وتعاونوا على البر والتقوى
فضيلة الإمام الأكبر / محمد سيد طنطاوى
شيخ الأزهر
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا علي الظالمين
نشهد أن لا إله ألا الله وحده لا شريك له , ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين , ونشهد أن سيدنا وشفيعنا محمدا عبده ورسوله , قائد العز المحجلين ,وأفضل خلق الله أجمعين أللهم صل وسلم وبارك عليه وعلي أله وأصحابه وأتباعه اللذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلو تبديلا.
يا أتباع النبي . عليه الصلاة والسلام:.
1) اوجد الله تعالي الناس في هذه الحياة وسخر بعضهم لخدمة بعض ، ولا يستطيع أحدهم أن يعيش في عزلة من غيره بل لابد من وجود التعامل بينهم في شتى مطالب الحياة.
وهذا معني قولهم (الإنسان مدني بطبعه)) أي إن الإنسان محتاج إلي غيره في غذائه,وشرابه وكسائه ودوائه وغير ذالك من شئون حياته.
وقد أشار القرآن الكريم إلي هذه الحقيقة في آيات متعددة, منها قوله تعالي (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا )) سورة الزخرف 32
أي : نحن بقدرتنا ورحمتنا وحكمتنا ,قد قسمنا بين الناس أرزاقهم في هذه الدنيا, ولم نترك تقسيمها لأحد منهم.
ونحن الذين تولينا تدبير هذه الأرزاق . وتوفير أسبابها , ولم نكلها إليهم لعلمنا بعجزهم وقصورهم
ونحن الذين رفعنا بعضهم فوق بعض درجات في الدنيا فهذا غنى وذالك فقير وهذا خادم وذاك مخدوم وهذا قوى وذاك ضعيف
ثم ذكر سبحانه الحكمة من هذا التفاوت في الأرزاق وفي المدارك وفي القدرات فقال: ليتخذ بعضهم بعضا سخريا:
أي فعلنا ذالك ليستخدم بعضهم بعضا في قضاء حوائجهم وليعاون بعضهم بعضا في قضاء مصالحهم وبذالك تنتظم الحياة وتسير في طريقها الذى رسمه سبحانه لها فيترتب علي ذالك التقدم العمرانى ويعم الخير بين الناس.
ويصل كل واحد إلى مطلوبة على حسب ما قدر الله تعالى له من رزق واستعداد ولو أننا تركنا تقسيم الأرزاق إليهم لتهاجروا ولتقاتلوا ولعم الخراب لأن كل واحد منهم يريد ان يأخذ ما ليس من حقه إذ الحرص والطمع من طبيعته.
ولفظ سخريا مأخوذ من التسخير بمعنى تسخير بعضهم لخدمة بعض وتعاون بعضهم مع بعض فالغنى يتعاون مع الفقير والبائع مع المشترى ورجل الأعمال يتعاون مع العاملين عنده وبذالك تنتظم أمور الحياة وتسير في طريقها الصحيح
ومن بلاغة القرآن الكريم أنه قال : ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ولم يقل ليتخذ الغنى الفقير أو القوى الضعيف سخريا للإشعار بأن الغنى في حاجه إلى أن يتعاون مع الفقير والحاكم مع المحكوم والصانع مع الزارع ، وهكذا كل إنسان في حاجة إلى التعاون مع غيره حتى يضمن الحصول على مطالب حياته.
2) فالآية الكريمة قد قررت سنة من سنن الله في خلقه ، وهى التعاون بين الناس أمر تفرضه طبيعة حياتهم ، وأنهم إذا ما استجابوا لقوله تعالى ((وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان عاشوا أمنين مطمئنين . لأن التعاون معناه تبادل العون والمساعدة بين الناس ، وهذا التبادل للمنافع يقوى رابطة الإخاء فيما بينهم.
ولعل هذا الشعور عند الإنسان بحاجته إلى غيره ، هو الذى دفعه منذ فجر التاريخ ، إلى أن يلجأ إلى من يتعاون معه ، فبدأ بالأسرة ، ثم انتقل إلى القبيلة ، ثم انتقل إلى ما هو أوسع من ذلك.
وشريعة الإسلام قد تعاون الناس فيما بينهم على البر والتقوى ، أصلا من أصول الدين، ومبدأ من مبادئه بدليل أن الله تعالى قد أمر بذلك أمرا مؤكدا مستعملا صيغة الأمر العام ، حيث وجه الخطاب الى الجميع بقوله:(( وتعاونوا...)) .
والمسلم في كل ركعة من ركعات صلاته يقرأ ((إياك نعبد وإياك نستعين)).
أى: نخصك يا ربنا وحدك بالعبادة ، ونخصك كذلك بطلب العون والمساعدة.