دورات هندسية

 

 

الطابع المعماري م / غسان الشرجبي

النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. [1]
    غسان الشرجبي
    غسان الشرجبي غير متواجد حالياً

    عضو

    تاريخ التسجيل: Jul 2009
    المشاركات: 19
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0

    الطابع المعماري م / غسان الشرجبي

    تقديم : م / غسان الشرجبي


    الطابع المعماري

    كل شعب ممن أنتج معماراً يطور أشكاله المحببة له هو نفسه ، والتي تخص هذا الشعب مثلما
    تخصه لغته ، أو ملبسه ، أو فنونه الشعبية . وقبل انهيار جبهات الحضارة في القرن الماضي ،
    كان هناك في العالم كله أشكال وتفاصيل محلية متميزة للمعمار ‘ وكانت بنايات كل موقع محلي بمثابة أطفال جميلة لزواج سعيد قد عقد بين خيال أفراد الشعب واحتياجات ريفهم . ولست بالذي يطلب التأمل في المنابع الحقيقية للخصوصية القومية ، كما أني لست مؤهلاً لذلك بأي حال . ولكني أود أن أطرح ببساطة أن أشكالاً بعينها تفتن أفراد أحد الشعوب ، فيستخدمونها في مجالات جد متنوعة ، نابذين فيما يحتمل أي تطبيقات غير ملائمة ، وإنما هم يقومون بتطوير لغة بصرية رائعة مفعمة باللون هي لغة خاصة بهم وتلاءم تماماً شخصيتهم ووطنهم . وما من أحد يمكن أن يخطئ طريقة انحناء القبة الفارسية وقوس انحناء القبة السورية ، أو المغربية ، أو المصرية . وما من أحد يمكن أن يخطئ تبين وجود نفس الانحناء ونفس البصمة في القبة والجرة والعمامة التي تنتمي لمنطقة واحدة . ويتبع ذلك أيضاً أن أحداً لا يستطيع أن ينظر بعين الرضا إلى المباني التي تزرع في بيئة أجنبية عنها .


    * * *

    على أن مصر الحديثة ليس فيها أسلوب محلي ، فالبصمة مفتقدة ؛ وبيوت الأغنياء والفقراء هي على السواء بلا طابع ، بلا لهجة مصرية ، لقد ضاع التراث ، وانفصمنا عن ماضينا منذ قطع محمد علي رأس آخر مملوك . وهذه الثغرة في تواصل التراث المصري قد أحس بها أناس كثيرون ، فطرحت لها كل صنوف العلاج . والحقيقة أن هناك نوعاً من الغيرة بين أولئك الذين يعدون القبط السلالة الحقيقية المنحدرة من قدماء المصريين ، وأولئك الذين يؤمنون بأن الأسلوب العربي هو ما ينبغي أن يمد بنموذج للمعمار المصري الحديث . والحق أنه كانت هناك محاولة شبه رسمية للتوفيق بين هذين الفريقين ، وذلك عندما اقترح عثمان محرم باشا وزير الأشغال العمومية أن تقسم مصر إلى شطرين ، بما يشبه اقتراح سليمان بشطر الطفل ، وأن تسلم مصر العليا إلى الأقباط ، حيث يمكن أن يُنمى أسلوب من تراث فرعوني ، بينما ينبغي أن تُعطى مصر السفلى للمسلمين ليجعلوا من عمارتها عمارة عربية بحق !
    وتؤدي هذه الحكاية إلى إيضاح شيئين . الأول هو الحقيقة المشجعة من أن الناس يدركون بالفعل البلبلة الحضارية التي في معمارنا ، ويرغبون في علاجها ، والآخر – وهو أمر ليس بجد مشجع – وهو أن هذه البلبلة ينظر إليها كإشكالية في الأسلوب ، وأن الأسلوب ينظر إليه كنوع من التشطيبات السطحية التي يمكن تطبيقها على أي بناء بل و يمكن إزالتها وتغييرها عند الضرورة . والمهندس المعماري المصري الحديث يعتقد أن العمارة المصرية القديمة تتمثل في المعبد ببواباته الضخمة وإفريزة المزين بالتجاويف ربع الدائرية ، وأن العمارة العربية تتمثل في سدائل المقرنصات المجمعة ، وذلك في حين أن العمارة المصرية القديمة للبيوت كانت تختلف تمتماً عن عمارة المعبد ، والعمارة العربية للبيوت تختلف تماماً عن عمارة المسجد . فالمباني المصرية القديمة غير الدينية ، مثل البيوت ، كانت تكوينات سخيفة بسيطة ، لها خطوط واضحة مثلما لأفضل البيوت الحديثة . ولكن مدارس العمارة ليس فيها أي دراسة لتاريخ البنايات المنزلية وهي تدرّس العصور المعمارية عن طريق ما هو أسلوب عارض ليس إلا ، كالمعالم الظاهرة من مثل بوابات المعبد الضخمة وسدائل المقرنصات . وهكذا فإن المهندس المعماري يتخرج وهو يعتقد أن هذا هو كل ما يعنيه (( الأسلوب )) ، ويتخيل أن البنّاء يمكن أن يغير أسلوبه بمثل ما يغير الإنسان ملابسه . والتفكير من هذا النوع هو الذي أدى بأحد المهندسين المعماريين إلى أن يخرب المدخل المؤدي إلى حجرات الفصول الدراسية في مدرسة القرنة بأن حول المدخل الأصلي المعقود إلى بوابة معبد على الطرز المصري القديم قد اكتملت بإفريزها المزين بتجاويف من أرباع دوائر . ومما لا يفهم حتى الآن أن المعمار الحقيقي لا يمكن أن يكون موجوداً إلا في تراث حي ، وأن التراث المعماري في مصر هو الآن تقريباً ميت .
    وكنتيجة مباشرة لضياع التراث هذا فإن مدننا وقرانا أصبحت تزيد وتزيد قبحاً . وكل بناء بمفرده يؤدي إلى زيادة هذا القبح ، وكل محاولة لعلاج الموقف لا تؤدي إلا لتأكيد هذا القبح تأكيداً أثقل .
    وفي ضواحي المدن الإقليمية بالذات حيث تجري أحدث عمليات البناء ، يتأكد التصميم القبيح للبيوت بالتنفيذ السيئ للعمل ، فتبرز صناديق مربعة مضغوطة في أحجام متباينة ، بأسلوب ثم نقله عن أفقر أحياء المتروبوليس ، ورغم أنها نصف مكتملة إلا أن التلف ينال منها بالفعل ، وقد انتصبت إزاء بعضها بكل الزوايا ، وقد انبثت فوق خلاء رث بطرق غير ممهدة ، وأسلاك وصفوف غسيل تتدلى متربة من فوق حظائر الدجاج .
    وفي أجواء من هذه المجاورات الكابوسية تؤدي الشهوة إلى الاستعراض والحداثة إلى أن يقوم مالك البيت بتبديد نقوده على تجهيزات وتزاويق مبهرجة مما يكون للبيوت الحضرية ، بينما هو يضن بمساحة للمعيشة ويحرم نفسه تماماً من فوائد الصنعة الحقيقية ، وتجعل المنازل بسبب هذا الموقف متضاغطة ومتجهة مما يكون للبيوت الحضرية على الأسرة أن تقوم بتهوية بياضاتها على الشارع العمومي ، وتهوية نفسها وهي مكشوفة للجيران في شرفاتها القاحلة ؛ بينما لو كان هؤلاء الملاك أقل ابتذالاً في تفكيرهم لأمكنهم الاستفادة بنمط البيت ذو الفناء ، فيستمتعون بالمساحة والخصوصية معاً . ولسوء الحظ فإن هذا النوع من معمار الضواحي هو ما يتخذه الفلاحون كنموذج للحداثة ، بحيث أنه أخذ يكتسب موقعاً في قرانا ؛ ويمكننا أن نطلع في ضواحي القاهرة أو بنها على ما سيكون قريباً المصير لقرية غرب أسوان .



    * * *

    وبنّاء القرية إذ يتملق عملاءه ليقنعهم بأنهم أصحاب دراية وتحضر ، يأخذ في تجربة أساليب بناء لم يراها إلا عند تداولها للمرة الثانية أو الثالثة ، وبمواد بناء لايستطيع هو في الحقيقية أن يتناولها في فهم . وهكذا فإنه يهجر ما لديه في التراث من مرشد آمن ، ويحاول وهو لايملك علم وخبرة المهندس المعماري أن ينتج (( معمار المهندسين المعماريين )) . وتكون النتيجة هي بناء فيه كل أوجه القصور لعمل المهندس المعماري وليس فيه أياً من مزاياه .
    وهكذا فإن المهندس المعماري إذ يصمم مثلاً شقة في منزل في أحياء القاهرة الفقيرة لأحد المضاربين البخلاء ، ويضَّمن فيها ملامح مختلفة من تصميم حديث منقول عن عمل أوروبي رائج ، فإن عمله هذا يتسرب عبر فترة من السنين لينحدر من خلال الضواحي الرخيصة إلى القرية ، حيث يعدل رويداً على تسميم التراث الأصيل .
    وقد بلغ من خطورة هذا الموقف أن أصبح القيام بعمل بحث علمي محكم عنه ، هو مطلب ملح إذا كنا حقاً نريد أن نعكس هذا الاتجاه للإسكان السيئ القبيح المبتذل وغير الكفء في قرانا .
    وقد انتباني اليأس في وقت ما لضخامة المشكلة . فسلمت بأنها مما لا يقبل حلاً . فهي عملية مميتة من صنع القدر لا تقبل العكس و أدعنت لإحساسي بالعجز والأسى والألم لما يحل بناسي وبلدي . ولكني عندما وجدت أنه عليّ أن أتعامل بنفسي مع الحالة الواقعية للقرنة تمالكت نفسي وبدأت أفكر في المشكلة بصورة عملية بأكثر .
    عملية اتخاذ القرار
    الحضارة تنطلق من الجذور
    وتتسرب لتنفذ إلى كل طلع
    إلى الورقة والزهرة والبرعم
    ومن خلية للأخرى . وكأنها دم أخضر
    ويطلقها رذاذ المطر
    كعطر من زهور منداة
    يفعم الهواء
    ولكن الحضارة التي تنصب على البشر
    من فوقهم من عل . لا تلبث أن تنعقد
    كما ينعقد السكر الرطيب . وهكذا يصبحون
    مثل عرائس السكر . وعندما
    يبللهم بعض رذاذ من المطر الواهب للحياة
    فإنهم يتلاشون . يذوبون
    في خليط لزج
    كان يبدو لي أننا لم نتمكن من علاج أزمة المعمار المصري العامة بمجرد أن نبني مثالاً من نموذج جيد للبيت أو نموذجين . و لا حتى قرية كاملة . والأولى هو أننا ينبغي أن نحاول تشخيص الداء . أن نفهم الأسباب الجذرية للأزمة ، ونهاجمها من جذورها هذه . إن الفساد الحضاري يبدأ بالفرد نفسه ، الذي يواجه بخيارات لم يهيأ للقيام بها . وينبغي أن نعالجه عند هذه المرحلة . والبناء إنما هو نشاط خلاق حيث اللحظة الحاسمة هي لحظة التصور . تلك اللحظة التي تتخذ الروح عندها شكلاً . وتتحدد بالفعل كل ملامح المخلوق الجديد . وإذا كانت خصائص الكائن الحي تتقرر بلا رجعة في لحظة الإخصاب ، فإن خصائص المبني تتحدد بكل مركب القرارات التي يعطيها كل من له يد في الأمر . عند كل مرحلة في بنائه . وهكذا فإن لحظة التصور التي يعتمد عليها الشكل النهائي للكائن الحي تصبح بالنسبة للمبنى تعدداً من تلك اللحظات ، كل منها تقوم بدور حاسم في العملية الخلاقة بمجملها .
    ولو أمكننا تحديد هذه اللحظات والإمساك بها ، فإننا سنستطيع عندها التحكم في كل عملية الخلق .
    وممارسة الاختيار ممارسة متروية – أي اتخاذ القرارات – لهي النشاط الرئيسي للحياة ، وكلما زادت المناسبات التي يمارس فيها الكائن الحي الاختيار ، زاد علو المرتبة التي يوضع عليها بمقياس الحياة . وابتداء من أبسط الكائنات المعروفة ، وهي دواريات الماء التي يتألف وجودها كله من تمييزها بين ما يمكنها ولا يمكنها أكله ، وانتهاء إلى أكثر الكائنات تعقداً وهو الإنسان ، الذي تفعم كل ساعة من حياته باتخاذ القرارات أو بالحاجة إلى اتخاذ القرارات ، فإنه ما من كائن حي لا ينفق وقته كله في الاختيار . فأن تكون حياً هو أن تتخذ قراراً . والقرارات التي يجب على الإنسان أن يتخذها لهي أكثر رهافة إلى حد بعيد ، ويتطلب تقييمها وعياً بعوامل أكثر إلى حد بعيد ، مما في تلك القرارات التي تتخذها الحيوانات الأبسط .
    وفوق ذلك ، فإن قرارات الإنسان تختلف كيفاً عن قرارات الحيوانات الأخرى ، ذلك أن الإنسان لديه القدرة على التأثير بقراراته في العالم من حوله وأن يغير من مظهره ومن طبيعته تغييراً جذرياً بالغاً . ولما كان لقرارات الإنسان هذه الإمكانات الهائلة بما هو خير وشر معاً ، فإن مسئوليته لهي حقاً مسئولية خطيرة . وهذا في الحقيقة هو واحد من أهم أوجه مأزق الإنسان ، وهو أن كل قرارات الإنسان تغير من العالم ، وأنه لا مفر له من أن يصدر القرارات ، وأنه على وعي بما يفعله من خير أو شر ، وبما يخلقه من جمال أو قبح .
    ويقال أن الله استدعى الملائكة ذات يوم وعرض عليها مسئولية اتخاذ القرار ؛ ولكن الملائكة بكل حكمة تفادت ذلك ، مفضلة أن تبقى في كمالها غير المتغير في انسجام مع الكون . ثم طلب الله من الجبال أن تقبل المسئولية ، فرفضت هي أيضاً ، قانعة بأن تخضع في سلبية لقوى الطبيعة . على أنه عندما عرض الله على الإنسان هبة المسئولية ، فإن ذلك المخلوق الجاهل تقبلها لأنه لم يتبين ما يستتبعه ذلك . وهكذا فإن الإنسان الآن ، أحب أو كره ذلك ، هو ملجم بالمسئولية التي أرعبت الملائكة والجبال معاً ، وأصبح لديه فرصة لإثبات أنه أعظم من أيهما . وعلى أي ، دعنا لا ننسى أنه بذلك يتقبل أيضاً مخاطر الهزيمة ، وأنه لو هزم سُينظر إليه على أنه من دون الخليقة لهو أكثر الحيوانات ادعاء واستحقاقاً للزراية . إن العالم في أي لحظة إنما هو صفحة بيضاء في انتظار قلمنا ؛ والفراغ الشاغر قد يتم شغله بكاتدرائية أو هو يشغل بكوم من خبث .
    وحيث أنهما من رجلين يصدران في الظروف المتماثلة القرارات ذاتها ، فإننا نقول أن شخصيات البشر تختلف . واتخاذ القرار ، أو الاختيار ، هو كلمة أخرى تعني التعبير عن الذات – أو لعل الأفضل أنه التمهيد اللازم لكل التعبيرات عن الذات .
    والقرار الواعي لعله مما يتم الوصول إليه إما بالاسترشاد بالتراث أو بالتفكير المنطقي والتحليل العلمي . وكلتا العمليتين ينبغي أن تؤديا إلى نفس النتيجة ، ذلك أن التراث يجسد استنتاجات التجربة العملية لأجيال عديدة على المشكلة نفسها ، بينما التحليل العلمي هو ببساطة الملاحظة المنظمة لظواهر المشكلة .
    وأرهف القرارات إنما تُستدعي عندما يقوم الإنسان بصنع شيء ما . والكثير من القرارات الواعية ظاهرياً في حياة المرء اليومية هي ببساطة مما يتم بحكم العادة ، ولكن عندما يقدم المرء على صنع شيء فإن مجال اتخاذ القرار يصبح أوسع مما عند أداء الوظائف الثانوية للعيش . ومن المؤكد أن المرء قد يقوم بصنع شيء بحكم العادة – ولكنه وقتها لن يكون حياً وجميلاً إلا بسبب ما يتبقى من فضل للقرارات التي اتخذها المرء عندما حاول لأول مرة القيام بصنع هذا الشيء ، وأيضاً بفضل القرارات الثانوية التي يتخذها أثناء أداء الحركات المعتادة لإنتاج هذا الشيء . على أن أفضل وسيلة لخلق الجمال ليست بالضرورة بأن تصنع تصميماً غريباً أو أصيلاً . وكم يصدق ذلك حتى على صنع الله ، حيث لا يتوجب أن يغير في تصوير التصميم من أجل أن ينتج التفرد فيما بين البشر ، وإنما هو يمكنه أن يبسط كل درجات مقياس الجمال من كليوباترا حتى كالبيان بمجرد تعديل وضع أو حجم ما في الوجوه من عناصر .
    ومن الشائق أن نلاحظ أن العادة قد تحرر الإنسان في الحقيقة من الحاجة لأن يتخذ قرارات كثيرة قليلة الأهمية ، بحيث يمكنه أن يركز على القرارات المهمة حقاً لفنه . والمخ الواحد لا يستطيع أن يتخذ أكثر من عدد محدود من القرارات في وقت بعينه ؛ ولذا فإن من الإنصاف أيضاً أن يحال بعضها إلى اللاوعي . وناسجة السجاد تتعلم أن تعمل بيدها بسرعة وثقة بالعين بحيث لا تعود تفكر في كل حركة منفصلة ولكنها تستطيع أن تركزعلى التصميم وهو ينمو تحت يديها . فهي كالموسيقى الذي يبذل كل انتباهه لعزفه للمقطوعة ويكاد لا يتتبع كل أصبع وهو يصدر إحدى النغمات .


    تقديم / غسان الشرجبي

  2. [2]
    mohamed2009
    mohamed2009 غير متواجد حالياً
    عضو متميز جداً
    الصورة الرمزية mohamed2009


    تاريخ التسجيل: May 2009
    المشاركات: 1,547
    Thumbs Up
    Received: 12
    Given: 0
    السلام عليكم بارك الله في حسناتك وزادك في العلم بسطه

    0 Not allowed!



  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML