آية ومثل
عندما .. يستهتر البعض بالثوابت
د. طه حبيشي
أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين - القاهرة
من أهم مميزات القرآن.. التنوع في الخطاب.

فنحن نري هذا المثل الذي نحن بصدده الآن لا يتخذ الصورة المحسوسة من الواقع الطبيعي "الفيزيائي". وإنما يتخذها من حال المجتمع وواقع التجربة الإنسانية» فحين جاء النبي صلي الله عليه وسلم بهذا الدين وقاومه بعض الكافرين به. نزل القرآن يواكب هذه الظاهرة. فحلل ظاهرة الكفر والكافرين. مبيناً أن الكفر اعتقاد وسلوك يدفع إليها الغرور والغطرسة. والمغتر إنما يغتر بأمرين هما: المال والأولاد.
ولقد بيّن الله سبحانه وتعالي أن هذا الكفر المستند إلي الغرور والغطرسة إنما يقف في وجه الأدلة القاطعة والآيات الظاهرة فينكرهما. وهما لا يقبلان الإنكار.
وهنا يكون قد وصل الكفر إلي حالة من الاستهتار بالثوابت والمسلمات غير مقبولة.
ثم بيّن الله حقيقة جعلها الله سنة من سنن الاجتماع. وقانوناً من قوانين التاريخ. وهي: أن الإنسان إذا وصل إلي حدي من الغرور يجعله ينكر الآيات ويستهتر بالثوابت. ولا يستجيب إلي الموعظة. فإن الله يأخذه بالعذاب حيث لا يُعجزه ذلك.
هذه هي الصورة المعقولة التي يحلل بواسطتها القرآن قضية الكفر والكافرين وما يترتب علي الكفر والكافرين من العقاب المحتوم.
وهذه الصورة المعقولة تحتاج إلي وسيلة إيضاح.
والقرآن هذه المرة يأتي بالصورة الموضحة من واقع التاريخ وحوادث الاجتماع.
وهذا المسلك القرآني يؤكد لعلماء الاجتماع. أنهم إن أرادوا أن يستعملوا المنهج التجريبي. فما عليهم إلا أن يقارنوا حوادث الاجتماع بعضها ببعض في جوانبها السلبية والإيجابية.
وهذه لفتة منهجية تُحسب للقرآن الكريم حين نقارن بين النظم في مجال اصطناع المناهج.
ونعود إلي الصورة المحسوسة التي يوضح الله بها هذه الصورة المعقولة لحقيقة الكفر والكافرين والجزاء المترتب علي ذلك.
ولقد ذكر القرآن الكريم هذه الصورة من واقع التاريخ المصري. وفي التاريخ المصري أن اللقب السياسي لرئيس الدولة في إحدي حقب التاريخ في مصر هو: "فرعون".
وفي عصر موسي عليه السلام كان لمصر فرعون مريض بالغرور. وعلمت بطانته عنه هذا العيب. فاستغله فيه النهازون. وأخذوا يمنحونه الألقاب في غير استحقاق إلي أن منحوه لقب "الألوهية". فاغتر هو بلقبه حين قال: "ما علمت لكم من إله غيري" وحين دلل علي ما يعتقده بقوله: "أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي".
ولقد حكي التاريخ عنه أنه قد استخف قومه فأطاعوه.
وعلي الجملة. فقد صار مناخ حكمه مناسباً لفتح الأبواب أمام أصحاب المصالح الذين اغتروا بمصاحبتهم للملك الفرعون.
ونبه الله فطرتهم المرة بعد المرة فلم ينتبهوا.
والشيء العجيب أنهم جميعًا يعلمون حجم الضلال الذي يسيرون فيه. حيث حكي القرآن عنهم قائلاً: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا".
فحين وصل بهم الكبرياء إلي مداه. أخذهم الله بالعذاب بسبب ما هم عليه من كفر وعناد وغرور. فأغرقهم في البحر ولم تنفعهم توبتهم حينئذ.
وهذه الصورة التاريخية لا تقل في الوضوح والإيضاح عن الصورة المحسوسة فصلحت من أجل ذلك أن تكون وسيلة إيضاح.
والقرآن يعرض الصورة المعقولة والمحسوسة معًا في مثل ظاهر لا يخطئه ذوو الألباب ولا يخطئهم حيث يقول: "إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار. كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب" "آل عمران: 10. 11"