أحكام الربا
اعداد صلاح نجيب الدق
من علماء مسجد التوحيد
فرع بلبيس محافظة الشرقية
الحمد لله، الذي أحل البيع وحرم الربا، والصلاة والسلام على أشرف النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
فقد تحدثنا في العدد الماضي عن معنى الربا، والفرق بين الربا والربح والأجر، وكذلك القروض بأنواعها، وفي هذا العدد نتحدث بعون الله تعالى عن
قواعد هامة لتجنب الربا المحرم
هناك قواعد هامة يجب على المسلم أن يكون على علم بها لكي يتجنب الوقوع في الربا المحرم وهي كما يلي
القاعدة الأولى إذا اتفق البدلان في الجنس والعلة الثمنية والمطعومية مع الادخار حرم التفاضل أي الزيادة وحرم النسيئة أي تأجيل التقابض المغني
فائدة هامة المقصود بالجنس هو الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها، فكل نوعين اجتمعا في اسم خاص، فهما جنس واحد، كأنواع التمر وأنواع الحنطة، فالتمور كلها جنس واحد ؛ لأن الاسم الخاص يجمعها، وهو التمر، وإن كثرت أنواعه المغني
ولتوضيح هذه القاعدة الأولى أقول إذا بيع ذهب بذهب أو فضة بفضة، أو قمح بقمح، فإنه يُشترط لصحة هذا البيع شرطان
الشرط الأول التساوي في الوزن أو الكمية بصرف النظر عن الجودة والرداءة
الشرط الثاني التقابض في نفس المجلس، بمعنى آخر أنه يحرم تأجيل أحد البدلين، وذلك بدليل ما يلي
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله قال «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا أي لا تزيدوا بعضها على بعضٍ ولا تبيعوا الوَرِقَ أي الفضة بالورق، إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز» أي حاضر البخاري ح ، ومسلم ح
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله قال «الذهب بالذهب ربًا، إلا هَاءَ وهَاءَ أي خذ وهات ، والبُرُّ بالبُرِّ ربًا إلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ رِبًا إلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، والشعيرُ بالشعيرِ ربًا إلا هَاءَ وَهَاءَ» البخاري ح ، ومسلم ح
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال جاء بلال إلى النبي بتمرٍ بَرْنِيٍّ، فقال النبي «من أين هذا ؟» قال بلال كان عندنا تمرٌ رديءٌ فبعتُ منه صاعين بصاع لنطعم النبي ، فقال النبي عند ذلك «أَوَّهْ أَوَّهْ، عينُ الربا، عينُ الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيعٍ آخر، ثم اشْتَرِ بهِ» البخاري ح ، ومسلم ح
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله «الذهب بالذهب وزنًا بوزن مثلاً بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا» مسلم ج ح
القاعدة الثانية
إذا اختلف البدلان ي الجنس واتحدا في العلة الثمنية أو المطعومية مع الادخار جاز التفاضل، أي الزيادة، وحَرم النَّساء، أي تأجيل التقابض المغني لابن قدامة ، وفقه السنة
فإذا بيع ذهب بفضة أو قمح بشعير جازت الزيادة بشرط أن يتم التقابض في نفس الجلسة، وذلك لما روى مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال رسول الله «الذَّهَب بالذَّهَبِ والفِضة بالفضة، والبُرُّ بالبرِّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتمرُ بالتمرِ، والملحُ بالملحِ مِثلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ يَدًا بِيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ» ح
القاعدة الثالثة
إذا اختلف البلدان في الجنس والعلة الثمنية أو المطعومية مع الادخار جاز التفاضل، أي الزيادة، والنسيئة، أي تأجيل التقابض مسلم بشرح النووي ، وفقه السنة
فإذا بيع قمح أو شعير أو تمر أو طعام بفضة جاز التفاضل، أي الزيادة، وجازت النسيئة أي تأجيل التقابض ، وذلك لما يلي
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي اشترى طعامًا من يهوديٍّ إلى أجل، فرهنه درعه البخاري ح
قال النووي أجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يُشاركه في العلة متفاضلاً ومؤجلاً، وذلك كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل مسلم بشرح النووي ج ص
بيع العينة
المقصود ببيع العينة هو أن يبيع المسلم شيئًا ما بثمن محدد إلى أجل مسمى إلى شخص ما ويسلمها إليه ثم يشتريه البائع من نفس المشتري قبل قبض الثمن المؤجل بثمن نقدًا أقل من الثمن المؤجل، وسميت بالعينة لأن البائع يشتري نفس العين التي باعها نيل الأوطار للشوكاني
وهذا البيع حرام لأنه ذريعة إلى الربا وإن كان في صورته بيع وشراء
عن ابن عمر قال سمعت رسول الله يقول «إذا تبايعتم بالعِينَةِ وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزَّرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» صحيح أبي داود ح
البيع بالتقسيط
يجوز بيع سلعة بالتقسيط مع الزيادة في ثمن السلعة عن ثمنها الحال مقابل الزيادة في الأجل فتاوى دار الإفتاء المصرية جـ رقم ص ، وفتوى مجمع الفقه بمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم لعام هـ المجتمع
بيع وشراء الذهب والفضة
إن الكثيرين من المسلمين قد يقعون في الربا المحرم عند بيع وشراء الذهب والفضة، وذلك لعدم معرفتهم بأحكام الربا، ولذا سوف أوضح بعض الأمور الهامة التي يجب على المسلم أن يكون على معرفة بها عند بيع وشراء الذهب والفضة، فأقول وبالله التوفيق
لا يجوز استبدال الذهب أو الفضة المستعمل القديم بحلي مثله جديد مع دفع فرق الصنعة، وذلك لما يلي
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله قال «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا أي لا تزيدوا، بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الوَرِقَ أي الفضة بالورق إلا مثلاً بمثلٍ، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز» أي حاضر البخاري ح ، ومسلم ح
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله قال «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الوَرِق بالوَرِق، إلا وزنًا بوزن، مثلاً بمثل، سواءً بسواء» مسلم ح
أقوال العلماء

سوف أذكر أقوال العلماء في تحريم استبدال حُلي الذهب أو الفضة بحلي مثله جديد مع إعطاء الصائغ فرق الصنعة
قال النووي رحمه الله قوله «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الوَرِق بالوَرِق، إلا سواء بسواءٍ» قال العلماء هذا يتناول جميع أنواع الذهب والوَرِق من جَيِّد ورديء، وصحيح ومكسور، وحلي وتبر، وغير ذلك، سواء الخالص والمخلوط بغيره، وهذا كله مجمع عليه صحيح مسلم بشرح النووي ج
قال البغوي رحمه الله بعد أن ذكر هذا الحديث «لا تبيعوا الذهب بالذهب» وفي الحديث دليل على أنه لو باع حُليًا من ذهب بذهب لا يجوز إلا متساويين في الوزن، ولا يجوز طلب الفضل أي طلب زيادة للصنعة لأنه يكون بيع ذهب بذهب مع الفضل شرح السنة للبغوي ج ص
قال ابن حجر رحمه الله قوله «الذهب بالذهب» دخل في الذهب جميع أصنافه من مضروبٍ ومنقوشٍ وجيدٍ ورديءٍ وصحيحٍ ومكسرٍ وحليٍّ وتِبْر وخَالِص ومغشوش فتح الباري لابن حجر ج ص
قال القرطبي رحمه الله والفضة البيضاء والسوداء والذهب الأحمر والأصفر كل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل سواء بسواء على كل حال الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج ص
قال ابن قدامة رحمه الله والجيد والرديء، والتبر والمضروبُ، والصحيح والمكسور، سواءٌ في جواز البيع مع التماثل، وتحريمه مع التفاضل وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم ؛ أبو حنيفة، والشافعي المغني لابن قدامة ج ص
روى أبو داود عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله قال «الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها، والبُرُّ بالبر مدي بمدي والشعير بالشعير مديٌ بمديٍ، والتمر بالتمر مُدْيٌ بمدي، والملح بالملح مُديٌ بمُدْي، فمن زاد أو ازداد فقد أربى» صحيح أبي داود ح
فائدة هامة

قال الخطابي التبر قطع الذهب والفضة قبل أن تضرب وتطبع دراهم ودنانير، واحدتها تبرة والعين المضروب من الدراهم والدنانير معالم السنن للخطابي ج ص
قال ابن عبد البر رحمه الله أجمع العلماء على أن الذهب وعينه سواء لا يجوز التفاضل في شيء منه، وكذلك الفضة، تبرها وعينها، ومصنوع ذلك كله ومضروبه، لا يحل التفاضل في شيء منه الاستذكار لابن عبد البر رقم ،
روى مالك عن حميد بن قيس المكي عن مجاهد أنه قال كنت مع عبد الله بن عمر، فجاءه صائغ فقال له يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغُ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل أي أخذ زيادة من ذلك قدر عمل يدي فنهاه عبد الله عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد الله ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابةٍ يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله بن عمر الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم إسناده صحيح موطأ مالك، كتاب البيوع ح
قال الشنقيطي رحمه الله لا يجوز بيع المصوغ من الذهب أو الفضة بجنسه بأكثر من وزنه، وذكر الأدلة على ذلك القول، ثم قال بعد ذلك وهذه النصوص الصحيحة تدل على الصناعة الواقعة في الذهب أو الفضة لا أثر لها، ولا تبيح المفاضلة بقدر قيمة الصناعة كما ذكرنا، وهذا هو مذهب الحق الذي لا شك فيه أضواء البيان للشنقيطي ،
الطريقة الشرعية لبيع الحلي القديم وشراء الجديد
من أراد أن يبيع حُليًا قديمًا ويشتري بدلاً منها حليًا جديدًا، يجب عليه أولاً أن يبيع الحلي القديم ويقبض ثمنه، ثم يشتري ما يريد من الذهب الجديد، سواء من هذا الصائغ الذي باع إليه أو من غيره، ولا يجوز أن يكون بين البائع والمشتري مشارطة، بمعنى أنه يحرم على الصائغ أن يشترط شراء الذهب القديم على أن يشتري منه البائع ذهبًا جديدًا لأن ذلك في حكم البيعتين في بيعة وهذا النوع نهى عنه النبي
تنبيهات هامة

بيع الذهب أو الفضة بالأجل محرم بإجماع علماء المسلمين؛ لأنه ربا نسيئة بيع وشراء الذهب لابن عثيمين ص ،
لا يجوز للصائغ الاشتراط على من يبيع له الذهب المستعمل أن يشتري منه ذهبًا جديدًا لان ذلك حيلة على بيع الذهب بالذهب مع الزيادة، وهذا ربا محرم بيع وشراء الذهب لابن عثيمين ص ،
كل قرض نقدي جَرَّ نفعًا مشروطًا فهو ربًا محرم السنن الكبرى للبيهقي
يجوز استبدال عُملة نقدية بعملة أخرى بدون اشتراط التساوي في الكمية، ولكن يُشترط أن يتم التقابض في نفس المجلس قبل الافتراق
يجب أن نطبق كل ما ثبت عن النبي في كيفية بيع الذهب والفضة وغيرهما تعبدًا لله تعالى
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين