حوارات معاصرة
المنهج الإسلامي والصلاح الإنساني
بقلم‏:‏د‏.‏ معتز بالله عبد الفتاح
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية


لو كان لي أن أشارك برأي متواضع في الإجابة عن السؤال المطروح علي صفحات الأهرام حول لماذا تخلف المسلمون؟ لقلت إن التعارض بين ما هو إنساني وما هو إسلامي في عقل الإنسان المسلم جعل الكثيرين من فقهاء المسلمين بدءا من القرن الثالث عشر الميلادي يروجون لفكرة أن هناك طريقة إسلامية لعلاج مشاكل المجتمع وكأن المسلم ليس إنسانا يخضع لما يخضع له غيره من البشر من قواعد وقوانين‏;‏ فساهموا دون أن يدروا في لاهوتية ابتدعوها ما كتبها الله علينا‏.‏

ولقد استخدم فقهاء المسلمين تاريخيا لفظة إسلامي ليعنوا أمرا من ثلاثة‏.‏ فهو إما يعني إسلامي أي ابتدعه الإسلام علي غير مثال سابق‏,‏ وهي دائرة شديدة الضيق لا تنهض بمصالح العباد‏.‏ أو ثانيا إسلامي بمعني أنه من فضائل الأعمال التي وجدت قبل الإسلام وحض الإسلام عليها وجعلها منه بالتوظيف دون الابتكار‏,‏ وهي دائرة أوسع كثيرا من الدائرة الأولي‏.‏ أو ثالثا إسلامي بمعني أنه لا يتناقض مع ما هو قطعي الدلالة والثبوت من مبادئ الإسلام‏,‏ وهي دائرة أوسع من سابقتيها بل وينبغي أن تزداد اتساعا بحكم التطور الفكري والتكنولوجي الذي نعيشه‏.‏

المعني الأول لـ الإسلامي أي الذي ابتدعه الإسلام علي غير مثال سابق حسر الإسلام حسرا معيبا جعل من الإسلام دينا يرفض التطور ومنجزات الحضارة بحكم أن الإسلام هو ما نطق به الشرع صراحة وما دون ذلك خارج عن الإسلام متناقض معه‏.‏ والمسلم العاقل يعلم أن أغلب ما جاء به الإسلام ليس من ابتكاره وإنما هو استمرار لما كان سابقا‏,‏ فنحن نعلم مثلا أن الصيام كتب علينا كما كتب علي الذين من قبلنا وكذا الصلاة والجهاد وتعدد الزوجات بشرط العدل معهن إلي آخره‏.‏ حتي عقيدة التوحيد تنسب إلي آدم عليه السلام وتسمية الإسلام نفسها تنسب إلي أبينا ابراهيم الذي سمانا المسلمين من قبل لكن لاشك مثلا أن هيئة الصلاة التي يصلي عليها المسلم وتفاصيل الوضوء والحج وحدود العقوبات الشرعية هذه كلها تفصيلات ابتدعها الإسلام علي غير مثال سابق‏.‏

والغريب أن هذا الفهم يتناقض مع صريح ما قاله الرسول الكريم لأحد أصحابه‏:‏ واذا حاصرت اهل حصن فأرادوك أن تنزلهم علي حكم الله فلا تنزلهم علي حكم الله‏,‏ ولكن انزلهم علي حكمك‏,‏ فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا رواه مسلم‏.‏

إذن فأنت لا تدري حكم الله وحكم رسول الله في أمور الحكم والسياسة مثلا وإنما أنت تجتهد‏,‏ ويجوز أن يكون اجتهادك متفقا مع صحيح الإسلام أو يتناقض معه بحكم أن البشر لا يستطيعون‏,‏ إلا ظنا‏,‏ أن يفقهوا عن الله مراده‏,‏ فكيف يستطيع بشر أن ينسب لنفسه‏,‏ أنه يعرف الحل الإسلامي أو حدود الخروج عن الإسلام في أمور يغلب عليها الاجتهاد والمصلحة المرسلة؟

بيد أن الأغلبية الكاسحة من عقيدة الإسلام وأخلاقياته‏(‏ أوامره ونواهيه‏)‏ التي نصفها بأنها إسلامية هي واقع الأمر من الأخلاقيات التي وجدت قبلنا وحضنا الإسلام عليها وتكفي المقارنة بين الوصايا العشر اليهودية والآيات‏149‏ ـ‏151‏ من سورة المائدة للتدليل علي ذلك‏.‏

وعليه فإن مساحة ما ابتدعه الإسلام علي غير مثال سابق ضيقة للغاية حتي في أمور المعاملات ولنأخذ مثلا مفهوم الشوري الإسلامية الذي قدمه البعض كبديل عن الديمقراطية المستوردة‏,‏ فنحن نعلم بيقين أن قصي بن كلاب الجد الخامس للرسول محمد صلي الله عليه وسلم هو الذي أنشأ دار الندوة كي تتشاور قريش في شئونها‏.‏ ونحن نعلم بيقين أيضا ان الرسول جاء علي فترة من الرسل لقوم خلا فيهم نذير وبالتالي فلم تكن دار الندوة استجابة لتوجيه إيماني‏,‏ كما نعلم أن بلقيس ملكة سبأ قبل أن تسلم مع سليمان لرب العالمين قررت ألا تقطع أمرا حتي يشهد‏(‏ أي يشير عليها‏)‏ أهل الرأي في مملكتها‏.‏ أي أن الشوري الإسلامية هي إسلامية بالحض والاستيعاب وليس بالابتداع والانشاء‏.‏

وهذا ليس بغريب فكان المسلمون الأوائل يعلمون أنهم يهتدون بكتاب جامع ومنهج شامل يقول لهم ما فرطنا في الكتاب من شيء ويقول لهم أيضا فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون فلا تفهم الآية الأولي إلا في إطار فهم الثانية‏.‏

إن من يكتفي بالآية الأولي يفترض أن كتاب الله سيكون عند الكيميائيين كتابا في الكيمياء‏,‏ وعند الرياضيين كتابا في الرياضة وهكذا وهذا ليس بصحيح فهو كتاب في العقيدة والأخلاقيات أساسا وخلا هذين المجالين‏,‏ فكل شيء يمكن أن يكون إسلاميا بسؤال أهل الذكر عن الفائدة والضرر من قبيل أحل لكم طعام الذين أوتوا الكتاب لذا سم الله وكل مما يليك لا فرق إن كنت تأكل ضأنا عربيا ممتلئا باللحم أو بيتزا إيطالية طالما أنها تخلو مما حرم الله كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه‏.‏ فالطعام في الحالتين إسلامي لأنه لا يتناقض مع ما هو قطعي الدلالة وقطعي الثبوت من الإسلام‏.‏

ومن هذا لم يتساءل المسلمون عن طريقة إسلامية في حفر الخندق بدلا من الطريقة الفارسية التي رواها سلمان الفارسي‏.‏ ولم يرفض المسلمون الأوائل ركوب الجمال لأنها ليست إسلامية‏.‏ ولم يبحثوا عن منهج آخر غير منهج الشوري الذي مارسه غير المسلمين من قبل‏.‏ ذلك أن أي حل لأي مشكلة لا يتناقض مع العقيدة والأخلاق فهو من الإسلام‏.‏

وللأسف رفضت الديمقراطية مثلا لفترة طويلة لأنها غير مذكورة بلفظها وتفصيلاتها في القرآن‏,‏ وقد نسي هؤلاء أن أي خير يحقق العدل للناس هو من الإسلام حتي وإن لم يأت به رسول أو ينطق به وحي كما قال ابن القيم رحمه الله‏.‏

وعليه فإن الكون مفتوح لنا نحن المسلمين‏,‏ نؤسلم فيه ومنه ما جعله الله لا يتناقض مع ثوابت ديننا من عقيدة وأخلاق‏.‏

لقد ضيق علماء وفقهاء الإسلام في عصور التخلف من مفهوم الإسلامي لدرجة نالت من قدرة المسلمين علي الابتكار والاستفادة من منجزات غيرهم وهو ما نزال نعانيه من الرفع المعيب لشعارات من قبيل الإسلام هو الحل أو الحل الإسلامي فالحل‏,‏ أي حل لا يتناقض مع القرآن والسنة‏.‏ إسلامي‏;‏ أي أن ما يحل أي مشكلة نواجهها فهو من الإسلام‏,‏ وعليه فقد يجري الحل الإسلامي علي لسان شخص ليبرالي أو ماركسي أو ناصري‏.‏ ألم يقل الرسول الكريم علي قول لبيد‏(‏ ألا كل شيء ما خلا الله باطل‏)‏ إنه من خير ما نطق به الشعراء رغما عن أنه لم يكن مسلما‏..‏ فكل حل يكون معه الناس أقرب إلي الصلاح والعدل هو من الإسلام حتي وإن لم ينطق به الرسول العظيم أو جاء صراحة في القرآن الكريم‏.‏