لم يكن يخطر على بال المواطنة عفاف محمود يوسف يحيى من بلدة كفر راعي بمحافظة جنين شمال الضفة الغربية، أن طفلها براء الذي اعتادت على رؤيته ساكناً بلا حراك، سيتمكن من الوقوف والسير على قدميه، ويلعب كغيره من الأطفال، بعد أن أخبرها الأطباء أن لا أمل بشفائه.

في الوقت الذي بدأت المواطنة يحيى تفقد الأمل بشفاء طفلها براء (4 سنوات) بعد إصابته بإعاقة شبه كاملة نتيجة تلف أصاب أنسجة دماغه عند ولادته، استطاع برنامج إعادة تأهيل فئات الشلل الدماغي التابع للجنة المحلية لتأهيل المعاقين في مخيم جنين للاجئين، أن يعيد لها الأمل بشفائه من جديد.

وعن قصتها مع علاج طفلها تقول المواطنة يحيى: بعد ولادة براء بأربعة شهور تقريباً بدأت ألاحظ انه يختلف عن بقية الأطفال في مثل سنه، فعندما أتركه في سريره كان لا يحرك ساكنا وتبقى أطرافه على ما هي عليه، لا يرفعها أو يحركها بأي اتجاه، فقط كانت عيناه هما كل ما يتحرك بجسمه.

وتضيف: بدأت أنا وزوجي بمراجعة الأطباء للاطمئنان على حالة براء، ولم نترك طبيبا إلا وذهبنا إليه، والأصعب من ذلك أن تشخيصهم جميعا لحالة براء كان محبطا ويدفع للتشاؤم، وكان الجواب دائما 'طفلكم مصاب بشلل دماغي جراء نقص الأكسجين أثناء الولادة، وعلاجه صعب، عودوا إلى البيت، ولا تضيعوا الوقت'.

وتابعت: هذه الكلمات كانت تنزل على مسامعي كالسكاكين التي تغرس في الصدر، أصبت بالإحباط الشديد، فمن جهة لم أكن احتمل رؤية طفلي بهذا الشكل وما سيكون عليه في المستقبل، ومن جهة أخرى كان تشخيص الأطباء لحالة براء محبط ولا يشجع على عمل أي شيء تجاه ذلك.

واستدركت: ما زاد من تعقيد إصابة براء وقسوتها، هي ظروفنا الاقتصادية الصعبة، التي ما كانت تسمح لنا بنقل براء إلى مستشفيات أو مراكز طبية خارج فلسطين من أجل علاجه أو التخفيف من آثار إصابته بالشلل الدماغي، ما خلق لدي وزوجي حالة من الشعور بالتقصير تجاه طفلنا براء وعدم القدرة على مساعدته.

وقالت: انقضت عشرة شهور منذ ولادة براء ولم يطرأ على حاله أي تحسن، وأضافت: في أحد الأيام سمعت من أحد الجيران أن اللجنة المحلية لتأهيل المعاقين في مخيم جنين تقدم خدمات طبية للأطفال المصابين بالشلل الدماغي، فتوجهت في اليوم التالي إلى مقر اللجنة وشرحت لهم حالة براء وبدأت قصة علاجه هناك.

وأضافت: بدأ الأخصائيون في اللجنة منذ اليوم الأول بخطوات علاج براء، من خلال جلسات مكثفة للعلاج الطبيعي والوظيفي، مشيرة إلى أن هذه الجلسات استمرت لمدة عام كامل وفق برنامج معين وضعة الأخصائيون، وبعد عام شاق من الجلسات بدأت تظهر على براء علامات تشير إلى تحسن وضعه الصحي وتقدمه، ولكن بشكل بطئ.

وقالت: هذا التطور الذي طرأ على حالة براء منحنا الأمل في متابعة علاجه، إلا أن أوضاعنا الصحية كانت تقف عائقا أمام ذلك، ما دفعني للعمل في 'لف السجائر' وبيعها مقابل مبلغ 20 شيقلا لكل كيلو تبغ، وذلك لتوفير أجرة المواصلات من بلدة كفر راعي إلى مخيم جنين، وشراء بعض الأدوية التي كانت تساعد في علاج براء.

وتابعت: بحمد الله وجهود اللجنة المحلية تحسنت حالة براء كثيرا بعد عام ونصف من المتابعة الحثيثة، وبدأ يسيطر على عضلات رقبته، وإيجاد نوع من التوازن الحركي، وتحديدا في الجزء العلوي من جسده، وبعد ذلك انتقل إلى مرحلة أخرى من التقدم وهي القدرة إلى الوقوف على قدميه.

وقالت: مطلع العام 2009 كانت المفاجأة والدهشة عندما رأيت طفلي براء يخطو خطواته الأولى دون أي مساعدة من أحد،. في ذلك الوقت شعرت أنني امتلك العالم، ولم أتمالك نفسي من الفرح، وكان شعوري كمن زرع شجرة مثمرة وتعب وسهر على العناية بها، وجاء يوم قطف الثمار.

وعبرت المواطنة يحيى عن امتنانها الكبير للجهود التي بذلها طاقم اللجنة المحلية لتأهيل المعاقين، وقالت: بعد اليوم لن أقلق وأشعر بالتقصير تجاه طفلي براء، فهو الآن قادر على المشي، واستطيع أن أراه يلعب ويلهو كغيره من الأطفال، دون أن اشعر بالغيرة والحسرة، وأصبح بإمكاني أن أتفرغ لأطفالي الآخرين الذين أهملتهم وحرمتهم أشياء كثيرة خلال فترة علاج شقيقهم براء.

وللوقوف على الحالة الطبية لبراء، التقينا الدكتور بشار نعيرات أخصائي العلاج الطبيعي في اللجنة المحلية لتأهيل المعاقين في مخيم جنين، الذي قال إن وضع الطفل براء كان عند إدخاله إلى اللجنة صعب جدا، وقدرت نسبة العجز لديه من قبل لجنة طبية متخصصة بـ (80%)، وكان لا يستطيع تحريك أي عضو في جسمه.

وأضاف: قمنا منذ اليوم الأول لإدخال الطفل براء، بوضع خطة علاجية، وجرى تطبيقها على مراحل وفقا لتطور الحالة. وقال بفضل الله وإصرار أسرة براء على متابعة علاجه حتى النهاية رغم وضعها الاقتصادي الصعب، فإن براء يستطيع اليوم الوقوف والسير على قدميه دون مساعدة من أحد.

وأشار نعيرات إلى أن حالة الطفل براء تشكل إحدى عشرات الحالات التي تتلقى الرعاية الصحية في برنامج إعادة تأهيل فئات الشلل الدماغي التابع للجنة المحلية لتأهيل المعاقين في مخيم جنين، الذي يقدم الرعاية الطبية لـ 472 طفلاً من مختلف مناطق محافظة جنين يعانون من الشلل الدماغي.

وأكد د. نعيرات أن برنامج إعادة تأهيل فئات الشلل الدماغي، استطاع خلال العام 2008 مساعدة نحو 25 طفلاً من المصابين بالشلل الدماغي بدرجة متوسطة إلى شديدة، على الوقوف والسير على أقدامهم، كما استطاع البرنامج خلال العام 2009وحتى اليوم مساعدة 21 طفلاً آخرين، منهم تسع إناث، على الوقوف والسير على أقدامهم.

وحول الخدمات التي يقدمها البرنامج لأطفال الشلل الدماغي المسجلين لدى اللجنة، قال نعيرات: إن معظم الحالات التي تصل إلى اللجنة المحلية تتراوح درجة إعاقتها ما بين متوسطة إلى شديدة، وتحتاج إلى علاج طويل قد يمتد في بعض الحالات من عام إلى ثلاثة أعوام متواصلة.

وأضاف: أولى هذه المراحل تبدأ بالعلاج الطبيعي للحالة، حيث يعمل الأخصائيون على تقوية عضلات الطفل المصاب وقدرته على التوازن والجلوس والوقوف والمشي في مرحلة متقدمة من خلال جلسات علاجية في مقر اللجنة، مشيرا إلى أن هذه المرحلة تشمل أيضا تدريب احد أفراد أسرة الطفل المعاق على أداء هذه المهارات، حتى يتمكن من تنفيذها في منزله، الأمر الذي يساعد في تقدم حالة الطفل بشكل أكبر.

واستدرك قائلا: إلى جانب العلاج الطبيعي، يخضع الأطفال المصابون بالشلل الدماغي إلى جلسات في العلاج الوظيفي بهدف تقوية عضلات الطفل المصاب لتصبح قادرة على تأدية وظائفها الطبيعية.

وتابع: بعد الانتهاء من جلسات العلاج الطبيعي والوظيفي يخضع الطفل إلى جلسات للعلاج النطقي واللغوي، بهدف تطوير قدراته في مجال اللغة والنطق وتحسين قدراته العلمية والذهنية في الاستنتاج والتفكير والاستيعاب.

وقال إن دور اللجنة المحلية لتأهيل المعاقين لا يقف عند هذا الحد، بل أن اللجنة توفر لبعض هذه الحالات أجهزة مساعدة تساعدهم على الحركة بالاعتماد على أنفسهم، وذلك من خلال وحدة الأطراف الصناعية التابعة للجنة التي تقوم على توفير احتياجات المعاقين حركيا من الأطراف الصناعية، والجبائر الطبية، والأجهزة المساعدة، والأحذية الطبية، مقابل ثمن رمزي.

وأضاف: رغم الإمكانات المادية المحدودة للجنة، إلا أنها لا تدخر جهدا في مساعدة الأطفال المعاقين والتخفيف من الأعباء الاقتصادية الثقيلة التي تتراكم على أسرهم، وذلك من خلال برنامج تعديل المباني للمعاقين، وتعديل المرافق الصحية ومداخل منازل المعاقين من اجل مساعدتهم على استخدامها بيسر وسهولة، الأمر الذي يحقق لهم الحصول على احتياجاتهم داخل المنزل بالاعتماد على أنفسهم.

ولفت إلى أن جلسات العلاج الطبيعي والوظيفي التي يخضع لها أطفال الشلل الدماغي تهدف إلى تطوير قدراتهم وتقوية مهاراتهم مقارنة مع أفرانهم من الأطفال الطبيعيين في إطار احتياجاتهم الخاصة، كذلك المساعدة في تحسين نوعية حياته من خلال تطوير قدراتهم على الاستقلالية والاعتماد على الذات.

واستكمالا لخطواتها العلاجية لأطفال الشلل الدماغي، فإن اللجنة المحلية لتأهيل المعاقين تهتم أيضا بأسر هؤلاء الأطفال حتى تستطيع أن تكمل دورها في رعايتهم وعلاجهم والوصول إلى أفضل النتائج في اقل وقت ممكن.

وقال جمال أبو العز مدير برامج اللجنة، إن عددا من الأخصائيين يقومون بمهمة التخفيف من الضغوطات النفسية التي تواجه الأسرة جراء وجود طفل معاق داخلها، وخاصة أن معظم الحالات التي تأتي إلى اللجنة تكون قد أصيبت بحالة من الإحباط جراء تشخيص الأطباء لحالة ابنهم وخاصة عندما لا يكون هناك أمل لشفائه.

وأضاف أن اللجنة تعمل إلى جانب توفير الرعاية للأطفال المعاقين، على توعية الأسرة وتدريب أفرادها على كيفية التعامل مع المعاق وتلبية احتياجاته الخاصة، وتشرك الأسرة أيضاً في عملية مراقبة تطور حالة ابنها المعاق الأمر الذي يخلق حالة من الارتياح والطمأنينة لدى الأسرة ويشجها على الاستمرار في متابعة الحالة والمشاركة في علاجها.

واستكمالا لهذا الجانب، قال أبو العز إن اللجنة تنظيم الأنشطة المجتمعية وورش العمل التثقيفية ومحاضرات وندوات لأسر الأطفال المعاقين، بهدف تغيير الاتجاهات السلبية لديهم نحو المعاقين، وتعزيز مشاركتهم في عملية تأهيلهم، كذلك تعمل اللجنة على عقد دورات تدريبية لرفع قدرات الأهالي في التعامل مع أبنائهم المعاقين.

وفي الجانب الاقتصادي، فإن اللجنة تسعى إلى تخفيف الأعباء المالية التي تواجه اسر الأطفال المعاقين، وذلك من خلال تقديم جلسات علاجية منتظمة ومجانية لأطفالهم المعاقين قد تمتد لسنوات عدة مجانا، كذلك تساهم اللجنة في توفير احتياجات الأطفال المعاقين من الأدوات والأجهزة المساعدة وبعض الأدوية بشكل مجاني بما يتناسب مع بنود قانون حقوق المعاقين الفلسطيني رقم 4/99.

وحول المعيقات التي تواجه عمل اللجنة، أشار أبو العز إلى أن جزءا كبيراً من حالات الشلل الدماغي التي تصل إلى اللجنة بحاجة إلى إيواء ومبيت، وهذا لا يتوفر لدى اللجنة، مبينا أنها كانت تسعى إلى إقامة مركز خاص بحالات الشلل الدماغي في جنين وقامت بتقديم مسودة المشروع إلى السلطة الوطنية وعدة جهات عربية ودولية للحصول على تمويل، إلا أن اللجنة لم تتلق ردا رد على طلبها هذا.

وأضاف: هناك معيقات أخرى تواجه عمل اللجنة وتتمثل بالضائقة المالية التي تمر بها، وخاصة أن علاج هذا النوع من الحالات مكلف ماديا ويحتاج إلى إمكانيات مالية ضخمة، كانت اللجنة توفرها من خلال منح ومشاريع مقدمة من جهات محلية ودولية وعربية، إلا أنها توقفت نتيجة للظروف السياسية التي تمر بها المنطقة، الأمر الذي أدى إلى تراجع الخدمات التي تقدمها اللجنة للمعاقين، ويهدد استمرار عمل اللجنة بشكل عام.

وقال: إن عددا كبيرا من الحالات تعاني أوضاعا اقتصادية صعبة للغاية ولا تستطيع أن تصل إلى مقر اللجنة بشكل دوري، الأمر الذي يؤدي إلى عرقلة خطة العلاج للحالة وتأخر تقدمها، في الوقت الذي أصبحت اللجنة غير قادرة على إرسال المختصين إلى مثل هذه الحالات في منازلهم جراء الضائقة المالية التي تمر بها.

ودعا أبو العز السلطة الوطنية والمؤسسات العربية والدولية المانحة إلى تبني مشروع إقامة مركز علاج وتأهيل أطفال الشلل الدماغي، في الوقت الذي أصبح برنامج الشلل الدماغي التابع للجنة غير قادر على تلبية احتياجات الأعداد المتزايدة من المصابين بهذا النوع من الإعاقة، كما أن إمكانيات اللجنة المحلية المادية محدودة ولا تستطيع تغطية هذا الأعداد من المصابين.

يذكر أن اللجنة المحلية لتأهيل المعاقين في مخيم جنين تأسست في العام 1991 وتم اعتمادها من قبل اللجنة المركزية الوطنية للتأهيل – القدس، ومسجلة ومعتمدة من قبل دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية.

وتحمل اللجنة رسالة تهدف إلى تحسين نوعية الحياة للفئات المهمشة في المجتمعات المحلية وفي المفاهيم الحقوقية الواردة في المواثيق الوطنية والدولية نحو تحقيق تجارب مجتمعية رائدة تضمن نهج مجتمعي ديمقراطي.

وتشتمل اللجنة المحلية لتأهيل المعاقين على عدة برامج، وهي: برنامج الشلل الدماغي، وتعديل المباني والمؤسسات العامة للمعاقين الأدوات المساعدة للمعاقين حركيا، ووحدة صناعة الأطراف الصناعية والأحذية،
059963118