مبارك عامر بقنه


إن الكافر المتجرد من الإيمان بالله تعالى، المستصحب لهواه، يصعب عليه رؤية مقام العبودية لله تعالى، واستشعار أنه عبد مكلف بعبادة الله تعالى في هذه الدار. لذلك عندما تأتيه الآيات والنذر يُعرض عنها ويظن لأن الأمر لا يعنيه. ولا ريب أن الدخول في دين الله تعالى لا يتطلب كثير جهد، وإنما يتطلب صدق نية، ونقاء طوية وعندها لن يتردد المرء أن يتبع الحق من أول وهلة، فهؤلاء الجن لم سمعوا القرآن مباشرة أسلموا " إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ " فرأوا أن القرآن منهج هداية فلم يترددوا لحظة أن يعلنوا إيمانهم بالله تعالى.

وتعبيد الناس لرب العالمين، وإعادتهم إلى الجادة والصراط المستقيم هو من أشرف المقامات التي يقوم بها العبد لأنه يدعو الناس إلى أعظم معلوم، وأشرف موجود وهو الله تعالى ولذلك قال الله تعالى "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ " فمقتضى الآية أن الدعوة إلى الله تعالى أحسن الأعمال. وهذه الآية الكريمة جاءت بعد قول الله تعالى :" إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ " وهذه إشارة بعد اكتساب المرء الكمال البشري في ذاته، ينتقل إلى المرتبة الأكمل وهي الاشتغال بتكميل الناقصين، بدعوة الخلق إلى الدين الحق " وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ "

ودعوة الناس وتصحيح عقائدهم يتطلب من الداعي الذهاب إلى عقيدة المدعو ومناقشتها أولاً وثم الانتقال لتصوراته عن الإسلام ثانياً. فإذا أردت أن تدعو شخصاً إلى الله تعالى فعليك أولاً أن تنقض معتقد المدعو عن معنى العبودية، وتصوراته الباطلة عن الإلوهية في دينه؛ فتبين له بطلان معتقده عن طريق الأسئلة العقلانية، فإن كان نصرانياً مثلاً فتقول له: كيف يموت الإله؟ وما معنى أن يكون الثلاثة واحدا والواحد ثلاثة؟ وكيف يتجسد الإله في البشر؟ وغيرها من الأسئلة والتي قد يكون ما جالت في خاطرة أو إنها مرت على ذهنه ولكنه يتهرب منها كي لا يعيش في اضطراب وقلق. ولا تكتف بذلك؛ بل اتجه إلى تبيين معنى الإلوهية في الإسلام، وأن الله واحد لا مثيل ولا ند له، وأنه لم يولد ولم يلد، وأنه تعالى كامل في صفاته وأفعاله، وأنه وحده المستحق للعبادة. فقبل أن تبني الدين الصحيح عليك أن تزيل الأوساخ والأحجار والأتربة حتى تكون التربة صالحة للبناء وكما يقال التخلية قبل التحلية.

ولا تظن وأنت تدعو الناس لدين الله تعالى وتعرض عليهم الإسلام في أحسن صورة، وأبهى حُلة أن يستجيبوا لك؛ فأنت قد تواجه قلوباً غلفا لا تفهم ولا تعي ما يُقال لها كما قال تعالى " وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ" فتأمل في وصف الله لهم كيف خبئوا قلوبهم كما تخبأ السهام في الأكنة، وفي آذانهم صمم وثقل فلا يسمعون الحق، وفوق هذان المانعان هناك حجاب بينهم وبين الحق، فالمسافة التي بين الداعي والمدعو مستوعبة بالحجاب، وليس هناك جزء فارغ ينفذ منه قول الحق. وإذا أُغلقت هذه المنافذ ـ القلب والسمع والبصر ـ والتي هي محل المعرفة فلا يمكن وصول العلم إلى القلب. لذا عليك أن تكسر هذه الحجب وتنفذ إلى قلبه بأفضل المواعظ" وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا" لعله يخاف فيتذكر ويدرك أنه مسؤول أمام الله عن اختياراته.
ومن الخطأ أن لا يخاطب الكافر بالقرآن بحجة أن المدعو لا يعتقد بصحته، فالقرآن نزل ليقيم الحجة على الناس كافة. فهو خطاب الله للبشرية ونحن نرى أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يخاطب المشركين بالقرآن مع عدم تصديقهم بذلك فخذ مثلاً حواره مع عتبة بن ربيعة فبعد أن فرغ عتبة من كلامه قال صلى الله عليه وسلم: "أفرغت يا أبا الوليد؟" قال: نعم . قال: "فاستمع مني" قال: أفعل. قال:"بسم الله الرحمن الرحيم . حم. تَنزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ" ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: أقسم -يحلف بالله-لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة [1]". وكذا الواقع يظهر لنا أن كثيراً من الكفار أسلموا عندما قرءوا القرآن. فالقرآن له تأثير على النفوس لقوة بيانه، وجزالة ألفاظه، وحسن ترتيبه، وجمال سياقاته، وبراعة انتقاله من أسلوب لآخر، فلا يلحقه نقص أو خلل في المعنى أو المبنى فهو من حكيم حميد.

ولقوة القرآن وقدرته على التغيير والتأثير فإن صاحب الهوى ومن فيه قلبه زيغ يتهرب من سماعه " لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ " كي لا يؤثر فيه ويترك ما هو عليه من لهو وباطل. فإن رأيت ذلك فلا ينقطع عنك الرجاء في الدعوة، ولا يدخلك اليأس فتقول انتهى المطاف فقد بذلت جهدي ولم يستجب أحد فتقف عن الدعوة فهذا خطأ منهجي. فالرسول عليه الصلاة والسلام واجه مثل هذا وأكثر ومع ذلك لم يتوقف ويلقي عصاه؛ بل كان ذلك وقوداً ودافعاً لبذل مزيداً من الجهد والعطاء من أجل إخراج الناس من دائرة الكفر إلى رحابة الإسلام وسعته.

صحيح أن الداعي قد يصيبه الهم والتعب كما قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد. قال:" لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة. إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي؛ فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال:" إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم" فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال:" يا محمد فقال ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين" فقال النبي صلى الله عليه وسلم :"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا [2]" فعدم استجابة الناس جعلته يعيش هماً غلب على فكرة ومشاعره ولكنه مع هذا الهم لم يتضجر ويغضب ويدعو عليهم ولكن تحلى بالحلم والصبر والأناة واتجهت رؤيته إلى مكان أبعد لم يلتفت إليه أحد وهو ما في أصلابهم. فلا تعش اللحظة الآنية وتأسرك آلامها وليكن لديك بعد نظر فالخير قد يكون في أعطان الشر.والله أعلم وأحكم.





--------------------------------
[1] انظر تفسير بن كثير (7/163)
[2] رواه البخاري رقم (2992)

منقول