خلفت الثورة الصناعية والتكنولوجية تلوثًا بيئيًا خطيرًا بات يهدد كوكب الأرض بأسره. ولم يقف عند هذا
الحد بل تخطاه إلى طبقات الجو العليا!
ويعد الناتج عن حرق وقود المركبات هو الأشد خطرًا حيث يشكل أكثر من ثلثي ملوثات الهواء في العالم. وترجع خطورته إلى احتوائه على ملوثات الهواء الرئيسة.

أول أكسيد الكربون
هو أحد أكاسيد الكربون، وهو غاز سام تستخدم التركيزات العالية منه كغاز حربي (سلاح كيميائي)، أما التركيزات المنخفضة منه فهي تسبب تسممًا خفيفًا تتمثل أعراضه في الشعور بالدوار والخمول، وإذا ما وصل تركيز أول أكسيد الكربون إلى الحدود المرتفعة فإنه يسبب الموت. ومن الأمثلة الشائعة على ذلك ما يحدث عندما يستخدم الفحم في التدفئة في غرف مغلقة قليلة الأكسجين، أو نتيجة لتجمع عادم السيارات في أماكن مغلقة. والتأثير السام لأول أكسيد الكربون راجع إلى قدرته العالية على الارتباط بأيون الحديد في هيموجلوبين الدم والتي تفوق قدرة الأكسجين على الارتباط بالحديد، فيحل محل الأكسجين أثناء عملية تبادل الغازات التي تتم في الرئتين. ويتبع ذلك أن يقل الأكسجين الذي يصل إلى خلايا الجسم وتظهر أعراض التسمم. بالإضافة إلى أن أول أكسيد الكربون يسبب اعتلال القلب. ويرجع السبب في زيادة أعداد مرضى القلب بين المدخنين إلى احتواء دخان السجائر على غاز أول أكسيد الكربون.
الرصاص والتخلف العقلي
لا يقل الرصاص خطرًا عن أول أكسيد الكربون. ويضاف الرصاص إلى الوقود في صورة رابع إيثيل الرصاص بهدف تحسين خواصه، ويخرج مع نواتج احتراق الوقود في صورة بروميد الرصاص. وقد أثبتت الدراسات أن ما يقرب من ثلث الرصاص الموجود في الهواء مصدره وسائل المواصلات، وأن أكثر الناس عرضة للإصابة بتلوث الرصاص هم رجال المرور والعاملون في مصانع بطاريات السيارات.
والتركيزات العالية من الرصاص لها تأثير خطير على خلايا المخ كما أنه يسبب فقر الدم. إضافة إلى أن أبخرة الرصاص تسبب تلوث المجاري المائية وإتلاف النبات. وقد سعت العديد من الدول لإنتاج وقود خال من الرصاص، واستبدال رابع إيثيل الرصاص لتجعل مكانه مركبات أكثر أمنًا على البيئة مثل البنزين العطري
الأكاسيد النتروجينية
يعتبر ثاني أكسيد النتروجين من أخطر الأكاسيد النتروجينية، حيث يعتبر المسؤول الأول عن الإصابة بالعديد من الأمراض الصدرية. ويدخل ثاني أكسيد النتروجين في تفاعلات ضوئية ينتج عنها أكسيد ذري نشط يتفاعل مع الأكسجين الجزيئي الموجود في طبقات الجو وينتج غاز الأوزون، إضافة إلى نواتج جانبية أخرى نتيجة تفاعله مع بعض المواد الهيدروكربونية المتطايرة. ومن المعروف أن الأوزون مفيد إذا وجد في طبقات الجو العليا المعروفة باسم (إستراتوسفير). ولكن إذا وجد الأوزون في طبقات الجو السفلى بتركيزات كبيرة فإن له تأثيرًا ضارًا على الجهاز التنفسي والتعرض له لفترات طويلة يؤثر على القلب والرئتين والكليتين.
الأمطار الحمضية
يعتبر ثاني أكسيد الكبريت أهم أكاسيد الكبريت، وهو يتأكسد في الجو بفعل تفاعلات ضوئية وفي وجود الرطوبة، ويكون ثالث أكسيد الكبريت. ويعرف هذا الأكسيد (بالإضافة إلى ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد النتروجين من الناحية الكيميائية) بأنه أكسيد حامضي عندما يلقى سحبًا ممطرة يذوب في الماء وينتج: حمض الكبريتيك، وحمض النيتريك، وحمض الكربونيك التي تنزل إلى الأرض في صورة أمطار حمضية تهلك الزرع، وتؤدي إلى زيادة حموضة المجاري المائية المغلقة، مما يؤدي إلى الإضرار بالحياة البيولوجية. إضافة إلى أن الأمطار الحامضية تسبب تآكل المواد المعدنية مثل أنابيب البترول.
الدقائق المعلقة
تنتج الدقائق المعلقة نتيجة تكثيف مادة صلبة مثل الغبار مع سائل مثل الضباب. ويشير الدخان إلى خليط من مادة دقائقية مثل: السناج، وغبار وغازات سامة مع الضباب. والدقائق المعلقة تحجب الرؤيا الأفقية وتسبب العتمة نتيجة لامتصاص ضوء الشمس. وعند زيادة تركيز المواد الصلبة العالقة تظهر سحب سوداء. وتنشأ الدقائق المعلقة نتيجة لاحتراق الوقود في السيارات والمصانع أو نتيجة لاحتراق الوقود الصلب المتمثل في الفحم والحطب وقش الأرز، وهي مواد معروفة في البيئة الزراعية. والمادة الدقائقية تسبب اسوداد الملابس وواجهات المنازل، إضافة إلى أن لها تأثيرًا ضارًا على الجهاز التنفسي. وقد تحتوي على بعض الأبخرة السامة مثل أبخرة الرصاص أو بعض المواد المسرطنة مثل بتريبيرين ــ4،3.
المواد الهيدروكربونية
هي مواد تتكون من الكربون والهيدروجين، لها أشكال كيميائية متعددة. والهيدروكربونات المسؤولة عن تلوث الهواء هي الغازية أو السائلة سهلة البخر. وقد تكون موجودة طبيعيًا مثل غاز الميثان المعروف باسم الغاز الطبيعي، أو تنتج مع عادم السيارات نتيجة الاحتراق غير الكامل للوقود. وهي مواد غير سامة ولكنها تساهم في تكوين الضباب الدخاني الكيموضوئي وتسبب تهيج العين.
غازات الصوبة
تسمى غازات ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء والأوزون بغازات الصوبة «Greenhouse gases» حيث تسمح هذه الغازات لحرارة الشمس بالوصول إلى سطح الأرض وتمنع انبعاثها مرة أخرى إلى طبقات الجو العليا. ويعتبر ثاني أكسيد الكربون هو أشد هذه المكونات تأثيرًا، ويتوقع أن يصل تركيزه خلال هذا القرن إلى 600 جزء في المليون. وسيترتب على هذه الزيادة ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية بمقدار 1.5 - 4.5 درجة مئوية. وتوقعت الدراسات البيئية أن يؤدي هذا الارتفاع في درجة الحرارة إلى ارتفاع منسوب مياه البحار نتيجة لتمدد الماء وذوبان الجليد في منطقة القطبين، مما سيترتب عليه غرق الكثير من الأراضي الزراعية في كثير من بلدان العالم. وسيؤثر ذلك على إنتاج الغذاء. الأمر الذي دفع العديد من الدول المتوقع تعرضها لهذه المشكلة إلى استنباط سلالات جديدة من المحاصيل الزراعية ذات الإنتاجية العالية مستخدمة في ذلك بعض طرق التكنولوجيا الحيوية غير المرغوب فيها مثل الهرمونات والتي تشير إليها أصابع الاتهام في الإصابة بالعديد من الأمراض.
ثقب الأوزون
تعمل طبقة الأوزون كمرشح للأشعة فوق البنفسجية الضارة فتمنع وصولها إلى الأرض، حيث إن التعرض لهذه الأشعة لفترات طويلة يسبب سرطان الجلد المعروف باسم «ميلانوما Melanoma». ومن الأخطاء الشائعة التي تجدر الإشارة إليها ما يحدث من بعض دعاة المدنية الذين يلقون أجسامهم على الرمال فيما يعرف بحمامات الشمس والتي تجعلهم أكثر عرضة للأشعة فوق البنفسجية الضارة. وقد أوضحت صور الأقمار الصناعية وجود تآكل في طبقة الأوزون فوق القطب الجنوبي وثقب آخر مشابه فوق القطب الشمالي. ويرجع العلماء السبب في ذلك التدمير الحادث في طبقة الأوزون إلى مواد غير سامة تعرف كيميائيًا باسم مركبات الكلورو فلورو كربون وتسمى اختصارًا «CFC» أو الفيريونات «Fereons». وتستخدم هذه المواد في صناعة المبردات وكمواد دافعة في الإيروسولات وفي غسيل لوحات الكمبيوتر. وبالرغم من أن إنتاج العالم من الفريون قد تناقص في الآونة الأخيرة إلا أنه ما يزال يشكل خطرًا كبيرًا. ويرجع تأثير الفريون إلى أنه يدخل في تحللات ضوئية ينتج عنها شقوق الكلور الحرة، والتي تتفاعل مع الأوزون، وتسبب تآكله. وتسعى كثير الدول إلى أن تستبدل بالفريون بدائل أخرى أكثر أمنًا على البيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والبيوتان ومركبات الهيدروفلورو كربون، وإن هناك شك في أن تكون مركبات الهيدرو فلورو كربون آمنة بيئيًا.
حفظ التوازن
}ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون| (الروم آية 41) التلوث البيئي لا يعترف بالحدود الجغرافية، وهو مشكلة دولية تهدد العالم. لذلك كان لزامًا على دول العالم أجمع أن تتصدى لها وتسعى لإيجاد الحلول المناسبة لهذه المشكلة الخطيرة، وهو ما تمثل في المؤتمرات التي عقدتها الأمم المتحدة ومنظماتها. ويتمثل دور الدول وبخاصة الدول الصناعية في تفعيل توصيات هذه المؤتمرات وتشريعات حماية الهواء وقوانين البيئة. ومن السلوكيات التي يستطيع الأفراد تنفيذها ولها دور كبير في الحد من خطر التلوث، التوسع في زراعة النباتات وغرس الأشجار. فقد بينت الدراسات أن النبات يلعب دورًا كبيرًا في حفظ التوازن بين مكونات الهواء، فهو يأخذ ثاني أكسد الكربون ويخرج الأكسجين في أثناء عملية البناء الضوئي «Photosynthesis». كما أن الأشجار تلعب دورًا كبيرًا في تخفيض درجة حرارة الجو، والتقليل من الضوضاء بنسبة تصل إلى الثلث، إضافة إلى أنها تعمل كمرشحات طبيعية للهواء من الأتربة والغبار. ويحتاج الفرد إلى مساحة خضراء تصل إلى 6.5 متر مربع، مما يحتم ضرورة الإكثار من النباتات الخضراء داخل المنازل وخارجها مع الحذر من وجود النباتات داخل غرف النوم المغلقة لأنها تشارك الإنسان الأكسجين أثناء التنفس ليلاً. كذلك الاهتمام بالتشجير أمام المنازل، وحبذا لو كانت أشجارًا مثمرة. ولقد حث التشريع الإسلامي الحنيف على ذلك فيما رواه البخاري في كتاب الحرث والزراعة من حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو حيوان إلا كان له صدقة»(1) قالوا أولنا في البهائم أجرًا يا رسول الله قال في كل ذات كبد رطبة أجر»(2) رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها»(3) رواه أحمد في مسنده.