قد يخلد التاريخ بعض الأحداث وبعض الأعلام في ذاكرته فلا تنسى فتصبح أحداث الأمس دروس اليوم ، وتصبح مواقف الأمم التي سبقتنا نماذج حية في واقعنا نتلمس منها العظات والعبر ..
لكن المتأمل لمواقف العلماء تجاه قضية المجيء إلى السلاطين وغشيان مجالسهم تصيبه الدهشة بادئ الأمر ، ويشعر بالتخبط في المنهج ويستريب من المواقف المتباينة من العلماء نحو الحكام ...وما ذاك إلا لخفاء قواعد مهمة كان أهل العلم يترسمونها ، صاغت هذه القواعد مواقفهم ، وصقلت تجربتهم ، فأبقتها الأيام ، وسجلها التاريخ ، وتقبلها الحكام .

قيل للإمام مالك – رحمه الله - : " إنك تدخل على السلطان وهم يظلمون ويجورون ؟ فقال : يرحمك الله ، فأين المكلّم بالحق "
والإمام مالك – رحمه الله – هو من قابل الرشيد بكلمته المشهورة ( لا تكن أول من وضع العلم فيضعك الله ) لما قدم هارون الرشيد المدينة ، وجه البرمكي إلى مالك ، وقال له : احمل إلىّ الكتاب الذي صنفته حتى أسمعه منك ، فقال مالك للبرمكي : " أقرئه السلام وقل له : إن العلم يُزار ولا يزور " فرجع البرمكي إلى هارون الرشيد ، فقال له : يا أمير المؤمنين أيبلغ أهل العراق إنك وجهت إلى مالك في أمر فخالفك ! أعزم عليه حتى يأتيك ، فأرسل إليه فقال : قل له يا أمير المؤمنين لا تكن أول من وضع فيضّيعك الله " وهذا إن دل فإنه يدل على فقه عظيم تشبع به الإمام مالك – رحمه الله – في هذه المسألة حيث أنه ممن لا يرى حرجاً في الدخول على السلاطين إذا تحققت المصلحة في ذلك إحقاقاً للحق ، لكن لما كان هذا الدخول دعوة من السلطان فيها إذلال للعلم وأهله ، أراد الإمام مالك أن يعطي درساً ليس لهارون فحسب بل لكل إنسان تعمم بالعلم واحتمى بالسنة .

ولعل موقف البرمكي هنا يعد نموذجاً سياسياً خبيثاً لأساليب الزعامة الإسلامية التي تلتف حولها الأمة ، فالبرمكي نظرية ثابتة في واقع الصراع بين التيار الإسلامي والتيارات المنحرفة سيحاول ممارستها مع كل محاولة إسلامية جديدة ( برمكي ) جديد يتلهف إلى لحظة يكون فيها الزعيم القائد ، ونحن نذكر من هذا حاله بما ورد عند البخاري من حديث أبي سعيد وأبي هريرة – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : " ما بعث الله من نبي ، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالمعروف ، وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالشر ، وتحضه عليه ، والمعصوم من عصمه الله " .
فالسؤال إذاً لما كان بعض السلف يدخلون على الحكام ؟ باختصار شديد هم يدخلون رغبة منهم في إصلاح الحاكم مع عدم الإخلال بمبادئهم وعزتهم .. فتعلم الدخول منهم ثم ادخل !!
حضر القاضي عمر بن حبيب مجلس الرشيد فجَرت مسألة فتنازعها الخصوم ، وعلت الأصوات فيها ، فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فدفع بعضٌ الحديث ، وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم : أبو هريرة متهم فيما يرويه ، وصرحوا بتكذيبه ، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم ، ونصر قولهم ، فقلت أنا : الحديث صحيح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فنظر إلي الرشيد نظر مغضب ، وانصرفت إلى منزلي ، فلم ألبث أن جاءني غلام فقال : أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول ، وتحنط وتكفن . فقلت : اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك ، وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه فسلمني منه ، وأدخلت على الرشيد ، وهو جالس على كرسي حاسراً ذراعيه ، بيده السيف ، وبين يديه النطع ، فلما بصر بي قال : يا عمر بن حبيب ، ما تلقاني أحد من الدفع والرد بمثل ما تلقيتني به وتجرأت علي ، فقلت يا أمير المؤمنين ، إن الذي قلته ودافعت عنه ، وملت إليه ، وجادلت عنه ازدراء على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعلى ما جاء به ، فإنه إذا كان أصحابه ورواة حديثه كذابين ، فالشريعة باطلة ، والفرائض والأحكام في الصلاة والصيام والنكاح والطلاق والحدود ، مردودة غير مقبولة . فالله الله يا أمير المؤمنين أن تظن ذلك ، أو تصغي إليه ، وأنت أولى أن تغار لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الناس كلهم ، فلما سمع كلامي رجع إلى نفسه ثم قال : أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله ، أحييتني أحياك الله ، أحييتني أحياك الله " . (1)

ولعلى أذكر بعض الجوانب المهمة إزاء هذه القضية بشيء من السبر والتقسيم الاجتهادي سعياً منا في الإيضاح ولكي نضع النقاط على الحروف ونخدم الفكرة العامة لهذا الموضوع .

أولاً :
شاء الله أن يختص ذاته بالكمال ، وأراد بحكمته أن يكون لدى الإنسان مثالب وجوانب قصور مهما بلغ ! وجراء ذلك حدث بعض الاختلاف عند السلف في كيفية التعامل مع هذه القضية الحساسة .. فمنهم من اجتهد وأصاب فله أجران ، ومنهم من اجتهد فأخطأ فله أجر واحد .. فهم دائرون في فلك الاجتهاد .
لكن ينبغي أن يعلم أنه بالرغم من وجود هذه الاختلافات إلا أن هناك أصولاً وأساليب مشتركة اعتمدها العلماء في دعوتهم مع الحكام .
قال الحارث المحاسبي ( عرف بذلك لكثرة محاسبته لنفسه ) :
" الأصل الذي بنوا به طريقتهم ، التزام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصدق ، وتقديم العلم على حظوظ النفوس ، والاستغناء بالله عن جميع خلقه " .

ثانياً :
ليس المخاطب في النصوص والآثار الواردة في هذه المسألة العلماء فحسب ، بل هوخطاب للعلماء يدخل فيه ضمناً المحتسب والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فكلهم إخوة وإن كانوا لعلات ، فالخطاب يشملهم والعادة تجمعهم ، والنقص يغمرهم ، وإن اختلفت منازلهم ، وتباينت أحوالهم .

ثالثاً :
إن الدخول على السلاطين والإكثار منه هو في حد ذاته بلاء وابتلاء ، وهنا يأتي دور المصالح والمفاسد ..وهنا تتمحص النوايا .. وهنا ينبغي أن يتأمل العالم والمحتسب النصوص والآثار المرهبة في الدخول على السلاطين ، وكل ما ساقه الإمام السيوطي رحمه الله ( ت : 911هـ ) في كتابه : " ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين " يعتبر من هذا الباب .
فمن ذلك ما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " من بدا جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن ، وما ازداد أحد من السلطان قرباً إلا ازداد من الله بعداً ". ( 2)
قال ابن المبارك – رحمه الله - : " من بخل بالعلم ابتلي بثلاث : إما موت يذهب علمه ، وإما ينسى ، وإما يلزم السلطان فيذهب علمه " ( 3) وقال أبو حازم ( سلمة بن دينار ) : " إن خير الأمراء من أحب العلماء ، وأن شر العلماء من أحب الأمراء " .
لكن هل كل السلاطين داخلون في هذا المعنى من التحذير والترهيب أم أن المراد بذلك هو السلطان الجائر الظالم الذي استباح بيضة المسلمين واستحل دمائهم ولم تعصم عنده أموالهم يقول ابن عبد البر- رحمه الله – مبيناً هذا المعنى ومجيباً لهذا التسائل بعد أن أورد الأحاديث والآثار الواردة في النهي عن المجيء إلى السلاطين : " معنى هذا كله في السلطان الجائر الفاسق ، وأما العدل منهم الفاضل فمداخلته وعونه على الصلاح من أفضل أعمال البر ، ألا ترى أن عمر بن عبد العزيز إنما كان يصحبه جلّة العلماء " ( 4 ) وقال علامة الأندلس ابن حزم وهو ينصح العالم في رسالته ( مراتب العلوم ) : " وإن ابتلي بصحبة سلطان فقد ابتلي بعظيم البلايا ، وعرض للخطر الشنيع في ذهاب دينه وذهاب نفسه ، وشغل باله ، وترادف همومه .." ( 5 ) وهذا كلام عالم من أفقه الناس بأخلاق الملوك وصفاتهم .

رابعاً :
من الأمور المقررة عند أهل السنة والجماعة أن الحكام داخلون تحت ولاية العلماء ، وذلك أن واجب الحكام أن يحكموا وفق الشريعة الإسلامية ، والعلماء هم المرجع في بيان الشريعة الإسلامية وتوضيح أحكامها ، فكان الحكام من هذه الناحية داخلون تحت سلطان ولاية العلماء وخاضعون لطاعتهم فيما يبينونه من الأحكام الشرعية .
ومن الأقوال المشهورة في بيان هذا عبارة أبي الأسود الدؤلي الذي قال : " ليس شيء أعز من العلم ، الملوك حكام على الناس ، والعلماء حكام على الملوك " ( 6 ) ومن النقول التي توسعت في بيان هذه العلاقة بين العلماء والحكام ما قرره الأمام ابن القيم ، بعد حكايته للقولين في تفسير أولي الأمر أنهم العلماء أو الأمراء ، فقال :
" والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم ، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء ، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم ، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول ، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء . ولما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء وكان الناس كلهم لهم تبعاً ، كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين وفساده بفسادهما ، كما قال عبد الله بن المبارك وغيره من السلف : ( صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس ، وإذا فسدا فسد الناس ، قيل من هم ؟ قال : الملوك والعلماء ) (7)

خامساً :
حين استعرضت أقوال ومواقف العلماء والمحتسبين حيال موضوع الدخول على الحكام والسلاطين وجدت أن مواقفهم متباينة وسبب هذا التباين في نظري راجع إلى أمور :

أ – اختلاف الفترة الزمنية أو الرقعة الجغرافية من بلد لآخر وفي ذلك أسهم مؤسس علم الاجتماع وعالم نقد التاريخ عبد الرحمن بن خلدون الذي حاول في مقدمته المشهورة أن يضع الأسس المهمة التي تساعد على تفهم الدول وتقلباتها وأسباب اضمحلالها ، فقد نبه إلى ناحية مهمة وهي :
تبدل أحوال الناس وتطورهم من حالة إلى حالة في كثير من العادات والتقاليد أو طريقة التفكير وتناولهم للأمور ، أي : يجب أن تفهم طبيعة العصر الذي عاش فيه فلان أو قامت فيه الدولة الفلانية ، وأن لا تقيس عصر مضى – بعصرك الذي تعيش فيه – في كل شيء ، فالبيئة العلمية التي تكون في عصر ما ، هي التي تساعد على ظهور علماء مجتهدين ، والذي يظن أنه يجب أن يكون بيننا الآن من أمثال هؤلاء العلماء دون أن يكون هناك بيئة علمية فهو واهم ، وقس على ذلك البيئة الجهادية التي بدأها عماد الدين زنكي وابنه نور الدين والتي كان من نتائجها صلاح الدين الأيوبي . أ – هـ بتصرف .

ب ) اختلاف طبيعة الحاكم والبيئة المحيطة به :
إن لاختلاف طبيعة الحاكم ومدى التزامه بالشرع الأثر البالغ في تقريب أهل العلم وجعل ذلك دافعاً لمجالستهم ومناصحتهم .
فقد ترزق الأمة بحاكم كعمر بن عبد العزيز ، يحكم بالعدل ويقرب العلماء ويحفظ الرعية ويحافظ على بيت مال المسلمين فقد ورد في سيرته أنه قال لعمرو بن مهاجر : " إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يديك في تلبابي ، ثم هزني ثم قل : يا عمر ما تصنع "
وقد تبتلى الأمة بحاكم كـ ( محمد بن إسماعيل الخزرجي ) المتوفى سنة 763 هـ لما استولى على السلطة بالأندلس فكان لئيم الخلق ، سيء السيرة ،حتى أنه من عجائب ما يحكى عنه ( أن امرأة رفعت إليه أن دارها سرقت ، فقال : إن كان ذلك ليلاً بعد ما قفل باب الحمراء علي وعلى حاشيتي فهي والله كاذبة إذ لم يبق هناك سارق !! ) ( 8 ) يقول إبراهيم بن أدهم : ( كل ملك لا يكون عادلاً فهو واللص سواء ، وكل عالم لا يكون تقياً فهو الذئب سواء ، وكل من ذل لغير الله فهو الكلب سواء ) .
فالحكام في أمّس الحاجة إلى من يذكرهم بالله ، ويصارحهم بأخطائهم ويرشدهم إلى الخير . وهكذا كالان الخلفاء فقد كان يقال للخليفة : يا أمير المؤمنين أعزك الله ، ويا عمر أصلحك الله .
وفي المقابل فإن الحاكم إذا اتسعت الجفوة بينه وبين العلماء الربانيين كان ذلك سبباً في شقائه بل وشقاء الأمة المسلمة التي يتولاها ، وهذا بالفعل ما كان حاصلاً عند هجوم المغول على الدولة الخوارزمية حيث كان السلطان خوارزم شاه معرضاً عن نصح العلماء والتشاور معهم بل إن الأمر عنده تعدى ذلك إلى التضييق على العلماء ووضع بعضهم تحت الإقامة الجبرية ، ونفي البعض الآخر وتغريبه ، فلما غزا المغول دولتهم أصبح المسلمون كالأيتام على موائد اللئام ، فلما طغت شهوة الحكم وقدمت على مصلحة الأمة أفسدت كل محاولات العلماء ، ولا أدل على ذلك ما قام به الإمام محيي الدين ابن الجوزي عندما أرسله الخليفة العباسي المستعصم بالله إلى السلطان جلال الدين منكبرتي بعد استباحته لإحدى مدن المسلمين ، فلما دخل ابن الجوزي عليه وجد السلطان جلال الدين يبكي وبين يديه المصحف ، محاولاً خداع ابن الجوزي , فصاح ابن الجوزي في وجهه وقال له : ( تقرأ في المصحف وتبكي ، وأنت تفعل بالمسلمين ما تفعل ، لقد قتلت عشرين ألف مسلم ، وسبيت نسائهم ، وفعلت ما فعلت ؟ ) .