من الأمراض القاتلة في حياة أمتنا المعاصرة البعد عن العمل بروح الجماعة والأمة والواحدة والحرص على التجمع والتكتل ، والرضا بالتشرذم والتفرق ، وهذا ما خطط له لويس التاسع عندما هزمه المسلمون في موقعة المنصورة وأسروه في بيت ابن لقمان بالمنصورة فوضع خطة غير عسكرية لهزيمة الأمة الإسلامية ومن بنودها تفريق جمعهم وزرع الفرقة بينهم ، وهذا ما جاء نابليون لتنفيذه ، وحرص الفرنسيون والإنجليز على تطبيقه فجاءت معاهدة سايكس – بيكو الحدودية الجغرافية وتنصيب عدد من الحكام المنتفعين بهذا التقسيم ، فأكد الحكام الجدد هذا التقسيم ، وتمت تربية الشعوب على هذا التفريق الخطير فكانت سايكس – بيكو السياسية وارتضى علماء السلطان هذا التقسيم المقيت وأكدوه ومهدوا لسايكس – بيكو الطائفية ، وأصدروا الفتاوى المرسخة للطائفية ، وقامت بعض الثورات باسم الإسلام لتكريس الطائفية بين المسلمين ، ثم جاء الطور الخطير لسايكس – بيكو الطائفية المسلحة التي تغذيها قوى التحالف الصليبي الصهيوني فكانت مأساة أفغانستان ، والعراق ، ولبنان ، والصومال ، والسودان ، وهذا كله ينقص عرى الوحدة الإسلامية ، ويهدم دعائم الوحدة الإسلامية في نفوس وسلوكيات المسلمين المخدوعين والمخدرين بالفتاوى والآمال الهدامة للأمة الإسلامية.ويهدم التربية الإسلامية للوحدة الإسلامية فالمسلمون يقفون في الصلوات الخمس ينادون ربهم سبحانه وتعالى في صلواتهم ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ{5}) (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ{6}) (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ{7} )وكلها دعوات بصيغة الجمع ، وتأكيدًا لهذه الروح الجماعية يقول المسلم نفس الآيات وهو يصلي منفردًا ترسيخًا لروح الجماعة ولأهمية العمل الجماعي ، والله تعالى يخاطب المؤمنين بصيغة الجمع والجماعة : " يا أيها الذين آمنوا " ويأمرهم بالعمل الجماعي : " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " ويحضهم على التعاون : " وتعاونوا على البر والتقوى " ويأمرهم جميعًا بالصدق : " وكونوا مع الصادقين " ويحذرهم من التنازع والفشل قائلاً لهم : "وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ{46} " [الأنفال: 46] ، وآخى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين المهاجرين والأنصار وجعل أخوتهم ووحدتهم أساس بناء دولتهم ومن الله عليهم بتأليف القلوب فقال تعالى : " وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{63} يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ{64} " [الأنفال: 63 – 64] .
وأكدت السنة النبوية المطهرة الأخوة والوحدة الإسلامية في مواطن كثيرة ( المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يسلمه ) جزء من حديث رواه البخاري ، فمن مقتضى الأخوة والوحدة ألا يظلمه ولا يسلمه وحثه على التعاون العملي في نفس الحديث فقال صلى الله عليه وآله وسلم " ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته " .
وجاء الإسلام بالوحدة بين أمة التوحيد وأهل دين الله فقال تعالى : " وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ{52} " [المؤمنون: 52] . فالمسلمون جميعاً أمة واحدة وجماعة واحدة وإن تعددت طوائفهم ومذاهبهم والمعنى الذي ينقدح في ذهن المسلم – إذا ذكرت كلمة الأمة – هو الأمة الإسلامية الواحدة فهو الذي يخطر بالبال ، ويخطر في العقل لأنها الأمة التي ينتمي إليها بحكم إسلامه كما قال الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله في بحثه القيم الأمة الإسلامية حقيقة لا وهم ، ويقول : فالمسلمون جماعة واحدة وإن تعددت طوائفهم ومذاهبهم وأعراقهم ، وجسد واحد تجمعهم كلمة التوحيد ، وعقيدة التوحيد ، وعبادة الله سبحانه وتعالى وحده قال تعالى : " وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ{52} " [المؤمنون: 52] ، " إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ{92} " [الأنبياء: 92] ، فالأمة الإسلامية حقيقة ولدت مع الإسلام ونمت بنموه ، واتسعت بانتشاره والأمة الإسلامية حقيقة بمنطق الدين وبمنطق التاريخ وبمنطق الجغرافيا وبمنطق الواقع ومنطق العصر ، وبمنطق الآخرين وبكل معيار كما قال الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله في المرجع السابق .
ولقد وحد الإسلام بين العربي والفارسي والرومي والحبشي ، والمسلمون جميعًا عاشوا فترة طويلة أمة واحدة تجمعهم دار الإسلام وإن تعددت الأوطان والأقاليم والولايات ، وكل وطن أو إقليم أو ولاية كون مجتمعًا واحدًا تربطه أصرة واحدة ، وهو مجتمع متكامل يضمن لكل مواطن فيه العيش الكريم العزيز الآمن ويكفل له الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص وحفظ الحقوق . إنه مجتمع التراحم والتكافل والرخاء والأخوة ، والعمل الصالح ، والعلم النافع والقوة ، والجهاد ، وفضائل الأخلاق ، مجتمع التقنية والإبداع ، والتعمير والإخلاص في العمل وإتقانه والالتزام به ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصدق والأمانة والجسد الواحد ، والسفينة الواحدة كما بيّن الدكتور محمد علي الهاشمي في كتابه المجتمع المسلم كما بينه الإسلام في الكتاب والسنة وكما بينت ( كاتب هذا المقال ) في بحثي تعايش الوطني بلا فتن طائفية ومذهبية سبيل للوحدة الإنسانية والفائز في المسابقة العلمية الثانية لوزارة العدل والشؤون الإسلامية في مملكة البحرين ، فإذا علمنا ذلك ، وأكده القرآن الكريم وأكدته السنة النبوية المطهرة ، ووثقه تاريخ الأمة الإسلامية الموحدة بقى علينا تعلم فقه الأمة الواحدة ، والجسد الواحد والسفينة الواحدة وأن تؤكد مناهجنا الدراسية ، ومواقفنا السياسية ، ووسائل إعلامنا هذه التربية الجماعية لأبناء الأمة الإسلامية لنقف صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا ، لنخرج من واقع الفرقة إلى واقع الأمة الواحدة ، لنجدد الدين ونعيد مجد الإسلام والمسلمين وليس ذلك على الله بعزيز ، المهم أن نعمل جميعًا على تحقيق ذلك بإذن الله بالتربية الأسرية ، والتربية المجتمعية ، والتربية المنهجية الدراسية ، وبالتربية الدعوية والتربية الإعلامية وكل السبل المفضية إلى ذلك بإذن الله . ( وللحديث بقية بإذن الله )