الحمد لله رب العالمين ؛ الحمد لله صاحب القوى والقدر ؛ الذي أسرى بعبده على قدر ؛ وجاوز به أفق الشمس والقمر ؛ وأعلاه فوق الملائكة والبشر ؛ ففاز بالقرب والنظر ؛ وما حضر أحد قط حيث حضر .
وأشهد ألا اله إلا الله وحده لا شريك له شهادة خالصة أرجوا أن أكون بها في الملأ الأعلى مقربا مذكورا .
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا محمدا r وبعد فانا نستأذن رسول الله اليوم أن نقف على رحابه ونتكلم عن الإسراء والمعراج تلك المعجزة الخالدة التي سجلها الله في أقل من آية في سطر واحد في اثنا عشر كلمه ومع ذلك إشتملت علي الحدث والمحدث والمحدث لأجله والزمان والمكان والغاية منها
فقال تعالى " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا "
فذكر الحدث في كلمة أسرى .
وذكر المحدث في كلمة سبحان .
وذكر المحدث لأجله في كلمة بعبده .
وذكر الزمان في كلمة ليلا .
وذكر المكان في جملة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وذكر الغاية في جملة لنريه من آياتنا .
ونحن لنا اليوم نظرات في بعض كلمات الآية الكريمة حول حدث الإسراء ومحدثه وهو الله تعالي والمحدث لأجله وهو رسول الله r وزمان الإسراء والمسافة التي قطعها والغاية منها
سبحان مصدر من التسبيح ومعناه تنزيه الخالق عن كل قبيح وهى كلمة يأتي بعدها عجيب معجز فكأن الله صدر الآية بسبحان ليقول أيها المسلم ما يأتي بعد عجيب ومعجز فضعه تحت كلمة سبحان التي تدل أن الله على كل شيء قدير وأعجب ما في الإسراء ثلاثة أشياء التجهيز ، ووسيلة الانتقال ، والسرعة ، أما التجهيز فقد شق الله صدر حبيبه محمدا r قبل الإسراء ليتأهب للمناجاة وقد اخبر بذلك رسول الله r وسجله البخاري عن مالك بن صعصعه رضي الله عنه قال رسول الله r " بينما أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني آت فشق من النحر إلى مراق البطن ثم أتيت بطست من ذهب مليء أيمانا وحكمه فأفرغه في صدري ثم أطبقه "
وتأمل مقدار الشق من النحر إلى مراق البطن وهى مسافة طويلة يستحيل في لغة البشر أن تلتأم بسرعة ثم تأمل طست مليء إيمانا وحكمه وهما معنى لا يستطيع احد أن يفرغه أو يجمعه في إناء ولكن الله يستطيع ثم تأمل أطبقه فورا بغير تعب ولا مشقة وهذا إعجاز طبي وقد يقول قائل هذا شيء معنوي وليس حسي وأنا أقول إن شق الصدر حسيا حقيقيا لما ثبت عن أنس بن مالك ولقد كنت أرى أثر المخيط في صدر رسول الله " رواه مسلم
وقال الحافظ بن حجر وقد تواردت الروايات وثبت شق الصدر ثلاث مرات الأولى في زمن الطفولة في ديار بنى سعد فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان والثانية عند البعثة ليتلقى ما يلقى إليه بقلب قوى والثالثة عند العروج ليتأهب للمناجاة .
أما وسيلة الانتقال فهي البراق مأخوذ من البرق لسرعته أو البريق لأن لونه أبيض ففي الصحيحين قال رسول الله r " ثم أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه "
بهذه الكلمات القليلة ذكر رسول الله r الاسم والنوع واللون والطول والارتفاع والسرعة فالاسم البراق والنوع دابة واللون أبيض والطول طويل والارتفاع فوق الحمار ودون البغل والسرعة يضع حافره عند منتهى طرفه .
وقد روى أبو يعلى والبزار عن ابن مسعود قال رسول الله r " إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارتفعت يداه " ذلك حتى لا يشعر رسول الله r بصعود ولا هبوط .
أسرى معناه السير ليلا أو السير في خفاء
بعبده الباء للمصاحبة ليفيد الله انه صحب حبيبه ومصطفا ه بالألطاف والعناية والإسعاف والرعاية
طوال الرحلة من البداية إلى النهاية وهذا هو معنى دعاء رسول الله r في السفر " اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل " رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنه
وكلمة بعبده تدل على أن الإسراء بالروح والجسد وعبر بعبده ولم يقل رسوله أو نبيه لأن العبودية هي أعلى مقامات الوصول إلى الله تعالى .
ليلا وتنكيرها يدل قلة الزمن ونستطيع أن نقول لقد كانت الإسراء في لمح البصر وهذا لم يعد يقال عنه اليوم مستحيلا بعد نظرية النسبية لأينشينتين والتي تقول كل شيء يتحرك لابد له من زمن وكلما تحرك الشيء بسرعة كلما انكمش الزمن والمعروف أن سرعة الضوء 300 ألف ك م / في الثانية فلو قدر لأحد أن يخرج من الجاذبية الارضيه لسبح في الكون بلا زمن وهذا ما حدث للرسول ودل عليه كلمة ليلا وان كان أحمد زويل اكتشف ما يسمى بالفنتوا ثانيه فان الله سجل في القرآن الفنتوثانيه وما هو أدق منها فقال تعالى " وما أمر الساعة الا كلمح البصر أو هو أقرب "
من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فهذه الجملة هي المسافة التي قطعها رسول الله r وهى 1200 ك م يقطعها الماشي بسرعة 5 ك م /ساعة في 200 ساعة متواصلة
وتقطعها السيارة بسرعة 100 ك م /ساعة في عشر ساعات
ويقطعها بطائرة الميراج التي تسير بسرعة الصوت في 50 دقيقه ويقطعها بمكوك الفضاء الذي سرعته 26000 ك م /ساعة في دقيقتين فقط ويقطعها بسفينة الفضاء والتي سرعتها 54400 ك م / ساعة في دقيقة واحده
بالله عليكم إن كان البشر استطاعوا أن يصنعوا آلة تقطع هذه المسافة في دقيقة واحده فكيف بالمليك المقتدر صاحب القوى والقدر .
الأقصى وصف الله المسجد بوصفين الأقصى وباركنا حوله والأقصى أي الأبعد لبعد المسافة بين الكعبة والقدس وأقول التعبير بالأقصى إشارة إلى أن الإسلام سيبلغ أقصى الأرض يترجم ذلك رسول الله r فيقول " إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارق الأرض ومغاربها وان أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها " رواه مسلم عن ثوبان رضي الله عنه
الذي باركنا حوله بركة ظاهرة بالثمار والأنهار وبركة باطنه بأنه مستقر أجساد الأنبياء وبركة في الساكنين حوله .
قال رسول الله r " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك قالوا يا رسول الله أين هم قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس " صحيح أحمد عن أبى أمامة الباهلى
لنريه ألام تعليلية أي العلة والغاية من الإسراء أن يريه ربه من الآيات ومعنى نريه أي أنها آيات لا ترى ولكنا سنريه بقدرتنا ونلمح أن الله قال في الإسراء الارضيه لنريه وقال في رحلة المعراج السماوية لقد رأى إشارة إلى أن الله في الإسراء حول المرئي إلى قانون الرائي فرآهم ولو بقوا على حالتهم لما رآهم لذلك قال لنريه أما في المعراج فقد حول الرائي إلى قانون المرئي فاستطاع أن يرى بعينيه ما لم يستطع أن يراه في الإسراء لذلك قال لقد رأى
من آياتنا من تبعيضيه أي أنه سيرى بعض الآيات وليس الكل وآياتنا جمع آية وهى العلامة الظاهرة أو هي الحدث العجيب وآيات الإسراء تحتمل المعنيين
ونحن نأخذ بعض الآيات التي رآها رسول الله r ونعلق عليها
الأنبياء رآهم صلوات الله عليه وعليهم وصلى بهم وحدثهم وحدثوه وهو محكوم بقانون الأحياء وهم محكومون بقانون الأموات وهم في عالم الغيب وهو في عالم الشهادة فسبحان القدير الذي نقل المرئي إلى قانون الرائي فراهم وحدثهم بل ووصفهم بصفات جسديه تميزه عن غيره .
روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال رسول الله r " عرض على الأنبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءه ورأيت عيسى بن مريم عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود الثقفي ورأيت إبراهيم عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم يعنى نفسه "
والحكمة من لقاء الرسول r بالأنبياء الاحتفال به والكشف عن منزلته ودينه وليقرر أن الرسول r هو خاتم النبيين والمرسلين وليقول لأتباع هؤلاء الأنبياء لقد إأتم أنبياؤكم بمحمد r فمن باب أولى أن تتبعوه وتأمنوا به .
الشاهد في كلامي أن رسول الله r رأى الأنبياء بغير حجاب الحواس مما هو راجع إلى قدرة الله .
أبواب السماء :
روى البخاري ومسلم عن أنس قال رسول الله r ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل من ؟ قال جبريل قيل ومن معك ؟ قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم ففتح لنا وقال مرحبا ولنعم المجيء جاء " هذه الكلمات التي تتكرر عند كل سماء تثبت أن للسماء أبوابا وأن للأبواب خزان وأنه لا ينبغي لأحد أن يلج السماء إلا منها وبأذن من الخازن وقد أثبت العلم الحديث أن السماء بناء محكم تملأه المادة ولا يمكن اختراقه إلا عن طريق أبواب تفتح كذلك أثبتوا أن حركة الأجسام في الكون لا يمكن أن تكون مستقيمة ولابد لها من التعرج والانحناء وقد نطق القرآن والسنة بأن السماء بناء قال تعالى " والسماء بيناها بأيد "
وأن لها أبواب فقال تعالى " ففتحنا أبواب السماء " وأن الصعود إليها بالتعرج فقال تعالى " ولو أنا فتحنا عليهم بابا من السماء فظلو فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحور ون " هذه الآية تنطق بما أثبته العلم الحديث أن السماء لها أبواب وأن الحركة في الفضاء متعرجة وأن الكون بعد 120 ك م من سطح البحر معتم لا يمكن معه رؤية وهذا قوله تعالى لقالوا إنما سكرت أبصارنا أي أغلقت لأنهم لن يروا شيئا فسبحان الله العظيم
رؤية الجنة والنار :
روى البخاري ومسلم عن أبى ذر رضي الله عنه قال رسول الله r ............( ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبايل الؤلؤ وإذا ترابها المسك ) وذلك ليكون حديثه حديث من رأى وسمع
صور من المرائي في الإسراء
روى الطبراني والبزار أن رسول الله r " مر على قوم يزرعون ويحصدون في يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال لجبريل عليه السلام ما هذا ؟قال هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف الحسنة إلى سبعمائة ضعف وما انفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ثم أتى على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء فقال ما هذا يا جبريل قال هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام يأكلون الضر يع والزقوم ورضف جهنم فقال من هؤلاء ؟ قال هؤلاء الذين لا يؤدون زكاة أموالهم وما ظلمهم الله وما ربك بظلام للعبيد ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ولحم نيىء خبيث في قدر فجعلوا يأكلون من النىء الخبيث ويدعون النضيج فقال ما هؤلاء يا جبريل ؟ قال هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتى رجلا خبيثا فتبيت عنده حتى تصبح ثم أتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال ما هذا يا جبريل ؟ قال هذا الرجل من أمتك تكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء قال ما هذا يا جبريل ؟ قال هؤلاء خطباء الفتنه ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع فقال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة يندم عليها فلا يستطيع أن يردها ثم أتى على واد توجد فيه ريح طيبة باردة وريح مسك وسمع صوتا فقال ما هذا يا جبريل ؟ قال هذا صوت الجنة تقول رب اتنى بما وعدتني فقد كثرت غرفي واستبرقى وحريري وسندسي وعبقري وللؤلؤى ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي وعسلي ومائي ولبنى وخمري فاتنى بما وعدتني قال لك كل مسلم ومسلمه ومؤمن ومؤمنه ومن امن بي وبرسلي وعمل صالحا ولم يشرك بي شيئا ولم يتخذ من دون الله أندادا ومن خشيني فهو امن ومن سالنى فقد أعطيته ومن أقرضني جازيته ومن توكل على كفيته اننى أنا الله لا اله إلا أنا لا أخلف الميعاد قد أفلح المؤمنون وتبارك الله أحسن الخالقين قالت فقد رضيت ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا منتنة فقال ما هذا يا جبريل ؟ قال هذا صوت جهنم تقول : رب اتنى بما وعدتني فقد كثرت سلاسلي واغلالى وسعيري وحميمي وضريعى وغساقى وعذابي وقد بعد قعري واشتد حرى فاتنى بما وعدتني قال لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب قالت قد رضيت "
وعند البيهقى من حديث أبى سعيد رضي الله عنه قال رسول الله r ........." فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر فيقول اللهم لا تقم الساعة وهم على سابلة آل فرعون قال فتجيء السابلة فتطؤهم قال فسمعتهم يضجون إلى الله قلت يا جبريل من هؤلاء ؟ قال هؤلاء من أمتك " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس "
وعند أحمد وأبو داود عن أنس رضي الله عنه قال رسول الله r " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخشمون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم وأنه مر بقوم مشا فرهم كالإبل يلتقمون جمرا فيخرج من اسافلهم وأن جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون اليتامى ظلما وأنه مر بنساء تعلقن بثديهن وأنهن الزوانى وأنه مر بقوم يقطع من جنوبهم اللحم فيطعمون وأنهم الغمازون اللمازون "
وعند ابن ماجة عن أنس رضي الله عنه قال رسول الله r " رأيت ليلة أسرى بي مكتوبا على باب الجنة الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة ؟ قال لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة "
وعند مسلم عن أنس رضي الله عنه قال رسول الله r " مررت ليلة أسرى بي على موسى عليه السلام قائما يصلى في قبره "
وعند الترمذي وحسنه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله r " لقيت إبراهيم ليلة أسرى بي فقال يا محمد أقرىء أمتك منى السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم "
وعند أحمد والنسائي والبزار والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله r " ولما أسرى بي مرت بي رائحة طيبة فقلت ما هذه الرائحة ؟ قالوا ماشطة بنت فرعون وأولادها سقط مشطها من يدها فقالت بسم الله فقالت ابنة فرعون أبى ؟ قالت ربى هو ربك ورب أبيك قالت أولك رب غير أبى ؟ قالت نعم فدعاها فقال ألك رب غيري ؟ قالت ربى وربك الله فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها لتلقى فيها وأولادها فألقوا واحدا واحدا حتى بلغ رضيعا فيهم فقال قعي يا أمه ولا تقاعسي فانك على حق قال وتكلم أربعة وهم صغار هذا وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم "
ونستطيع أن نقول لنريه من آياتنا هي رؤية الأنبياء والملائكة والكون الفسيح وجبريل على صورته والجنة والنار وسدرة المنتهى والتي سجلها الله في سورة النجم ونحن نلقى نظرات على كلمات سورة النجم
ونقول سورة النجم نزلت قبل سورة الإسراء النجم هي رقم 23 من حيث ترتيب النزول إشارة إلى عمر رسول الله الدعوى من البعثة إلى الوفاة
والإسراء هي رقم 50 من حيث ترتيب النزول إشارة إلى عمر رسول الله عند الإسراء به حيث كان عمره خمسين عاما
والنجم إذا هوى ما هي علاقة القسم بالنجم والمعراج؟ قال الشعراوى أي إن هوى نجم السماء الذي يهدى لمقومات الحياة فلن يضل محمدا الذي يهدى إلى الله
وأنا أقول كأن الله يقول النجم مجاله السماء ومحمد مجاله الأرض فكما أنى قادر على إسقاط نجم السماء إلى الأرض فأنا قادر على العروج بمحمد r من الأرض إلى السماء
وجواب القسم في قوله والنجم إذا هوى أن محمدا ما ضل وما غوى وما ينطق عن الهوى وأن كل نطق رسول الله وحيا يوحى من الله فالقرآن موحى من الله لفظا ومعنى والسنة المعنى من الله واللفظ من محمد r والمعنى العام لهذه الآيات الأربع أن الله يقسم على صدق رسوله فيما ينطق به وانه وحى من الله .
ثم تنتقل الآيات إلى الواسطة بين الله ورسوله وهو جبريل عليه السلام فيصفه بأنه شديد القوى وذلك لأنه هو الذي عرج بمحمد فلم يضره الضغط الجوى ولم تتعبه طول المسافة فوصفه الله بأنه شديد القوى ذو مرة ( أي هيئة حسنه ) فاستوى أي قام على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها يسد الأفق له ستمائة جناح كل جناح كما بيت المشرق والمغرب ثم دنا أي قرب من محمد r كيف دنا يقول الله فتدلى قال الزمخشرى والبيضاوي التدلي استرسال مع تعلق أي أن جبريل تدلى من الأفق الأعلى من غير منفصل عن محله فعرج برسول الله وذلك تقريرا لشدة قوة جبريل فكم كانت المسافة بين محمد وجبريل قال تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى ألقاب هو المقدار والقوس هو قدر الأنملة أي دنا جبريل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم حتى كان ما بينه وبينه قدر أنملتين من الإصبع أو أقل فأوحى إلى عبده ما أوحى وأبهم الله ما أوحى ليدل على تفخيم ما أوحاه ولذلك لم يرد في السنة تفصيل لما أوحاه الله لرسوله وأقول كأن رسول الله r أستحي أن يفصل ما أبهمه الله ثم يقول الله ما كذب الفؤاد ما رأى أي لم يكذب فؤاده ما رأته عينه ولم تكذب عينه ما رأى فؤاده ونقل هل رأى محمد ربه تقول السيدة عائشة رضي الله عنها من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الفرية فقال مسروق يا أم المؤمنين أنظرينى ولا تعجليني ألم يقل الله ولقد رآه نزلة أخرى وقال ولقد رآه بالأفق المبين فقالت أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه مل بين السماء والأرض أولم تسمع قول الله تعالى " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير " رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها
وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رأى محمد ربه فقيل له أليس الله يقول لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار قال ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره وقد رأى ربه مرتين)رواه الترمذي وأحمد بسند صحيح
والتوفيق بين كلام عائشة رضي الله عنها وابن عباس رضي الله عنهما أن عائشة تنفى رؤية العين وابن عباس يثبت رؤية الفؤاد فلا خلاف بينهما .
روي الإمام مسلم عن أبى ذر رضي الله عنه سأل رسول الله r " هل رأيت ربك قال نور أنى أراه "
والجواب مفحم نور أنى أراه والنور لا يرى إنما يرى به0
ثم يعود التحدث عن جبريل عليه السلام ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى وهذه هي الإشارة الوحيدة المباشرة حول المعراج فما هي سدرة المنتهى ؟ ولماذا سميت بالمنتهى ؟ وما الذي غشيها ؟
روى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال رسول الله r " ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها "
وروى البخاري " ثم رفعت لي سدرة المنتهى فرأيت عندها نورا عظيما "
وروى البيهقى عن أبى ذر رضي الله عنه قال رسول الله r " تكاد الورقة تغطى هذه الأمة فغشيها ألوان ما أدرى ما هي " صححه الألباني في الجامع الصغير .
وروى الترمذي وقال حسن صحيح عن أسماء بنت أبى بكر رضي الله عنهما قالت سمعت رسول الله r يذكر سدرة المنتهى" يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة سنة " حسنه الالبانى
وروى البيهقى قال رسول الله r " وإذا في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات " صحيح الجامع
قال النووي وفى الحديث أن أصل النيل والفرات من الجنة وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى .
وأقول أن في ذلك إشارة قوية أن ملك محمد r من النيل إلى الفرات ولن تستطيع أي دولة أو قوة على وجه الأرض أن تنزع هذا منه صلوات الله وسلامه عليه .
وسميت سدرة المنتهى بذلك لأن إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض واليها ينتهي ما يهبط به من فوقها وهى المنتهى لكل خلق الله إلا محمدا r حيث لم يجاوزها غيره.
والذي غشيها الملائكة في صورة فراش من ذهب وغشيها نور الله تبارك وتعالى .
عطايا الرحمن لسيد الأكوان :
روى الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فأعطى رسول الله r ثلاثا أعطى الصلوات الخمس وأعطى خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات
قال النووي المقحمات بضم الميم وإسكان القاف وكسر الحاء معناه الذنوب العظام الكبائر التي تقحم أصحابها وتوردهم النار ومعنى الكلام أن من مات من هذه الأمة غير مشرك بالله غفر له المقحمات والمراد بغفرانها أنه لا يخلد في النار بخلاف المشركين وهى منحة عظيمة .
لماذا كانت الإسراء:
قال الله تعالى " وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القران ونخوفهم فما يزيد هم إلا طغيانا كبيرا " 60 الإسراء
والمعنى اذكر إذ أوحينا إليك أن الله أحاط بالناس فهم في قبضة قدرته وإنا أريناك من آياتنا في ليلة الإسراء والمعراج إنما هي فتنة أي اختبارا ليكفر من سبق عليه الكفر ويصدق من سبق له الإيمان والشجرة الملعونة في القرآن وهى الزقوم فتنة للناس أيضا ولكن الناس لا يزيد هم التخويف إلا طغيانا كبيرا والرؤيا المقصودة في الآية رؤيا عين فقد روى البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس " قال هي رؤيا عين أريها النبي r ليلة أسرى به إلى بيت المقدس قال والشجرة الملعونة في القرآن " هي شجرة الزقوم " وهكذا قالت عائشة ومعاوية والحسن رضي الله عنهم ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك وابن أبى نجيح وابن زيد رحمهم الله تعالي .
وكانت الفتنة التي ذكرها الله ارتداد قوم بعد إسلامهم
روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله r " لما كان ليلة أسرى بي وأصبحت بمكة فظعت بأمري وعرفت أن الناس مكذبي فقعدت معتزلا حزينا قال فمر به عدو الله أبو جهل فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزىء هل كان من شيء ؟ قال نعم قال وما هو ؟ قال انى أسرى بي الليلة قال إلى أين ؟ قال إلى بيت المقدس قال ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال نعم فلم ير أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إن دعا قومه إليه قال أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني ؟ قال رسول الله نعم قال هيا معشر بنى كعب بن لؤى هلموا قال فانفضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا اليهما قال حدث قومك بما حدثتني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى أسرى بي الليلة قالوا إلى أين قال إلى بيت المقدس قالوا ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال نعم قال فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب زعم قالوا وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد ؟ وفى القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد قال رسول الله فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس على بعض النعت قال فجيء بالمسجد وأنا أنظر حتى وضع دون دارعقيل فنعته وأنا أنظر إليه فقال القوم أما النعت فوالله لقد أصاب "
والمقصود أن الله اختبر عباده بالإسراء فمنهم المصدق كأبي بكر رضي الله عنه قال إني أصدقه في أبعد من ذلك إن كان قال فقد صدق ونحن على منهجك يا أبا بكر . ومنهم المكذب والمنكر والمرتد عن الإسلام الطاغي على أوامر الله .
هذه تأملات في الإسراء والمعراج وهى غيض من فيض أسأل الله أن ينفع به كل سامع وقاريء وأن يثيبني عليه الرحمة والغفران إنه ولي ذلك والقادر عليه .
وما وفقت فيه ففتح من الرحمن وما فاتنى فمن جهلي وما أخطأت فيه فمن الشيطان والله ورسوله منه براء ...
كتبه
الفقير إلى عفو القدير
إبراهيم محمد حسن