خلاق الإسلام
فقه التعامل مع الآخرين

د. خديجة النبراوي

إن أخلاقيات الإسلام في كل فروعها تسجل سبقاً حضارياً لذلك الدين القيم الذي سبق كل العلوم والفنون بمبادئه الراقية وأخلاقه السامية. فما دعا إليه الرسول صلي الله عليه وسلم من إنزال الناس منازلهم من الخير والشر يشبه ما يسمي في العصر الحاضر بالدبلوماسية. فالمؤمن كيس فطن يعرف كيف يخاطب الناس علي قدر عقولهم ومنازلهم وقد وضع الرسول صلي الله عليه وسلم فن التعامل مع الآخرين وتبعه الصحابة الكرام في هذا النهج. النابع أصوله من القرآن الكريم» فعن ميمون بن أبي شبيب أن عائشة مر بها سائل فأعطته كسرة ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل فقيل لها في ذلك فقالت قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "أنزلوا الناس منازلهم" "أخرجه أبوداود في الأدب". باب في تنزيل الناس منازلهم "2842".
ولقد حدد المولي عز وجل مقامات للبشر» وبيَّن أن أعلاها مقام سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم قال تعالي بالنسبة لمنزلة الرسول صلي الله عليه وسلم : "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" "النور:63" ثم الوالدان ثم عامة المسلمين ووضع قواعد للمعاملات تحفظ لكل مقامه وقال تعالي بالنسبة لمنزلة الوالدين: وقال تعالي: "وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً" "الإسراء:23".
وفي نفس الوقت تحفظ للأمة الإسلامية معالم شخصيتها الإيمانية وأنها أمة الأخلاق الكريمة والمباديء العريقة حيث كان الهدف من بعثة رسولها صلي الله عليه وسلم هو إتمام مكارم الأخلاق حماية للبشرية من سيادة الغوغائية والتدني إلي الحيوانية قال تعالي: "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسي أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسي أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون" "الحجرات: 11". وقال صلي الله عليه وسلم : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وعن عبدالرحمن بن زياد بن أنعم عن أبيه قال: "انضم مركبنا إلي مركب أبي أيوب الأنصاري في البحر. وكان معنا رجل مزاح. فكان يقول لصاحب طعامنا. جزاك الله خيراً وبراً فيغضب. فقلنا لأبي أيوب: إن معنا رجلاً إذا قلنا له جزاك الله خيراً وبراً يغضب. فقال: اقلبوه له. فإنا كنا نتحدث أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر فقال المزاح: جزاك شراً وعراً "الجرب" فضحك. وقال: ما تدع مزاحك. فقال الرجل: جزاك الله يا أبا أيوب خيراً" "أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 16/52" وقال تعالي بالنسبة لمنزلة الملوك والرؤساء: "اذهب إلي فرعون إنه طغي فقل هل لك إلي أن تزكي وأهديك إلي ربك فتخشي" "النازعات 17:19" وعن علي رضي الله عنه قال: إياكم ومعاداة الرجال فإنهم لا يخلون من ضربين. من عاقل يمكر بكم. أو جاهل يعجل عليكم بما ليس فيكم. واعلموا أن الكلام ذكر والجواب أنثي وحيثما اجتمع الزوجان فلابد من النتاج ثم أنشأ يقول:
سليم العرض من حذر الجوابا ومن داري الرجال فقد أصابا
ومن هاب الرجال تهيبوه ومن حقر الرجال فلن يهابا