكن هناك شهود بالأمس. إن الرجل الذي قُتل بالأمس من حاشية فرعون ولم يعرف أحد القاتل ولذلك كان سيدنا موسى "خائفا يترقب" بينما فضحه الرجل من بني إسرائيل وقال (أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) فعرف سيدنا موسى من هذا الموقف أنه ليس كل بني إسرائيل من الصالحين كما كان يظن بل بعضهم يحب المشاكل فلا للتعميم. وعندما ذُكروا بنو إسرائيل في القرآن تجد الله يقول {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} (الأعراف:١٥۹)فلذلك لا تقم بالتعميم أبدا. حزن سيدنا موسى لما قاله له الرجل وهو من يريد أن ينصره! فأحيانا يظلمك كل من حولك وأنت لست كذلك، فاصبر وادعو الله أن يكون راضيا عنك.
    الأمر بقتل سيدنا موسى:
    سمع المصري (أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ) فذهب إلى قصر فرعون وقال إن القاتل هو سيدنا موسى. فقد جرى المصري على قصر فرعون وكان هناك اجتماع خاص جدا في غرفة مغلقة يجتمع فيها فرعون مع ملأه وهم الفريق الخاص بفرعون والمستشارون وكبار القوم، فوصل الرجل المصري وقال إنه عرف القاتل وهو الأمير موسى. فبدأت الحقائق تظهر أمام فرعون، من هو موسى؟ وهل هو من بني إسرائيل أم لا؟ فعلم أنه ابن المرضعة وأن أمه وأخته هما من خدعاه حتى لا يقتله! فغضب فرعون غضبا شديدا وأمر بقتل موسى وألا يُعتبر ما قام به موسى قتلا خطأ ولكن قتلا عمدا فقد نجا منذ ثلاثين سنة ولكنه لن ينجو اليوم. هنا يجب أن يتعلم الإنسان أن يكون مع الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (يا غلام احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة إذا اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك وإذا اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك رفعت الأقلام وجفت الصحف)وانتهى الاجتماع في هذه الغرفة واتفقوا على أن يُقتل موسى وأمر فرعون أن يبحثوا عن سيدنا موسى ويقتلونه فورا.
    فمازال سيدنا موسى في المدينة { وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} (القصص: ۲۰) فهذا الرجل كان من ملأ فرعون وقد كان حاضرا في الاجتماع وليس شرطا أن يكون مؤمنا، وكان يسعى لأنه كان يريد أن يلحق بسيدنا موسى فكان يعرفه وعندما علم بقتله ذهب ليخبره بسرعة. فقد أتى هذا الرجل من أقصى المدينة أي من أطراف المدينة أي من القصر، فمن المحتمل أن هذا الرجل عندما كان جالسا في هذا المجلس وعندما أراد فرعون أن يأخذ الآراء بقتل موسى أن يكون قد صوت بقتل موسى ولكن من داخله لا يريد قتله فأحيانا يريد البعض عمل الخير لكن لا يستطيع المواجهة، فهذا الرجل أيضا قد اختار، وهذا أيضا نتيجة أن سيدنا موسى كان منفتحا على المصريين، فالانغلاق غير صحيح. يجب أن تجعل الناس ترى المسلمين والمؤمنين لينصروك بعد ذلك لأنهم إذا لم يعرفوك لن ينصروك. وهذا الرجل يعرف سيدنا موسى وجاء "يسعى" أي يريد أن يلحق بموسى قبل أن يقتلوه، وعندما جاء إليه خرج سيدنا موسى فورا لأنه وثق بكلامه.
    الاختيار الصحيح والتوكل على الله:
    عندما اختار سيدنا موسى الشهامة ونصرة الضعيف فنتيجة اختياره لم تضِع، فالخير لا يذهب ولا يضيع أبدا فقد جاء هذا الرجل ليخبره لكي يهرب. فسيخرج موسى من مصر وهكذا انتهت مرحلة الإعداد الأولى التى بدأت باحتضان وانتهت بطرد وكلاهما مفيد، بدأت على يد أمه وانتهت في قصر فرعون مدة ثلاثين عاما وسيخرج الآن لمدة عشر سنوات إلى مدين. ولذلك نتعلم الاختيار الصحيح والتوكل على الله.
    جميع حقوق النشر محفوظة Amrkhaled.net©
    يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع
    لتحميل الحلقه صوت و صوره من موقع الاستاذ عمرو خالد
    http://server4.amrkhaled.net/uploads/1300/06_vh.rm
    و لمشاهدتها على اليو تيوب من هنا

    0 Not allowed!


    ليكن اخر كلامنا فى كل مجلس هو دعاء كفاره المجلس
    سبحانك اللهم و بحمدك... اشهد ان لا اله الا انت... استغفرك و اتوب ا
    ليك

    من طلب رضا الله بسخط الناس
    رضى عنه الله و ارضى عنه الناس
    و من طلب رضا الناس بسخط الله
    سخط عليه الله و اسخط عليه الناس



    استحضار النيه (مهم جدا للجميع)


  4. [14]
    zanitty
    zanitty غير متواجد حالياً
    مشرف متميز
    الصورة الرمزية zanitty


    تاريخ التسجيل: Jan 2007
    المشاركات: 6,146

    وسام مشرف متميز

    Thumbs Up
    Received: 1,109
    Given: 1,645
    الحلقه السادسه على اليوتيوب
    http://www.youtube.com/watch?v=1xLtyMMxi-4

    0 Not allowed!


    ليكن اخر كلامنا فى كل مجلس هو دعاء كفاره المجلس
    سبحانك اللهم و بحمدك... اشهد ان لا اله الا انت... استغفرك و اتوب ا
    ليك

    من طلب رضا الله بسخط الناس
    رضى عنه الله و ارضى عنه الناس
    و من طلب رضا الناس بسخط الله
    سخط عليه الله و اسخط عليه الناس



    استحضار النيه (مهم جدا للجميع)


  5. [15]
    نوار ج
    نوار ج غير متواجد حالياً
    عضو فعال
    الصورة الرمزية نوار ج


    تاريخ التسجيل: Jun 2009
    المشاركات: 67
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    السلام عليكم

    أستاذ zanitty أين أنت ؟؟؟؟ عسى غيابك لخير بإذن الله



    0 Not allowed!



  6. [16]
    اسلام صلاح الدين
    اسلام صلاح الدين غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية اسلام صلاح الدين


    تاريخ التسجيل: Jun 2009
    المشاركات: 527
    Thumbs Up
    Received: 4
    Given: 3
    بارك الله فيك وأعانك على نشر الخير

    0 Not allowed!


    واقصاه
    لا اله الا الله وحدة لا شريك له له الملك وله الحمد
    سبحان الله وبحمد سبحان الله العظيم

    مواضيع هامه للمسلمين برجاء الدخول

  7. [17]
    zanitty
    zanitty غير متواجد حالياً
    مشرف متميز
    الصورة الرمزية zanitty


    تاريخ التسجيل: Jan 2007
    المشاركات: 6,146

    وسام مشرف متميز

    Thumbs Up
    Received: 1,109
    Given: 1,645
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نوار ج مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم

    أستاذ zanitty أين أنت ؟؟؟؟ عسى غيابك لخير بإذن الله


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اسلام صلاح الدين مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيك وأعانك على نشر الخير
    شكرا اخ نوار على سؤالك
    شكرا اسلام و اياكم اخى الحبيب
    اعتذر عن غيابى

    0 Not allowed!


    ليكن اخر كلامنا فى كل مجلس هو دعاء كفاره المجلس
    سبحانك اللهم و بحمدك... اشهد ان لا اله الا انت... استغفرك و اتوب ا
    ليك

    من طلب رضا الله بسخط الناس
    رضى عنه الله و ارضى عنه الناس
    و من طلب رضا الناس بسخط الله
    سخط عليه الله و اسخط عليه الناس



    استحضار النيه (مهم جدا للجميع)


  8. [18]
    zanitty
    zanitty غير متواجد حالياً
    مشرف متميز
    الصورة الرمزية zanitty


    تاريخ التسجيل: Jan 2007
    المشاركات: 6,146

    وسام مشرف متميز

    Thumbs Up
    Received: 1,109
    Given: 1,645
    للاسف مش عارف اضيف باقى الحلقات و مش عارف ايه السبب و العيب فين

    0 Not allowed!


    ليكن اخر كلامنا فى كل مجلس هو دعاء كفاره المجلس
    سبحانك اللهم و بحمدك... اشهد ان لا اله الا انت... استغفرك و اتوب ا
    ليك

    من طلب رضا الله بسخط الناس
    رضى عنه الله و ارضى عنه الناس
    و من طلب رضا الناس بسخط الله
    سخط عليه الله و اسخط عليه الناس



    استحضار النيه (مهم جدا للجميع)


  9. [19]
    zanitty
    zanitty غير متواجد حالياً
    مشرف متميز
    الصورة الرمزية zanitty


    تاريخ التسجيل: Jan 2007
    المشاركات: 6,146

    وسام مشرف متميز

    Thumbs Up
    Received: 1,109
    Given: 1,645

    الحلقة السابعه

    نص الحلقه
    http://amrkhaled.net/articles/articles3586.html
    بسم الله الرحمن الرحيم،
    والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أهلًا بكم.
    خروج سيدنا موسى عليه السلام من مصر:
    نكمل سويًا ما بدأناه سابقًا، يريد الآن سيدنا موسى عليه السلام الخروج من مصر ليبتعد عن طائلة يد فرعون، ولكن إلى أين وقد ترامت حدود الدولة المصرية في عصرالفرعون رمسيس وغطت مساحة كبيرة من الأراضي؟ ومن ثم سيضطر سيدنا موسى عليه السلام قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام. ولكى تستطيع استيعاب مدى حرج الموقف، راجع كل الوجهات التي يمكن لسيدنا موسى عليه السلام الفرار إليها، وقد وصلت حدود مصر إلى سوريا وإلى لبنان، فلن تجد إلا "مدين". الطريق إلى مدين يتصف بالوعورة والخطورة وتصعب فيه الحركة إلى أبعد ما يكون، ويقبع على جانبيه جبال، وفى نهايته وادٍ تقع فيه مدينة مدين، والتي تبعد عن مصر إلى ما يصل إلى ألف كيلو متر من الأراضي، والتي قطعها سيدنا موسى عليه السلام في ثمانية أيام، وقد كانت هذه هى أول رحلة لسيدنا موسى عليه السلام خارج مصر. وبالرغم من دراسته لعلم الفلك وإمكانية الاهتداء بالنجوم في الصحراء والاستعانة بها في تحديد المسار الصحيح إلا أنه استعان بالله عز وجل، وظن الخير في إهدائه للمسارالصحيح. ويصف القرآن الكريم خروج سيدنا موسى عليه السلام من مصر بالآية التالية ) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَّهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) (القصص:22) وهناك معاني جميلة في "عَسَى رَبِّي أَن يَّهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ"،وكأن سيدنا موسى عليه السلام يلجأ إلى ربه ويقول له سبحانه وتعالى: "يا رب أنا خرجت من مصر لأنى نصرت مظلومًا، فيارب أنا أعلم أنك لن تتركني وستهديني إلى الطريق الصحيح"، وفي هذا حسن ظن بالله عز وجل، وعليه توكل سيدنا موسى عليه السلام، وظن أن يرد عليه عمله الحسن عندما أحسن من قبل وساند مظلومًا، وهنا يأتى لُب الموضوع، والذى سأظل أردده عليكم، وأطلبه منكم وهو أن تقفوا بجانب الغلابة، وأن تساعدوا الضعفاء، وأن تنصروا المظلومين، فبنصرة المظلوم أصبح سيدنا موسى عليه السلام كليمَ الله.
    من أصعب الأشياء على النفس أن يخرج الإنسان من بلده فجأة، ولكن ما معنى خروج الفجأة؟ خروج الفجأة معناه أنه ليس هناك طعام يتزود به المسافر في سفره، ولا ركوبة يمتطيها، ولا صديق أو أخ يُوَدِعهُ كهارون عليه السلام، بل ليس هناك حضن أم، فحتى أمه لم يستطع سيدنا موسى عليه السلام أن يُودعها. خروج الفجأة خروج صعب على النفس، ولكن لا خيار آخر أمام سيدنا موسى عليه السلام لينجو بنفسه من القتل غير هذا الخروج الأليم، ولم يكن خروج سيدنا موسى عليه السلام من مصر مجرد خروج فجأة بل لقد كان أيضًا خروج من كونه موسى الأمير إلى موسى المطارد؛ الذى يخرج فقط لينجو بنفسه من القتل وذلك لأنه ساعد ضعيفًا.
    ويبدأ الترحال في حياة سيدنا موسى عليه السلام من ذلك اليوم، فهو لن يكون مستقرًا من الآن فصاعدًا فى حياته. وهكذا كانت رحلته الأولى من مصر إلى مدين، والتي قضى فيها عشر سنوات من عمره، ثم رحلته الثانية من مدين إلى مصر، والتى قضى فيها خمس عشرة سنة، ثم من مصر إلى سيناء وإلى صحراء النقب، ومرة أخرى إلى حدود الأردن وإلى حدود فلسطين، ثم التيه فى صحراء النقب حتى الوفاة. لقد كانت حياته سبعين سنة بدون استقرار من أجل الضعفاء!
    هناك الملايين من الضعفاء الغلابة في بلادنا، ماذا فعلت لهم؟ ولماذا أسرد عليك هذه القصة؟ وبماذا تشعر تجاه سيدنا موسى عليه السلام؟ اعلم أن مساعدة ومناصرة سيدنا موسى عليه السلام للضعفاء كانت هى السبب فى استحقاقه لأن يكون كليم الله، لقد أحببت سيدنا موسى عليه السلام جدًا من قراءتي لسيرته، فهو لم يعش مستقرًا أبدًا. أما نحن فنعيش في استقرار، وإذا ما نقلنا من بيت إلى آخر بحاجاتنا من أثاث وديكور وغيره نعتبر هذا أيَّما مشقة.
    الوضع في مصر:
    يبحث فرعون عن سيدنا موسى عليه السلام في كل مكان، وقد استشاط غضبًا، وعليه أن يجده، فمن أجله قتل آلاف الأطفال الرضع منذ ثلاثين عامًا، وياللقدر! ينجو هو، وقد كان هو المراد من القتل، بل ولقد رباه فى بيته. ومع اشتداد حذر فرعون من تحقق الرؤيا وسلب ملكه اشتدت أوامره لجنوده بإيجاد سيدنا موسى عليه السلام حيًا أو ميتًا، وإن كان قد نجا من الموت منذ ثلاثين عامًا فيجب أن يذبح الآن ولا يفلت أبدًا هذه المرة، فانتشر جنود فرعون في بيوت بنى إسرائيل ليفتشوها، وعذبوهم لعلهم يجدونه، ولكنهم لم يبحثوا عنه قط في الصحراء؛ وذلك لعلمهم بأن الصحراء جرداء، من دخلها وهو لا يملك ركوبة ولا دليل فهو هالكٌ لا محالة، ولعل سيدنا موسى عليه السلام فى هذه الأثناء كان يناجي نفسه بأنه ما أراد إلا أن يُصلح في بنى إسرائيل ويساعد الضعفاء، ولكن يا للخُسارة ضاعت رسالته. أو لعله كان يتساءل: لماذا كان عاقبة مساعدته مظلومًا خروجًا مفاجئًا من وطنه وأهله، وهو لا يدري أن هذا هو منتهى الحب والإعداد من الله عز وجل له، يا سيدنا موسى، لكى تكون كليم الله عز وجل، ولكى تحمل الرسالة يجب أن تتحمل مشاقًا ومشاقًا تقويك وتؤهلك أن تكون على قدر المسؤلية الآتية، فتربية القصور لا تجدي بمفردها نفعًا مع هذه المهام العظيمة، ومن ثم وجبت مشاق الصحراء وتعبها وجهادها. فكل ما في هذه الرحلة هو من قول الله عز وجل: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) (طه: 41)واصطنعتك لنفسى، الله الله على هذه الكلمة، فكل ما يحدث لك يا سيدنا موسى هو إعداد لك من الله عز وجل، وهناك قاعدة تقول: "ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك"، والمعنى أن في بعض الأحيان قد يمنع الله عز وجل عنك ما تريده ولكن هذا في حقيقته لا يكون إلا عين العطاء ومنتهى الحب من الله عز وجل، خذوها قاعدة في حياتكم يا شباب، وتعلموها من سيدنا موسى عليه السلام، لو أنك على الحق، ولو أنك على الخير، ولو أنك تساعد الغلابة والمظلومين وفى هذا تعرضت لصعاب ومشاق مثل ما تعرض له سيدنا موسى عليه السلام فى الطريق، فاعلم أن هذا من اصطناعة الله عز وجل لك، فكل من يريد الله ويريد الحق يصنعه الله ويُعده، وإن كنت منهم فافرح ولا تحزن فهذا من صناعة الله عز وجل لك، هذه كانت مشاعر سيدنا موسى عليه السلام مقترنة بحسن ظن فى الله عز وجل.
    سيدنا موسى عليه السلام في الطريق إلى مدين:
    يسير سيدنا موسى عليه السلام في الطريق الوعر الخطير إلى مدين، وهو مهدد بالقتل، وذلك للمرة الثانية في حياته، والتى سبقتها محاولة قتله وهو لا يزال بعد رضيعًا صغيرًا، وفي هذا رسالة خفية إلى موسى عليه السلام من رب العالمين له، وفيها أنك يا موسى، نجوت فى المرة الأولى وستنجو فى الثانية، وفيها أيضا أنك يجب أن تعلم أن أَجَلُك وأجل العباد في يدي أنا الله، وها أنت تتعرض للقتل مرتين، وممن؟ من فرعون، ولكن الله عز وجل ينجيك فى المرتين، وعلينا نحن أن نعي هذه الرسالة جيدًا، وفي هذا يقول سيد النبيين محمد صلى الله عليه وسلم: "نفث روح القدس في روعي أن نفسًا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها". لا تخشوا على أرزاقكم وأعماركم؛ فهى مضمونة لكم بين يدى الله عز وجل، ولكن افعلوا الخير، واعملوا الحق. تعلموا من سيدنا موسى عليه السلام ومن رحلته إلى مدين.
    يسير سيدنا موسى عليه السلام في الطريق إلى مدين، ويمر عليه يوم ويومان وثلاثة، وفي هذا يصف ابن عباس نقلًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حال سيدنا موسى عليه السلام في هذه الرحلة، فيقول: "التصقت بطنه بظهره من شدة الجوع، أكل ورق الشجر، تقيحت فاه، بات ليال فى الصحراء عاريًا، ثم سقط نعله، ثم سقط جلد قدميه، وسقطت أظافره، وأدميت قدماه". إن لكم أن تعلموا أن المسافرين في الصحراء يُحَّذًَرُون من العقارب؛ فهى تقبع تحت الصخور، وتخرج على السائر في الصحراء، وتلدغ الجالس فيها. فكيف كان حال سيدنا موسى عليه السلام في هذا المكان وقد مرت عليه ثمانية أيام، وكان لا يجد مأوىً للنوم إلا أرض الصحراء العارية؟ ولم تكن هذه هى المشقة الوحيدة التى تعرض لها سيدنا موسى عليه السلام، بل ومن طول مسيرته تقطع نعله، وسقط جلد قدميه، ونزفت رجلاه. أليس بعد معرفة بعض مشاق هذه الرحلة يجدر علينا أن نتعب لله عز وجل؟ ألسنا نتعب كثيرًا من أجل الدنيا؟ أنبخل ببعض التعب لله عز وجل؟ ألم تُدمى قدما كل من سيدنا موسى وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام؟ وألم يسيرا- كلٌ منهما- في الطريق الطويل؟ فيسير سيدنا موسى عليه السلام إلى مدين، ويسير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الطائف؟ يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "يُبتلى المرء على قدر دينه، فمن كان في دينه صلابة زِيدَ في ابتلائه، قالوا: ومن أكثر الناس ابتلاءً يا رسول الله؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل"إذا كنت ممن تعمل الخير وتتعرض للصعاب فأنت تسير على طريق الأنبياء، فأنت على خطى سيدنا موسى عليه السلام، وأنت كأنك تسير في طريق سيدنا موسى عليه السلام إلى مدين، ثم إلى الدرجات والمقامات العلا في الجنة، يا أهل البلاء، اصبروا، اصبروا كما صبر سيدنا موسى عليه السلام، والحق في القرآن الكريم يقول:)... إِنَّمَا يُوفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ (الزمر:10(.
    الأنس بالله عز وجل:
    أنا أتخيل سيدنا موسى عليه السلام وهو سائر على قدميه خائر القوى، يكاد يسقط من شدة التعب، وها هو يقترب من مدين، وها هى مدين تلوح فى الأفق، أريد أن أنبهكم إلى عبادة جميلة عاشها سيدنا موسى عليه السلام فى هذه الأيام الثمانية، ألا وهى الأُنس بالله عز وجل، ولكن ما معنى الأُنس بالله؟ الأنس بالله هو أن تصبح الوحدة ليست بوحدة لأنك مع الله. عليكم بتجربة هذه العبادة، والله إنها لعبادة جميلة، فبدلًا من أن تقول سأشاهد التلفاز ساعتين أو ثلاثة، أو سأتكلم فى الهاتف لأضيع الوقت، جرب أن تأنس بالله عز وجل، هيا، قلد سيدنا موسى عليه السلام، ولكن كيف لك أن تأنس بالله عز وجل؟ ركعتين، نعم عليك بالصلاة، لأنك فى الصلاة وبينما أنت تقول "الحمد لله رب العالمين"، يقول الله عز وجل لك: "حمدني عبدي"، وبينما أنت تقول: "الرحمن الرحيم" فيرد عليك الله عز وجل، ويقول: "أثنى على عبدي"، وبينما أنت تقول: "مالك يوم الدين"، فيقول ربنا عز وجل: "مجدني عبدي"، وبينما أنت تقول: "إياك نعبد وإياك نستعين"، فيقول عز من قال: "هذا بيني وبين عبدي"، الله الله الله على هذا! كان لسيدنا عمر بن عبد العزيز مع الفاتحة عملًا عجيبًا، وهو أن يصمت بعد كل مقطع فيها هنيهة من الوقت، فسألوه: لماذا تصمت؟ قال: لأستمتع برد ربى. هذا هو الأنس بالله، هل أدلكم على عمل جميل للأنس بالله عز وجل؟ اذكروا الله.. فذكر الله هو قمة الأنس) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ...) (البقرة:152)وهناك حديث قدسي يقول: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه"، قل الآن: "لا إله إلا الله"، يذكرك الله تعالى الآن باسمك.
    كان الأنس بالله عز وجل هو حال سيدنا موسى عليه وسلم طيلة الثمانية أيام التى قضاها في رحلته قاطعًا الصحراء بين مصر ومدين، وأخيرًا بدأت ظهور بعض ملامح الحياة في الأفق، وكانت تلك مشارف مدين بالفعل، وهكذا استجاب الله تعالى لدعاء سيدنا موسى عليه السلام وحسن ظنه به عز وجل، والكلمة التى قالها"عَسَى رَبِّي أَن يَّهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ"قد تحققت.
    دخول سيدنا موسى عليه السلام إلى مدين:
    ودخل سيدنا موسى عليه السلام إلى مدين وتوجه إلى مُجتَمَع الناس، وهو ماء مدين، وهذا هو المكان الذي يسقي الناس فيه، وإن أنتم ذهبتم إلى مدين في زماننا هذا ستجدون نفس عين الماء المذكورة في القرآن الكريم، والتي ذهب إليها سيدنا موسى عليه السلام منذ ثلاث آلاف سنة، ومن المعلوم أنه إن لم يكن تحديد هذا المكان غير ذي أهمية لما تم ذكره في القرآن الكريم، توجد ماء مدين فيما يعرف الآن باسم محافظة الكرك في دولة الأردن، ومن يصل إلى هذه المنطقة سيجد لوحة مُعلقة مكتوبٌ عليها الآية القرآنية التي تقول: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ...) (القصص:23) ولا تزال هذه الماء تسقي حتى وقتنا الحاضر، ولا يزال البشر يَرِدُونها ليسقوا منها.
    يالها من رحلة طويلة ومشقة كبيرة، ولكن هكذا تستحق الرسالات العظيمة. ياليتكم تكونون مثل سيدنا موسى عليه السلام تنصرون الضعفاء، وما ماء مدين إلا مكانٌ آخرٌ ينصر فيه سيدنا موسى عليه السلام ضعفاء آخرين، فهنا في هذا المكان ساعد الفتاتين، وهذا هو لب قصة سيدنا موسى عليه السلام، فنصرة الضعيف هى السيرة الذاتية التي أهلته لكى يكون نبيًا، ولكى يكون كليم الله. أتريد أن يكون لك مقام عند الله عز وجل؟ انظر ماذا تفعل مع الضعفاء، وما هو مقام الغلابة عندك؟ وأنت ستعلم ما هو مقامك عند الله، وهكذا سَيُؤَهَل سيدنا موسى عليه السلام من هذا المكان- ماء مدين- ليكون كليم الله عز وجل.
    ولنتعرف أكثر على أرض مدين، فأرض مدين هى أرض سيدنا شعيب عليه السلام، وهو نبي من أنبياء الله عز وجل عاصر سيدنا لوطًا عليه السلام، وجاء بعد سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ويبعد زمنه عن زمن سيدنا موسى عليه السلام بثلاثمائة سنة. وككل الأنبياء أُُرسل سيدنا شعيب عليه السلام إلى أهل هذه البلدة في زمانه يدعوهم إلى الله العزيز الغفار، ولكنهم كذبوا ورفضوا الدعوة، وهكذا نقرأ في القرآن الكريم:) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ...) (الأعراف:85)وكانت هذه الأرض أرض زراعة وحضارة، يعيش أهلها عيشة هنية، ولكنهم كانوا يُطففون في الميزان –وهذا نوع من الظلم وللأسف الشديد ينتشر الآن وبكثرة في بلادنا- فأرسل الله عز وجل إليهم شعيبًا، وأعطاهم الكثير من الفرص كي يُقلِعُوا عن ذنوبهم ويعودوا إلى طريق الرشاد، ولكن مع حلم الله عليهم ازداد ظلمهم وجهلهم، فكان أن أخذهم عذاب يوم الظلة، كما يسرد القرآن الكريم: (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمُ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الشعراء: 189(وكان أن حدث زلزال شديد أدى إلى سقوط وتهدم بيوتهم فهلكوا جميعًا بعد حلم الله عز وجل عليهم، ولكن السؤال الآن: لماذا نذكر هذه القصة هنا في هذا المكان- ماء مدين- وفي هذا الزمان، زمن سيدنا موسى عليه السلام؟ لأن الله عز وجل أراد أن يأتى سيدنا موسى عليه السلام إلى أرض كَثُرَ فيها الظلم كما هى أرض مصر الآن في زمن فرعون، وذلك ردًا على تساؤلات سيدنا موسى عليه السلام الداخلية التى لابد وأنه كان يتساءل بها فى نفسه، مثل: أأخرج أنا وأنا من نصر المظلوم بينما يبقى الظالم في مكانه ولا يخرج من أرضه؟! فكان لابد أن يجيب الله عز وجل عليه بطريقة عملية وواقعية وليست نظرية، وكأنه يقول له: لا يا موسى، فإن ربك حليم يمهل العباد، ويُعطي الفرص لعل الناس يرجعون عن ظلمهم، ولكنه إن أخذ_ سبحانه وتعالى_ فإن أخذه أليم شديد. كان لابد لسيدنا موسى عليه السلام أن يدخل أرض مدين ليُحكى له قصة هذه الأرض وقصة أهلها مع نبيهم وتكذيبهم له وأخذ الله لهم، وليرى سيدنا موسى عليه السلام بعينيه آثار هذا الزمان من بقايا البيوت المهدمة والحضارة المندثرة والموجودة حتى الآن؛ ليعلم أنه مهما علا فرعون في الأرض وظلم فإنه لابد له من نهاية مدوية كما في وصف القرآن الكريم لنهايات الظلمة: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود:102)يا ظالمين، احذروا غضب الله العزيز، وإياكم أن تستهينوا، فنعم، الله هو الحليم، ولكن أيضًا أخذه أخذٌ أليمٌ شديدٌ. فكأن الله أراد عز وجل أن يُرِىَ سيدنا موسى عليه السلام بعينيه تجربة عملية، ليعلم أن الله مع الصابرين، ياالله على دروسك العملية التي تعلم بها البشر!
    ما السبب الذى جعل سيدنا موسى عليه السلام يتجه إلى بئر مدين بمجرد دخوله إلى هذه الأرض الجديدة؟ كان للقدماء عادة وهى أن الغريب إذا دخل أرضًا جديدة عليه، وأراد أن يُضَيَفَهُ أحد ليأكل ويشرب فعليه أن يذهب إلى مكان السقاء؛ لأنه مكان اجتماع القوم مما يجعله مكانًا مناسبًا لإيجاد شخص يضيف الغريب، هذا بالإضافة إلى أنه أراد أن يشرب بعد رحلة الثمانية أيام في الصحراء. ما هو هدفك الآن يا سيدنا موسى؟ أن يستضيفنى أحد؟
    اقرأ القرآن وتعايش معه: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (القصص:23) والأُمة من الناس هى الجماعات الكثيرة من البشر، كلٌ له مأربهُ الخاص إما سقاية ماشيته أو سقاية أهله أو أن يشرب هو نفسه. ولنا أن نتخيل موقف سيدنا موسى عليه السلام الآن، فهو لابد فرح بوصوله إلى هذا المكان الذي يكثر فيه االناس، ولابد أن أحدهم سيلاحظ عليه مشقة السفر وجوعه فسيستضيفه عنده، ولكنه في هذه الأثناء لاحظ شيئًا غريبًا، وهو وقوف فتاتين على جانب هذه الساحة الكبيرة ومعهما أغنامهما، ولكنهما لا يقتربان من الماء. أريدك أن تلاحظ معي شيئًا لطيفًا في الآية الكريمة السابق ذكرها، وهو أن كلمة "وَجَدَ" قد تكررت مرتين، فمرة وجد أمة من الناس، ومرة أخرى وجد فتاتين تمنعان أغنامهما من أن يدخلوا إلى الماء متزاحمين مع أغنام الآخرين، لقد تعلم سيدنا موسى عليه السلام من التجربة، فأول مرة وجد شخصًا يضرب آخر، فوكزه فورًا فقضى عليه، بينما في المرة الثانية(فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَّبْطِشَ ...) (القصص:19)أي أنه فكر قليلًا قبل أن يهم بأمر ما، أما الآن فهو يرقب المكان ويتفكر في الأمر من حوله ويعقله، فتكررت كلمة "وجد" لتعبر عن هذا التفكر في الأمر قبل إحداث فعل ما. هل لاحظت كم هو جميلٌ هذا التدريب الرباني المستمر؟! تدريب الله عز وجل لموسى عليه السلام اليوم هو: "شاهد وارقب حتى ولو كنت تفعل خيرًا"، هذه هى القاعدة عند عمل الخير، فما بالك لو كان لعمل شر، إياك أن يجرك صاحبك إلى شر، إياك أن تسلم عقلك وقلبك إلى شيطان أو إلى صاحب سوء، بل يجب عليك أن تشاهد وترقب.
    شهامة ونصرة رغم التعب والجوع والعطش:
    وما الذي شاهده وراقبه سيدنا موسى عليه السلام في ساحة ماء مدين؟ وجد الفتاتين تقفان على جانب الساحة، بينما يقف الناس في طابور على الماء الأقوى فالأقوى، أي أن الأقوى يصل إلى الماء أولًا، يسقى نفسه ثم أهله ثم ماشيته وينصرف، ليأتي الذي يليه في القوة، وهكذا من يأتي البئر مبكرًا يأخذ الماء الصافي، ومع الوقت يبدأ الطين والكدر الموجودان في قاع البئر يعكران الماء، فيأتي الضعيف ويأخذ الماء المكدر بالطين، وبالتالى فإن القوى هو من يحصل على الماء الصافي، بينما الضعيف يحصل على الماء الكدر، وأضعف الضعفاء هو من سيسقى في آخر الوقت بعد انصراف جميع السقاة، وبالطبع أضعف الضعفاء هما الفتاتان لأن والدهما رجل عجوز لا يستطيع أن يسقي بنفسه. استطاع سيدنا موسى عليه السلام بعد أن شاهد وراقب ساحة ماء مدين أن يتعرف على ماهية منطق الحكم عند أهل هذه المدينة، وهو منطق القوة وليس منطق الرحمة، كم من مواقف يحكمها منطق القوة في بلادنا! ومع أى منطق أنت؟ منطق القوة أم منطق الرحمة؟ منطق الأقوياء أم منطق موسى نصير الضعفاء؟ لم تُذكر هذه القصة فى القرآن هباءً بل لتتعلم وتعِىَ الأمور من حولك، وأنت عليك أن تحدد وتختار منطقك، أتريد أن تكون مثل الأقوياء الذين سقوا على البئر بالقوة على حساب الضعفاء؟ ولكنهم لم يُذكروا في التاريخ، أم تريد أن تكون مثل موسى عليه السلام كليم الله وحبيبه؟ لنرى ماذا سيفعل نبي الله موسى عليه السلام مع الفتاتين علمًا أنه ما ورد ماء مدين إلا ليجد من يستضيفه، وهو الغريب الجائع، ومن المؤكد أن الفتاتين لن يستضيفا رجلا، ولو أنه ساعدهما فهذا يعني أنه سيقدمهما بقوته على كثير من الرجال، وتقل فرص استضافته من أحد هؤلاء الرجال أو حتى تنعدم، فمع أي المنطقين سيكون سيدنا موسى عليه السلام؟ يا سيدنا موسى، ماذا أنت فاعل وأنت من سرت على رمال مصر إلى أن وصلت إلى حجر مدين، سائرًا على قدمين عاريتين بعد مسيرة ثمانية أيام؟ أنت الذي أُلصقت بطنك بظهرك من الجوع، وأنت المهدد بالقتل من قِبل فرعون، وأنت من لا تعرف هل نجوت أم لا، هل تفكر يا سيدنا موسى، في مساعدة الفتاتين وبك كل هذه الأحوال؟!
    نعم، إن شهامته ستتغلب على تعبه وجوعه وعطشه، وسيساعد الفتاتين! ألم أقل لكم أن سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم سيقدم سيرته الذاتية الخاصة به ليصبح نبيًا؟ ويا الله، إنها نفس السيرة الذاتية لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي كليهما نصرة الضعيف هى سابقة الأعمال، ألم يستوقفك كلام السيدة خديجة رضى الله عنها للرسول صلى الله عليه وسلم عندما جاءه الوحى لِيُعلمه أنه أصبح نبيا؟ ألم تقل له: "كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتكرم الضيف، وتعين على نوائب الدهر، وتعين الضعيف وتقف مع المكروب"، إذن تلك هى المواصفات التي جعلت الأنبياء أنبياء، وأنت إن أردت أن تكون حبيب للأنبياء وعلى قدم الأنبياء، فعليك بنصرة الضعفاء التي جعلت سيدنا موسى عليه السلام كليم الله وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سيد خاتم الأنبياء. هل لى أن أسالك ماذا كنت ستفعل لو كنت مكان سيدنا موسى عليه السلام في هذا الموقف؟ دعني أقل لك ماذا كنت ستفعل، كنت ستهرول إلى البئر مزيحًا كل من يقف أمامك بالقوة لترتمي في الماء، وتروي نفسك منها، أليس هذا بصحيح؟ أم كنت ستجلس على الأرض تداوي قدميك التي أدمت دمًا، أم كنت ستنام، وتنام لكي تستطيع أن تفيق، أم كنت ستذهب إلى أحد الأقوياء، وتطلب منه الاستضافة، وعلى كلٍ فإنك من المؤكد كنت ستتجاهل الفتاتين، لأنه ليس هذا الوقت المناسب لتفكر في أمرهما، ناهيك عن مساعدتهما. لم يفعل سيدنا موسى عليه السلام أيًا مما كنت أنت ستفعله؛ لأنه لا يتوقف عن نصرة الضعيف، ولا تتوقف شهامته، فماذا فعل سيدنا موسى عليه السلام؟
    ذهب سيدنا موسى عليه السلام إلى الفتاتين يسألهما عن أمرهما، ويسرد القرآن الكريم الخطاب بينهما كالتالى: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (القصص:23) (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص:24)ولاحظ أدب الفتاتين، فهما اعتذرا عن وجودهما في وسط هذا الحشد الكبير من الرجال بأن أباهما رجل عجوز، لا يستطيع أن يسقي بنفسه، ولذلك هما هنا من أجل هذه المهمة بدلًا منه، وهنا في هذه اللحظة ينصر سيدنا موسى عليه السلام الفتاتين الضعيفتين، فيسقي عنهما، وإن كان المنطق الذي يعرفه السقاة هو منطق القوة فسيدنا موسى صلى الله عليه وسلم هو لها، وبالفعل تزاحم مع الرجال، وسقى لهما، ونسى جوعه وعطشه حتى أنه لم يسق نفسه كما قال سيدنا ابن العباس: "لم يُدرِك أن يشرب".
    هل عرفت الآن لم استحق سيدنا موسى عليه السلام أن يكون كليم الله عز وجل؟ ماذا عنك أنت؟ ما هو مقامك الذي تريد الله عز وجل أن يضعك فيه؟ أتريد أن تدخل الجنة؟ ولكن بأي عمل تريد أن تدخل الجنة، بأى ضعيف وقفت بجواره، بأى يتيم نصرته، بأى أرملة ساعدتها، بأي أطفال شوارع وقفت بجانبهم، بأي قرية فقيرة ذهبت إليها وساعدت فقراءها؟ قل لي بأي عمل؟
    حب النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا موسى:
    هناك رواية تقول أن الرعاة لما علموا أن سيدنا موسى عليه السلام ينتوي مساعدة الفتاتين أرادوا منعه، ولكنهم علموا بعدم مقدرتهم على هذا لِما ظهر منه من قوة البدن في زحامهم إياهم على الماء، فقرروا وضع صخرة عظيمة لا يستطيع حملها إلا عشرة رجال مجتمعين في طريقه ليعترضوه، فما كان منه إلا أنه رفعها بمفرده. ومن الجدير بالذكر أن النبى صلى الله عليه وسلم وصف سيدنا موسى عليه السلام، وكان قد رآه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج، وكان يحبه حبًا جمًا، وكان من أقرب الناس لقلبه صلى الله عليه وسلم بعد سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ وذلك لأن ثلث القرآن الكريم أُنزل في سيدنا موسى عليه السلام، وبحب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم كان حبه لسيدنا موسى عليه السلام، كما أنه كان أيضًا أكثر من عانى مثله مثل الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أجل ذلك كان يقول النبى صلى الله عليه وسلم عندما يؤذى أو يؤذى أحد من أتباعه: "رحم الله أخي موسى".إياكم أن تكونوا غير محبين لسيدنا موسى عليه السلام، أحبوه مثل الرسول صلى الله عليه وسلم كما علمنا القرآن الكريم (... لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) (البقرة:285)يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا موسى عليه السلام، فيقول: "رأيت موسى، فقال مرحبًا بالنبى الصالح والأخ الصالح"، يا الله على الحب بين كلا النبيين، يا ليت بني إسرائيل يتعلمون، يا ليتهم يعلمون مقام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عند نبينا موسى صلى الله عليه وسلم، ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا موسى عليه السلام، بقوله: "فرأيته طوالًا أجعد الشعر" وطوالًا هذه تشير إلى شدة الطول مع عضل مفتول، فقد كان سلام الله عليه قوة بدنية هائلة؛ ولذلك استطاع أن يحمل بمفرده صخرة لا يحملها إلا عشرة رجال مجتمعين، ومن أجل ذلك قالت الفتاة لأبيها فيما بعد: (... يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ) (القصص:26)0 أريد هنا أن أوجه كلامي إلى الشباب الذى يداوم على الرياضة: إياكم أن تكون عضلاتكم هذه للشر أو للبنات أو للإعجاب، إياك أن تضع في جيبك سلاحًا أبيض، وإياك أن تستقوي على أحد بعضلاتك، تَعَلَم أن تكون عضلاتك وقوتك للضعفاء، تعلم من هذا الدين، أ طعام وشراب أم رجولة وشهامة؟ اختار سيدنا موسى عليه السلام الوقوف بجانب الضعفاء فأصبح كليم الله عز وجل.
    قد تتساءل في نفسك أن ما فعله سيدنا موسى عليه السلام مع الفتاتين هو عمل خير، ولكنه فى النهاية عمل بسيط وصغير، يجب أن تعلم أن نصرة الضعيف ليس بعمل صغير، وأن من يعمل العمل الصغير يُهيؤه الله عز وجل للعمل الكبير، لأن الله عز وجل يُجرب عباده مرة تلو الأخرى، وإذا نجحوا يتفضل عليهم بالمنزلة الكبيرة، وهكذا أصبح سيدنا موسى عليه السلام هو السبب الذي يجعلنا نهتم بمدين وبماء مدين، فهو رمز نصرة الضعفاء، فهو الذي سيخوض أعظم تجربة لمواجهة الظلم في تاريخ البشرية.
    وبعد أن سقى سيدنا موسى عليه السلام للفتاتين خسر كل من كان يقف على ماء مدين من الرجال الذين قد يُضيفونه، فرجع سيدنا موسى إلى الخلف وجلس في ظل شجرة ليس معه أحد إلا الله عز وجل.
    الواجب العملى:
    · وإليكم الواجب العملي بعد معرفة هذه القصة العظيمة، وهو أن تبحث عن فقير أو ضعيف وانصره كما نصره سيدنا موسى عليه السلام، فهذا هو الطريق إلى الجنة، وهذا هو طريق الأنبياء، وعليك أن تعلم أنك قد تجد ضالتك في بيتك، كأن يكون هذا الضعيف هو أمك أو زوجتك أو ابنتك وأنت من تستضعفها، وضع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم نصب عينيك، والذي يقول فيه: "لئن يمشي أحدكم في حاجة أخيه خير له من أن يعتكف في مسجدي هذا"، فيامن يعتكف في المسجد النبوي في العشر الأواخر من رمضان، اذهب إلى قريتك، وابحث عن أسرة فقيرة، ومُد لهم يَد العون، كأن تساعدهم على إقامة مشروع صغيرتُحيِيهُم به، ويا من يعاني من المشاكل، بالله عليك، اقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعلم منه: "من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة". "وكان الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، "ومن يسر عن معسر يسر الله عنه في الدنيا والآخرة".ابحث عن أرملة، صديق، أو جار ضعيف، وقف بجانبه، واعلم أن أحد الصحابة كان إذا لم يمر ببابه ضعيف أو فقير يطلب مساعدته يقول: "هذه مصيبة بذنب أذنبته"، وعليه إذا لم تستطع أن تجد فقيرًا أو ضعيفًا تساعده، فاعلم أنك محروم بذنوبك الكثيرة.
    · والواجب الثاني هو أن تقرأ القرآن، وأن تستمتع بالآيات الكريمات التي تحكي قصة سيدنا موسى عليه السلام لعلك أن تَحيا بالقرآن.
    كم نحتاج إلى سيدنا موسى عليه السلام في زماننا هذا، وكم هى حاجتنا لنتعلم منه نصرة الضعيف، وكم هى حاجتنا لنتعلم من الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان من صفاته التي أهلته ليصبح نبيًا وقوفه بجانب الضعفاء.
    عل الله الرحمن الرحيم يجمعنا مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسيدنا موسى عليه السلام في الفردوس الأعلى بنصرة الضعفاء والفقراء.
    للتحميل
    http://server4.amrkhaled.net/uploads/1301/07_vh.rm
    اليو تيوب
    http://www.youtube.com/watch?v=oHifNVX_wxo

    0 Not allowed!


    ليكن اخر كلامنا فى كل مجلس هو دعاء كفاره المجلس
    سبحانك اللهم و بحمدك... اشهد ان لا اله الا انت... استغفرك و اتوب ا
    ليك

    من طلب رضا الله بسخط الناس
    رضى عنه الله و ارضى عنه الناس
    و من طلب رضا الناس بسخط الله
    سخط عليه الله و اسخط عليه الناس



    استحضار النيه (مهم جدا للجميع)


  10. [20]
    zanitty
    zanitty غير متواجد حالياً
    مشرف متميز
    الصورة الرمزية zanitty


    تاريخ التسجيل: Jan 2007
    المشاركات: 6,146

    وسام مشرف متميز

    Thumbs Up
    Received: 1,109
    Given: 1,645

    الحلقة الثامنه

    لقراءه نص الحلقه من هنا
    http://amrkhaled.net/articles/articles3589.html
    مقدمة:
    بسم الله الرحمن الرحيم،
    والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. نستكمل قصة سيدنا موسى، خرج سيدنا موسى من مصر في يوم وليلة، ووصل بعد ذلك إلى مَدين كما عرفنا سابقًا الذي قضاه في مَدين حتى سقى البنتين. والآن نكمل ما حدث بعدما سقى البنتين ونروي ما حدث طيلة العشر سنوات التي قضاها في مَدين. حيث يخرج سيدنا موسى بعد أن سقى البنتين ويجلس تحت ظل شجرة كما قال الله تعالى {.. ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ .. }القصص24.
    حال سيدنا موسى بعد أن سقى للفتاتين:
    عاد سيدنا موسى وحيدًا مرة أخرى في هذا المكان بعدما انفض الجميع من حوله، ولم يجد مكانًا يجلس فيه إلا تحت ظل الشجرة وهى أقرب شجرة للبئر، تخيل معي كيف هي حالته الآن؟! ولا تنس أنه حبيب الرحمن حيث يقول الله تعالى: {..وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي .. }طه39.فلا يمكن أن تراه إلا وتحبه، فإذا رأيته يوم القيامة وأحببته فهذا دليل على إيمانك؛ فلا يحبه إلا مؤمن، أما الظالمين لن يشعروا بأي شيء تجاهه؛ لأنه عدو الظالمين ونصير الضعفاء. فتخيل رغم أنه حبيب الرحمن وسيكون بعد ذلك كليمه إلا أنه جالس وحيد في هذه الصحراء التي لا يوجد بها الآن أنيس ولا بشر وغير مأهولة بالسكان، فما بالكم بشكلها منذ ثلاثة آلاف سنة!
    دعاء سيدنا موسى إلى الله:
    جلس سيدنا موسى تحت ظل الشجرة بجسده، وذهب إلى ظل رحمة ربنا بروحه وقلبه، وتخيل معي حالته وهو يقول هذا الدعاء{... فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ }القصص24 . فممكن أن تشعر بهذا الدعاء وتكتبه وتقوله عندما تشعر بأي ضعف. هيا بنا نعيش مع هذا الدعاء، ونستشعر حال سيدنا موسى عندما كان جالسًا بمفرده، تخيلوا ضعفه وحاله وهو تحت ظل الشجرة يدعو: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }القصص.16 {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ }القصص17. {... قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }القصص21. {... قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ }القصص22. {... فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}القصص24
    ففي كل خطوة دعاء، وكل الدعوات استجيبت، قال رب اغفر لي، فغفر له. قال رب نجني من القوم الظالمين، فنجاه ربه. قال عسى أن يهديني سواء السبيل، مشى حتى وصل إلى مدين. قال رب إني لما أنزلت إلىّ من خير فقير، ستستجاب أيضًا. يا شباب، يا نساء، يا رجال، ادعوا في كل خطوة وأزمة واحتياج في حياتكم. يقول النبي صلى الله عليه وسلام: (إن الله يستحي أن يرفع العبد يديه، يقول يا رب يا رب، ثم يردهما صفرًا خائبتين). يقولون لأحد العُبَّاد: كيف عرفت الله؟ فقال: عرفت الله بإجابته للدعاء، ما ردني أبدا. فإياك أن تقول أن الله يعلم بحالي فلماذا ادعو والله يعلم كل شيء؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(من لا يسأل الله يغضب عليه). الله سبحانه وتعالى يحب سماع صوتك، ويحب أن يرى يديك مرفوعة إليه تدعوه. وعندما أصبح سيدنا موسى نبي قال بني إسرائيل له: لِمَ ندعو الله وهو أعلم بحالنا؟ فسأل سيدنا موسى الله تعالى فأوحى إليه الله أن يا موسى إني أعلم بحالهم، ولكني أحب أن أسمع ضجيج عبادي في الدعاء، حتى إذا رفعوا أكفهم بين يديَّ وتوسلوا إليَّ كنت لهم أكرم الأكرمين وأجود الأجودين.
    رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ:
    يقول سيدنا موسى: {.. رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ }القصص24 . تخيلوا وهو جالس تحت ظل الشجرة يقول: يا رب، أنا فقير، بلا مأوى، بلا أهل، ليس لي أحد، عُدت فقيرًا. فالأمير موسى ابن قصر الأمس يجلس تحت ظل شجرة في هذه الصحراء الواسعة أمام هذا البئر ويقول: يا رب أنا فقير! فتشعر أن سيدنا موسى يلجأ إلى الله بضعفه وذله. وأحسن عبادة، عندما تلجأ إلى الله بضعف وذل، الجأ له بضعفك يمدك بقوته، الجأ له بفقرك يمدك بغناه، الجأ له بذُلك يمدك بعزته، قل له: يا قوي، من للضعيف إلا أنت؟ يا غني من للفقير إلا أنت؟ يا عزيز من للذليل إلا أنت؟ يقول أحد العلماء: طرقت الأبواب إلى الله فوجدتها ملأى، فطرقت باب الذل (من باب الضعف والمسكنة) فوجدته فارغًا فدخلت وقلت لكم هلموا. أحيانا تقول دعاء صغير بصدق، يُفتح لك عند الله من هذا الدعاء أبواب كثيرة، يقول سيدنا موسى وهو مستشعر بالذل والضعف: يا رب أنا فقير. وهذا الدعاء جعل سيدنا موسى كليم الله، كيف؟ فعندما كلم الله سيدنا موسى وقال له: يا موسى، أتدري لِما اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي؟ فقال: لا يا رب. فقال الله له: يا موسى، إني قلبت عبادي في زمانك ظهرًا وبطنًا، فلم أجد نفسًا أذل لي منك، فأحببت أن أرفعك بين عبادي بِذُلك لي.
    سرعة إجابة الدعاء:
    لاحظ دعاء سيدنا موسى، ذكر أولًا خير الله عليه، ثم قال له أنه فقير. فمن عادتنا عندما تكثُر المشاكل علينا أن ندعوا الله مباشرةً دون أن يذكروا نعمة الله عليهم، ولكن سيدنا موسى ذكر أولاً خير ربنا عليه. من أنه الذي أنقذه من الموت وهو صغير، ورده إلى أمه، وغيرها من النعم الكثيرة، ورغم كل ذلك لازلت إلى ما انزلت إلىَّ من كل هذا الخير فقير، لاحظ كم أن نفسية سيدنا موسى غير ساخطة بالرغم من أنه كان من ثمانية أيام الأمير موسى، واليوم لا يجد الطعام، ولكن كانت نتيجة الدعاء مع التذلل وذكر نِعَم الله قبل أن يقول شكواه{فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا .. }القصص25. فإذا الفتاة تأتيه بسرعة بعد أن دعا الله{فَجَاءتْهُ } الفاء هنا للسرعة، وهذا يدل على سرعة إجابة الدعاء، تقول له: {... إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ...}القصص25. يدعوك على الطعام؛ لتأكل عندنا، أرأيتم كيف نصرة الضعيف؟ فإنه كان عند البئر، ثم أكرم الفتاتين، وبعد ذلك جلس تحت ظل الشجرة يدعو الله، ثم جاءته فورًا إحدهما؛ كي تدعوه إلى الطعام، ومنذ ذلك الوقت وهبه الله الاستقرار والطعام والمأوى والسكن والزواج فيما بعد.
    قانون الارتداد:
    هناك يا إخوتي ما يسمى بقانون الارتداد، ما هذا القانون؟ هو قانون علمه سيدنا جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له: يا محمد، اعمل ما شئت، فإنك مجزي ٍ به (فإذا فعلت الخير يرجع إليك)، فمثلا: إذا تصدقت بمبلغ من المال، فسوف يرجع إليك أضعاف مضاعفة، أو لعلك تكرم ضعيف، فيرد ذلك خير وبركة على بيتك وأهلك، أو لعلك تقف بجوار فتاتين كما فعل سيدنا موسى فيأتوك كي تتفضل معهم إلى المأوى والسكن، جرب هذا القانون، إنه قانون في الحياة كلها وليس في الخير فقط، كيف ذلك؟ على سبيل المثال: الدورة الدموية تبدأ من القلب حيث يضخ الدم ثم يرجع له مرة أخرى، وأيضا دورة المياه، ينزل المطر من السماء على الأرض فتتبخر وترجع لها مرة أخرى، فالخير الذي تفعله لابد وأن يُرَد إليك، اعملوا يا جماعة وضعوا سيدنا موسى -نصير الضعفاء- نصب أعينكم وقدوة لكم، افعلوا مثل ما كان يفعل، وقولوا لأنفسكم سننصر الضعفاء.
    كيف جاءت الفتاة إلى سيدنا موسى:
    ونكمل القصة، كيف جاءت الفتاة إلى سيدنا موسى؟ وماذا حدث؟ أخذت الفتاتان الغنم ورجعا إلى أبوهم الذي تعجب من رجوعهم من سقي الغنم بسرعة؛ أنهما في الغالب يتأخران ويرجعان بعد ساعات طويلة وذلك لأنهم يسقون آخر ناس بعد الأقوياء، فسألهم الأب (وهو الشيخ الكبير): ما الذي عاد بكم بسرعة؟ فقالوا له: شاب عجيب في الثلاثين من عمره، لا يرتدي ملابس أهل البلد، ولكنه يرتدي ملابس المصريين، وقوي قوة غير عادية، ولقد رفع الصخرة بمفرده، شهم ولم يطلب أجر ما سقى لنا، ولم يتحدث معنا فقط سألنا ثم تولى إلى الظل. وكان لدى الشيخ الكبير (الأب) فِراسة شعر من خلالها أن هذا الإنسان لن يعوض، هذا بالإضافة إلى أن الشيخ ذاته لم يكن أقل شهامة من سيدنا موسى، فإذا كان سيدنا موسى أكرم الفتاتين، فالشيخ بعث إحدى ابنتيه ليدعو سيدنا موسى ويكرمه مثل ما أكرمه.
    وصف حياء الفتاة:
    {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ} القصص 25 . انظر إلى حلاوة القرآن وهو يصف حياء البنت، فكلمة الاستحياء مبالغة في الحياء، وهي من أجمل صفات المرأة، ولقد وصف الله تعالى الفتاة التي ستكون بعد ذلك زوجة موسى عليه السلام بأنها في منتهى الحياء، وتمشي على استحياء. فشبه الحياء بأنها سجادة مفروشة على الصحراء، وهي تمشي عليها، ومن الممكن أن يقول{فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي...{ ثم يقف ويقول {...عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ... } فهي تمشي وتتحدث على استحياء والأرض مبسوطة حياء، ما هذا الجمال الذي في القرآن! فيا شباب، إياكم أن تتزوجوا بنت ليس عندها حياء، ولكن تزوجوا امرأة مثل التي تزوجها سيدنا موسى، وإياكم! يا بنات أن تقولوا أريد أن أكون منفتحة وارتدي الملابس العارية حتى أسهل زواجي، إياكِ أن تفعلي هذا! أتعلمين ماذا يقولون الشباب بينهم وبين بعض؟ يقولون هذه البنت للعب، وهذه البنت للزواج، ويقولون هذه البنت مجرد تسلية، وهذه حيية تصلح للزواج. انظروا إلى حياء البنت، لم تقل له أدعوك على الطعام، ولكن بدأت حديثها بذكر أبيها:{... قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ...}القصص25.
    تصرف سيدنا موسى عندما جاءته الفتاة:
    انظروا إلى تصرف النبي نحوها، كان من الممكن أن يقول لها بعنف: أنا آسف، لن آخذ أجرًا على شهامتي، ألا تعرفين من أنا؟ ولكن سيدنا موسى ذهب معها، لأنه يتعامل مع وضعه الجديد بمرونة، فهو يعلم إنه لم يعد الأمير موسى، وفي الوقت نفسه راضِ بقضاء الله، فلما دخل سيدنا موسى على الشيخ أخبره بكل شيء منذ كان طفلا {... فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ ..}القصص25. وكيف تربى في قصر فرعون، وماذا فعل له فرعون، وكيف أنه أهان بني إسرائيل، وقصته مع الرجل الضعيف، وغيرها من القصص، فقال له الشيخ: {... قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }القصص25. لم يكن سيدنا موسى يحتاج فقط إلى السكن والطعام بل يحتاج أيضًا إلى الأمان؛ لأنه كان قلقًا، وعند خروجه من مصر لم يكن علم هل نجا أم لم ينج فدعا ربه أثناء خروجه{... رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }القصص21. فاستجاب الله دعوته وطمأن قلبه وذلك عندما جلس مع الشيخ وحكى له كل شيء قال له الشيخ {.. لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }القصص25. يا جماعة ادعوا وتذللوا إلى الله وانصروا المظلوم، فالدعاء مستجاب.
    فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا:
    لاحظ أيضًا أن بين اليسر والعسر دقائق، وبين الكرب والفرج شبر واحد، كيف هذا؟ كان سيدنا موسى من دقائق بلا مأوى ولا طعام ولا شرب ولا عائلة ولا أمان، وبعدها مباشرةً جاءت الفتاة وقالت له أن أبيها يدعوه للطعام ليجازيه على ما فعل، ثم اطمئن قلبه عندما قال له الشيخ أنه نجا من القوم الظالمين. { فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا }الشرح5-6. وكذلك بين نجاة سيدنا موسى وبني إسرائيل وهم أمام البحر وفرعون ورائهم وبين أن ينفتح البحر رمية عصا، وأيضًا بين أم سيدنا موسى التي كانت خائفة على ابنها من الذبح وبين أنه يعود لها في حضنها نصف يوم فقط. فاجعل حسن ظنك بالله بأن مع العسر يسرًا، هل عندك هذه الثقة في الله؟ فلو كان العسر والكرب والشدة في صخرة محشورة داخل الجبل، لجاء اليسر بفضل الله وأخرجها، ربنا كريم وعند حسن ظن عباده، ولكن اظهر لربنا من نفسك التذلل والخشوع والدعاء.
    القوي الأمين:
    وتبدأ حياة جديدة.. من الكرب والهم والألم والتذلل إلى الله والدعاء إلى الفرج واليسر وذلك بنصرة ضعيف، ويعيش سيدنا موسى من سن الثلاثين إلى الأربعين في هذا المكان، وبدأ يتقرب من الشيخ والعائلة، وأصبح الشيخ أنيسًا له، وبدأت المودة تزيد بينهم، وإذا بالفتاة الحيية والقوية تطرح فكرة لم يفكر أحد فيها - ولاحظ أن قليل من البنات لن يستطيعوا أن يجمعوا بين الصفتين. فإما أن تكون حييه، ولكنها منكسرة، ولا تعرف كيف تتماشى مع الحياة، أو أن تكون قوية وليس عندها أي حنان، ولكن هذه البنت تجمع بين الحياء والقوة والنضج والعقل- {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ...}القصص26. أي اجعله يعمل ويرعي الغنم. وقالت له{.. إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ }القصص26. فسألها الشيخ: كيف عرفتِ أنه القوي الأمين؟ فقالت: إنه قوي؛ لأنه رفع الصخرة بمفرده، ورأيت الأمانة في عينيه. يا جماعة، البنت تعرف أن هذا الرجل أمين عليها أو لا من عينيه. فهذه الفتاة تفهم الدنيا؛ لأنها جمعت صفات الموظف الكفء ( القوي الأمين). فعندما تبحث عن موظف لابد أن يكون لديه هذه الصفات، وهذه الصفات غالية جدا؛ فالقوي الأمين هو الذي ينصر ويعز الإسلام، يا ترى يا مسلمين هل لديكم هذه الصفات؟ للأسف إنهم قلّة... ترى هل من الممكن أن يقبل موسى ابن القصر بوظيفة رعي الغنم؟
    هل يرعى سيدنا موسى الغنم؟
    الشيخ محرج أن يعرض على أمير مصر أن يعمل عندهم راعٍ للغنم بالأجرة، هل سيقبل العمل في هذه الصحراء الممتلئة بالعقارب والحيات؟ مذا تفعل لو كنت مكان سيدنا موسى؟ هل ستقبل؟ فالشاب يقول الآن: أن أعيش في بطالة أفضل من أن أعمل في مثل هذه الوظيفة، فأنا متعلم تعليم عال ولن أقبل أي عمل إلا لو كان بمرتب عال. ولكن سيدنا موسى تقبل هذا العمل، لماذا تقبله؟ قيمة العمل غالية جدًا، ولأنه شخصية مستعدة تتعامل مع الحياة في كل أوضاعها وحالاتها المرتفعة والمنخفضة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( آتاني جبريل وخيرني بين أن أكون ملكًا نبيا أم عبدًا نبيًا، فاخترت أن أكون عبدًا نبيًا، أجوع يومًا فأصبر، وأشبع يومًا فأشكر). فهذا هو حال الدنيا وجميع الأنبياء في هذه الحالة. فعندما تنقلب الدنيا عليك يظهر معدنك، ويظهر إذا كنت ساخط على ربنا أم أنك راضٍ وتصرفاتك تدل على ذلك، فما تصرفك يا سيدنا موسى؟ إنه راضٍ بالذي كتبه الله، والدليل أنه قَبِلَ أن يكون راعي غنم.
    وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي:
    يقول تعالى: {.. وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي }طه39. يا جماعة، نحن ندعي طوال شهر رمضان أن يرضى الله عنا، وينظر إلينا بعين الرضا ولو ساعة واحدة، فتخيلوا عُمر سيدنا موسى كله يُصنع على عين الله، فماذا حدث؟ أخذ سيدنا موسى خبرات رهيبة، عاش في ثلاث بيئات، عاش أول حياته في القصور، ثم عاش مع بني إسرائيل الضعفاء والفقراء، ثم عاش في وسط البدو والصحراء، فلم يكن سيدنا موسى عنصري بل منفتح يتعايش مع جميع الجنسيات، لماذا نسيتم يا بني إسرائيل نبيكم؟ وكيف أخذتم هذه العنصرية؟ سيدنا موسى الآن لديه ثلاث لغات: العبرية "لغة بني إسرائيل"، والهيروغليفية " لغة المصرين القدماء"، والعربية " لغة أهل مَدين"؛ لأنه عاش واندمج في وسط العرب عشر سنوات. وجعله الله يعيش في الصحراء؛ لأنه سيعيش مع بني إسرائيل خمسة عشر سنة، و بني إسرائيل لابد أن يجدوا قائدًا غير متردد في معرفة الصحراء، فإذا شَكوا لحظة أنه غير قادر على أن يقودهم تركوه مباشرةً، فأنت الآن يا موسى أصبحت خبير في الصحراء أكثر منهم. وأراد الله له أيضًا أن يعيش مثل أي مواطن، يعيش مع الضعفاء والمساكين، فإذا استمر سيدنا موسى ابن القصر لن يستطيع أن يقود بني إسرائيل، ولكن الله جعله يتعب ويشقى؛ لأن كل هذا يجعله خبير في الحياة.
    شيء آخر: الصحراء، والسماء، والسكون، فالصحراء ساكنة ولا يوجد فيها غير حركة الماعز البطيئة، وهو كان يعيش مع فرعون في ضوضاء المدينة.


    عبادة التفكر:
    فيتجه سيدنا موسى إلى نوع جديد من العبادة "عبادة التفكر"، وللأسف كثير من الناس محرومين من هذه العبادة، يا أهل الخليج ، اخرجوا إلى البر، يا أهل مصر اخرجوا بعيدًا عن ضوضاء المدينة، تفكروا في خلق الله، هذه العبادة أخذت عشر سنوات من سيدنا موسى كي يكون نبيًا، وأخذت كذلك عشر سنوات من سيدنا محمد في غار حراء كي يكون نبيا، أحيانا يا جماعة تفكر ساعة خيرٌمن عبادة سنة، فهذه العبادة تؤهل الأنبياء أن يكونوا أنبياء. فاعبدوا الله بهذه العبادة "عبادة التفكر والخشوع ". فماذا تعلم سيدنا موسى في مصر؟ تعلم الحياة العملية، والعلم، وحياة القصور، وعدم الخوف من فرعون، والبروتوكولات. وماذا تعلم في الصحراء " مدين"؟ تعلم الذل، والتفكر، والهدوء النفسي. كل هذا يجسده الله في آية واحدة {... وأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي }طه39. يا جماعة، أنا مشتاق لمقابلة سيدنا موسى، ولقد شعرت به جدًا أثناء تحضيري لهذا البرنامج، وأحبه لأني أحب القرآن، ولقد كان الصحابة يحبونه ويستشهدون بكلامه في كثير من المواضيع، وعندما خاف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من أن يقول الناس أن محمد نبينا، وموسى ليس نبينا، فقال: (لا تفضلوني على موسى). وقال: (لا تفضلوني على موسى، فإن الناسَ يُصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطِشًا بساقِ العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي، أو كان ممن استثنى اللـه؟). ما أجمل مقام سيدنا موسى، وما أحسن تواضعك يا رسول الله، عندما تقول لا تفضلوني عن موسى ونحن نعلم أنك خير خلق الله.
    زواج سيدنا موسى:
    وعرض الأب" الشيخ الكبير" على سيدنا موسى أن يعمل معه "راعي غنم" لمدة عشر سنوات، وكان الأب حساس وذكي، فرأى ابنته الحيي تتحدث عن سيدنا موسىبالمدح " القوي الأمين"، إنه الأب الصديق الذي يشعر باحتياجات ابنته، والذي شعر بإعجاب ابنته نحو سيدنا موسى عندما ظهرت له بعض الكلمات الرقيقة، المؤدبة، النظيفة بإعجابها بهذا الشاب، ففكر الأب في فكرة، لماذا لا يُزوج سيدنا موسى ابنته؟ ما أجمل إحساس هذا الأب بابنته. يا آباء، هل تشعرون ببناتكم؟ ابنتك كبرت ولم تعد طفلة فاشعر بها، المهم أن الأب عرض على سيدنا موسى فكرة الزواج {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ... } القصص27. ويوافق سيدنا موسى على الزواج، كم يبلغ الآن عمر سيدنا موسى؟ ثلاثون عاما، هل ظل سيدنا موسى بلا زواج حتى هذا السن؟ أتريد تقنعني أن أمير مصر ابن فرعون لم يتزوج حتى الآن؟! جميع أمراء مصر يتزوجون في سن السابعة عشر والثامنة عشر، وجميع بنات مصر تتمناه، فلماذا لم يتزوج حتى الآن؟! لأن التكافؤ مهم والبنت المصرية لن تتكافأ معه؛ لأنه من بني إسرائيل، خذوا بالكم يا بنات أهم شيء التكافؤ حتى لو كانت البنت المصرية مؤمنة، ولكن كان هناك فرق اجتماعي بين بني إسرائيل والمصريين. ولماذا لم يتزوج من بني إسرائيل؟ لأن فرعون سيقهره، فيتزوج سيدنا موسى بنت عربية، وضع تحت كلمة عربية مائة خط، فسيدنا موسى لم يكن عنصري أبدًا.
    الحكمة من رعي الغنم:
    وبدأ سيدنا موسى عمله في رعي الغنم، يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:( ما بعث الله عز وجل نبيا إلا راعي غنم قالوا ولا أنت يا رسول الله قال وأنا كنت أرعى لأهل مكة بالقراريط). لماذا اختار الله له أن يعمل " راعي غنم" ؟ لأن هذا كفيل بأن يعلمه الصبر، وهو لابد وأن يصبر على بني إسرائيل، ويتعلم الحلم وعدم العجلة، فسيدنا موسى إلى الآن في عجلة حتى يكون نبي الله، ومن أولي العزم من الرسل الصابرين، فيجب أن يرعي الغنم لتزول هذه العَجلة، وليتعلم الصبر والتفكر والحكمة. وبدأت العصا " عصا الغنم" تظهر في حياة سيدنا موسى، وهو لا يدري أن هذه العصا سيصنع بها الله معجزات عظيمة، فعندما صبر على العصا من أجل الغنم، جعل الله له هذه العصا بصبره وإخلاصه سبب في عزّة ونصر كبيرة، فمن الذي أهدى لسيدنا موسى العصا؟ زوجته؛ لأنها هي الذي علمته رعي الغنم.
    إذا عرضك الله سبحانه وتعالى لموضوع فيه صبر ومشقه ماذا تفعل؟ هل ستصبر أم لن تطيق وستمل؟ لو تعرضت لأي اختبار اصبر وسترى كيف يرفعك الله كما فعل مع سيدنا موسى، فسيدنا موسى رعى الغنم عشرة أعوام، فأين هوالآن؟ منزلته في السماء السادسة. كان سيدنا موسى عليه السلام يقول عن عصاه: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي... }طه18.وسبحان الله نبي يرعى الغنم عشر سنين يا له من تعب ويا لها من مشقة، كم تعب الأنبياء، كم شاهدوا وخبروا في هذه الدنيا حتى يستطيعوا أن يقودوا أممًا، إذا أردت أن تفعل شيئًا للإسلام تحمل المشقة والتعب، واحتك بالناس، وتعلم أشياء كثيرة لكي تكون رجل يستطيع أن يرفع ويعز الإسلام.
    الرضا بقضاء الله:
    ويعيش سيدنا موسى في مدين في بيت صغير عبارة عن خيمة من الخيش "بيت الرعاة"، وهو بيت بسيط جدًا، يعيش في مثله الرعاة الحاليين، فالأمير موسى الذي كان يسكن في قصر فرعون بمصر والتي كانت أم الحضارة وتقود العالم يعيش الآن في خيمة الرعاة! ما الذي نتعلمه من هذا الموقف؟ نتعلم أن الدنيا ليست سهلة، ترتفع وتنخفض، فعندما تنخفض بك، ارض بقضاء الله، وعندما ترتفع بك اشكر الله. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له).فإذا الدنيا انقلبت عليك إياك والسخط، وإياك وقول أنك راض وأنت في حقيقة أمرك غاضب وغير راضٍ، ارض وكن مرن مثل سيدنا موسى الذي تعامل بقضاء الله بمنتهى الرضا، فبالأمس كان الأمير موسى واليوم أصبح موسى راعي الغنم، ما أجمل رضاك بالله ! بعد هذه الحلقة أنا راضٍ عن ربنا برضا موسى عليه السلام عن ربنا.
    قام بتحريرها: قافلة تفريغ الصوتيات – دار الترجمة
    Amrkhaled.net© جميع حقوق النشر محفوظة
    يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع
    لتحميل الحلقه صوت و صوره من موقع الاستاذ عمرو خالد
    http://server4.amrkhaled.net/uploads/1302/08_vh.rm
    و لمشاهدتها على اليو تيوب من هنا
    http://www.youtube.com/watch?v=_dEIESpHivk

    0 Not allowed!


    ليكن اخر كلامنا فى كل مجلس هو دعاء كفاره المجلس
    سبحانك اللهم و بحمدك... اشهد ان لا اله الا انت... استغفرك و اتوب ا
    ليك

    من طلب رضا الله بسخط الناس
    رضى عنه الله و ارضى عنه الناس
    و من طلب رضا الناس بسخط الله
    سخط عليه الله و اسخط عليه الناس



    استحضار النيه (مهم جدا للجميع)


  
صفحة 2 من 7 الأولىالأولى 1 23 4 5 6 ... الأخيرةالأخيرة
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML