الشيخ عدنان الحسيني


بسم الله الرحمن الرحيم
تعرض نظام الأسرة والزواج إلى كثير من الضربات ومحاولات الفتك بقوانينه الدينية والفطرية عن طريق بعض التيارات الفكرية والسياسية والأشخاص المدعين للعلم والتطور والثقافة والعبقرية، لكنه بقي شامخاً عتيداً يناطح الجهل والفجور، ولقد جعل الخالق عز وجل من الزواج آية من آيات خلقه وإبداعه إذ قال في محكم كتابه الكريم: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[1].
قال الراغب الأصفهاني: يُقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى من الحيوانات المزاوجة زوج، ولكل قرينين في الحيوانات وغيرها زوج، وهذه الآيات المباركة قالت: (خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)، أي خلق لكم، لأجلكم ولنفعكم من جنسكم قرائن وذلك ان كل واحد من الرجل والمرأة مجهز بجهاز التناسل يتم بواسطته عملية التناسل والتوالد، فكل منهما ناقص في نفسه مفتقر إلى الآخر، ويحصل من المجموع واحد تنام له ان يلد وينسل، ولهذا النقص والافتقار يتحرك الواحد منهما إلى الآخر حتى إذا اتصل به سكن إليه لأن كل ناقص مشتاق إلى كماله وكل مفتقر مائل إلى ما يزيل فقره[2].
ان مسألة علاقة الرجل بالمرأة عبر مؤسسة الزواج مسألة أهتم بها الإسلام جداً وبرمج لها الإمكانات والحيثيات والقيود بما يتكفل لإنجاح هذه المؤسسة والخروج بها إلى بر الأمان، وقد جعلت الشريعة من الزواج أمراً ذا بعد عبادي يُقدم عليه المسلم لمزيد من التقرب إلى الله والاستعانة به طلباً للعفة والاستقامة وبالتالي المشاركة الإيجابية الفاعلة في الانطلاق إلى بناء الحياة بقلب طاهر ورغبات كلها حلال وخير وبركة[3].
لذا يقول جل وعلا: (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) [4]، المودة كأنها الحب الظاهر أثره في مقام العمل فنسبة المودة إلى الحب كنسبة الخضوع الظاهر أثره في مقام العمل إلى الخشوع له وهو نوع تأثر نفساني من العظمة والكبرياء[5]. والرحمة نوع تأثر نفساني عن مشاهدة حرمات المحروم عن الكمال وحاجته إلى رفع نقيصته يدعو الراحم إلى انجائه من الحرمان ورفع نقصه[6].
وأين هذه النظرية من نظرة بعض الأديان سماوية وغير سماوية إلى علاقة الرجل بالمرأة بأنها علاقة شيطانية، وأن الأولى بالإنسان ان يتأنى بنفسه عن الزواج بل مطلق العلاقة، بينما ترى الآية المباركة تجعل من الزواج آية من آيات الله ونعمه التي أسبغها على عباده، فالزواج يخلف نواة المجتمع الصالح التي أفشلت كل النظريات التي دعت إلى إباحة العلاقة بين الجنسين وتجاوز الرباط الزوجي المقدس ابتداءً من النظرية المنسوبة لأفلاطون وانتهاءاً بالماركسية وغيرها.
ان الله هو الذي خلق الإنسان وهو الذي أوجد فيه الميول والغرائز وجعل لكل غريزة وسيلة إشباع شرعية كتبها له، فالجنس هذه الغريزة العمياء الطاغية التي إذا لم تجد المنافذ الصالحة للإرواء تتحول إلى موجة عاصفة ذات رعد وبرق تأكل وتسحق كل ما أمامها من قيم ومعاني في دينية وإنسانيته.

وسائل السيطرة على الغريزة الجنسية

1 ـ التقوى: أن أول وسيلة من وسائل السيطرة على الغريزة الجنسية هي التقوى، ومخافة الله في السر والعلن، ووعي معصية الله في كل خطوة من خطوات الإنسان وإشعار نفسه انه في محضر من يراقبه ولا يغفل عنه، والتقوى تُردف بالعبادة، فالعبادة والتعبد من صلاة وصيام خصوصا لها الأثر البالغ في السيطرة على النيران الملتهبة في جوف الإنسان فمن لا قدرة له على الزواج يتوسل بهذه الوسائل عادة كما قال رسول الله (صلى الله وعليه وآله): (يا معاشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لا فعليه بالصوم فأن له وجاء....) [7].
2 ـ غض البصر: ان غض البصر وعدم التعرض مطلقاً لمحفزات الجنس يُحول الشخص إلى إنسان عفيف مسالم جنسياً، فالجنس في جوف الإنسان لاسيما المتدين كالنهر الساكن لا تجد فيه حركة فما ان يتعرض لهواء أو تجديف أو إلقاء صخرة حتى تجده قد تحرك وماج وأخذ الأطراف واما اللذة الظاهرية التي يحسبها لذة ليس لها حظ من البقاء بل تزول ويعقبها ندم كثير بل للذي يغض البصر منزلة كبيرة فقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، أنه قال : (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ، فمن تركها خوفا من الله أعطاه إيمانا يجد حلاوته في قلبه) [8]؟.
ولا عذر لأي شخص يقول اني لا استطيع ذلك فقد عرفنا من الناس من لا ينظر الى ظل امرأة فضلا عن المرأة نفسها.
3 ـ الزواج: ان الزواج هو كأي موضوع قابل لحمل أنواع التكاليف الخمسة عليه من وجوب وحرمة واستحباب وكراهة وإباحة.
ولكن وبشكل عام أتت الأحاديث عن أهل بيت العصمة والطهارة تُرغب على الزواج فمنها (ما بني في الإسلام بناءاً أحب إلى الله عز وجل من التزويج) [9] و (شرار موتاكم العزاب) [10].
وقال صلى الله وعليه وآله: (ان ركعتين يصليهما رجل متزوج، أفضل من رجل يقوم ليله ويصوم نهاره أعزب) [11].

موانع وعقبات الزواج

في الواقع لم يكتف الإسلام بالحث على الزواج بل دعا إلى رفع الموانع وعدم تعقيد الحياة والزواج.
ان المجتمع الذي لا يجعل الإسلام طريقاً له يمشي عليه ولا ضوءاً يهتدي بهداه يُبتلى بأنواع الأوهام فهنالك أعباء اقتصادية واجتماعية لا داعي لها وأحياناً هذه القضايا الجزئية تعرقل بل تبطل الزواج.
أولاً: غلاء المهور: أول هذه التعقيدات غلاء المهور وهذه طامة أُبتلي بها المجتمع الإسلامي على مر العصور، مع العلم انه روى عنه صلى الله وعليه وآله: (أفضل نساء أمتي اصبحهن وجهاً وأقلهن مهراً) [12].
ثانياً: اختلالات طبقية مزعومة: ليس في الشريعة ضابط وملاك في الملائمة بين الزوجين إلا (الكفاءة) وجاء في الرواية (إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه)[13] فالتقوى والدين والأخلاق هو الأساس وجاء عن الإمام الحسن (عليه السلام) انه قال لرجل يستشيره في تزويج أبنته (زوجها من رجل تقي، فأنه أن أحبها أكرمها وأن ابغضها لم يظلمها) [14].
وكذلك على الفتاة ان تختار الشاب المتدين الملتزم بسير الشريعة ولا تنظر إلى ما في جيبه من الدنانير، وكذلك الشاب يتخير البنت الملتزمة ذات الدين فيكون الدين هو ملاك الاختيار لا المال ولا الجمال ولا الحسب والنسب، فان أخذها لدينها رزقه الله جمالها، وهذا أمر مجرب فيراها كل يوم بشكل جديد، اما من يأخذها لجمال أو مال فسوف يندم عاجلاً أو آجلاً، والعلة في ذلك ان الدين يأمرنا أن تكون ذوي عقول في كل شيء، وتكون خطواتنا عقلائية، فالدين يمثل حالة النضج عند الإنسان والثبات ولا بأس ان يكون مع الدين جمال أو مال أو كلاهما المهم ان يكون الملاك الأول هو التدين والالتزام والتقوى فالرباط الإلهي هو الحاكم وبذلك لا يوجد ظلم ولا طغيان لأحد الطرفين على الآخر، اما بقية الأمور فهي زائلة، فالجمال يذوب والمال يزول، اما الدين فهو باقي وطالما نكون العلاقة على أساس شيء باقي فالعلاقة باقية ان شاء الله.