سم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمد الشاكرين, نحمده على السرُاء والضرُاء, وعلى الأمن والرخاء, ونعوذ بالله من الانجرار وراء الدنيا وملذاتها ومناصبها فهي دار الغرور.

ونسأله أن يجعلنا ممن يؤثرون الآخرة على الدنيا وذلك بتحقيق شرطيها: عدم طلب المناصب, وعدم الإفساد في الأرض, قال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (83-القصص).

وأشهد أن لا إله إلا الله القائل: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)(115-النساء)، فعدم إتباع منهج المؤمنين-الصحابة ومن اتبعهم-في العقيدة وسائر أمور الحياة, يؤدي إلى الهلاك في الدنيا والآخرة.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، وسراجًا يضيء طريق الحق للمؤمنين, صلى الله عليه وعلى آله ومن تبعه وانتهج نهجه القويم إلى يوم الدين, وسلم تسليما كثيراً.



أما بعد:

فإن المسلمين اليوم يعيشون أيامًا عصيبة, وأحداثًا جسيمة, وتكالبًا على الإسلام وأهله, نتيجة ضعف المسلمين وانحطاطهم بين الأمم, فهم غثاء كغثاء السيل, لا يحسب لهم حساب, ولا وزن لهم بين العالم المتحضر والمتقدم.

فبعض الناس ظن أن السبب الرئيسي في ذلك هو عدم وجود القوة لدى المسلمين لردع الأعداء، فنادوا بإنشاء المصانع المنتجة للأسلحة, وبعضهم رأى أن قتال الكفار هو السبيل الوحيد لإرجاع مكانة المسلمين, والبعض الآخر يرى أن عدم وجود خليفة أو خلافة للأمة هو السبب الرئيسي في انحطاط المسلمين وذلهم بين الأمم, وجعلوا ذلك من مهمات الأمور، بل جعلوه تاج الفروض, والذي لا يسعى لإقامة الخلافة فهو من الآثمين, وممن يموت ميتة جاهلية لعدم إيجاد الخليفة الذي يجب مبايعته.

وسأتكلم عن الشبهة الأخيرة لأنها قد انتشرت بين الناس, وبات الكثير منهم في حيرة منها, وهذه الشبهة لا ينبغي أن تسبب لنا حيرة, لأننا يجب أن نردها إلى الكتاب والسنة-بفهم سلف الأمة-و أقوال العلماء, حتى نرى هل هذه الدعوى صائبة وأهلها محقون, أم هي دعوى محدثة لا دليل عليها، وهذا واجب كل منصف متبع للحق لا يتعصب إلا للدليل.

فنسأل الله أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا إتباعه, وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه, إنه ولي ذلك والقادر عليه, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعريف الخلافة في اللغة:

هي مصدر خلف, يخلف، يقال: خلفه خليفة, أي كان خليفته وبقي بعده, والجمع خلفاء و خلائف, (انظر لسان العرب).

و الخليفة: هو السلطان والرئيس والإمام والأمير والحاكم, وسُمِّيَ خليفة لأنه يخلف النبي-صلى الله عليه وسلم-في أمته.

ففي سنن أبي داود والترمذي وأحمد أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي…)الحديث بسند صحيح, وعند أحمد وغيره قال: (الأئمة من قريش)، وعند مسلم(من أطاع أميري فقد أطاعني), فالصحابة-رضي الله عنهم-كانوا يروون هذا الحديث, وتلقّاه عنهم التابعين بعد ذلك، دون أن يفرقوا بين لفظ خليفة وأمير وإمام.

و قد سُمِّيَ الصديق بخليفة رسول الله, و لمّا وُلِّي الفاروق أرادوا أن يطلقوا عليه خليفةَ خليفة رسول الله, وكذا من يأتي بعده, فنظروا فإذا باللفظ يطول, فاتفقوا على تسميته بأمير المؤمنين, وكذا سُمِّيَ عثمان وعلي-رضي الله عنهم-أجمعين.

تعريف الخلافة في الاصطلاح:

فقد عرفها أهل الأصول بتعاريف مختلفة من حيث اللفظ، إلا أنها تتحد من حيث المعنى, ومن هذه التعريفات:

قال الماوردي: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة, في حراسة الدين وسياسة الدنيا. (انظر الأحكام السلطانية).

وعَرَّفها الجويني بقوله: الإمامة رئاسة تامة ورعاية تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدنيا والدين.(التاريخ الإسلامي/صالح الغامدي).

وعَرَّفها ابن خلدون بأنها: خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا.(المصدر السابق).

حكم الخلافة:

قال الماوردي: وعقدها-أي الإمامة-لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع, وشذ عنهم الأصم-أي أنها ليست بواجبة-.(الأحكام السلطانية).

و قال القاضي أبو يعلى-رحمه الله-: نصبة الإمام واجبة.(المصدر السابق).

وقال إمام الحرمين: مسألة الإمامة من الفروع.(مغيث الخلق).

وقال البغوي: اتفقت الأمة من أهل السنة والجماعة على أن الاستخلاف سنة, وطاعة الخليفة واجبة, إلا الخوارج الذين شقوا عصا الطاعة.(شرح السنة).

وقال النووي: وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة, ووجوبه بالشرع لا بالعقل.(نيل الأوطار).

والخلاصة من هذا الكلام: أن حكم الخلافة واجب, مع وجود من يرى أنها ليست بواجبة, و الحق أنها من مسائل الفروع ليست من مسائل الأصول, وقد وقع الخلاف في وجوبها وسنيتها.

والسعي لإقامة الخلافة هل يلزم جميع الناس أم لا؟
قال الماوردي في الأحكام السلطانية: فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية، كالجهاد وطلب العلم, فإذا قام بها من هو أهلها سقط فرضها على الكفاية, وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان:

أحدهما: أهل الاختيار حتى يختاروا إمامًا للأمة.

والثاني: أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة, وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم.

فتبين من هذا الكلام أن إقامة الخلافة غير واجبة على جميع الأمة كما يدعي بعض الناس, إنما تجب على نوعين من الناس: على أهل الاختيار وهم أهل الحل والعقد, وعلى من تنطبق عليه شروط الإمامة.

فكيف يقوم البعض بإيجابها على جميع الناس, ويؤثمون الأمة لأنها لا تسعى لإقامة الخلافة، ويدخل في ذلك المرأة والطفل والشيخ الكبير الذين لا حول لهم ولا قوة, ولا يستثنون أحدًا, وذلك كله لأنهم جعلوا هذه المسألة من أهم المسائل, بل هي تاج الفروض, والصلاة فرض فهي أهم من الصلاة بل جعلوها أهم من التوحيد.

فإن قيل: هم يقصدون أن الأمة الآن مسلمة ومطبقة للفروض, لكن في هذا العصر أصبح من أهم الفروض السعي لإقامة الخلافة لحل مشاكل الأمة!.

نقول: هل الأمة اليوم فعلًا قد طبقت الأركان والفروض حتى نقول ما بقي على الأمة إلا إقامة الخلافة؟, إن كثيرًا من الناس لا يعرف شروط لا اله إلا الله ولا يعرف معنى التوحيد.

ولا يهتم-كحال مدعي الخلافة-بالعقيدة الصحيحة و الدعوة إليها, كما اهتم بها الأنبياء, وكانت هي أول دعوتهم، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ...)(36-النحل)، إن أي دعوة لا تبدأ بالتوحيد فهي دعوة فاشلة لا تقوم لها قائمة.

وليس هذا معناه تكفير المسلمين-والعياذ بالله-بل نقول: إن الدَّخن قد دخل في عقيدة المسلمين, فنجد بعضهم يدعو غير الله من الأولياء والصالحين, ويذبح لهم ويطوف حول قبورهم, كما هو مشاهد عند قبر الحسين والبدوي والسيدة زينب وغيرهم كثير.

وأيضاً تهافُت الكثير إلى السحرة والمشعوذين والعرَّافين وتصديقهم, واعتقاد أنهم يعلمون الغيب، وأنهم يشفون المرضى, وفي الحديث الصحيح في-صحيح الجامع/5939-:(من أتى عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد).

وكذلك ما يقع فيه كثير من الناس من الحلف بغير الله, وفي الحديث الصحيح عند أبي داود و غيره: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).

ولا يفهم من هذه النصوص تكفير الناس إذا وقعوا في هذه الأمور, بل لابد من تعليمهم, وإقامة الحجة عليهم, فمذهب أهل السنة والجماعة من أبعد الناس عن التكفير, ولكن العجيب هو عدم الاهتمام بهذه الأشياء الخطيرة, والقفز عنها إلى أمر لا نستطيع أن نحققه، إلا إذا أزلنا عنا هذه المعوقات التي ذكرناها آنفا.

فبالله عليك أيها المسلم، كيف يوفِّق الله إنسانًا عنده خلل في العقيدة ويدعو الرسول من دون الله, أو حتى إنسانًا لا يهتم بالصلاة ولا يقيمها حق القيام, ولا يصليها مع الجماعة في المساجد, ولا يشهد صلاة الفجر والعشاء في المسجد, وقد كان الصحابة يتهمون المتخلف عن الصلاة-في هذين الفرضين خاصة-بالنفاق .

فإذا كان أكثر الناس لا يهتمون بالصلاة في المساجد, وقد هَمَّ النبي-عليه الصلاة والسلام-بإحراق بيوت الذين لا يشهدون صلاة الجماعة في المسجد, فكيف ينتظرون النصر والخلافة والتمكين.

وانظر إلى أحداث معركة أحد, فمن أجل أنهم خالفوا الرسول-صلى الله عليه وسلم-في أمر واحد حصل لهم ما حصل, وفي غزوة حنين بسبب ذنب واحد، وهو الإعجاب بالكثرة حصل الفرار من المعركة, فكيف بنا اليوم وقد خالفنا كثيرًا من أوامر النبي-صلى الله عليه و سلم-, فَتُرى من أين لنا النصر؟!.

وقد يقال: هل تريد منا أن نصلح جميع الناس ثم ندعو إلى الخلافة؟ فهذا أمر صعب المنال, ولا يقدر عليه إلا الخليفة, لذلك نحن نسعى لإيجاده!

فنقول: إن الله-عز وجل-وعد الأمة بالنصر، إذا هي حققت هذا الشرط وهو نصر دين الله, فإذا لم ننصر دين الله لا ينصرنا الله, ونصر دين الله هو تطبيق أحكام الله-عز وجل-, وأحكام رسوله-صلى الله عليه وسلم-.

ولا يمكن أن نقول أن المسلمين اليوم قد طبقوا أحكام الله ورسوله, لأنه يترتب عليه أن نقول أن الله أخلف وعده-حاشا وكلا-، بل نحن خالفنا الشرط الذي شرطه الله علينا, وإذا نحن طبقنا هذا الشرط ورجعنا إلى ديننا, بمعنى: أننا حاربنا الشرك والبدع والخرافات, وطبقنا سنة رسول الله الفعلية والقولية كما طبقها الصحابة, فإن الله سينصرنا بمنه وتوفيقه.

قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(55-النور)، فالله-عز وجل-وعد بإقامة الخلافة لمن آمن حق الإيمان, وطبقه على نفسه وأهله ودعا غيره إليه.

قال ابن كثير-رحمه الله-في تفسير هذه الآية: فالصحابة-رضي الله عنهم-لما كانوا أقوم الناس بعد النبي-صلى الله عليه و سلم-، بأوامر الله-عز وجل-وأطوعهم لله كان نصرهم بحسبهم.

وقال الطبري-رحمه الله-: … فأظهره الله على جزيرة العرب فآمنوا, ثم تجبروا فغير الله ما بهم, وكفروا بهذه النعمة فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم.

والناظر في دعوة الأنبياء, أن الله لم يبعثهم خلفاءً وحكامًا, إنما بعثهم دعاة إلى التوحيد, لإخراج الناس من الظلمات إلى النور, ولم يكن هدفهم إقامة الدولة, لأن إقامة الدولة أو الخلافة هي من عند الله-عز و جل-ومن توفيقه, وهو الذي يأذن بأسبابها, وليس المعنى أن ننتظر حتى تنزل الخلافة من السماء, بل يوفق الله الناس لقبول الحق عندما يكون الدعاة إلى الحق مخلصين, ليس لهم همٌّ إلا دعوة الناس إلى التوحيد و الإيمان والعمل.

فقد هيَّأ الله للرسول-عليه الصلاة والسلام-أهل المدينة النبوية, فآمنوا برسالته ونصروه على أعداءه, فقامت للمسلمين دولة بإذن الله, ولم يهيئ لموسى-عليه السلام-دولة, ولا لإبراهيم-عليه السلام-, ولا لنوح-عليه السلام-دولة, فهي من توفيق الله-عز وجل-.



(فالخلافة تأتي تبعًا ولا تكون قصدًا فنشابه الشيعة والروافض).


مسألة:

فإن قيل: كيف نطبق شرع الله بدون سلطان, وكيف نقيم الحدود ونرد الظلم, ونلزم النساء بالحجاب ونمنع الخمور وسائر المعاصي؟!.

نقول: إيجاد الخلافة يسبقه وجود جيش مسلم تقوم عليه الخلافة, وهذا الجيش لا بد أن يكون جنوده على درجة عالية من التقوى, والإيمان والورع والخشية وإيثار الآخرة على الدنيا, وأن يكونوا على قدر كبير من تطبيق أحكام الله.

من إقامة الصلاة على وقتها والصوم والزكاة, وعدم غش الناس, وعدم إيذاء المسلمين, و عدم أكل حقوق العباد و خاصة حقوق النساء في الميراث إلى غير ذلك من الصفات التي كانت متوفرة في الصحابة الذين قاموا بذلك، بدون سلطة أجبرتهم على ذلك, إنما هو الإيمان الراسخ في النفوس والجوارح, فساقهم إلى تطبيق أوامر الله ورسوله بدون تردد ولا شك، وليس المقصود العصمة من الذنوب, بل ربما تقع الذنوب لكن سرعان ما يتوبون منها.

و هذا الجيش حتى تتوفر فيه الصفات التي ذكرناها آنفا, لا بد أن يكون الشعب و المجتمع مساندًا له, ومقدمًا له كل الاحتياجات المادية والمعنوية، وبمعنى آخر, لابد أن يكون أكثر المجتمع على تقوى ودين وخلق, لأن المجتمع يتكون من مجموع الأسر والأفراد، والأسرة إذا كانت تَقِيَّة متبعة للسنة، خَرَّجَت لنا هذا الجندي الذي سيحمي الخلافة من السقوط.

فبالله عليكم أين أكثر هذه الأسر، التي تعلم أبناءها كتاب الله وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم-؟، أين رب الأسرة الذي يعلم أبناءه منذ الصغر على العقيدة الصحيحة, وعلى الصلاة في المساجد, وعلى الصدق في المعاملة, وعلى الأخلاق الحميدة, ويعود بناته على الحجاب وهم صغار، حتى لا يَنْفِرْنَ منه وهم كبار؟.

وأين المرأة المسلمة التي تربي بناتها على الحشمة وعدم الغيبة والنميمة, والوقوع في أعراض المسلمين، وعلى عدم حضور الأعراس، التي يحصل فيها المنكرات وكشف للعورات؟.

وأين الأب الذي يحمل ولده على دراسة سنة رسول الله وسيرته, ويحضه على التشبه به، حتى لا يقع في التشبه بالكفار؟.

وأين الأسرة التي تمنع أولادها من مشاهدة التلفاز، وما يعرض فيه من المنكرات والفواحش والإجرام, فيخرج الطفل وكأنه قد تربى في أحضان الكفار, فتجده يتشبه بهم في مظهره، ويقلدهم في حركاته، وكأنهم هم القدوة في الإتباع و التقليد.

وتجد الفتاة المراهقة قد تأثرت-بسبب التلفاز-بعادات الكافرات، في اللباس وغيره مما يؤدي إلى انسلاخها عن دينها!.

يقول الإمام مالك-رحمه الله-: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. فعلينا أن نصلح أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ومجتمعنا، لكي يصلح الله حالنا, يقول-تبارك وتعالى-: (..إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ..)(11-الرعد).

فيا أدعياء الخلافة: إذا لم تغيروا ما بأنفسكم و ما بمجتمعكم، لا يغير الله حالكم و لا يوفقكم إلى ما تنشدونه.

اهتموا بالتوحيد لأنه هو الأساس, ولا تقولوا: (يكفي أن الناس يعرفون الله), لأن إبليس يعرف الله, وفرعون عرف الله, والكفار الآن يعرفون الله.

ولا تقولوا: الكل يقول(لا إله إلا الله)، لأن هذه الكلمة لها شروط لابد من تطبيقها، ولا يكفي مجرد التلفظ بها، وإذا سألت أحدهم أين الله؟ قال: في كل مكان-والعياذ بالله من هذه العقيدة الكفرية-، بل الله في السماء مستوٍ على عرشه.

فلا بد من صرف الناس إلى إخلاص العبادة لله، وترك كل ما يعوق هذه العبادة من دعاء غيره, وعدم التوكل عليه, والخوف منه والإنابة إليه, ومن تعليق التمائم والذهاب إلى السحرة و المشعوذين …الخ .

اهتموا بالسنة وإحيائها: من إعفاء اللحية، وعدم التشبه بالكفار، وعدم الإسبال, اهتموا بالقرآن حفظًا وعملًا, وتخلقوا بأخلاقه, اعتقدوا بما اعتقده الصحابة لأن هذا فرض عليكم قال تعالى: (فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا...)(137-البقرة)، و من عقيدة الصحابة الإيمان بعذاب القبر، ونزول عيسى، وخروج المهدي، والحوض، والأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد …الخ.

وخلاصة ذلك: أنك أنت أيها الأب خليفة في بيتك, فأقم الخلافة في هذا البيت- وغيرك يفعل مثلك-تقم لك على أرضك-, ويكون الله ناصرك ومعينك(وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ)(40-الحج).

مسألة:

إن الإسلام لم يترك لنا مسألة إلا وأخبرنا عنها, كما جاء في صحيح مسلم، عن سلمان الفارسي-رضي الله عنه-(قيل له علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة …) الحديث.

وهنا سؤال: هل قضية هدم الخلافة ثم قيام دويلات, من الأمور التي أخبر عنها النبي-صلى الله عليه وسلم-, وبين العلاج النافع عند ذلك؟.

الجواب: نعم, قد أخبر النبي-صلى الله عليه وسلم-أن الخلافة العامة ستزول, و أن الخلفاء أو الحكام سيكثرون, وأنه سيحكمنا من ليس أهلا لذلك، إلا-من رحم الله-, فقد قال-عليه الصلاة والسلام-: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء, كلما هلك نبي خلفه نبي, وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون, قال: فما تأمرنا؟، قال: فوا ببيعة الأول فالأول, أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم)أخرجه مسلم.

قال النووي-رحمه الله-في شرحه: قوله فيكثرون: أي يكون أكثر من حاكم واحد للمسلمين في زمن واحد.

فلماذا هنا لم يأمرهم-بعد أن أخبرهم بتعدد الحكام-بالسعي لإقامة الخلافة؟, حيث أنها-كما يزعمون-هي تاج الفروض؟ بل أمرهم بإعطائهم حقهم من الطاعة, وسؤال الله حقهم منهم.

وفي الحديث: (ستكون أثرة وأمور تنكرونها, قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟، قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم)رواه مسلم.

قال النووي-رحمه الله-: قوله (أثرة): أي استبدادًا و اختصاصًا بالأموال التي من حقها أن تكون مشتركة للجميع, وقوله (تسألون الله الذي لكم): أي تطلبون من الله تعالى أن يرفع عنكم شر ولاة الجور، وأن يصلحهم ويعوضكم خيرًا مما فاتكم باستئثارهم عليكم …، قال: وفيه الحث على السمع و الطاعة وإن كان المتولي ظالمًا عسوفًا.انتهى كلام النووي.

فإن قيل: لقد أمرنا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في الحديث: (إذا بويع لخليفتين فاضربوا عنق الآخر)رواه مسلم، أي: بقتل الخليفة الثاني إن وجد, ففيه أنه يجب على الأمة نصب خليفة واحد, وهذا الذي نسعى إليه اليوم من إزالة جميع الحكام, ونصب خليفة واحدًا على الأمة كما أُمرنا.

نقول: إن إزالة الحاكم أو وضعه ليس لكل أحد, إنما هو لأهل الحل والعقد, ومن بيده القوة على ذلك(أما تهييج العوام على الحكام في مظاهرات و غيرها، فهذا ليس من هدي السلف, و مما لا يجوز فعله).

فإذا وجد خليفة آخر واستطعنا أن نزيله، بدون أن يترتب على ذلك مفسدة كبرى, من قتل الأرواح وتشريد الناس وانعدام الأمن-كما هو الحاصل اليوم ممن يخرجون على الحكام, فلا يرجعون على الأمة إلا بالوبال, لعدم فقه الواقع فضلًا عن السياسة الشرعية-فلا يجوز القيام بذلك, ويحرم علينا فعله.

فما بالك ونحن الآن لا نملك الاستطاعة, فكيف نطالب بإزالة الحكام؟!، بل نحن مطالبون بإزالة المعاصي التي علقت بنا قبل إزالة المنكر من غيرنا, ومما يؤيد هذا الأمر، ما جاء عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو-رضي الله عنه-، عن النبي-صلى الله عليه و سلم-قال: (…فان جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر) , فجاءه رجل وقال له: إن معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بالباطل، ونقتل أنفسنا-يقصد الفتنة التي بين معاوية وعلي-رضي الله عنهما-، فقال له الصحابي الجليل: أطعه في طاعة الله, و اعصه في معصية الله.

فلم يأمره بقتل معاوية, بل بأن يطيعه في طاعة الله، وأن يعصيه في معصية الله, لما يترتب على ذلك من المفاسد.

فالحاصل:

أن إرجاع الأمة اليوم تحت خليفة واحد, هو من الأمور المستحيلة-إلا إذا رجعوا إلى دينهم-، لأنه يترتب على ذلك مفاسد كبرى.

وهنا ننبه على القاعدة الأصولية القرآنية-درء المفاسد أولى من جلب المصالح-أي إنكار المنكر بمنكر أعظم منه محرم.

ومما يوضح ذلك:

أن الخلافة العامة لم تهدم في عام 1924م, كما يدعيه بعضهم, بل الخلافة العامة التي كان يحكمها خليفة واحد هدمت منذ أن هدمت الدولة الأموية, فإن العباسيين قد خرجوا على الدولة الأموية, و ارتكبوا المجازر من أجل ذلك, لكنهم لم يستطيعوا القضاء على جميع الدولة الأموية, فقد بقي منها بقية في الأندلس,(و لها حاكم و جيش).

فأصبح خليفتان للمسلمين خليفة عباسي وخليفة أموي, وقد حاول الخليفة العباسي إخضاع هذه الدولة لسلطانه فلم يستطع, فاضطر إلى التسليم لذلك, ثم خرجت دولة الأدارسة في المغرب و دولة العبيديين في الجنوب و دولة الفاطميين, فأصبحت الدولة الإسلامية منقسمة إلى دويلات, و هذا الأمر وقع في الأمة بسبب بعدها عن دينها.

وفي هذه الحقبة الزمنية كان جمع من العلماء منهم: الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي، ومالك، وأحمد، والثوري، والحسن، البصري، وغيرهم كثير, فلم يقل أحد منهم أنه يجب إعادة الخلافة ولا سعوا إلى ذلك, و لا أقاموا الأحزاب السياسية السرية لإقامة الخلافة.

بل سلّموا لهذا الأمر لأن الرسول-صلى الله عليه و سلم-أخبر عن ذلك, فقال: (ستكون خلافة نبوة ...ثم يرفعها الله... ثم يكون ملكًا عاضًا …ثم ملكًا جبريًا ثم يرفعها الله ما شاء الله أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت)( صحيح).

وهذه الخلافة الأخيرة, تكون في آخر الزمان لأن الرسول-صلى الله عليه و سلم-سكت في آخر الحديث, فتكون-إن شاء الله-(و الله أعلم) على يد المهدي الذي سيكون هو الخليفة ولا خليفة معه.

قال-عليه الصلاة و السلام-: (لتملأن الأرض جورًا و ظلمًا, فإذا ملئت جورًا و ظلمًا , يبعث الله رجلًا مني اسمه اسمي و اسم أبيه اسم أبي فيملؤها عدلًا و قسطًا كما ملئت جورًا و ظلمًا …)صحيح الجامع (5073).

فالعلماء قديمًا و حديثًا عرفوا هذه الأحاديث فسلَّموا لها, وأن ما وقع بالأمة هو من قضاء الله, إلا أن يشاء الله ويكرم هذه الأمة بالخلافة، عندما تعود إلى دينها كما جاء في الحديث: (…سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) صحيح أبي داود.

إذًا: العلماء أقروا بتعدد البيعات وتعدد الحكام اضطرارًا لا اختيارًا, خوفًا من الفتن والوقوع في المهالك, ولا يجوز الخروج عليهم, وتطبق عليهم أحكام الإمامة في وجوب الصبر على ظلمهم، وتحريم منازعتهم ملكهم، وإعطاء الطاعة لهم من غير معصية الله.

ومن العلماء الذين أجازوا تعدد البيعات: القرطبي، وابن تيمية، والشوكاني، والصنعاني، وصديق حسن خان، والشنقيطي،....... وغيرهم كثير.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد, والباقون نوابه, فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها, وعجز من الباقين, أو غير ذلك, فكان لها عدة أئمة, لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود, ويستوفي الحقوق. (مجموع الفتاوى 34/175).

و قال صديق حسن خان: فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين, وتجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه, وكذلك صاحب القطر الآخر. ( الروضة الندية 2/774).

وننبه: على أن التاريخ الصحيح نقل لنا أنه من سنة 597هـ إلى سنة 600هـ، لم يكن للأمة الإسلامية خليفة يحكمها, وذلك بسبب غزو التتار على الخلافة العباسية, مما أدى إلى قتل الخليفة وتمزيق الأمة, فأين المنادون بإقامة الخلافة في ذلك الوقت؟! فان قلتم لم يستطيعوا ذلك, قلنا لكم نحن اليوم لا نستطيع أيضًا, و إن قلتم غير ذلك لزمكم.


فإن قيل: مما يؤكد أهمية الخلافة والسعي لإيجادها ما حصل عند موت النبي-صلى الله عليه وسلم-، حيث أخر الصحابة دفنه إلى حين تنصيب الخليفة ثلاثة أيام، أو قالوا: انشغلوا عن دفنه بالأهم وهو إيجاد الخلفية ثم دفنوه!.

قلت: هذا الكلام غير صحيح؛ لأنه لا علاقة بين تأخير الدفن وبيعة الصديق، فبيعة الصديق تمت في السقيفة ولم تأخذ الوقت الكثير من الصحابة.

ثم إنهم لم يتركوا النبي-صلى الله عليه وسلم-، بل شرعوا في القيام بتغسيله من قبل بعض الصحابة، منهم: علي ابن أبي طالب والفضل بن العباس وأسامة بن زيد، في الوقت نفسه كان الصحابة يبايعون أبا بكر خليفة، علمًا أن هؤلاء الثلاثة من الصحابة لم يبايعوا الخليفة لانشغالهم بالرسول-صلى الله عليه وسلم-، ثم بايعوه بعد ذلك.

وتوفي النبي-صلى الله عليه وسلم-يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء، وسبب التأخير هو الاختلاف في كيفية تغسيله وتكفينه وموضع دفنه، وكثرة الصحابة والوفود الذين جاؤوا من خارج المدينة للصلاة عليه.

ونحن لا إشكال عندنا في وجوب بيعة خليفة آخر عند موت الخليفة السابق، لكن إذا وُجد خليفة أو أكثر في الأرض وكانوا مقصرين في أداء واجباتهم، ونحن ننصحهم ولا يستجيبون، وفي تغييرهم سفك للدماء وفساد عظيم، فهنا أمرنا الرسول-صلى الله عليه وسلم-بالصبر على جورهم والرجوع إلى ديننا؛ لأنه ما حصل ذلك إلا ابتلاءً لنا، وكثرةً لمعاصينا، حتى يغير الله عز وجل الحال، ولم يأمرنا بالخروج عليهم، ولا السعي لإقامة الخلافة الراشدة، ومن زعم غير ذلك فعليه بالدليل، وإلا فلا يتعنت.

مسألة:

فان قيل نحن نسلِّم لهذا الواقع, و أن الأمة سيكون عليها أكثر من إمام, والدولة تمزقت إلى دويلات, وأن إرجاع الخلافة سيكون في آخر الزمان, لكن الأحاديث التي تتكلم عن الأمراء أنهم سيكثرون, وأنه يجب علينا طاعتهم(كل في بلده)، ولا يجوز الخروج عليهم, إنما تنطبق على الخلفاء السابقين الذين كانوا يحكمون بما أنزل الله, أما حكام اليوم فلا تنطبق عليهم هذه الأحاديث لأنهم جاؤوا غصبًا وحكموا البلاد قهرًا بدون بيعة, ولأنهم لا يحكمون بما أنزل الله, و يوالون الكفار و عملاء…الخ.

نقول: إن من خصائص الشريعة أنها صالحة لكل زمان ومكان, فعندما يتكلم الرسول-صلى الله عليه و سلم-عن الحكام فإنه يعني جميع الحكام السابقين و اللاحقين, وإلا سنتهم الرسول-عليه الصلاة و السلام-أنه مقصر عن بيان أحوال الحكام اللاحقين, وهذا مردود.

فالرسول-صلى الله عليه وسلم-أمرنا بطاعة الحاكم(سواء العامي أو القطري) في كل زمان و مكان، فقال: (اسمع و أطع و لو ضرب ظهرك و أخذ مالك)رواه مسلم.

و حرم الخروج عليه إلا أن نرى كفرًا بواحًا عندنا من الله فيه برهان.

و أما التكفير فلا يجوز إلا بعد إقامة الحجة عليه, فليس كل مرتكب للكفر يكون كافرًا, و للتكفير شروط وانتفاءُ موانع, و ليس هو أمرًا سهلًا يطلقه من يشاء على ما شاء-كما هو مشاهد اليوم-.

و من هذه الشروط: أن يكون من ارتكب الكفر عالمًا بذلك, و أن يكون قاصدًا لهذا الكفر.

ومن الموانع التي تمنعنا من تكفير المعين:

أن يكون جاهلًا بالحكم, أو جاءته شبهة أن هذا الأمر لا حرج فيه, كما في مسألة الحكم بالديمقراطية, فهناك شبهة عند الناس أن الديمقراطية من الدين و أنها تحكم بالشورى, و أن فيها العدل و الإنصاف …الخ.

فهذه شبهة تمنعنا من تكفير من يقول أننا يجب أن نحكم بالديمقراطية, بل واجبنا تعليمه بأن الديمقراطية نظام كفر, و هو حكم الشعب للشعب مع إقصاء حكم الله في الأرض, فان رجع فهو المقصود, و إن أصر فينظر: فإن قال أنا مقر بهذا الكلام لكن لا أستطيع ترك ذلك فهو مرتكب للكبيرة, وإن قال : إن الديمقراطية أفضل من حكم الله و يجب أن يكون حكم الشعب للشعب فهو كافر و لا كرامة.

و من الموانع: الإكراه, كأن يكره الشخص على قول الكفر, فهذا لا يكفر, كما فُعل مع عمار بن ياسر-رضي الله عنه-.

ومن الموانع: العجز, فربما يعجز الإنسان عن تحكيم شرع الله, كما حصل للنجاشي عندما أسلم و كان حاكمًا على بلده، ولم يستطع أن يحكم فيهم بشرع الله, ولم يكفره النبي-صلى الله عليه و سلم-لهذا المانع .

ومن الموانع: الخطأ, كالذي قال: (أنت عبدي و أنا ربك), أخطأ من شدة الفرح.

فهل الذين يكفرون الحكام وضعوا هذه الشروط نصب أعينهم قبل التكفير؟! فالحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله في جميع الجوانب لا يكفر حتى تقام الحجة و تنتفي الموانع, فما بالك بالذي يحكم ببعضه-كما هو الحال في بعض حكام اليوم-فمن باب أولى.

فقضية التكفير من أخطر القضايا, فإذا لم يكن الشخص أهلًا للكفر رجع الكفر على قائله.

الخلاصة

ما دمت يا عبد الله ترى أن هؤلاء الحكام في دائرة الإسلام، فيلزمك أن تطبق عليهم أحاديث رسول-الله صلى الله عليه وسلم-, ولا يجوز لك الخروج عليهم إلا بدليل.

أما كونهم جاؤوا إلى الحكم بدون بيعة, ففيه تفصيل: فان كان حكمهم عن طريق التعيين ممن كان قبله, فهذا جائز, فقد فعله الصديق مع عمر بن الخطاب-رضي الله عنهما-, و فعله خلفاء بني أمية و العباس.

وإن كان عن طريق مبايعة أهل الحل والعقد من دون سائر الناس فجائز لأن الناس تبعًا لهم, وإن كان عن طريق الانقلابات و المظاهرات و القوة و القهر فهذا لا يجوز, أو عن طريق الانتخابات المحرمة.

و مع ذلك يجب طاعتهم في طاعة الله و لا يجوز الخروج عليهم درءًا للفتنة, وهذا هو مفهوم حديث النبي-صلى الله عليه وسلم-(اسمعوا و أطيعوا و لو أمر عليكم عبد حبشي)رواه البخاري و أصحاب السنن.

وأما موالاتهم للكفار, فإن كان المقصود هو المعاملة في البيع و الشراء، وتبادل المصالح التجارية مما يرجع على الأمة بالفائدة, فهذا لا بأس به, بشرط اجتناب المعاملات المحرمة.

و إن كان المقصود هو مشاركة الكافر في أحزانه وأفراحه, ومجالسته والأُنس إليه واتخاذه خليلًا, بدون إظهار الكره له على كفره بالله, فهذا لا يجوز, وهو محرم, وهو ما يسمى بالموالاة, ولا يكون كافرًا بذلك.

أما إذا أحبه ظاهرًا وباطنًا, وأحب الكفر الذي يحمله وفضّله على الإسلام, وأحب نصرة الكفر على الإسلام, فهذا هو التولي الذي في الآية(..وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ..)(51-المائدة)، وبهذا يكون كافرًا خارجًا من الملة, و ذلك بعد تطبيق شروط التكفير عليه، فيجب التفريق بين الموالاة والتولي.


وفي الختام أقول:

إن هذه الفكرة-و هي تعظيم أمر الخلافة, و توقيف جميع الأحكام عليها, ولا استئناف للحياة الإسلامية إلا بها-لهي توأمة فكرة الرافضة الإمامية الشيعية الإثني عشرية, فهم جعلوا الإمامة من أعظم الفروض، والسعي إليها من آكد الأمور, فلا أدري أهي مجرد صدفة أم اتحاد المشرب!!.

قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (1/75) في الرد على أحد الشيعة: فقوله إن مسألة الإمامة-الخلافة-(أهم المطالب)كذب بالإجماع؛ إذ الإيمان أهم, فمن المعلوم بالضرورة، أن الكفار على عهد النبي-صلى الله عليه و سلم-كانوا إذا أسلموا أجري عليهم أحكام الإسلام, ولم تذكر لهم الإمامة بحال, فكيف تكون أهمّ المطالب …

ثم قال: و قوله: (أن الإمامة أحد أركان الدين)جهل وبهتان, فإن النبي-صلى الله عليه و سلم-فسَّر الإيمان وشعبه, ولم يذكر الإمامة في أركانه, ولا جاء ذلك في القرآن).

فهذا رد من شيخ الإسلام ابن تيمية على من جعل الخلافة أو الإمامة من أركان الإسلام, فكيف يكون رده على من جعل الخلافة أهم الأركان و الفروض؟!.

يا طلاب الحق اسمعوا لوصية النبي-صلى الله عليه و سلم-لأحد أصحابه حيث قال: (يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها, وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)رواه مسلم.

فلا تهتموا بالدنيا ومناصبها, واهتموا بطلب العلم و التفقه في الدين, وانهجوا نهج السلف الصالح تسعدوا في دنياكم وآخرتكم, وأحيوا سنة نبيكم تكونوا من الغرباء.

و ما أجمل ما قاله شيخ الإسلام في تقسيم الناس بالنسبة إلى طلب السلطة, فقال:

الناس على أربعة أقسام:

القسم الأول: يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض, وهو معصية الله, وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون، كفرعون وحزبه وهؤلاء هم شر الخلق، قال الله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)(4-القصص).

وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه ذرة من إيمان، فقال رجل يا رسول الله: إني أحب أن يكون ثوبي حسنًا ونعلي حسنًا أفمن الكبر ذاك؟ قال: لا إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ الحق وغمط الناس)، فبطر الحق ودفعه وجحده وغمط الناس واحتقارهم وازدراؤهم وهذا حال من يريد العلو والفساد.

والقسم الثاني: الذين يريدون الفساد بلا علو، كالسارق والمجرمين من سفلة الناس.

والقسم الثالث: يريد العلو بلا فساد، كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس.

والقسم الرابع: فهم أهل الجنة الذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا، مع أنهم قد يكونوا أعلى من غيرهم كما قال الله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(139-آل عمران)، وقال تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)(35-محمد)، وقال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)(8-المنافقون).

فكم ممن يريد العلو ولا يزيده ذلك إلا سفولًا، وكم ممن جُعل من الأعلين وهو لا يريد العلو ولا الفساد، وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم لأن الناس من جنس واحد، فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم، ومع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه لأن العادل منهم، لا يحب أن يكون مقهورًا لنظيره، وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر... ا.هـ.

هذا ونسأل الله عز و جل أن يوفقنا لما يحب و يرضى, و أن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم, و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.

وكتب:

الشيخ سعد بن فتحي الزعتري.

تم بحمد الله................
قام بتنسيقه وضبط نصه: أبو عبيدة منجد بن فضل الحداد.

بتصرف يسير.............

الثلاثاء الموافق: 24/رجب/1431 للهجرة النبوية الشريفة.

منقول بتمامه من شبكة سحاب السلفية