حتى سنين قليلة خلت، لم تكن هناك سوى أبحاث معدودة نشرت في المجلات الطبية العالمية حول موضوع الصيام. ولكن.. ظهر خلال السنوات القليلة الماضية عدد من الدراسات العلمية الرصينة في مجلات طبية موثوقة لتبحث تأثير الصيام في المرضى والأصحاء. وفي هذا المقال محصلة بحث واسع عما نشر في المجلات الطبية العالمية منذ عام 1966 وحتى الآن ويتعلق بموضوع الصوم من وجهة نظر البحث العلمي الطبي.
مرض السكري مرض شائع جدا في العالم أجمع يصيب حسب إحصائية الاتحاد الفيدرالي العالمي لمرضى السكر عام 1991، 3 - 5% من الناس في الدول الإسلامية. ولما كان كثير من المسلمين المصابين بمرض السكر يفضلون الصيام في شهر رمضان كانت هناك حاجة ماسة لإجراء دراسة كبيرة تبحث سلامة تعاطي حبوب السكر عند الصائمين. وكانت أحدث الدراسات وأكبرها دراسة نشرت في المجلة الطبية البريطانية ( B.M.J ) عام 1993. وقم بها باحثون في جامعتي الرباط والدار البيضاء. وقد شملت الدراسة 591 مريضا مصابا بمرض السكري الكلي (أي النوع غير المعتمد على الأنسولين). وقد عولجوا بدواء مرض السكر المعروف "داونيل Glibenclemide Daonil وكانت خلاصة الدراسة أن استعمال الدواء المذكور (دوانيل) أثناء الصيام استعمال مضمون عند المرضى المصابين بالسكري الكلي. وأن الصيام لا يؤثر سلبا في السيطرة على سكر الدم. واستنتج الباحثون أن نتائج دراستهم كانت مؤيدة لممارسة الكثير من الأطباء الذين يعكسون جرعات حبوب السكر عند مرضى السكر الكلي للصائمين، فيعطون جرعة الصباح المعتادة في وقت الإفطار، وجرعة المساء المعتادة من حبوب السكر في وقت السحور. وأما الذين يتناولون جرعة واحدة من حبوب السكر فتعطى عند الإفطار بعد الغروب.
هل يستطيع مرضى الفشل الكلوي الصيام؟
لقد جعل الله تعالى في الكليتين قدرة تستطيعان بها تركيز البول لعشرة أضعاف أو أكثر، وللمحافظة على حجم السوائل في الجسم تحافظ الكليتان على كل قطرة من الماء. ولا تطرح إلا ما تضطر إليه في البول. وإذا كانت الكليتان سليمتين، فالصوم لهما راحة وعافية. ولكن عندما تصبح الكلى مريضة فلا تستطيع القيام بالكفاءة المطلوبة لتركيز البول. ومن هنا قد يصبح الصيام عبئا على المريض المصاب بالفشل الكلوي، وخصوصا فى المناطق الحارة، مما قد يؤدي إلى ارتفاع نسبة البولة الدموية والكرياتنين. وقد نشرت مجلة- An nals of Saudi Medicine دراسة أجريت في المستشفى العسكري بالرياض على مرضى الفشل الكلوي المعالجين بالغسيل الكلوي (الكلية الاصطناعية- He modialysis ) . ويعتقد الباحثون أنه يمكن لهؤلاء المرضى الصيام، إلا أن استعمال الكلية الاصطناعية يشتمل إعطاء المريض عدداً من الأدوية وكمية من السوائل بالوريد، مما قد يتعارض مع الصيام. وينصح الباحثون أولئك المرضى بالصيام في الأيام التي لا يجري فيها الغسيل الكلوي. ولم تحدث أية تغيرات مهمة في مستوى البولة الدموية أو الكرياتنين أو البيكربونات أو الكالسيوم عند هؤلاء المرضى الصائمين خلال شهر رمضان، إلا أن البوتاسيوم قد ارتفع عندهم، ربما بسبب الإفراط في تناول الأغذية الغنية بالبوتاسيوم في رمضان. وينبغي على مرضى الكلى استشارة الطبيب لتقييم حالتهم وإعطائهم النصيحة المناسبة قبل البدء بصيام رمضان. ونشرت مجلة- Saudi Medical Jour nal عام 1989 دراسة من جامعة الأردن. وقد استقصت الدراسة تأثير الصيام في وزن الجسم عند 137 أردنيا بالغا. وقد قسم هؤلاء إلى ثلاث مجموعات:
الأولى: مجموعة مفرطي الوزن.
الثانية: مجموعة الناس ذوي الوزن الطبيعي.
الثالثة: مجموعة الناس ذوي وزن أدنى من الطبيعي بـ 5%.
وقد حدث عند انتهاء شهر رمضان انخفاض في الوزن بمعدل 2.6 كلجم للمجموعة الأولى، و 2 كغ للمجموعة الثانية، و 0.64 كلجم للمجموعة الثالثة. واستنتج الباحث أن صيام رمضان أسلوب جيد من أساليب إنقاص الوزن سنوياً، وهو أسلوب سليم لا يؤدي إلى المضاعفات التي تحدث في بعض أنظمة الرجيم. وفي دراسة أخرى نشرت في مجلة -" American journal of clinical Nutrition "وقام بها الدكتور fedail وزملاؤه على 28 شخصاً صحيحاً صاموا شهر رمضان، تبين أن صيام شهر رمضان يخفض الوزن بمقدار 1.8 كلجم. وقد أكد الباحثون أنه على الرغم من عدم التزام الكثير من المسلمين، ومع الأسف الشديد، بقواعد الإسلام الصحية في غذاء رمضان وإسرافهم في تناول الأطباق الرمضانية الدسمة والحلويات، فإن الصيام قد استطاع إنقاص الوزن بهذه المعدلات. وفي هذا دلالة واضحة على أنه إذا ما التزم الصائم نظاما صحيا سليما في غذائه في رمضان فإن ذلك سيؤدي إلى خفض أكبر للوزن، وإلى التخلص من البدانة وما فيها من مساوئ. وقد أكدت دراسة حديثة نشرت في مجلة Archives of Hsersal Medicine عام 1993 أن إنقاص الوزن بمقدار 4.5 كلجم كافيا لخفض الضغط عند المصابين بارتفاع خفيف في ضغط الدم إلى المستوى الطبيعي
هل يزيد الصيام من الكولسترول؟
نشرت مجلة American Journal of clinical Nutrition عام 1993 دراسة لمعرفة تأثير الصيام في النوع المفيد من دهون الدم. وهو الكولسترول العالي الكثافة ( M.D.L ) . وقد تمت الدراسة على 24 متطوعاً سليماً، وتبين أن الكولسترول المفيد MDL قد ارتفع بنسبة 30% في نهاية شهر رمضان، كما نقص معدل الكولسترول الكلي بالنسبة إلى الكولسترول المفيد ومعدل الكولسترول الضار بالنسبة إلى الكولسترول المفيد. ومن المعروف أنه كلما نقص هذان المعدلان كان أفضل للإنسان، وقل احتمال حدوث جلطة في القلب فالكولسترول المفيد يحمي الجسم من تصلب الشرايين، فيقوم بإزالة الكولسترول السيئ ( L.D.L ) المتوضع على جدران الشرايين ويطرحه في الكبد. ولا شك أن نتائج هذه الدراسة مشجعة للغاية، ولكنها تحتاج إلى المزيد من الدراسات لتوثيقها. وفي دراسة أخرى نشرت في مجلة Saudi Medical Journal عام 1987 وجد الدكتور الحازمي من الرياض زيادة قليلة في مستوى الكولسترول الكلي. وعزا الدكتور رياض السليماني في بحث نشر في مجلة Annals of Saudi Medicine عام 1991 ذلك إلى الإفراط في تناول الدهون والسكريات أثناء شهر رمضان. من جهة أخرى أظهرت دراسة أجريت في مستشفى الملك خالد للعيون بالرياض أن ليس للصيام أي تأثير يذكر على ضغط العين، وأنه لا يؤثر سلباً في المرضى المصابين بالجلوكوما (والتي تنجم عن ارتفاع ضغط العين).
كما أشارت دراسة أخرى إلى أنه لم يحدث أي تغير يذكر في إنتاج الدموع عند الصائمين دون سن الأربعين. أما عند أولئك الذين هم فوق سن الأربعين، فقد حدث نقص فى إفراز الدمع أثناء الصيام. ولا يعتبر الباحثون هذا النقص مهما عند الناس الأصحاء. أما إذا كان الشخص مصاباً بجفاف العين ( dry eye ) فإن نقص إفراز العين خلال شهر رمضان قد يزيد من جفاف العين. وينصح هؤلاء المرضى باستعمال قطرة مرطبة للعين وشرب كميات كافية من الماء.
وجاء في دراسة نشرتها مجلة Acta Psychiatric عام 1992، وأجريت في الأردن ما بين عامي 1986 و 1991 أن معدل محاولات الانتحار كان أقل بكثير في شهر رمضان منه في الشهر الذي قبله والذي بعده. ويقول الباحث الدكتور " Daradkeh " إن هذا يعكس تأثير الجو الروحاني والنفحات الإيمانية التي تسود معظم الناس في هذا الشهر العظيم. كما أوضحت الدراسات العلمية الحديثة أن صيام رمضان يؤدي إلى تغيرات فسيولوجية وكيميائية في الدم، ولكنها لا تؤثر في المرأة الحامل السليمة التي لا تشكو من أمراض عضوية. فقد نشرت مجلة British Journal of Nutrition عام 1989 دراسة لمعرفة تأثير الصيام عند النساء الآسيويات المسلمات في التبدلات الاستقلابية خلال الحمل. وقد وجد الباحثون حدوث انخفاض طفيف في سكر الدم وارتفاع خفيف في نسبة الأحماض الدهنية الحرة ( Free Fatty Acids ) والأجسام الكيتونية إلا أنه لم يعلم أي تأثير ضار سريري للصيام على الحوامل. من ناحية أخرى فإن هناك بعض التغيرات في معدل ضربات قلب الجنين، وقلة الحركة أثناء الصيام ولكنها لا تؤثر في النهاية على معدل نمو الجنين متأخرا. وينبغي استشارة الطبيب المختص فقد ينصح بعدم الصيام تلافيا لأي ضرر على نمو الجنين داخل الرحم. وقد نشرت المجلة العالمية الشهيرة Archives of diseases of children عام 1990 دراسة أجريت في مستشفى برمنغهام في بريطانيا. فقد تمت دراسة 13351 رضيعا تمت ولادتهم ما بين عامي 1964 و 1988 لأمهات آسيويات مسلمات في برمنغهام، وذلك لمعرفة ما إذا كان لصيام رمضان أي تأثير على الأم الحامل. وقد استنتج الدكتور "كروس" وزملاؤه أنه لم يكن لصيام رمضان أي تأثير في وزن المولودين في أي فترة من فترات الحمل أتى خلالها شهر رمضان. كما استنتج الباحثون أنه ليس لرمضان أي تأثير سلبي في وزن المولودين الذين يولدون في تمام الحمل " fulltern ". ولم يكن هناك ازدياد ملحوظ في معدل ولادة الأطفال "ذوي الوزن القليل" عندما كان يأتي رمضان والحامل في الثلث الثاني من الحمل.
ويحاول بعض المغرضين في الغرب الإيحاء بأن الصيام قد يؤدي إلى تجفف الجسم، واضطراب شوارد الدم وارتفاع حمض البول. ولكن الدراسات العلمية الرصينة التي أجريت على المسلمين أثناء فترة الصيام قد أثبتت عدم صحة تلك الادعاءات، فقد نشرت مجلة Saudi Medical Journal عام 1987 دراسة على 36 صائما سليما، فلوحظ حدوث ارتفاع خفيف جدا في معدل حمض البول إلا أن هذا الارتفاع لم يؤد إلى تأثيرات سلبية في صحة الصائم، كما أن شوارد الدم والكالسيوم والبوتاسيوم قد ارتفعت بشكل طفيف أثناء الصيام إلا أنها عادت إلى مستواها الطبيعي بعد انتهاء شهر الصيام. وكذلك كان هناك ارتفاع طفيف جداً في مستوى البروتين والألبومين والكرياتنين وأنزيمات الكبد والفوسفاتاز القلوية واستنتج الباحثون أن التغيرات التي حصلت في الفحوص الدموية كانت تغيرات بسيطة جداً. وعادت إلى مستوياتها الطبيعية بعد انتهاء شهر الصيام، ولم تحدث أية تأثيرات سلبية في صحة الصائمين. كما نشرت مجلة طبية رياضية عام 1992 دراسة قام بها الباحثون "هنتر" و "صويلح " و "ديفيز". وقد ارتفع مستوى الصوديوم والكلور والبروتين قليلا في الأسبوع الأول من رمضان ثم ما لبث أن عاد إلى مستواه الطبيعي خلال الأسبوع الأخير.
هل يؤثر الصيام في حمض البول؟
قام فريق من الأطباء في جامعة الخرطوم بإجراء دراسة علمية نشرت في مجلة " British Journal Of Nutritian " عام 1987 على طلاب مسلمين تتراوح أعمارهم بين العشرين والثانية والعشرين من العمر. وقد أظهرت الدراسة أن حمض البول قد انخفض خلال الأسبوعين الأولين من الصيام إلا أنه ازداد زيادة طفيفة في الأسبوعين الأخيرين. وعلى الرغم من أن حمض البول قد ازداد زيادة بسيطة الا أن هذه الزيادة لم تترافق بأية أعراض. ولم تحدث خلال هذه الدراسة أية حالة من حالات النقرس عند الصائمين. وفي دراسة نشرتها مجلة - Journal of American Dietehc As Sociati عام 1990 لاحظ الباحثون أن تناول غذاء غني بالدهون غير المشبعة (مثل زيت الزيتون) خلال رمضان قد منع حدوث ارتفاع حمض البول، الذى يرافق نقص الوزن ودعا الباحثون إلى الإكثار من تناول زيت الزيتون، فإن له تأثيراً خافضاً لكولسترول الدم.