دورات هندسية

 

 

أصل البلاء

النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. [1]
    عاطف مخلوف
    عاطف مخلوف غير متواجد حالياً

    عضو شرف

     وسام الشكر

      وسام كبار الشخصيات


    تاريخ التسجيل: May 2007
    المشاركات: 3,157
    Thumbs Up
    Received: 43
    Given: 17

    أصل البلاء

    كثيرا ما يتظر بعضنا الي ما يجري في بلادنا من انحطاط علي جميع المستويات ، ثم يتساءل ما الذى أدي بنا الى هذا التفسخ الاجتماعي والانحطاط التعليمي والاخلاقي ، هل هذه خير أمة أُخرجت للناس ! ويرجع البعض الاسباب الى عصر الثورة في مصر والتى فعلت وفعلت ، ويرى آخرون أن عصر السادات والانفتاح الغير منضبط هو المسؤل عن كل ذلك ، ويري آخرون أن ادارتنا الحالية هي المسؤلة شكلا وموضوعا عن كل ما يصيبنا .
    وفي هذه الورقات المختارة من كتاب إستعمار مصر – تيموثي ميتشل – ترجمة بشير السباعي وأحمد حسان .وقد قمت بالقليل من التصرف .
    نعرض فيها الى تاريخ أبعد من كل ذلك ، ونختار مجال التعليم ، وسيري القارئ الكريم أن البلاء أسبق من كل العصور التى ذُكرت سابقا ، كما سيطلع القارئ علي معلومات فيها جدة عن شكل التعليم العلماني المعاصر وكيف بدأ ، وماذا كانت أهدافه ، ومن الذين عكفوا عليه ، وما هي ثقافتهم ، الي غير ذلك من المعلومات التى رأيت اشراك اخواني الكرام فيها والتى ارجو ان تنال رضاكم .واتمني أن تضيف جديدا .
    كتب ضابط عسكري فرنسي في الجزائر في تقرير عن انتفاضة أخمدتها قواته عامي : 1845 - 1846 يقول :" إن هناك طريقتين لتأسيس سلطة سياسية علي سكان ما : طريقة القمع وطريقة التربية ، والاخيرة بعيدة المدي وتعمل علي العقل ، أما الاولي فتعمل علي الجسم ولا بد أن تأتي أولا .
    الشيئ الجوهري بالفعل هو أن تجمع في مجموعات هذا الشعب الموجود في كل مكان وليس في أى مكان : الشيئ الجوهري هو أن نجعل منهم شيئا يمكن أن نحكم قبضتنا عليه ، وحين نملكهم في أيدينا ، سيكون باستطاعتنا عندئذ أن نصنع العديد من الاشياء المستحيلة تماما بالنسبة لنا اليوم والتى ربما سمحت لنا بأن نأسر عقولهم بعد أن أسرنا أجسامهم ."
    ص 109

    1 - في شتاء 1867 – 1868 ، أتيحت لعلي مبارك ، وهو مدير ، وأستاذ ومهندس مصري ضليع ، فرصة السفر الي باريس في مهمة مالية لحساب الحكومة المصرية ، ولزيارة المعرض العالمي . وقد قضى عدة أسابيع – كما وصف في شيئ من التفصيل فيما بعد – يدرس النظم الباريسية الجديدة في مجال التعليم والصرف الصحي ، فقد فحص المباني ، والكتب ، والبرامج الدراسية للمدارس الجديدة ، وسار مع الزوار الآخرين عبر الانفاق الضخمة لشبكة الصرف الصحي والتى اقيمت تحت شوارع مدينة هوسمان الجديدة . وقد عين لدي عودته الي مصر ناظرا للمعارف وناظرا للأشغال العمومية ، وعلي مدار العقد االتالي ، خطط وبدأ بناء مدينة القاهرة الحديثة ونظام التعليم الحديث .

    2 – ان تخطيط شوارع المدينة وتخطيط مؤسسات التعليم لم يلتقيا عن طريق الصدفة وحدها ، فالواقع أن مجري عمل علي باشا مبارك كان يشير الي شواغل عصره ، وكانت الشوارع والمدارس تبني بوصفها تعبيرا عن نظام ثقافي وانجازا له ، ولترتيب اجتماعي ، لنظافه طبيعية ، كان يجري النظر اليها علي انها الحاجة السياسية الاساسية للبلاد ، وقد تقرر مد النظام الجديد للجيش والقرية النموذجية ليشمل المدينة والمدني .وفي هذه العملية ظهرت الي الوجود سياسة الدولة الحديثة .

    3 – إذا كان لا بد من اختيار حادث يرمز الي ظهور السياسة الجديدة للدولة الحديثة فسوف يكون ذلك في شتاء 1867 – 1868 عندما حصل علي مبارك ، لدى عودته من باريس ، علي قصر في درب الجماميز في قلب القاهرة وأنشأ هناك مكتبه ومدارسه .
    لقد جعل في القصر المدارس الاعدادية والهندسية الحكومية الجديدة ، وافتتح هناك في العام نفسه مدرسة للادارة وللغات ومدرسة للمساحة وللمحاسبات ، وافتتح في العام التالي مدرسة للغة المصرية القديمة ومدرسة للرسم ، مضيفا فيما بعد عيادة ، ومكتبة ملكية ، ومدرجا للمحاضرات العامة وللامتحانات ، ومدرسة لاعداد المعلمين ، ووضع في الموقع نفسه ديوان الاشغال العمومية ، وهو الديوان الذي سيكون مسؤلا عن اعادة بناء المدينة ، وديوان الاوقاف .
    4 – ظل التعليم المدرسي الجديد الذي ادخل في أوائل القرن في ظل محمد علي يستهدف انتاج جيش من من الفنيين المتميزين المرتبطين به ، أما التعليم المدرسي في عهد اسماعيل فقد كان عليه انتاج المواطن الفرد ، ولفهم ما كان مقصودا في نسق تعليم مدرسي مدني ، يمكن اختيار تجديدين هامين من اربعينيات القرن التاسع عشر كإبانة :المكتب النموذجي في القاهرة والمدرسة المصرية في باريس ، ، وسوف أبدأ بالمدرسة النموذجية ، التى كان ابراهيم ادهم قد أنشأها عام 1843 في قاعة رحبة مرتبطة بالمدرسة الابتدائية العسكرية ، وكان غرضها هو هو ادخال ما يسمي بمنهج لانكستر في التعليم المدرسي الي مصر .
    الطاعة المطلقة
    كانت مدارس لانكستر أو مدارس "التحسين المتبادل " قد استحدثت لتعليم الطبقات الصناعية في انجلترا . وكان فريق من عشرين مصريا قد أرسل للدراسة في مدرسة جوزيف لانكستر المركزية في لندن في عشرينات القرن التاسع عشر ، وفي عام 1843 كان ادهم نفسه قد عاد مؤخرا من انجلترا ، حيث كان قد ارسل لدراسة تنظيم المصانع .وكانت مدرسة لانكستر ، شأنها في ذلك شأن المصنع ، تتألف من قاعة رحبة واحدة ، تضم صفوفا من مناضد ذات أماكن مرقمه ترقيما فرديا لزهاء ألف طالب .
    وكانت كل منضدة تشكل " فصلا " من ثمانية عشر أو عشرة طلاب ، وكانت تحت اشراف طالب عريف كان يرصد سلوك وعمل الطلاب الآخرين . ولدى إطلاق صفارة أو دق جرس ، كان كل فصل ينتقل من منضدته الي احدى السبورات الموضوعه علي الجدران في كل القاعة ، وكان يقف علي خط شبه دائري محدد علي اتساع الارضية . وكانت السبورات مرقمة في تتال لصعوبة متصاعدة ، حيث كتبت علي كل منها حروف ، أو أرقام ، أو كلمات كان طالب عريف آخر يتولي تعليمها للطلاب .
    وكان يجري تعليم طلاب الفصول "أن يحسبوا خطواتهم صامتين ، عند دوراهم داخل المدرسة في طابور متراص ، وذلك لمنع ما يمكن ان يحدث في الغالب من المجموعات ، التى تسير كل منها في أعقاب الأخري .أو تتدافع . وفي هذه الحالة فإن حسابهم لخطواتهم يفرض الانتباه الي موضوع واحد ، ويمنع السلوك غير المنظم . وليس مطلوبا أن يكون الحساب دقيقا ، او ان يكون خطوة منتظمة ، بل ان يحاول كل طالب السير علي مسافة شبه منتظمه من الطالب الذى يسبقه " كما كان عريف كل فصل مسؤلا عن "نظافة" ونظام وتقدم كل فتي فيه " وكان الطلاب يحصلون علي كل المعارف وهم واقفون ، اذا قيل إن هذا أفضل للصحة ، الا في فترات معينة حينما كانوا يعودون الي مناضدهم ويجلسون لتمرين الكتابة . وكان التمرين يتبع تعليمات (يحفظها العرفاء عن ظهر قلب ) حيث يكتب كل الطلاب الكلمات نفسها أو الحرف نفسه ، بادئين الكلمة او الحرف في اللحظة نفسها ومنهين لها أو له في اللحظة نفسها .
    " 9 :الايدى علي الركب .يجري نقل هذا الامر من خلال دقة جرس واحدة ، 10 : الايدى علي المنضده ، الرأس مرفوعة ، 11 :نظفوا الالواح الاردوازية : كل طالب ينظف لوحه الاردوازى بقليل من الرضاب ، او يستحسن ان يكون ذلك بقطعة قماش ، 12 : اعرضوا الالواح الاردوازية 13 : الغرفاء ،فتشوا . يفتشون الالواح الاردوازية لمساعديهم ثم الالواح الاردوازية لطلاب منضدة كل منهم . ويفتش المساعدون الالواح الاردوازية للطلاب "
    وكان من الواجب ان تكون مثل هذه التعليمات قليلة العدد ومتكررة في الغالب .
    فقد كفل ذلك ان السلطة ، بدلا من ان تكون مركزة في الامر الشخصي الصادر عن الناظر ، سوف "يجري نشرها بصورة منهجية علي المدرسة كلها ، وسوف تكون قادرة علي التفويض ، ودون نقصان ، الي أى ممثل . "
    وللمساعدة علي نشر السلطة ، كان يجري إصدار الاوامر عن طريق تلغراف إشاري .
    والحال أن "التلغراف الموضوع علي رأس المدرسة ، يتألف من ستة أذرع ، طول كل ذراع منها نحو أربع بوصات وعرضه ثلاث بوصات . وتتحرك هذه الأذرع علي محاور ، في جوانب إطار خشبي ، وعلي كل جانب حرف كالحرف ألف : إلي الأمام ، والذى تستدير المدرسة كلها ، لدى رؤيته ، الي جهة الناظر ، أو ألف .ألف.ألف : اعرضوا الألواح الاردوازية ، والذى تعرض المدرسة كلها ، لدى رؤيته ،الالواح الاردوازية . ويجري شد انتباه المدرسة الي ذلك عن طريق جرس جد صغير ملحق ، لا يتطلب دقا عاليا بل يتميز بصوت واضح حاد" .وقد دربت الاشارات التلغرافية الطالب علي "الطاعة المطلقة" .
    مما خلق "نسق نظام" . والحال أن الواقع البصري لهذا النظام ، من موقع نطر الناظر الفرد علي رأس المدرسة ، كان ملحوظا .وعلي سبيل المثال ، فإن :
    من المرغوب فيه معرفة ان يدي كل فتي في المدرسة نظيفتان .عندئذ يصدر أمر : "أعرضوا الاصابع " ، وعلي الفور يرفع كل طالب يديه ، ويمد أصابعه . ثم يمر العرفاء بين مناضد فصولهم ، ويفتش كل منهم فصله ، وهكذا يجري فحص النظافة في المدرسة كلها في خمس دقائق ، وتساعد ممارسة التفتيش ، والتى يتوقعها الطالب ، علي تعزيز النظافة الاعتيادية . وفي مدرسة من ثلاثمائة طالب ، سوف يجري عرض ثلاثة آلاف اصبع وإبهام في دقيقة ، فيكون الوقع علي العين جد فريد ، مثلما يكون الفحص جد مفيد .
    والي جانب العرفاء الطلاب الذين كانوا يتولون التعليم والاشراف ، كان هناك عرفاء يتولون ترتيب الطلاب في نظام الجلوس ، وعرفاء يتولون الاشراف علي الالواح الاردوازية ، وعرفاء يوزعون الاقلام ويبرونها ، وعرفاء يتولون تحري غياب الطلاب ، وعريف عام يشرف علي العرفاء .
    لقد كانت المدرسة نسق انضباط تام . فقد كان يجري تحريك الطلاب باستمرار من مهمة الى مهمة ، مع ضبط واستخدام كل حركة وكل مكان ، وكان يجري تنظيم كل جزء من الوقت ، بحيث يكون الطالب في كل لحظة منشغلا اما بتلقي الدرس ، او بتسميعه ، أو بالاشراف ، او بالتفقد ، وكانت تقنية جري فيها التنسيق بين الموقع الدقيق والمهمة المحددة لكل فرد في كل لحظة ، بحيث يؤدون واجباتهم معا كآلة . وجري نشر السلطة والطاعة ، دون نقصان ، في المدرسة كلها ، بادخال كل فرد في نسق للنظام ، وكانت المدرسة نموذجا للمجتمع الامثل – وكانت مدرسة القاهرة تحت اشراف عبد الرحمن رشدى ، الذى كان قد درس منهج لانكستر في انجلترا وعمل فيما بعد ناظرا للمعارف ، وأيا كان الامر ، فقد اعتبرت التجربة ناجحة ، وفي عام 1847 جري استصدار أمر لانشاء مدرسة علي غرار مدرسة لانكستر في كل قسم من الاقسام الثمانية لمدينة القاهرة ،؛ ولم تكن هذه المدارس لخلق جنود ، بل لخلق أعضاء مجتمع منضبطين . وقد سميت بمكاتب الملة ، تمييزا لها عن المنشآت العسكرية ، وخطط لبنائها في طول البلاد وعرضها .
    5 - مدرسة باريس :
    في الفترة نفسها ، بين عامي 1844 – 1849 ، أنشأت الحكومة المصرية مدرسة في باريس ، نظمتها وأدارتها وزارة الحربية الفرنسية ، أدخلت دستور نظام وطاعة مماثلا ، وكان من بين الطلاب المصريين الذين ارسلوا للدراسة هناك اسماعيل باشا ، الذى سوف يحكم البلاد فيما بعد ، وعلي مبارك الذي سوف يكون فيما بعد من نظاره ، ونسبه هامة ممن صاروا فيما بعد رجال تعليم وإدارة وحاولوا اعتبارا من ستينات القرن التاسع عشر بناء نسق جديد للسلطة الانضباطية في مصر .
    وفي اكتوبر 1844 كانت وزارة الحربية قد ساعدت الموظفين المصريين المسؤلين في رسم نظام داخلي للمدرسة الجديدة .

    6 – وفي عام 1849 توقفت كلتا المدرستين الانضباطيتين في القاهرة وباريس ، بعد ان تولي عباس باشا السلطة والغي التعليم الحكومي كله من الناحية العملية .
    وعندما خلف سعيد باشا عباس في عام 1854 ، طرح ابراهيم ادهم اقتراح انشاء "مكاتب الملة" المنظمة علي غرار مدرسة لانكستر مرة اخري ، وكان طرح الاقتراح هذه المرة بمشاركة رفاعة الطهطاوي ، وهو مدير آخر من مديري المدارس الذين تلقوا تدريبا اوروبيا ، وقد سُمح لادهم بتنظيم التعليم الابتدائي بين المصريين الذين بدأ تجنيدهم لأول مرة ، جنبا الى جنب أفراد من النخبة التركية والاوروبيين ، كضباط وضباط صف في الجيش ، ولتنفيذ هذا المشروع اعتمد ادهم علي مبارك الذي كان قد عاد من الدراسة في مدرسة باريس ليعمل مديرا ومهندسا عسكريا .

    سلطة بلا تجليات خارجية :
    تشير المناهج الدقيقة للتفتيش ، وللتنسيق وللسيطرة التى سارت عليها المدرسة النموذجية في القاهرة والمدرسة المصرية في باريس الي مقاصد واسلوب الممارسات التى سوف تنبثق اي الوجود في ستينات القرن التاسع عشر ، بمجرد تولي اسماعيل السلطة ، وعودة ابراهيم ادهم ، وعلي مبارك ، ورفاعة الطهطاوى الي تولي المناصب .
    والحال أن نظام وانضباط التعليم المدرسي الحديث سوف يكون ملمحا رئيسيا ومنهجا للشكل الجديد للسلطة السياسية ، وهي سلطة كان يحتاجها نظام الملكية الخاصة للارض والانتاج من اجل السوق الاوروبية والذى اخذ يتوطد في تلك الفترة . اذ كان الاحتياج ، كما عبر عنه احد افراد طبقة كبار الملاك الارض الجديدة ، هو ادخال "العنصر الاوروبي ، العنصر الانتاجي " الي مصر . وقد قيل ان العنصر الانتاجي يشتمل علي "الشركات التجارية ، الحوافز ، التسهيلات المالية" وادخال "افكار جديدة وعمليات جديدة " بين السكان . وبعبارة اخري ، فإن ما كان هناك احتياج اليه هو المناهج الجديدة والعلاقات الاجتماعية لحياة زراعية منظمة للانتاج من اجل السوق . وكانت هذه ، بدورها، تتطلب تقنية جديدة للسلطة السياسية ، منهجا للتأثير في السكان بصورة فردية وبصورة متواصلة لتحويلهم الى اجزاء فعالة في العملية الانتاجية .و"في ادخال هذه الافكار الجديدة والعمليات الجديدة ، فإن الحكم وحده ليست له سلطة . فالسلطة تكمن في الاقناع . وليس بوسع المرء اخذ اربعة او خمسة ملايين من الافراد لاقناعهم واحدا فواحد بأن احد هذ الاشياء افضل من سواه " ومن اجل صوغ منهج سلطة يؤثر علي مجمل السكان "واحدا فواحد " بدأ ممثلو هذه الطبقة المالكة للارض - والتى كان اسماعيل نفسه اقوى افرادها – الدعوة الى انشاء نسق جديد للتعليم المدرسي وةمويله .
    "نحن السادة ، يجب أن نستولي علي رعايانا في شبابهم المبكر . اننا سوف نبدل أذواق وعادات كل الشعب . وسوف نعاود البناء بدءا بالاسس نفسها ونعلم الشعب ان يحيا حياة مقتصدة ، بريئة ، عامرة بالنشاط وفق نمط قوانينا " .
    وهذه الكلمات من "تليماك" فينيلون ، التى ترجمها رفاعة الطهطاوى الي العربية ، ونشرت ترجمتها في عام 1867 ، ولتبديل أذواق وعادات شعب بأكمله ، كان علي السياسة ان تستولي علي الفرد وأن تحوله ، عن طريق وسائل التعليم الجديدة ، الي ذات سياسية حديثه – مقتصدة ، وبريئة ، وبالاخص منكبة علي العمل .
    7 – ولقد تمثلت إحدى الخطوات الأولي في عقد مجلس شوري النواب في عام 1866 والذى اختير أعضاؤه من بين كبار ملاك الارض وموظفي المديريات في البلاد . وكان المراد من المجلس المساعده عل مد السلطة السياسية علي السكان الريفين بالموافقه علي فرض مستويات ضريبية باهظه بشكل متزايد علي فلاحين "مقتصدين " ، مثلا ، وزيادة فعالية ججباية الضرائب والتجنيد العسكري بالموافقة علي إجراء تعداد سكاني يشمل "كل كفر ونجع وقرية في مصر " .
    وقد استهدف من المجلس نفسه أن يكون جزءا من نسق سلطة سوف يكون منهجها منهج انضباط وتعليم ، وقد جري إيضاح "أن برلماننا مدرسة ، تتولي الحكومة عن طريقه ، وهي الاكثر تقدما من السكان ، تعليم أولئك السكان وتمدينهم " وقد أيد المجلس علي الفور تعليم السكان . ليس فقط بوصفه مجازا لنقل فكرة العملية السياسية ، بل بوصفه منهجها العملي الرئيسي .
    -مما سبق يظهر المناهج الجديدة للسيطرة العسكرية ، والتعليم المدرسي ، لتى جعلت من الممكن الحديث عن " أسر أجسام السكان " ، وظهور سلطة سياسية في مصر تسعي لس فقط لأسر جسم الفرد بل لاستعماره وللابقاء علي حضور مستمر له وكلمات الضابط الفرنسي في المقدمة تشير الي شيئ ابعد مدى بصدد هذه السلطة المستعمرة .
    8 – وتتطلب الامر مناهج مماثلة للاشراف والسيطره علي المستوي المحلي من أجل الاساليب الجديدة للانتاج الرأسمالي ، وبالاخص زراعة وتجهيز القطن . فقد كانت الملكية الخاص للضياع الكبيرة واستثمار رأس المال الاوروبي يخلقان طبقة من العمال المعدمين ، كانت اجسامهم بحاجة الي تعليمها العادات الانضباطية للعمل المأجور . كان انجليزيان يملكان معملا لحلج القطن في مدينة الزقازيقالجديدة يستخدمان شابا انجليزيا ليشرف علي "منصور" مشرفها المصري . وكان عمل منصور ، بدوره ، كما يقول الشاب الانجليزى ، هو ملاحظة الأهالي أثناء العمل وإبقاؤهم منظمين ، لأن أغلبهم ذوو طبع كسول بصورة طبيعية .. ولما كان الحافز الأخلاقي ذا قيمة ضئيلة جدا ، فقد كان يحمل معه كرباجا ، يشجع به الاجتهاد بين الرجال والصبية ، ورغم لك ، فعندما يضبط أى رجل وهو يسرق أو يرتكب جريمة أكثر خطورة ، كان يرسل الى مركز البوليس ليعاقب ، وكان دوري أن أصحبه ، وأشرح الجريمة لكبير الضباط ، وأتأكد من أنه يُجلد بشكل مناسب ...
    - كان علي الريف المصري أن يصبح ، حيثما كان ذلك ممكنا ، مثل قاعة الدراسة والمدينة ، مكانا للإشراف والسيطرة الدائمين ، للتذاكر وأوراق التسجيل ، لمراقبة والتفتيش ، وعلاوة الإشراف الخاص علي الحقول ، والمصانع ، والسكك الحديدية ، ومجموعات العمال ، رغبت الحكومة في إقامة نظام عام للبوليس يكون "ذكيا" ، وفعالا ،وموجودا في كل مكان .
    – استخدمت لغة الصحة والعادات الصحية الجسمية في المدارس الحكومية ، كجزء من الانضباط الجديد للجسم . وبالبطبع كلن الغرض من تعاليم العادات الصحية الشخصية . وما يصاحبها من كتب مدرسية ، هو النظافة والهندام الفرديين ، لكن لغتها ومنهجها كانا يستهدفان القضاء علي طريقة كاملة في فهم قابلية الشخص للمرض بين المصريين العاديين ، وخصوصا في القرية ، واستبدالها بمفهوم القرن التاسع عشر عن الجسم .
    كان علي الجسم أن يعامل باعتباره آله فيزيقية ، والمرض باعتباره عملية ميكانيكية تتكون من سبب ونتيجة .
    ص 164
    9 – كان علي السياسة الجديدة ، المصاغة وفق نموذج عمليات التعليم المدرسي ، أن تكتسب السيطرة فرديا علي كل من الجسم والعقل . وقد شرح اللورد كرومر الحاجة الي السيطرة علي العقل بلغة نفس عملية تأسيس سلطة استعمارية . فقد أوضح أن المشكلة أمام النظام البريطاني الاستعماري في مصر هي أن الروابط الاجتماعية التقليدية بين الحاكم والمحكوم – أى "وحدة الجنس " والدين ، واللغة وعادات التفكير " – لم تكن موجودة ، ومن ثم كان من الضروري للحكومة أن تصوغ ما أسماه "الروابط الاصطناعية" بدلا منها ، وكان علي هذه الروابط الاصطناعية أن تتكون بالدرجة الاولي من معلومات الحكومة عن ، وفهمها لأولئك الذين تحكمهم ، وهو نوع من الفهم أسماه كرومر " التعاطف العاقل والمنضبط " .فقد أصر علي " إظهار التعاطف الاقل والمنضبط تجاه المصريين ، ليسفقط من جانب الحكمة البريطانية ، بل كذلك من جانب كل إنجليزي فرد مرتبط بالادارة المصرية " . وكيف كان يمكن صياغة هذه الرابطة الاصطناعية للفهم ، بحيث تظل شيئا " عاقلا منضبطا " ؟ كان عليها أن " تقوم علي أساس المعلومات الدقيقة وعلي أساس دراسة دقيقة للحقائق المصرية و لأخلاق المصرية " كان علي الأخلاق المصرية – وهو مفهوم سيستبدل فيما بعد بمصطلحات من قبيل الثقافة –أن تفحص بعناية ، لأن السياسة الانضباطية محمولة علي هذا الموضوع ، وهذا الفحص هو نفسه جزء من آلية انضباط السلطة – تلك الألية التى تخضع للإشراف وتُراقب باستمرار .
    -ومثلما في حالة تسجيل وإحصاء ، والتفتيش علي الأجسام ، فإن علي سياسة العقل أن تبدأ بعملية الوصف ، حتي تؤسس موضوعها كشيئ منفصل . فالمهمة الأولي للحكومة هي ، كما كتب أحد المفتشين العمومين للمدارس المصرية " عمل تقرير عن كل عيوب الاخلاق الشعبية ، والبحث عن مصدرها ، وتحقيق شفائها بوسائل كتلك التى سببتها "
    -ومن ثم فقد وضع عام 1872 كتابا عن التعليم المدرسي في مصر كرست صفحاته الخمسون الاولي لموضوع "الأخلاق المصرية " وأوضح في الصفحة الأولي أن " وصف التعليم العام ، هو في نفس الوقت رسم صورة لسلوك وأخلاق شعب ما " وفعل ذلك فيلغة سياسية واضحة : فالمصري خجول لكنه متحد ، وهو قابل للحماس لكنه يفتقر الي أى مبادرة ، وأخلاقه أخلاق لا ميالاة وسكون ، ولدها افتقاد الأمان بالنسبة الي المستقبل وعدم استقرار الملكية ، مما قتل روح الاجتهاد والحاجة الي التملك .

  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML