كلمات مضيئة فى العفو والتجاوز
بقلم
د / عبد الله شاكر الجنيدى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
فالعفو خلق إسلامي أصيل دعا إليه القرآن الكريم، وحث عليه النبي عليه الصلاة والسلام ، وطبقه تطبيقًا عمليًا في حياته وأصل العفو المحو والطمس، ويطلق في اللغة على خالص الشيء وجيده، وعلى الفضل الزائد فيه أو منه، وعلى السهل الذي لا كلفة فيه، وعلى ما يأتي بدون طلب أو بدون إحفاء ومبالغة في الطلب
وقد عرَّف الكفوي العفو اصطلاحًا فقال «كف الضرر مع القدرة عليه، وكل من كان له حق في عقوبة فتركها فهذا الترك عفو»
ومن أسماء الله الحسنى «العَفُوُّ» وهو فعول من العفو وهو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه، وهو من أبنية المبالغة، يقال عفا يعفو عفوًا فهو عاف وعفُوُّ»
وقد سمَّى الله نفسه بهذا الاسم في مواطن، منها قوله تعالى «إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا» النساء ، والمعنى إن تظهروا أيها الناس خيرًا، أو أخفيتموه، أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته عليهم، ولهذا قال «فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا»
ومن أفضل ما يتوجه به العبد إلى ربه في أكثر ليالي من الخير أن يسأل ربه العفو، فعن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله، أرأيت إن علمت أيُّ ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال «قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» رواه ابن ماجه والترمذي، وقال «حديث صحيح»
وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله، علمني شيئًا أسأله الله، قال «سل الله العافية»، فمكثت أيامًا، ثم جئت فقلت يا رسول الله، علمني شيئًا أسأله الله؟ فقال لي «يا عباس يا عم رسول الله، سل الله العافية في الدنيا والآخرة» رواه الترمذي وقال «هذا حديث صحيح» وقال الشيخ الألباني صحيح
قال المباركفوري رحمه الله «في أمره للعباس بالدعاء بالعافية بعد تكرير العباس سؤاله بأن يعلمه شيئًا يسأل الله به، دليل جلي بأن الدعاء بالعافية لا يساويه شيء من الأدعية، ولا يقوم مقامه شيء من الكلام الذي يدعى به ذو الجلال والإكرام، وقد تقدم تحقيق معنى العافية أنها دفاع الله عن العبد، فالداعي بها قد سأل ربه دفاعه عنه في كل ما ينوبه، وقد كان ينزل عمه العباس منزلة أبيه، ويرى له من الحق ما يرى الولد لوالده، ففي تخصيصه بهذا الدعاء وقصره على مجرد الدعاء بالعافية تحريك لهمم الراغبين على ملازمته، وأن يجعلوه من أعظم ما يتوسلون به إلى ربهم سبحانه وتعالى، ويستدفعون به كل ما يهمهم، ثم كلمه بقوله «سل الله العافية في الدنيا والآخرة»، فكان هذا الدعاء من هذه الحيثية قد صار عدة لدفع كل ضر وجلب كل خير، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا قال الجزري في «عدة الحصن الحصين» لقد تواتر عنه دعاؤه بالعافية وورد عنه لفظًا ومعنى من نحو خمسين طريقًا»
وقد أعلم الله تعالى نبيه أنه عفا عنه فيما تعلق به اجتهاده حين استأذنه المنافقون ولم يكن لهم عذر في التخلف عن غزوة تبوك، قال تعالى «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ» التوبة ، كما أمر الله النبي بالعفو والتجاوز، قال تعالى «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» آل عمران
قال ابن كثير في تفسيره للآية «يقول تعالى مخاطبًا رسوله ممتنًا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته، المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ»، أي أيُّ شيء جعلك الله لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم ، وقال الحسن البصري هذا خلق محمد بعثه الله به»
وقال بعض المفسرين عن هذه الآية «ثمرة الآية وجوب التمسك بمكارم الأخلاق وخصوصًا لمن يدعو إلى الله تعالى ويأمر بالمعروف»
ومن أجمل الصفات التي كان عليها النبي أنه كان لا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، وقد ذكر وعرف بذلك في الكتب السابقة، ففي البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن هذه الآية في القرآن «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا» قال في التوراة «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأمين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، فيفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا»
وكان النبي كثيرًا ما يسأل ربه العفو والعافية ؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال لم يكن رسول الله يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي»
ومعنى قول الراوي لم يكن رسول الله يدع، أي يترك، وسؤال الله العافية معناه السلامة من الآفات، والعفو أي التجاوز عن السيئات، وفي مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت فقدت رسول الله ليلة في الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»
قال الخطابي في معنى هذا الحديث «في هذا معنى لطيف، وذلك أنه استعاذ بالله تعالى سأل النبي ربه أن يجيره من سخطه وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط متقابلان وكذلك المعافاة والعقوبة، فلما صار إلى ما لا ضد له وهو الله سبحانه استعاذ به منه لا غير، ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب في حق عبادته والثناء عليه»
وكان النبي يسأل ربه في صلاة الجنازة أن يعفو عن الميت، فعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال صلى رسول الله على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مُدْخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار»
وكما كان رسول الله يطلب العفو من ربه كان يحث أصحابه على ذلك أيضًا، كما في مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قالت أم حبيبة رضي الله عنها «اللهم متعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله «إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثار مَوْطُوءَة، وأرزاق مقسومة، لا يُعَجِّل منها شيئًا قبل حله، ولا يؤخِّر منها شيئًا بعد حله، ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار، وعذاب في القبر لكان خيرًا لك»
ومن سمات المتقين الموعودين بالغفران من ربهم وجنات النعيم العفو عن الناس، قال تعالى «وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» آل عمران ، ، وفي الآية الثانية إشارة إلى أن كظم الغيظ وحده لا يكفي، فقد يكظم الإنسان غيظه ليتحول إلى حقد دفين في قلبه، بل لابد من العفو والتجاوز، وهذا هو شأن المحسنين الذين يحبهم رب العالمين
قال رشيد رضا في تفسيره للآية «العفو عن الناس هو التجافي عن ذنب المذنب منهم، وترك مؤاخذته مع القدرة عليها، وتلك مرتبة في ضبط النفس والحكم عليها وكرم المعاملة، قلَّ من يتبوأها، فالعفو مرتبة فوق مرتبة كظم الغيظ، إذ ربما يكظم المرء غيظه على حقد ودفينة»
وقد ضرب النبي وأصحابه أروع الأمثلة في العفو والتسامح، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال «كأني أنظر إلى النبي يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدْمَوْه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»
قال ابن حجر في «الفتح» «يحتمل أن ذلك لما وقع للنبي ذكر لأصحابه أنه وقع لنبي آخر قبله، وذلك فيما وقع له يوم أحد لما شج وجهه وجرى الدم منه، فاستحضر في تلك الحالة قصة ذلك النبي الذي كان قبله، فذكر قصته تطييبًا لقلوبهم»
وعن معاذ بن رفاعة قال «قام أبو بكر الصديق على المنبر، ثم بكى، فقال قام رسول الله عام الأول على المنبر، ثم بكى فقال سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية»
ومعنى قوله في الحديث «عام الأول» يعني الأول من الهجرة، وقيل في تعليل بكائه أنه بكى لما علم وقوع أمته في الفتن والشهوة، والحرص على جمع المال وتحصيل الجاه، فأمرهم بطلب العفو والعافية ليعصموا من الفتن، وقد يظن ظان أن العفو فيه مذلة، أو ضعف شخصية ومهانة، والأمر ليس كذلك، بل العفو من شيم الكرام القادرين، وليس من شيم العاجزين ورب العالمين لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ومع ذلك فهو يعفو ويصفح وبوَّب البخاري بابًا في صحيحه قال فيه «باب الانتصار من الظالم بقوله جل ذكره «لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا»، ويقول تعالى «وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ» قال إبراهيم النخعي «كانوا يكرهون أن يُسْتَذَلُّوا، فإذا قدروا عفوا»
نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من أهل العفو والفضل، وأن يعفو عنا بمنه وكرمه