مسلمو تركستان الشرقية.. مذابح وتجاهل

مسلمة من تركستان تشكو من هول المجازر ضدهم
بقلم: محمد سيد قطب


التركستان الشرقية قضية المسلمين المنسية: إنها مأساة إسلامية غابت عن أذهان كثيرٍ من المسلمين، والتي ترزح اليوم تحت الاستعمار الصيني، والتي جعلها مستعمرةً له يستلب خيراتها وثرواتها، وقد غيَّر الاستعمار الصيني اسمها إلى اسم جديد هو سينكيانغ أي المستعمرة الجديدة، وقد عانى التركستانيون الشرقيون معاناةً شديدةً أثناء الثورة الثقافية التي أقامها ماوتسي تونج، ومما يضاعف مأساتها، التجهيل المتعمد لقضيتها وضعف الدعم العربي والإسلامي لأبنائها.

تركستان.. الموقع والثروات
تبلغ مساحة التركستان الشرقية 000 640 ميلاً مربعًا (ستمائة وأربعون ألف ميل مربع) وتشمل حوض جونجاراي وحوضي تاريم وتورفان بين جبال طانري وحوض نهر تاريم الذي ينبع من جبال قرة قورم ويصبُّ في بحيرة قرة بوران، ونتيجة لوجود هذا النهر الذي يبلغ طوله 1600 كم فإن الأراضي المحيطة به خصبة وزراعية، والتاي وقومول وهي تعادل خمس المساحة الإجمالية للصين اليوم وثلاثة أضعاف فرنسا أكبر الدول الأوربية مساحة، وتزيد عن مساحة المجر بسبعة عشر ضعفًا، وهي في المرتبة التاسعة عشر من حيث المساحة بين دول العالم، وتقع التركستان وسط أسيا، وتحدها منغوليا من الشمال الشرقي، والصين من الشرق، وكازخستان وقيرغيزستان وطاجكستان من الشمال والغرب، والتبت وكشمير والهند وباكستان من الجنوب، وتضم تركستان بين جنباتها صحراء تكلمكان المعروفة بأنها المهد الذهبي للحضارة الإنسانية، وتشتهر التركستان الشرقية بثرواتها النفطية والمعدنية المتنوعة ويستخرج منها 118 نوعًا من المعادن من أصل 148 نوعًا تنتجها الصين، وتوجد أكثر من ثلاثين منطقة تنتج البترول فيها أكثر من 8 مليارات طن من الاحتياطي، ويتم نقله كله إلى الصين دون إعطاء شيء منه لصالح أبناء البلاد.

وتبلغ المساحة الكلية التي يُستخرج منها الفحم أكثر من 900 ألف كم مربع من الفحم، ويبلغ احتياطيه هناك أكثر من 2 تريليون طن، وهو نصف احتياطي الصين كلها من الفحم، والذهب معروف بمناجمه في تركستان منذ القدم ويتم استخراجه حاليًّا من 56 منطقة، إنتاجها السنوي منه 360 كيلو جرامًا، وبها أيضًا مناجم الملح والكريتال ومعادن متنوعة ومناجم للحديد الذي يستخرج من أكثر من 550 موقعًا، والزراعة في التركستان تمتاز بتوافر الإمكانيات المائية الهائلة، وخصوبة التربة، وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية الوفيرة الإنتاج أكثر من مائة وخمسين ألف كم مربع تنتهيه الصين فلا تدع للإيجور منه شيئًا، مع أنهم مجبرون على العمل في الأراضي كسخرة وبدون أجور معقولة.

دخول الإسلام تركستان الشرقية



وصل الإسلام إلى تركستان الشرقية في وقتٍ مبكر جدًّا منذ الفتوحات الكبرى على يد قتيبة بن مسلم الباهلي (88-96) هجرية الذي ما إن وصل إلى حدود تركستان فتح أجزاء ولو كانت محدودة منها، ولكن هذا الاتصال بين تركستان والعالم الإسلامي أثمر عن تحول التركستانيين إلى الإسلام في فترة حكم ستوق بغراخان خاقان الإمبراطورية القراخانية عام (323هـ - 943م)، وقد أسلم معه أكثر من مائتي ألف خيمة (عائلة) أي ما يقارب مليون نسمة تقريبًا، وقد ضربت النقود باسم هارون بوغراخان حفيد ستوق بغراخان، ووسع رقعة مملكته فشملت أجزاء من التركستان الغربية، كما ارتقت البلاد في عهده في النواحي الحضارية المختلفة، وكتبت اللغة التركستانية باللهجة الإيجورية لأول مرة بالحرف العربي، وكانت أوقاف المدارس تُشكِّل خمس الأرض الزراعية، وقد تلقب هارون بن موسى هذا بلقب شهاب الدولة وظهير الدعوة، ونقش هذا اللقب على النقود التي سكت في عهده سنة (332هـ- 992م)، ولعب القراخانيون المسلمون هؤلاء دورًا مهمًّا في نشر الإسلام بين القبائل غير المسلمة؛ ففي سنة (35 هـ- 1043م استطاعوا استمالة أكثر من عشرة آلاف خيمة من خيام القرغيز إلى الإسلام أي ما يقارب خمسين ألف نسمة، وأظهروا الخضوع للخليفة العباسي، وضربوا العملة باسم الخليفة القادر، ودعوا له على منابر بلادهم، وعرفت قبائل القرلوق وهم قبائل تركمانية بأنهم كانوا من أوائل القبائل التركستانية الشرقية في الدخول إلى الإسلام، ومع ذلك فقد كانت أجزاء أخرى من البلاد لا تزال في الوثنية؛ تحارب الدعوة الإسلامية، وتناصبها العداء بدعمٍ من الصينيين، ومن أشهر تلك القبائل الكورخانيون (الدولة الكورخانية) ويسمون أيضًا الخطل أو القراخطائيون، وكان من أبرز زعماء المسلمين الذين تصدوا لهذه القبائل التركية غير المسلمة السلطان علاء الدين محمد الخوارزمي الذي انتصر عليهم في بعض المعارك، ومن أشهر المعارك الفاصلة بين الأتراك المسلمين وغير المسلمين موقعة "تراز" الواقعة الآن في جنوب كازاخستان، وهي المدينة التي انتصر على أبوابها القائد المسلم زياد بن صالح (134هـ- 751م) وساندت الإمبراطورية الصينية الأتراك غير المسلمين بجحافل من القوات الصينية غير أن هزيمتهم وقتل أكثر من خمسين ألف صيني وأسر أكثر من عشرين ألفًا منهم؛ أنهى التدخل الصيني بين القبائل التركية، ولكن بقي العداء تجاه مسلمي تركستان كامنًا في قلوب قادة الإمبراطورية الصينية.

سقوط تركستان تحت الحكم الصيني
ظلَّت تركستان موطنًا للأتراك الشرقيين المسلمين، دولة مستقلة لعدة عصور يشهد التاريخ بأنها تم غزوها من قِبل الصين واستعمرت بواسطة قوات الإمبراطور عام 1759م وخلال السنوات التي تلت ذلك قاوم وطنيو التركستان الاحتلال، وانتفضوا في عدة مناسبات ضد المحتلين، وفي سنة 1864م استطاع الإيجور طرد الصينيين المانشو من تركستان، وأقاموا حكومةً مستقلةً استمرت لعقدين من الزمان، وأقامت علاقات دبلوماسية مع الإمبراطورية العثمانية وروسيا وبريطانيا، ولكن الإمبراطورية الصينية استطاعت السيطرة مرةً أخرى على تركستان الشرقية في مطلع عام 1880م معلنةً في 18 نوفمبر 1884م أن تركستان الشرقية هي المقاطعة التاسعة عشر للصين، وكان ذلك في أوج النصر الإمبراطوري الصيني وأعطاها "تسو تسونج" رسميًّا الاسم الصيني لها، وهو سنكيانج وتنطق اليوم شنج جانو، هذا الاسم الجديد معناه الحدود الجديدة أو الأرض الجديدة في الصين، واستمرت مقاومة مواطني تركستان الشرقية، وفي عام 1933م تواصل جهاد المسلمين لبعث وإحياء دولة التركستان الشرقية وفي عام 1944م نجح نضال المسلمين وحصلوا على الاستقلال، واستمر ذلك حتى عام 1949م حينما تحالفت جيوش الروس مع الصينيين واستطاعوا الإطاحة بهذه الحكومة، وشددت الصين بعد ذلك قبضتها على تركستان.

ومنذ ذلك الحين أصبحت تركستان الشرقية سجنًا كبيرًا لأبنائها، وبدأت تنتهك حقوق الإنسان للتركستانيين؛ بالاعتقال والتعذيب والقتل راح ضحيتها مئات الألوف من الأبرياء الذين تحدوا السلطات الصينية فتم إعدامهم، واستطاع الكثير منهم الفرار إلى الدول المجاورة، ولكن مئات الألوف من الأسر والنساء والصبيان تم إرسالهم إلى معسكرات الأشغال الشاقة، ولتحقيق السيطرة الصينية التامة على البلاد فقد تم إجبارهم على الالتزام بقوانين ظالمة، وأجبرت العائلات على تنظيم الإنجاب والقوانين الاقتصادية الجائرة، ومن ثَمَّ انتقلت الحكومة الصينية من مرحلة ما بعد الاحتلال إلى مرحلة الاستيعاب الكامل للبلاد؛ ففي السنوات التي تلت ذلك قامت بنقل ملايين من ذوي الأثنية الصينية إلى تركستان الشرقية بهدف تحقيق أمر واقع في الديموغرافية السكانية.

نماذج لانتهاكات الصين لحقوق المسلمين الإيجور في تركستان الشرقية
جثث شهداء مسلمي الإيجور


- الاعتقال والإعدام الجماعي: تعتبر تركستان الشرقية التي تُسمَّى من قبل السلطات الشيوعية الصينية منطقة سنكيانغ الإيجورية ذات الحكم الذاتي المنطقة الوحيدة التي تنفذ فيها أحكام الإعدام ضمن حدود الصين؛ وذلك أنه ومنذ أحداث الطلبة في بكين في 4 يونيو عام 1989م؛ ولذلك أصدرت منظمة العفو الدولية في أوائل عام 1999م تقريرًا في 92 صفحة عن انتهاكات السلطات الشيوعية الصينية لحقوق الإنسان في تركستان الشرقية، وقد أدانت المنظمة بشدة عمليات القمع والمذابح التي ارتكبتها السلطات الصينية المحتلة بحق الإيجور.
وكذلك أدان التقرير السنوي التي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية عن أوضاع حقوق الإنسان في العالم في القسم الخاص بالوضع في الصين انتهاكات حقوق الإنسان في تركستان الشرقية، كما أصدرت جمعية الشعوب المهددة التي تتخذ من ألمانيا مقرًّا لها تقريرًا خاصًّا بخصوص الإيجور أدانت فيه انتهاكات حقوقهم من قِبل السلطات الشيوعية الصينية، وقد اعتقل أكثر من 10 آلاف إيجوري في تركستان الشرقية خلال الفترة من أوائل عام 2000م: مارس 2001م، وكانت التهم الموجهة إليهم: (الانفصالية، القومية، والنشاط الديني غير القانوني، والإرهاب)، وحوكم ألف شخص منهم تقريبًا أمام المحاكم الصينية؛ حيث أدينوا وحكم عليهم بأحكام متفاوتة من الإعدام، والسجن المؤبد، والسجن لمدد مختلفة.

- انتهاك حرمة الدين والمقدسات: بعد الزيارة التي قام بها إلى تركستان الشرقية رئيس الحزب الشيوعي الصيني جانغ زيمين في شهر تموز يوليو عام 1998م وأعطى خلالها توجيهات صارمة إلى المسؤلين المحليين بشأن حظر النشاطات الدينية، وقامت السلطات الشيوعية بالتضييق على الإيجور من الناحية الدينية؛ وذلك بإنشاء مراكز للمراقبة والتنظيم يتم من خلالها الإشراف المباشر على المساجد وعلماء الدين والتحقيق مع الإيجور الذين يترددون على المساجد للصلاة واعتقالهم بتهمة "العمل الديني المحظور" وفرض غرامات مالية عليهم بقصد إبعادهم عن المساجد، كما قامت بهدم بعض المساجد وتحويلها إلى مراكز حكومية ومنع الإيجور من أداء شعائرهم الدينية العادية.

وعلى الرغم من عدم وجود أية مادة في دستور الصين الأساسي ودستور الحكم الذاتي تمنع الموظفين والعاملين في الدوائر الحكومية من أداء شعائرهم الدينية إلا أن السلطات تحظر على الموظفين وحتى العاملين العاديين ممن لا ينتمون للحزب الشيوعي القيام بأية نشاطات دينية، وحسب ما نشرته صحيفة "خوتان" الصادرة من قِبل الحزب الشيوعي في 30/10/1999م فقد طردت هورنسا محمد ترسون الطبيبة في المستشفى البيطري في بلدة تشيرا بمنطقة خوتان من عملها؛ بسبب قيامها بأداء الصلاة مرة أو مرتين فقط؛ وذلك بتهمة "القيام بنشاط ديني محظور" وتولت مديرية الأمن التحقيق معها.

- تغيير التوزيعة الديمغرافية وإحلال قوميات أخرى محل القومية المسلمة وفوق أراضيها: وكان عدد الأقليات العرقية المختلفة في التركستان الشرقية عند احتلالها من قِبل الجيوش الصينية عام 1949م لا يتجاوز ستمائة ألف نسمة من الصينيين والمنشوريين والشيوه والمغول؛ فكانوا لا يُشكِّلون أكثر من نسبة 6% من السكان، يستهدف إسكان ما يزيد عن 200 مليون صيني بالتركستان الشرقية، كما صرَّح به أمين عام الحزب الشيوعي السابق هيو ياو بانج.

وإذا كان عدد الإيجور سكان تركستان الشرقية اليوم في حدود 12 مليون إلى 16 مليون- حسب بعض التقديرات حيث هرب الكثير من التركستانيين بدينهم إلى الخارج بعد أن ازداد إعلان الحرب على الإسلام شراسة وقسوة على المسلمين- فإن مجموعَ الإيجور هؤلاء سيصبح لا يساوي شيئًا أمام مئات الملايين التي تخطط الصين لإسكانهم في المنطقة، وبذلك يحدث التغيير الديموغرافي الذي لا يمكن تغييره حتى ولو نجح التركستانيون يومًا في حربهم ضد الاحتلال الصيني، ووجب أن يذكر أن عدد الصينيين في تركستان قد تجاوز بالفعل الستة ملايين نسمة منذ عام 1992 م؛ مما يعني أن قضية تركستان حلها أصعب آلاف المرات من حل القضية الفلسطينية، وتحتاج إلى دعم إسلامي منقطع النظير حتى ينال المسلمون حقوقهم.

- الاستيلاء على ثروات البلاد ونهبها بل وإفساد بيئتها: وقد أجرت الصين حتى الآن 48 تجربة نووية في تركستان الشرقية، وقد أدت هذه التجارب إلى تلوث البيئة وإصابة مئات الآلاف من الإيجور بأمراض وبائية.

لماذا تحدث الاشتباكات بين القوميات المختلفة في الصين؟
عصابات الهان المسلحة تتحفز لقتال مسلمي الأويجور


هناك سياسة واحدة للدول الاستعمارية، والتي تأمل في أن تنهي أي تمرد في مستعمراتها، وإحالتها إلى أجزاء خاضعة بشكلٍ تام ثم تتحول تدريجيًّا إلى مدن خاصة للمستعمر، تقوم هذه السياسة على جناحين:

التهجير ونقل القوميات وتشيتيتهم؛ بحيث ينقل كل مَن يسبب مشكلات والعناصر الوطنية والمؤثرة إلى أراضي غير أراضيهم، ليعانوا من الغربة والحاجة، والضعف بعيدًا عن الوطن الأصيل، والنموذج الروسي واضح في ذلك؛ حيث تم تهجير ملايين المسلمين من بلدانهم إلى سيبريا، وغيرها، وفي المرحلة الثانية يتم نقل عدد كبير منهم إلى مدن ومقاطعات بعيدة عن مدنهم الأصلية ويمثلون فيها أقلية، والناظر لما آل إليه الوضع في أسيا الوسطى يرى دليلاً واضحًا على ذلك؛ حيث صارت دولها هجينًا بين أصحابها الأصليين والقوميات التي زرعها المحتل بين أراضيها.

التوطين لقومية المستعمر مكان الشعوب المهجرة؛ تمهيدًا لإذابة القومية المحتلة (مهجرة، أو مقيمة) في قومية المحتل وعاداته وتقاليده وسلوكه، وتضرب قومية (المانشورية) المثل الواضح في ذلك، فهي التي حكمت الصين قرونًا عديدة قد تحوَّلت إلى قومية ليس لها في الواقع إلا اسمها؛ وذلك أنها قد تماشت مع الثقافة الصينية، وأضاعت هويتها القومية منذ زمن بعيد، ولو عاشت هذه القومية في مانشوريا، متعلقة بثقافتها وعاداتها الموروثة عن أجدادها، ولم تتفرق في أنحاء الصين لاستطاعت المحافظة على كيانها القومي كالتبتيين والتركستانيين.

والواقع في الصين يشهد أن: المناطق التي لم تتعرض للاستيطان إلا بقدر محدود؛ المشاعر الدينية والقومية فيها أقوى وأشد بكثيرٍ عما هي عليه في المناطق التي يستوطن فيها الصينيون بكثرة.

والفارق كبير في المشاعر الدينية والوطنية بين المناطق التي يستوطن فيها الصينيون بكثرة وبين المناطق التي لا يستوطن فيها إلا عدد محدود من الصينيين في تركستان الشرقية؛ فمثلاً: إذا نظرنا إلى الوضع في مدينة أورومتشي، وهي من أكبر المدن التي يستوطن فيها المستوطنون الصينيون بكثرة نجد أن الثقافة والتقاليد الصينية بدأت تغلب على الكثير من الإيجور حيث إن بعضًا من الشباب الإيجور أصبحوا يرون لبس الملابس الوطنية عارًا ورمزًا للرجعية والتخلف، ويشمئزون من الإيجور الذين يأتون من المناطق الجنوبية في تركستان الشرقية للتجارة في المدينة، ويرتاحون أكثر في التعامل مع الصينيين المتحضرين، وكذلك لا يمكن التمييز بين بعض من الفتيات الإيجوريات والصينيات بسبب التشابه في المكياج والملابس، وهذه دلائل حية وخطيرة على سياسة التذويب الاجتماعي، وعلى العكس من ذلك نجد أن الوضع يختلف تمامًا في المناطق التي يوجد بها عدد قليل من المستوطنين الصينيين كمناطق كاشغر وخوتان؛ حيث إنه يمكن معرفة مدى قوة المشاعر الدينية والقومية في هذه المناطق من تركستان الشرقية.

ومع استمرار سياسة التهجير، والإحلال، وإدخال قوميات أخرى لمدن المسلمين في تركستان بدأت الحكومة الصينية تستغل أي خلاف ولو بسيطًا ينشأ بين هذه القوميات المختلفة لتصوير المسلمين الإيجور وكأنهم سفاحون ومصاصو دماء وإرهابيون وتسعى جاهدةً لاستغلال الأحداث في زيادة الضغط على المسلمين، وتقوم بمناصرة القوميات الأخرى بعنف بالغ، والأحداث الأخيرة شاهدة على ذلك، وقد شعرت المنظمات والجماعات الإيجورية في الخارج بهذا الخطر منذ زمن بعيد؛ ولذلك قامت باتخاذ خطوات إيجابية بهذا الشأن، فقد أدرجت كافة المنظمات الإيجورية في أنظمتها الأساسية ما يلي: "إن عدو الشعب الإيجوري ليس الصينيين عمومًا؛ بل عدوهم الوحيد هو سلطات الاحتلال الشيوعية الصينية، ولذلك يتم التعاون مع كافة الجهات الديمقراطية الصينية التي تحترم حق شعب تركستان الشرقية في تقرير مصيره بنفسه.

وفي الواقع فإن السلطات الصينية ومن أجل تحويل المستوطنين الصينيين في تركستان الشرقية إلى قوة احتياطية لها تقوم بالدعاية المضلة لشأن وأهداف الحركات الوطنية؛ وذلك برفع شأن مَن يلقى من الصينيين مصرعه أثناء بعض الاشتباكات والاضطرابات القومية في تركستان الشرقية، والتحريض على العداوة بين المستوطنين والسكان المحليين.

وإذا ضربنا مثالاً على ذلك بثورة جولجا عام 1997م فقد قتل أثناءها أكثر من مائة إيجورى، وقامت السلطات بعمل محاكمات وأصدرت عددًا من أحكام الإعدام بحق الإيجور، ولم تذكر السلطات الصينية ولو مرة في بياناتها الداخلية أو الخارجية شيئًا بشأن الإيجور الذين لقوا حتفهم أثناء ثورة جولجا؛ بل على عكس ذلك تمامًا فقد قامت بخداع المواطنين الصينيين والرأي العالمي بالادعاء بأن المئات من المواطنين الصينيين قتلوا بوحشية من قبل القوى القومية الانفصالية الإيجورية؛ بينما قتل من الإيجور عشرات الأضعاف، ولا بواكي لهم.

ففي كتاب "تاريخ كفاح سنجيانغ ضد القوى الانفصالية القومية" الذي نشر العام الماضي من قِبل مكتب الدراسات الأكاديمية التابعة للحزب الشيوعي في إقليم سنجيانغ ذات الحكم الذاتي ووزع سرًّا داخل الحكومة المحلية قدر عدد الصينيين الذين قتلوا أثناء ثورة جولجا بسبعة أشخاصٍ في حين قدرت وسائل الإعلام العالمية عدد القتلى الإيجور في هذه الحادثة بحوالي 400 شخص، ومع ذلك اتهم المسلمون بأنهم السفاحون القتلة فقد أصبحت الآن حوادث العنف الجماعية التي ينفذها المستوطنون والجنود معًا ضد الإيجوريين بتحريض من السلطات في ظلمات الليالي في منطقة جولجا ظاهرة عامة؛ حيث إنه وبدلاً من التحقيق أو القبض على المسئولين عن مثل هذه الحوادث تقوم السلطات الصينية بالتحقيق أو إلقاء القبض على الإيجور الذين دافعوا عن أنفسهم؛ وذلك بتهمة "الانفصالية".

وماذا بعد..
مما مرَّ نعرف أن القضية التركستانية ليست مجرد قضية أقلية سكانية في بلد كبير؛ بل هي قضية بلدٍ نُهِبَ وسُرِقَ من أصحابه الأصليين، وتم الاستيلاء على ثرواته ومسخ هويته، ومنع لغتهم الأصلية، والاستهانة بمشاعرهم الدينية واتهامهم بالإرهاب خصوصًا بعد أحداث سبتمبر 2001م فقد وجدت الصين غطاءً دوليًّا على جرائمها في حقِّ المسلمين بحجة مكافحة الإرهاب الإسلامي، وإسكان أرضه لغير أصحابها حتى أصبح أصحابها أقلية فيها، وتعريض أصحابها لكافة أنواع التنكيل والهوان، والتعذيب بغية دفعهم للفرار من أرضهم، أو الذوبان في شخصية المحتل، وتشبيه قضية المسلمين في تركستان بقضية المسلمين في فلسطين هو أقرب الأمثلة للدلالة على صعوبة الوضع هناك، وإن كان الوضع في تركستان أصعب بنسبة كبيرة مع ضعف الدعم العربي والإسلامي لقضيتهم، وتخيل إذا كانت إحدى الدول العربية والإسلامية الكبرى، وهي مصر تعجز عن فتح معبر هو شريان الحياة لعبور الطعام والوقود لإخوانهم في فلسطين، فهل نتصور منهم دعمًا لتركستان البعيدة عنهم، والتي ربما لا يعرف ساستهم اسمها فضلاً عن معرفة موقعها ومكانها؟!!.

ويبقى أن بقاء القضية حية بحيوية أبنائها ودفاعهم عنها، وما زالت الشيشان حيةً في الوجدان الإسلامي ببطولات أبنائها، والإيجور ليس أقل بطولةً من الشيشان، ويبقى دور العلماء والحركات الإسلامية، والشعوب الحية؛ التعريف بالقضية، وتقديم كل دعم ممكن لأهلها حتى يأذن الله بفتحٍ من عنده، ولعل في مستقبل الأيام ما يعجل بذلك.