دورات هندسية

 

 

منهج تلقي العقيدة عند السلف ومنهجهم في الاستدلال

صفحة 1 من 4 12 3 4 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 31
  1. [1]
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً

    عضو متميز

    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38

    منهج تلقي العقيدة عند السلف ومنهجهم في الاستدلال

    إن مسألة الإيمان والحكم به على الناس ودخول الناس في الإسلام مسألة أصيلة في حياة البشر، وكيف لا تكون كذلك والله تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].

    فالله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، ولأجل هذا، ولأجل أن تقوم الحجة عليهم أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأوضح للناس المحجة، حتى ترك رسل الله عليهم الصلاة والسلام -وعلى رأسهم هذا الخاتم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم- أممهم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. أيها الإخوة! لما كان الأمر كذلك كانت مسألة العقيدة والاعتصام بها، وسلوك منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى ليست مسألة اجتهادية يأخذ بها من شاء، ويتركها من شاء، وإنما هي مسألة عقيدة تمس حياة الإنسان في هذه الدنيا، وتمس موقفه يوم القيامة حينما يقدم على ربه تبارك وتعالى. والرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ثم بين عليه الصلاة والسلام أن هذه الواحدة هي الجماعة، وهي من كان على مثل ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ولما كانت هذه القضية -قضية الاعتقاد على منهج السلف رحمهم الله تعالى- قضية مهمة يجب أن يبحث عنها كل مسلم، ويجب أن يعتمدها، كان حديثنا هذه الليلة لبيان بعض معالم هذا المنهج. وقبل الدخول في شرح بعض قضاياه أود أن أقدم بعدة مقدمات مهمة:

    تقسيم الدين إلى أصول وفروع:

    أول هذه المقدمات: أنه اشتهر عند كثير من أهل الكلام وممن ينتسب إلى الإسلام من أهل الفلسفة وغيرهم تقسيم الدين إلى أصول وفروع، فيقولون: إن هذا أصل من أصول الدين، وهذا فرع من فروع الدين، فيجعلون مسائل الاعتقاد من أصول الدين، ومسائل الأحكام الشرعية الفرعية من فروع الدين، ثم يرتبون على هذا عدة ترتيبات..فمثلاً يقولون:

    إن الخطأ في مسائل الأصول قد يوصل صاحبه إلى الكفر، لكن الخطأ في مسائل الفروع، لا يوصله إلى الكفر وإنما يبقى خطأ اجتهادياً.

    أيضاً من ناحية الإثبات: فإنهم قد يثبتون الفروع بأخبار الآحاد، ولكن الأصول يرفضون أن يثبتوها بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقتصرون في إثباتها على المتواتر، وعلى أدلة العقول كما هو منهجهم. وهؤلاء الذين قسموا الدين إلى أصول وفروع خلطوا خلطاً عجيباً في هذا الباب، ولاشك أن تقسيمهم حادث لم يكن موجوداً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا على عهد القرون المفضلة من السلف رحمهم الله تعالى، فمثلاً: يجعلون كل قضية خبرية تتعلق بالإيمان بالله أو بالرسول صلى الله عليه وسلم أو باليوم الآخر أو نحو ذلك من أصول الدين، وكل قضية تتعلق بأحكام الفروع ولو كانت الصلاة أو الزكاة أو الحج أو الصيام يجعلونها من فروع الدين، وجعلوا الأمور الأولى أموراً مهمة، والأمور الأخرى أموراً فرعية ليست ذات أهمية، والحق أن هذا التقسيم خطأ كبير جداً؛ لأن الدين الذي أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه جبريل وقال: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) شامل للإسلام بأركانه الخمسة، وشامل للإيمان بأركانه الستة، كما أنه أيضاً شامل للإحسان، وهو المرتبة العليا من الدين: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

    ومن ثم: فإن مسألة الصلاة يقولون: إنها من فروع الدين، ولكنها بلا شك من أصول الدين، بمعنى أن الإقرار بهذه الصلاة واعتراف المؤمن بها أصل من أصول الدين، ومن جحدها فهو كافر بإجماع العلماء. وكذلك الزكاة، وأيضاً تحريم الربا، وتحريم شرب الخمر، وتحريم الزنا وغير ذلك، فهذه كلها أمور معلومة من الدين بالضرورة، فهي من أصوله، فمن جاء ليجحدها ويقول: إن الله لم يحرم الربا، أو إن الله لم يحرم الخمر، أو إن الله لم يوجب الصلاة أو الزكاة فهو خارج عن دائرة الإسلام، فكيف يأتي قائل بعد ذلك ليقول: إن هذه من فروع الدين وليست من أصوله؟!

    فحينما نأتي ونقول: منهج السلف رحمهم الله تعالى في الاعتقاد لا يعني قضايا الاعتقاد التي يتحدث عنها بعض الناس، وإنما يشمل هذا أصول الدين التي هي أصول، ومن ثم: فإن التقسيم الصحيح لهذه المسائل إنما هو بتقسيمها إلى قسمين: خبر وطلب.

    القسم الأول: خبر إما عن الله أو عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو خبر عن اليوم الآخر أو غيره من الأخبار، فهذه كلها تسمى أخباراً.

    القسم الثاني: طلب، وهذا الطلب هو الذي فيه الأوامر والنواهي، ما أمرنا الله سبحانه وتعالى به من الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك، وما نهانا الله سبحانه وتعالى عنه من أكل الربا والخمر وغير ذلك، وهذا هو التقسيم المناسب والصحيح لهذا الدين، وكل من الخبر والطلب فيه ما هو أصول، وفيه ما هو فروع، وهذه هي القضية الأولى التي وددنا أن نشير إليها هنا.

    المسألة الثانية: هي أن المتتبع لأحوال الناس جميعاً يجدهم ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما: القسم الأول: المتبعون للرسول صلى الله عليه وسلم على منهج الحق ظاهراً وباطناً. القسم الثاني: المخالفون في ذلك، المعترضون على حكم الله وأمره، وعلى حكم رسوله صلى الله عليه وسلم وأمره.

    ومن ثم: فإننا نشير هنا في هذه المقدمة إلى أنواع الذين اعترضوا على أمر الله سبحانه وتعالى وحكمه وشرعه، وهؤلاء ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: الذين يعترضون بالشبه الباطلة، والتي يسمونها قواطع عقلية، وليست قواطع عقلية، وإنما هي خيالات، كالذين ينكرون أسماء الله وصفاته، أو عموم قدرته تبارك وتعالى، أو غير ذلك بأدلة العموم، هذه هي الطائفة الأولى من المتفلسفة وأهل الكلام وغيرهم. الطائفة الثانية: الذين يعترضون على شرعه وأمره، وهؤلاء ثلاثة أقسام: القسم الأول منهم:

    الذين يعترضون بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أباحه الله سبحانه وتعالى، أو إسقاط ما أوجبه أو إيجاب ما أسقطه... إلى آخره، وهؤلاء هم أصحاب الأقيسة العقلية الفاسدة التي أرادوا أن يفسدوا بها دين الله سبحانه وتعالى.

    القسم الثاني: الذين يعترضون على حقائق الإيمان وعلى حقائق الشرع بما عندهم، أو ما يسمونه بالأذواق والمواجيد والخيالات وغيرها، وهذا مشهور عند المتصوفة، فإن هؤلاء يعتقدون أن هذه الكشوفات -وهي كشوفات باطلة- تقدم على حقائق الإيمان والشرع، وقد يصل ببعضهم الأمر إلى أن يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله سبحانه وتعالى، ويجعل هذا مرتبة من مراتب الولاية.

    القسم الثالث: الذين يعترضون على شرع الله وأمره بالسياسات الجائرة التي يقدمونها على حكم الله سبحانه وتعالى وعلى حكم رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فهذه الأقسام الماضية كل واحد منهم يقدم أمراً على أمر الله ورسوله..

    فالأولون إذا تعارض عندهم العقل والنقل قالوا: نقدم العقل.

    الطائفة الثانية: إذا تعارض الأثر مع القياس قدموا القياس على الأثر.

    الطائفة الثالثة: إذا تعارض الذوق والوجد والكشوفات مع ظواهر الشرع قدموا أذواقهم وكشوفاتهم. النوع الرابع: أصحاب السياسات يقولون: إذا تعارضت السياسة والشرع نقدم السياسة وهي السياسة الجائرة.

    النوع الثالث: الذين يعترضون على أفعال الله سبحانه وتعالى وقدره، وهؤلاء هم أعظم الناس ضلالاً وجهالة. وهذه الاعتراضات التي أشرنا إليها قبل قليل هي اعتراضات أولئك الذين يريدون أن يحرفوا الناس عن دينهم، وأن يبدلوا شرع الله سبحانه وتعالى ودينه بعقائد وفلسفات، ويريدون أن يصرفوا الناس عن تحقيق وتحكيم شرع الله سبحانه وتعالى، وهذا مبني على النقطة الأولى، وهو: أننا لا نقسم الدين إلى أصول وفروع، بل الدين كله دين، والتزام أمر الله وشرعه، والتزام العقيدة الصحيحة، كل ذلك شيء واحد يجب على الجميع أن يلتزمه، ولا يجوز لإنسان أن يعتقد أنه يجوز أن يتخلى عن شيء من ذلك.

    المسألة الثالثة في هذه المقدمة: أنه قد نبغت نابغة من قديم الزمان وهي موجودة إلى الآن جعلوا لهم منهجاً عقلياً، وهذا المنهج العقلي يسمى قديماً بالسفسطائية، ويلتزمه كثير من أرباب الفلسفات المعاصرة، وقد ينتحله كثير من أرباب الحداثة وغيرهم، وهؤلاء هم الذين يقولون: ليس هناك حق ثابت في نفس الأمر، بل كل من اعتقد عقيدة، وكل من قال قولاً، فإن قوله يحتمل أن يكون حقاً، بل يجب أن يكون حقاً، وهؤلاء هم الذين يتنكرون لكل ثابت، ويقولون: إنه ليس هناك شيء ثابت في دين الله سبحانه وتعالى، فيناقشون في البدهيات، ويدعي الواحد منهم علم كل شيء، والحق عند هؤلاء مسألة نسبية وإضافية، وهو ما يراه كل شخص بعينه، وهذه القضية تجد كثيراً ممن يطرحها ويقول: لماذا نأتي ونقول: نرجع إلى مذهب السلف الصالح؟ ولماذا تريدون أن تعودوا بنا إلى ذلك العهد؟ الظروف تختلف، والأحوال تختلف، ومن ثم فإن الحقائق أيضاً تختلف، ولما كان الأمر كذلك فإنك تجد الواحد من هؤلاء يظن أن كل من انتحل نحلة أو اعتقد عقيدة فإنه يجوز أن تكون هذه النحلة وهذه العقيدة صحيحة، وهذا ما نشاهده لدى كثير من العلمانيين والحداثيين وغيرهم، يقول الواحد من هؤلاء: إن كل شيء تنتجه الأرض الإسلامية فهو إسلامي وهو حق، ويجب أن نصدقه، ويجب أن يكون منهجاً لنا في مستقبل حياتنا، ولو كان هذا الشيء كفراً وشركاً وإلحاداً.. وغير ذلك، وهذه قضية من القضايا التي يطرحونها دائماً وباستمرار، وينبغي أن يتنبه لها أهل العلم، وطلبة العلم، والدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، فقضية الرجوع إلى منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى هي مسألة دين وعقيدة، وليست مسألة اجتهاد، وكل مجتهد مصيب كما يزعم كثير من هؤلاء.

    مصدر التلقي عند السلف الصالح

    بعد هذه المقدمات الثلاث ننتقل إلى منهج السلف رحمهم الله تعالى ومصدرهم في التلقي: وهو الكتاب والسنة .

    أول قضية بدهية تقف معنا في هذا الباب هي أن مصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة هو الكتاب والسنة، فكتاب الله تبارك وتعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هما المصدران الأساسيان لهذه العقيدة، ولا يجوز لأي إنسان يدعي الإسلام ويدعي أنه مؤمن بهذا الدين أن يتخلى أو أن يتنقص هذين المصدرين بأي حال من الأحوال، وهذه قضية دلت عليها الأدلة الكثيرة، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، ويقول سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:7]، وهذا دليل على أن من اعتمد على الكتاب والسنة ولم يخرج عنهما فهو الذي سلك المنهج الحق، ولا خيار لأي إنسان أن يسلك أي منهج شاء، يقول سبحانه وتعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [البقرة:85]، وهذا في الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويتركون بعضه. أما من السنة فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في هذا الباب تبين وجوب اتباع شرعه، وأنه عليه الصلاة والسلام آتاه الله القرآن ومثله معه، والرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. فمسألة الاعتصام بالكتاب والسنة مسألة أساسية، وهي المصدر الأساسي لتلقي هذه العقيدة بأصولها وفروعها، والسلف رحمهم الله تعالى كانوا مسلمين بهذا تسليماً تاماً، ولما سئل الزهري رحمه الله تعالى عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من شق الجيوب) ما معناه؟ فقال الإمام الزهري رحمه الله تعالى كلمته المشهورة:

    (من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم).

    فما جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلا خيار لأحد أن يسلكه أو لا يسلكه، بل يجب عليه أن يسلكه، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] فالخيرة ليست لأحد، وإنما هي لما جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فإن هذين المصدرين -الكتاب والسنة- هما اللذان سلكهما السلف الصالح رحمهما الله تعالى، وهما اللذان يجب أن نسلكهما إذا أردنا أن تعود لهذه الأمة الإسلامية حقيقة مجدها وعزها الذي عاشت فيه، والله سبحانه وتعالى تكفل بنصر دينه إذا نحن نصرناه، يقول تبارك وتعالى في كتابه العزيز: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51]، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]، ونصر الله سبحانه وتعالى إنما يتحقق إذا نصرنا دينه، ونصر دينه إنما يكون بالاعتصام بهذا الدين بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    أقسام الناس تجاه الكتاب والسنة:

    الناس تجاه هذين المصدرين -الكتاب والسنة- على أنواع:

    النوع الأول: الذين يقبلونه ظاهراً وباطناً، يقبلون ما جاء به الكتاب ظاهراً وباطناً، وهؤلاء قسمان: أهل فقه وفهم، وأهل حفظ ورواية.

    النوع الثاني: الذين يردون الكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، وهؤلاء أيضاً قسمان:

    قسم عرف الحق ولكنه حسداً من عند نفسه رفض الإيمان، ورفض اتباع الكتاب والسنة، والقسم الثاني هم أتباع لهؤلاء.

    النوع الثالث: هم الذين قبلوه ظاهراً وردوه باطناً، وهؤلاء هم المنافقون الذين يعلنون أنهم مؤمنون، وأنهم لا يرضون عن الكتاب والسنة بديلاً، ثم هم في الباطن يحاربون الكتاب والسنة، ويحاربون الدعاة إلى الكتاب والسنة، قال تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14].

    النوع الرابع: من قبله باطناً وجحده ظاهراً، وهذه قد تحدث للمستضعفين في بعض الأزمان وفي بعض الأماكن، فلا يستطيع أن يظهر الإسلام، بل قد يضطر إلى أن يعلن أنه ليس من أهل الإسلام وإنما هو في حقيقة أمره في الباطن من المؤمنين الصادقين، وهذا حدث في فترات من تاريخنا الإسلامي، ففي الأندلس لما هجم النصارى على المسلمين هناك أرغموهم على إعلان النصرانية، فكان المسلمون هناك يظهرون النصرانية ويذهبون بأولادهم إلى الكنائس، ثم إذا رجعوا إلى بيوتهم يجلسون في الخلوات يعلمون أولادهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتلك محنة جرت للأمة الإسلامية يطول وصفها.

    المعالم الأساسية في الاعتماد على الكتاب والسنة:

    ينبغي أن يعلم أن الاعتماد على الكتاب والسنة له معالم أساسية، وأول هذه المعالم:

    أن الإيمان لا يتحقق إلا بذلك.

    الأمر الثاني: أن العقول البشرية لا يمكن أن تستقل بتحصيل المعارف بنفسها، فلا بد من الالتزام والاعتماد على خبر الصادق.

    الأمر الثالث: ينبغي أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم تمام العصمة فيما يبلغه عن ربه تبارك وتعالى.

    الأمر الرابع: ينبغي أن نعلم أنه لا يمكن أن تكون بين نصوص الكتاب والسنة تعارض وتنازع، فلا يمكن أن يأتي نص يناقض نصاً ولا يخالفه؛ لأن نصوص الكتاب والسنة كما سلف قسمان:

    إما أخبار وإما أوامر ونواهي، فأما الأخبار فإن هذه لا يمكن أن يأتي نص يخالف نصاً أبداً، وأما الأوامر والنواهي فهي الأحكام الشرعية التي قد يدخلها النسخ، وقد تختلف فيها اجتهادات العلماء كما اختلف فيها الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهذه من حكمة الله تبارك وتعالى، لكن لا يمكن أن يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم في وقت واحد نصان متعارضان أبداً، وإنما قد يرد نص في الدلالة على أمر معين والأمر به، ثم بعد ذلك ينسخه الله أو ينسخه الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر من الله تبارك وتعالى، لكن أن يكون هناك نصان يتعارضان فهذا لا يمكن أن يحدث أبداً.

    وفي ختام الكلام على هذين المصدرين أود أن أشير إلى فكرة ربما يطرحها بعض الذين في قلوبهم مرض من العلمانيين وغيرهم، وهذه الفكرة قد تكون بدأت بوادرها الآن وهي:

    أن هؤلاء يرفعون الآن لواء الرجوع إلى الكتاب والسنة دون الرجوع إلى فهم السلف للكتاب والسنة، وهذه قد تكون كلمة حق ولكن أرادوا بها باطلاً، وهم يعلمون أنه لا يمكن الهجوم على الكتاب والسنة، ولا يمكن أن يكون هناك رفض تام للعقيدة، ولا للكتاب ولا للسنة؛ لأن هذه ردة مفضوحة لا يستطيعون أن يطرحوها، فلجئوا إلى أسلوب آخر يريدون أن يبدءوا من خلاله تحطيم شريعتنا وتحطيم عقيدتنا، فجاءت هذه الفكرة تقول: ينبغي أن نرجع إلى الكتاب والسنة، وأن نفهمهما من خلال واقعنا المعاصر، ولا نلتفت إلى فهم السلف، ولا إلى فهم العلماء السابقين، ولا إلى ما أصلوه من أصول، ولا إلى ما قعدوه من قواعد، ومن ثم فنحن نرجع إلى الكتاب والسنة ونتدارس مفاهيمهما وما نخلص إليه هو الذي نتفق عليه، وهو الذي نعمل به، وهذه معناها أن نتخلى عن كل ما سبق من تاريخنا وتراثنا في فهم الكتاب والسنة وشروحهما، ثم نبدأ فهماً جديداً، ومن هو الذي يفهم هذا الفهم الجديد؟

    كل من أراد أن يفهم الكتاب والسنة فليفهمهما، العالم والجاهل والعامي وهذا الملحد الزنديق الذي لم يعلم كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتشبع بهما، كل هؤلاء يمكن أن يفسروا كتاب الله، وأن يفسروا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه قضية خطيرة جداً لعل فيما يأتي إن شاء الله تعالى إشارة إلى بعض جوانبها.

    القضية الثانية المتعلقة بمصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة هي: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هم المبلغون عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فإن فهمهم للنصوص مقدم على فهوم غيرهم، وهذه قضية تابعة للأولى لكنها مرتبطة بها ارتباطاً تاماً، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أحرص الناس رضي الله عنهم وأرضاهم على فهم الكتاب والسنة وعلى تطبيقهما، ومن ثم فإن التطبيق العملي عقيدة وشريعة لكتاب الله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نجده أفضل ما يكون عند أولئك الصحب الكرام رضي الله عنهم أجمعين، ولقد تميز هؤلاء الصحابة بعدة ميزات، ولعل من أهمها حرصهم الشديد على الفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كان الواحد منهم إذا حدث عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به عليه الصلاة والسلام. كذلك أيضاً كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسائل وعما يشكل عليهم، والنبي عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه وقال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم له: لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسأل عن هذا الحديث أحد أولى منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث).

    وكانوا أيضاً يراجعون السنة، بل كانت عائشة رضي الله عنها وأرضاها زوج النبي صلى الله عليه وسلم لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وهذا في صحيح البخاري . وأنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه يقول: (كنا نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه).

    فالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا حريصين كل الحرص على التلقي عن رسول الله، وعلى حسن الفهم عنه، وعلى تطبيق ما يرد إليهم وما يسمعونه، سواء كان من كتاب الله أو من حديث رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم قد آتاهم الله حفظاً، ودعا الرسول لبعضهم، بل كانوا رضي الله عنهم وأرضاهم يحتاطون في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتياطاً شديداً، وهذه القضية معروفة لدى علماء الحديث، والنتيجة التي ينبغي أن نخلص منها هنا هي:

    أن الكتاب والسنة يرتبط فهمهما وتفسيرهما في الاعتقاد والفروع أول ما يرتبط بفهم السلف رحمهم الله تعالى، وأي انفكاك عن هذا الفهم فهو ضلال مبين، وانفتاح لباب القرامطة والرافضة، والعقلانيين والفلاسفة، والمعتزلة والمتأولة وغيرهم.

    وهذه القضية -وهي قضية أن السلف رحمهم الله تعالى هم الذين يجب أن يتلقى عنهم فهم النصوص- هي التي قررها علماء السلف المتقدمون منهم والمتأخرون، حتى أن الإمام أبا حامد الغزالي وهو الذي عرف عنه تصوف ودخول في علم الكلام ثم بعد ذلك رجوعه في آخر أمره إلى الحديث.

    هذا الرجل الذي اشتهرت كتبه وفيها كثير من البدع، لما كان في آخر عمره رجع إلى علم الحديث، ورجع إلى مذهب السلف رحمهم الله تعالى، وقرر أن الحق هو مذهب السلف، وأن هذا إنما يجب لأننا لا بد أن نسلم بعدة أصول:

    أولها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أعلم الخلق بصلاح أحوال العباد في معاشهم ومعادهم.

    الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم بلغ كل ما أوحي إليه من صلاح العباد في معاشهم ومعادهم، ولم يكتم شيئاً، وأنه كان أحرص الخلق على صلاح الخلق وإرشادهم إلى صلاح المعاش والمعاد.

    الثالث: أن أعرف الناس بمعاني كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأحراهم بالوقوف على كنهه، وإدراك أسراره، الذين لازموه وعاينوا التنزيل، وعرفوا التأويل وهم أصحابه.

    الرابع: -وهذا كله للغزالي في آخر أمره- أن الصحابة في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى التأويل، ولو كان من الدين لأقبلوا عليه ليلاً ونهاراً، ودعوا أولادهم وأهلهم إليه.

    يقول الغزالي : فنعلم بالقطع من هذه الأصول أن الحق ما قالوه، والصواب ما رأوا. وهذه نتيجة تجربة لأكبر علم من علماء أهل الكلام والتصوف، يقرر بعد تجربة امتدت عشرات السنين أن مذهب السلف رحمهم الله تعالى هو الحق ولا حق غيره، فهل يعي ذلك أولئك العقلانيون وغيرهم الذين يريدون أن يدخلوا في ديننا وشرعنا تلك المعقولات الباهتة، والآراء والأقيسة العقلية، هل يعقلون تجارب هؤلاء نرجو ذلك.

    الأمر الثالث: من أمور مصادر تلقي العقيدة الإجماع، ومسألة الإجماع معناها: أن ما أجمع عليه المسلمون في عصر من العصور فلا يجوز لأحد خلافه أبداً، وقد يقول قائل: وهل المسائل التي أجمع عليها المسلمون كثيرة؟ نقول: نعم، المسائل التي أجمع عليها المسلمون مسائل واضحة ومحددة، وقد ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، فما أجمع عليه العلماء فلا يجوز لأحد خلافه مهما كان؛ لأن إجماع هؤلاء العلماء إنما هو إجماع مبني على الكتاب والسنة، أي: إجماع مبني على دليل فلا يجوز لأحد أن يخالفه بعد حدوث ذلك الإجماع، وبعض أهل الكلام حصروا الإجماع في مسائل الفروع، أما مسائل الأصول فيقولون:

    إن الإجماع لا يدخلها، وسبب ذلك أنهم يرون أن أدلة العقول يمكن أن تدخل في باب العقائد، ومادام يمكن أن تدخل فالإجماع غير وارد هنا، وهذه قضية من الخطأ بمكان؛ لأن الإجماع على أي أمر كان صواباً سواء من الأمور العقدية أو من أمور الشرع هو إجماع، ولا يجوز لأحد خلافه أبداً، وهذه المسألة -وهي مسألة الإجماع- من المسائل التي تحسم تلك النظرية التي تقول:

    إننا يجب أن نرجع إلى الكتاب والسنة دون أن نرجع إلى ما قاله العلماء، فماذا سيفعل هؤلاء بالإجماع؟ ما أجمع عليه السلف رحمهم الله تعالى هل سيقولون: نتخلى عنه، وننقض ذلك الإجماع، ونأتي بأفهام وآراء جديدة؟! تلك قضية واحدة فقط من القضايا الخطيرة التي تترتب على ذلك الرأي الخطير.

    المصدر الرابع: هو دلائل العقول، وينبغي أن نعلم أن كثيراً من الناس ربما يفهم أن مذهب السلف رحمهم الله تعالى إنما هو الرجوع إلى الكتاب والسنة عن طريق الخبر فقط، وأما العقول فإنه لا مدخل لها في هذا الباب، وهذا فهم خاطئ تماماً، فإن السلف رحمهم الله تعالى يعتمدون على الكتاب والسنة في فهم ما يدل عليه الكتاب والسنة، ولكن لا يعني ذلك أن العقل لا مدخل له في هذا الباب، وإنما يقولون: إذا تعارض العقل والنقل ظاهراً -وهما في الحقيقة لا يمكن أن يتعارضا- فالواجب تقديم النقل على العقل؛ لأنه أسلم، والعقل الذي يدعي أولئك المتكلمون والفلاسفة وغيرهم أنه مصدر مستقل في باب العقائد، وفي باب الإيمان والدين، هذا العقل لم يجتمعوا عليه ما هو: هل العقل هو الغريزة التي تميز الإنسان عن الحيوان؟ أم أن العقل هو العلوم الضرورية التي يصدق بها الجميع كالقول بأن الواحد نصف الاثنين وأن الكل أكبر من الجزء؟ أم أن العقل هو العلوم النظرية التي تحصل بالنظر والاستدلال ونحوها؟ ما هو العقل عند هؤلاء؟

    لقد اختلفوا اختلافاً كبيراً في تحديد ذلك العقل، واختلافهم هذا أدى إلى تباين آرائهم وأقوالهم في هذا الباب، ومن ثم كان السلف رحمهم الله تعالى يجعلون للعقل دوره المناسب له، ولا يرفعونه فوق منزلته، ويجعلونه مستقلاً كما فعله أولئك المنحرفون، وليسوا من الذين يلغون العقل إلغاءً تاماً، وإنما يضعونه في منزلته الصحيحة له. وهذا ابن قتيبة رحمه الله تعالى في كتابه: (تأويل مختلف الحديث ) يقول مبيناً ضلال أولئك: وقد كان يجب على ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر ألا يختلفوا كما لا يختلف الحساب والمساح والمهندسون؛ لأن آلاتهم لا تدل إلا على عدد واحد، وإلا على شكل واحد، فما بالهم -أي: أهل الكلام والفلسفة- أكثر الناس اختلافاً، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد من الدين؟! وهذا يعطيك أن القول باستقلال العقل في باب الدين هو قول يؤدي إلى الضلال والانحراف.

    السلف رحمهم الله تعالى كما في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يعتمدون على النقل الذي جاء بالدلائل العقلية، والله سبحانه وتعالى ضرب الأمثال وأمرنا أن نعتبر بالأمم من قبلنا؛ لأن أولئك الأمم لما خالفوا أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم جرى لهم ما جرى، ونحن أيضاً إذا فعلنا مثل فعلهم وخالفنا أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فسيجري علينا مثل ما جرى عليهم. كذلك أيضاً بين الله سبحانه وتعالى أدلة البعث بعد الموت بأدلة عقلية، وأمثلة مضروبة توضح للإنسان أن الله سبحانه وتعالى قادر على البعث، وأنه يبعث من في القبور، وأن الناس لا بد أن تكون لهم رجعة يقفون فيها بين يدي ربهم تبارك وتعالى.

    ثم يأتي المصدر الأخير وهو الفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليها، فكل العباد مفطورون على الإيمان الصحيح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)، ومعنى الفطرة هنا هي فطرة الإسلام، فلو ترك الصغير وفطرته لكان من المؤمنين المسلمين، أما إذا وجد من يؤثر فيه فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما هو معروف، وهذه قضية مهمة جداً؛ لأن الله سبحانه وتعالى فطر عباده على فهم الأمور بأبسط الدلائل، الأعرابي يستدل على وجود الله سبحانه وتعالى، وعلى أن الله موجود بدلائل الفطرة؛ لأن الفطرة تدل على أن هذا الكون لا بد له من خالق، فالبعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، أرض وأمواج، وسماء ذات أبراج، ألا تدل على الحكيم الخبير؟! الفطرة تدل على أن الإنسان يطلب ربه سبحانه وتعالى في العلو، فما احتاج الإنسان إلى ربه في أمر من أموره إلا ورفع بصره إلى السماء، وتلك الفطرة هي التي فطر الله سبحانه وتعالى عباده عليها، بل إن الفطرة تدل على توحيد الألوهية؛ لأن الإنسان إذا آمن بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق وحده، وهو الرازق وحده، وهو الذي يحيي، وهو الذي يميت، وهو الذي إليه يرجع الأمر كله، وبيده الأمر كله سبحانه وتعالى، إذا اعتقد ذلك فلا بد أن ينتهي به الأمر إلى أن هذا الإله الخالق الرازق المحيي المميت هو الذي يجب أن يعبد وحده لا شريك له، فلا تخضع القلوب إلا له محبة وإنابة وذلاً وخوفاً وخشية وتوكلاً.. وغير ذلك من أنواع العبادة لا تهفو القلوب بهذه العبادات إلا لله وحده لا شريك له، فكيف يخاف الإنسان أو يحب الإنسان محبة عبادة أو يتوكل الإنسان على مخلوق لا يملك هو لنفسه نفعاً ولا ضراً، تلك قضايا الفطرة تدل على ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالفطرة والعقول السليمة مؤيدة لما جاء به كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يأتي في الكتاب ولا في السنة شيء يخالف أو يناقض تلك العقول الصريحة ولا تلك الفطر السليمة.

    منهج أهل السنة والجماعة في العقائد مستمد من الكتاب والسنة:

    أن منهج أهل السنة والجماعة في العقائد لا بد أن يستمد من الكتاب والسنة التي هي الأمور الخبرية، والتي يجب الإيمان بها والعمل على ضوئها، وكذلك أيضاً الاستدلال الشرعي على الأحكام الشرعية يجب أن يكون مبنياً على منهج واضح، ولا يقول قائل: تلك فروع، نقول: وإن كانت فروعاً إلا أن الاستدلال عليها يجب أن يكون المسلك فيه على وفق منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، والاستدلال الشرعي في باب الأحكام ليس فرعياً وإنما هو أصولي، فحينما تأتي قضايا تتعلق بعباداتنا، أو تتعلق بأمور معاملاتنا، أو تتعلق بحياتنا فكيف نستنبط حكمها الذي أوجبه الله سبحانه وتعالى علينا؟

    لا بد من منهج شرعي سار عليه السلف رحمهم الله تعالى، ولا يجوز لأحد أن يحيد عنه، وهذه هي مسألة وجوب التحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالتحاكم إلى الشريعة الإسلامية ليس أمراً فرعياً، وإنما هو أمر أصولي، ومن ثم فحينما نقول:

    منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في العقائد لا يعني فقط ذلك الجانب الذي يفهمه البعض فقط، وهو ما يتعلق بالإيمان بالله أو بأسمائه وصفاته أو بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما يرتبط بذلك ارتباطاً أصيلاً منهج الاستدلال الشرعي، لأن الناس جميعاً يجب أن يكون حكمهم ورجوعهم عند التنازع والاختلاف إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في آيات عديدة، يقول تبارك وتعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وفي الآية الثانية: فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وفي الآية الثالثة: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65] ... إلى آخره.

    وهنا تظهر في البلاد الإسلامية أحياناً دعوات صريحة، وأحياناً مبطنة إلى رفض التحاكم إلى شريعة الله سبحانه وتعالى، في بعض البلاد الإسلامية تطرح القضية علناً:

    هل تكون الشريعة هي المصدر الأساسي أو تكون مصدراً من المصادر؟

    وفي بعض البلاد قد لا يجرؤ هؤلاء العلمانيون وغيرهم على مثل هذا الطرح الصريح؛ فيبحثون عن طروح أخرى مبطنة، ولهم في ذلك وسائل، وقد سبق أن ذكرنا وسيلة منها، وهي تلك التي يزعم فيها هؤلاء أنه ينبغي الرجوع إلى الكتاب والسنة فقط دون الرجوع إلى فهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى لها، وهذا معناها: عود جديد، على وضع جديد، وتصدير جديد، وربما يؤدي إلى دين جديد. ومن ذلك أيضاً ما يدعيه هؤلاء أن استنباط الأحكام الشرعية ليس مختصاً بالعلماء المجتهدين، وإنما هو أمر متروك لجميع الناس أو لكل من أراد أن يفكر ويستنبط من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيدخل في ذلك العلماء المجتهدون، ويدخل في ذلك الجهلة، ويدخل في ذلك من ليس عنده علم لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا مدخل خطير جداً؛ لأن معنى ذلك أن الحكم الشرعي وتطبيقه والإفتاء به لا يكون مختصاً كما كان في التاريخ الإسلامي وفي الأمة الإسلامية بفئة العلماء المجتهدين، وإنما ينتقل من هؤلاء إلى غيرهم، وسيتحول الأمر حينذاك إلى فوضى لا نهاية لها.

    وهناك أيضاً طريقة أخرى لبعض هؤلاء تشبه طريقة الذين يتتبعون الرخص، فإن هؤلاء يقولون: كل مسألة للعلماء فيها أكثر من قول فيجوز أن نأخذ بأي قول من أقوالهم، فإذا طرحت قضية من القضايا قال لك: هذه القضية قال فيها فلان كذا.. وقال فيها فلان كذا.. وقال فيها فلان كذا.. وانتهى، أي رأي نأخذه من هذه الآراء هو رأي صحيح؛ لأنه قد قال به بعض العلماء، ومعنى هذا أن يتتبع الإنسان شواذ المسائل وشواذ أقوال العلماء والأقوال المرجوحة المخالفة للدليل الصحيح، وتتحول هذه القضايا وهذه المسائل إلى أصول، وهذا منهج أيضاً خطير جداً؛ لأن الواجب على الإنسان أن يعتمد على الدليل، وإذا وجد عنده قولان أو عرض له قولان فإنه لا بد أن يسأل عن الدليل ويبحث عنه، وإذا كان الإنسان عامياً لا يعرف فإنه يقلد من العلماء من كان أوثق وأعرف عنده بالكتاب والسنة.

    أما دعوى أن يترك الأمر لكل من أراد أن يفتي وأن يقول، ولكل مسألة توجد في الكتب لتكون معتمدة ومطبقة نقول: لا، المنهج الصحيح هو البحث عن الدليل، والترجيح بين الأقوال على ضوء الأصول التي ضبطها علماء السلف رحمهم الله تعالى.

    المهم أن هؤلاء العلمانيين وأذنابهم يريدون أن يحطموا شريعة الله سبحانه وتعالى من الداخل، ويريدون أن ينتهي الأمر إلى طرح القضايا أمام الناس طرحاً يسمونه أحياناً طرحاً ديمقراطياً، فنقول: ما رأيكم في القضية الفلانية صوتوا؟! ثم نجمع الناس ويصوتون، فإذا صوت خمسة وخمسون بالمائة أو ستون بالمائة على الرأي الآخر أخذنا به ولو كان مخالفاً للدليل، ولو كان مخالفاً للشرع... إلى آخره، بينما المنهج الصحيح في هذا الباب هو أن ترد الأمور عند التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وترد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بردها إلى العلماء المجتهدين العاملين، فلا ترد إلى آراء الرعاع وعامة الناس. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معقباً على قول الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]: وفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة على ضلال من تحاكم إلى غير الكتاب والسنة، وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق. وشيخ الإسلام هنا يشير إلى قول المنافقين: ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [النساء:62] وهذا الذي يقوله أصحاب السياسات الجائرة التي تخالف الكتاب والسنة، إذا جئتهم قالوا: السياسة والأمور لا تصلح إلا بهذا، ولو كانت مخالفة لكتاب الله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    شيخ الإسلام يقول: وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة من بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب. ومن ثم فإن علماء الإسلام رحمهم الله تعالى بينوا أن من يتصدى للقضاء والإفتاء لا بد أن يتصف بعدة صفات ذكروا من ذلك: الإسلام، والتكليف، والعدالة، ثم ذكروا أن يكون من أهل الاجتهاد، وهذا الاجتهاد يشمل عدة أمور:

    أولها: العلم بالكتاب والسنة وما يتعلق بهما من أحكام، وتمييز ناسخ الآيات ومنسوخها، وناسخ الحديث ومنسوخه، وتمييز صحيحه من ضعيفه... إلى آخره.

    الأمر الثاني: العلم بلسان العرب.

    الأمر الثالث: العلم بأصول الفقه التي هي أصول الاستدلال، حتى يكون المفتي بانياً فتواه على أصل مقرر لا على دعاوى، أو آراء عقلية مجردة.

    وذكروا أيضاً صفات لمن يتصدى للإفتاء وللقضاء، ومنها: أن تكون له نية صالحة يريد فيها أن يبين أحكام الله للناس، وليس من الذين يريدون أن يبدلوا شرع الله سبحانه وتعالى.

    كذلك أيضاً أن يكون متضلعاً في العلم الشرعي، دارساً له، متقناً له.

    وكذلك أن تكون له معرفة بأخلاق الناس، وعاداتهم وانحرافاتهم ومقاصدهم؛ حتى تكون فتواه على بينة ومعرفة بأمرهم، ثم أن يكون حليماً متأنياً غير متسرع في إصدار الأحكام، وهذه قضايا مهمة جداً.

    وينبغي أيضا أن يعلم أن الإفتاء أنواع:

    النوع الأول: إفتاء مجرد عن الاجتهاد، وهذا ما يكون من باب الأخبار الخالصة، كأن يسأل العالم سؤالاً فيجيب بما يعلمه من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيسأله السائل ويقول له: ما أعظم آية في كتاب الله؟ فيأتي هذا العالم ويقول: آية الكرسي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك.

    )).



    د.عبد الرحمن بن صالح المحمود

    منقول

  2. [2]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38
    النوع الثاني: ما يكون معه اجتهاد، بأن يجتهد العالم لاستنباط الحكم الشرعي، وهذا أيضاً على ضربين: أحدهما:

    ما يسمى بعلم أصول الفقه بتحقيق المناط، بمعنى: أن تكون الأحكام الشرعية معلومة بالكتاب والسنة والإجماع، ثم يأتي هذا المجتهد فينزل تلك الأحكام على هذه الواقعة، وفي هذه الحالة يجب على المفتي أن يعرف هذه الحالة فينزل عليها هذا الحكم، وهذا في الأمور التي قد وضحت دلالتها من الكتاب والسنة، وتكون مهمة المجتهد المفتي هنا هي فهم الواقعة فهماً صحيحاً لتنزيل ذلك الحكم عليها.

    النوع الثاني من أنواع الاجتهاد: أن يكون الحكم الشرعي الذي يريده المجتهد لهذه الواقعة غير معلوم له، فيحتاج منه إلى أن يبحث في الأدلة ويجتهد فيها؛ ليستخرج الحكم، ثم بعد ذلك يطبق ذلك الحكم على تلك الواقعة، وكما تعلمون جميعاً فإن العلماء اشترطوا للمفتي شرطين أساسيين: أحدهما: معرفة الأحكام الشرعية، وهذه هي قضية الاجتهاد التي أشرنا إليها.

    الثاني: فهم الواقع، ومعرفة صورة الواقعة التي حدثت معرفة تامة؛ حتى يكون إفتاؤه وحكمه فيها حكماً مبنياً على تصور واضح، فلا بد أولاً من تصور الحكم الشرعي، ولا بد ثانياً من فهم الواقعة.

    ثم يأتي التطبيق العملي وهو الأمر الثالث: بتنزيل ذلك الحكم على تلك الواقعة.

    فأين هذا من منهج أولئك الذين يريدون أن يحرفوا الناس عن عقيدتهم وعن شريعتهم بتلك الوسائل، ويريدون ألا ترد الأمور إلى أهلها، وإنما ترد إلى عامة الرعاع من غير المجتهدين ومن غير العلماء؟! ذلك منهج خاطئ يجب أن ننتبه له.

    والعلمانيون وغيرهم قد بدءوا يسلكون هذا المسلك؛ ليجعلوا قضية فهم نصوص الكتاب والسنة عقيدة وشريعة متاحة للجميع، وكل يقول فيها بما يشاء، ويفتي فيها بما يشاء، وحينئذ تتحول الأحوال والأمور إلى آراء وأفكار بعيدة عن الشرع، والله سبحانه وتعالى يقول: ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر )).


    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  3. [3]
    experts
    experts غير متواجد حالياً
    عضو فعال


    تاريخ التسجيل: Mar 2009
    المشاركات: 105
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدن محمد النبي الصادق الامين و على آله و صحبه اجمعين و من تبعهم باحسان الى يوم الدين:
    و اشهد ان الله واحد لا شريك له صمدٌ لا ند له ، موجود بلا مكان لا يجري عليه زمان ، "ليس كمثله شيء و هو السميع البصير".
    و اشهد أن محمدا عبده و رسوله المبعوث رحمة للعالمين. أما بعد:
    رأيت أن هناك بعض الجوانب في هذا المقال لا بد من توضيحها و الوقوف عليها ، أن العقيدة الصحيحة ما جاء به كتاب الله عزوجل و ما اخبرنا به النبي صلى الله عليه و سلم و ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين و السلف الصالح هم ما اخبر عنهم النبي صلى الله عليه و سلم حيث قال: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" و القرن مئة عام فيكون بذلك السلف الصالح هم الصحابة و تابعيهم و تابعي التابعي من اهل هذه القرون الثلاثة و ممن ظهر في هذه القرون اصحاب المذاهب الاربعة المجتهدين منهم الشافعي رضي الله عنه.
    و حينما نقول ذلك لا يعني ان اي انسان يطالع القرآن الكريم أو السنة الشريفة و يستنبط منها الاحكام حسب فهمه و ادراكه ، فاستنباط الأحكام يكون لمن هم اهل لذلك من العلماء المعتبرين المجتهدين و العامة يقلدونهم بما استنبطوه.
    فمثلا : هناك علوم لاستنباط الاحكام و معرفة الاحاديث و معرفة الرجال و الاسناد ، فهناك ما يسم\ى العام و الخاص و المقيد و المطلق و الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه فمن يستطيع ان يميز ذلك و يستنبط منها لاحكام هم اهل العلم المشهود لهم بالفقه و التمكن.
    فمثلا: لو قرأ شخص قول النبي صلى الله عليه و سلم :"كل بدعة ضلالة و كل ضلالة بالنار" و حسب فهمه قال كل ما لم يفعل الرسول فهو ضلال حرام بدليل هذا الحديث.
    نقول له: ما قاله العلماء في هذا الحديث أنه يأتي بلفظ عام و حكمه خاص و ردوه الى حديث النبي صلى الله عليه و سلم :" من سن في الاسلام سنة حسنة فله اجره و اجر من عمل بها الى يوم القيامة دون ان ينقص من اجورهم شيء و من سن في الاسلام سنة سيئة فعليه و زرها و وزر من عمل بها دون ان ينقص من اوزارهم شيء"
    فهمه العلماء من هذا الحديث ان من البدع ما يكون حسنا موافقا للشرع و منها ما يكون سيئا مخالفا للشرع.
    فمن أين للعامة القدرة على الاستنباط مثل هذه الاحكام لمجرد المطالعة في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه و سلم.
    قَالَ الإمامُ الشَّافِعيُّ رضيَ الله عنهُ: "المُحدَثاتُ مِنَ الأمُورِ ضَربانِ، أحَدُهُما مَا أُحدِثَ ممّا يُخَالِفُ كِتابًا أَو سُنَّةً أو إجْماعًا أَو أثَرًا، فَهذِه البِدْعَةُ الضّلالَةُ، والثّانِيةُ مَا أُحْدِثَ مِنَ الخَيرِ ولا يُخَالِفُ كِتَابًا أو سُنَّةً أو إجْماعًا، وهَذه مُحْدَثَةٌ غَيرُ مَذْمُومَةٍ"، رَواهُ البَيْهقيُّ بالإسْنادِ الصّحيح في كتابِه "مَنَاقِبُ الشَّافِعيّ".
    تنزيه الله تعالى عن المكان و الجهة:
    قال الله تعالى:" ليس كمثله شيء و هو السميع البصير"
    هذه الاية جوهرة في التوحيد فهي تثبت الصفات لله تعالى كما وصف نفسه "وهو السميع البصير" و تنفي عن الله تعالى مشايهة خلقه "ليس كمثله شيء" فصفاته تعالى لا تشبه صفات المخلوقين و لا ذاته تشبه ذوات المخلوقين و لا افعاله تشبه افعال المخلوقين.
    فالمخلوقات جميعها لها مكان و تشغل حيزا كانت كبيرة كالعرش أم كانت متناهية في الصغر كالذرة فالله تعالى لا يشبهها جميعا لا يحويه مكان لا علوي و لا سفلي.
    و قد قال صلى الله عليه و سلم :" كان الله و لم يكن شيء غيره"
    و هذا ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم من هذه الاية و هذا الحديث، فقد قال سيدنا علي رضي الله عنه :" كان الله و لا مكان و هو الان على ما عليه كان" ذكره ابو نمصور البغدادي في الفرق بين الفرق.
    الشرح:
    الله تعالى هو خالق السماء و العرش و خالق المكان و الزمان و خالق الجهات الست (فوق و تحت يمين و شمال امام و خلف) و الله تعالى موجود منذ الازل لا بداية لوجوده كان قبل خلق كل المخلوقات بلا حاجة لها و بعد أن اخلقها لم يتغير كان كما كان دون الحاجة لها.
    و في قوله تعالى :"الرحمن على العرش استوى"
    خير من فهمها من الصحابة رضوان الله عليهم سيدنا علي حيث قال : إن الله خلق العرش اظهارا لقدرته و لم يتخذه مكانا لذاته"
    و من السلف الصالح ما قاله الامام ابو جعفر الطحاوي رضي الله تعالى عنه:"تعالى (الله) عن الحدود و الغايات و الاركان و الاعضاء و الادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات"
    فعليه لا يجوز مخالفة كتاب الله تعالى و سنة رسوله الكريم و اقوال الصحابة و السلف الصالحين و القول ان الله في جهة فوق او في جهة علوية.
    و ما كان ظاهره ان الله في السماء في ما ذكر في القرآن الكريم فقد أوله العلماء و المفسرين المعتبرين لما يصح ان يحمل معناه كقوله تعالى :" ءأمنتم من في السماء "
    قال الحافظ النووي: قال القاضي عياض المالكي: لاخِلافَ بين المسلمين قاطبةً فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أنّ الظواهرالواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى : " أأمنتم من فيالسماء" ونحوه ليست على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم.اه ذكره في صحيحمسلم بشرح النووي الجزء الخامس في الصحيفة 22.
    قال الامام القرطبي: قال ابن عباس:" أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه" وقيل تقديره أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض وقيل هو إشارة إلى الملائكة وقيل إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب قلت: ويحتمل أن يكون المعنى أأمنتم خالق من في السماء"أن يخسف بكم الأرض" كما خسفها بقارون "فإذا هي تمور" .
    و بالنسبة لرفع اليدين الى السماء للدعاء فقد قال الامام الجويني رحمه الله تعالى : فإننا نرفع ايدينا الى السماء بالدعاء لأن السماء قبلة الدعاء ، كما أننا نتوجه الى القبلة للصلاة لا لأن الله تعالى ساكن الكعبة بل لأن الكعبة قبلة الصلاة"
    احببت ان اضيف هذا التوضيح و الله تعالى اعلم و احكم و الحمد لله رب العالمين.

    0 Not allowed!



  4. [4]
    ابو جندل الشمري
    ابو جندل الشمري غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابو جندل الشمري


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 4,977
    Thumbs Up
    Received: 83
    Given: 38

    اين الله

    [COLOR="Red"]سأرد عليك اخي الكريم عن اين الله و لأني وقتي قليل احببت اختصار كلامي غير و ذلك للسرعة

    هذا اختصار مع بعض التصرف لكلام للأخ محمد عارف الأرناؤوط
    [/COLOR


    لطالما سمعنا كثيراً من الناس بل من طلاب العلم وطلاب المعاهد يتناقشون في هذا الأمر وهو أين الله عز و جل ؟
    فمنهم من ينكر هذا السؤال برمته ويقول لك لا يجوز أن تسأل هذا السؤال، ومنهم من يقول لا أعرف أوقد حرت فيه وتهت فيه, ومنهم من يجيبك بأن الله في كل مكان، وهذا ما سمعه من مشايخه، ومنهم من يقول لك أن الله في السماء تبارك وتعالى.
    وإليك الجواب الشافي في هذه القضية الذي يبعدك عن الشك والحيرة والوقوع في الغلط متمثلاً ذلك بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونهج السلف الصالح.

    بداية: إن هذه القضية قد تم التنازع فيها وما السبيل لحل هذا التنازع؟

    أقول وبالله التوفيق:
    نحن نتّبع من كان قوله متفقاً مع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وقد أخبرنا الله عز وجل ماذا نفعل إن تنازعنا في شيء أو اختلفنا في شيء وهذا هو الحل{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } وقال تعالى:{ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً} .
    وقال أيضاً: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليماً} .
    وقال جل ذكره: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} .
    فهذه الآيات وغيرها من الآيات تدل على أمر واحد وهو أننا إذا تنازعنا في شيء فلنحكّم فيه كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وقول صحابة رسول الله وقول السلف الصالح الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم من أفضل الناس. فماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وماذا قال سلف هذه الأمة في القضية، هي لم تكن قضية يتنازعون فيها لأنهم كانوا متفقين على قول، ولكن نشأ النزاع عندما أتت كتب المنطق وعلم الكلام وترجمت إلى العربية فأخذ الناس بالتأويـل، فبدأ الواحد منهم يفسر ويتأول ويصول ويجول في آيات الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لا يقف على كلام السلف في ذلك فيقوم ويجتهد!!
    أين الاجتهاد يا أخي إذا كان هناك نص، والقاعدة المعروفة في الأصول (لا اجتهاد في مورد النص)!! .
    فالصحابة والتابعين لهم، كانوا أقرب زماناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأثبت إيماناً وأصدق كلاماً وأقوى عقيدة وأحسن فهماً وتأويلاً فهل نأتي ونتكلم في أمور قد تكلموا بها وشرحوها لعامة المسلمين وأئمتهم فهل هم أرسخ في العلم أم نحن ؟!

    كل هذه المقدمة هي للوصول للجواب الشافي إن شاء الله وهو (( أن الله في السماء)) وهو جواب أهل السنة والجماعة والسلف الصالح ولبّ الكلام هو أن المقصود بكلمة (السماء) يراد بها العلو والسمو, أي أن الله في الأعلى ولا يراد التحجيم والتحييز، وحاشا لله أن يكون كذلك فالله عز وجل لا سماء تظلّه أو تقلّه وهذا مخالف للعقل والفطرة، ويجوز أن يكون لفظ (في) بمعنى لفظ (على) ودليل ذلك قوله تعالى: {فسيحوا في الأرض} وقوله: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} والمعنى على الأرض وعلى الجذوع لا فيها، ومن سمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام السلف الصالح وجد فيه إثبات الفوقية مالا ينحصر, وسيأتي ذكرها بعد قليل من آيات وأحاديث وكلام للسلف بهذا الخصوص, ومما لا ريب فيه ولاشك أن الله تعالى لما خلق عباده لم يخلقهم في ذاته المقدسة تعالى الله عن ذلك فهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فتعين أنه خلقهم خارجاً عن ذاته، ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم بائن عن خلقه لكان متصفاً بضد ذلك، ونحن نعلم أن القابل للشئ لا يخلو منه أو من ضده، وضد الفوقية السُفول وهو مذموم على الإطلاق لأنه مستقر إبليس وأتباعه من الجنود.
    ونحن نعلم أن صفة العلو والفوقية صفة كمال لا نقص فنفي حقيقة العلو يكون عين الباطل.

    نصوص إثبات العلو من الكتاب والسنة:
    النصوص الواردة والمتنوعة والمحكمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده بالتفصيل:
    أولاً: التصريح بالفوقية مقروناً بأداة (من) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{ يخافون ربهم من فوقهم } النحل 50.
    ثانياً: ذكرها مجردةً عن الأداة, قال تعالى:{ وهو القاهر فوق عباده } الأنعام 18.
    ثالثاً: التصريح بالعروج، قال تعالى:{ تعرج الملائكة والروح إليه } المعارج 4.
    رابعاً: التصريح بالصعود إليه، قال تعالى:{ إليه يصعد الكلم الطيب } فاطر 10.
    خامساً: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه, قال تعالى: { بل رفعه الله إليه} النساء158, { إني متوفيك ورافعك إليّ } آل عمران 55.
    سادساً: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وشرفاً، قال تعالى:{وهو العلي العظيم } { وهو العلي الكبير } { إنه علي حكيم }.
    سابعاً: التصريح بتنزيل الكتاب منه، قال تعالى: { هو الذي أنزل عليك الكتاب...} آل عمران 7، {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} غافر2.
    ثامناً: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض، قال تعالى:{ إن الذين عند ربك }الأعراف206،{ وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته} الأنبياء19. وفي هذه الآية نلاحظ الفرق بين (له من) عموماً وبين (من عنده) من ملائكته وعبيده خصوصاً, وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن النعمان بن البشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:)إن الله تعالى كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفيّ عام وهو عند العرش وإنه أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها الشيطان) صحيح.
    تاسعاً: التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{ أأمنتم من في السماء } الملك16، وكما ذكرنا سابقاً يجوز لفظ (في) بمعنى (على)، وقد أولت طائفة أن من في السماء هم الملائكة وليس الله وهذا قول باطل لأن الأحاديث تثبت أن الله في السماء فالحديث الذي رواه أحمد وأبو داوود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:)الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) وهو حديث صحيح، والحديث يتكلم عن الرحمن تبارك وتعالى، فهو لا يتكلم عن الملائكة، فالله هو الذي يرحم ويعذب ويعاقب.
    ونذكر الحديث الذي يتحدث عن الروح الخبيثة والروح الطيبة حينما تُتوفى وهذا الحديث رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:)...... فيُنطلق به إلى ربه) أي أن الروح الطيبة تصعد إليه تعالى ثم يأمر عز وجل بكتابة عبده في أعلى عليين.
    عاشراً: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات {ثم استوى على العرش} ونعلم أن ثم تفيد الترتيب.
    حادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى، فعن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين) ،حديث صحيح.
    ثاني عشر: التصريح بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، ونحن نعلم أن النزول المعقول عند جميع الأمم يكون من علو إلى سفول، والله أعلم بكيفية النزول.
    ونذكر الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له).
    ثالث عشر: الإشارة حساً إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم بربه محمد صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع حينما قال: (أنتم مسؤولون عني فماذا أنتم قائلون قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فرفع إصبعه الكريمة إلى السماء رافعاً لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء قائلاً :اللهم فاشهد). رواه مسلم وأبو داوود من حديث جابر بن عبد الله، وحديث أنس رضي الله عنه والذي ورد في الصحيحين أنه قال:كانت زينب بنت جحش رضي الله عنها تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
    رابع عشر: التصريح بلفظ "الأين" كقول أعلم الخلق به وأنصحهم لأمته وأفصحهم بياناً عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلاً، بقوله للجارية السوداء ((أين الله؟)) وهذا ما سنشير إليه فيما بعد، وهناك فئة ينكرون هذا السؤال، باحتجاجهم بأن هذا السؤال مثير للفتنة كما أوردنا في بداية البحث ويعتمدون على قوله تعالى:{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} قال الطبري شيخ المفسرين رحمه الله في خبر روي عن ابن عباس حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد، قال ابن عباس: (( التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا اللّه)). فالمتشابه بقول بعض العلماء إنه الحروف المقطعة من القرآن وهذه التي لا يعلمها إلا الله ومثلها ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك؛ فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها، لاستئثار اللّه بعلم ذلك على خلقه.
    ومنهم من قال: إن القرآن جملة وتفصيلاً محكم ولفظ المتشابه أي التشابه بين الآيات وليس لشبهة بينها.
    ومنهم من قال: إن التشابه بالآيات هو ما يعلمه الراسخون في العلم مع إيمانهم بها بعيدين عن العوام وعن الذين يبتغون الفتنة كما فعله الجهمية والمعطلة والمعتزلة الذين في قلوبهم زيغ فأرادوا الفتنة ولم يريدوا علماً نافعاً.
    الخامس عشر: شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال: إن ربّه في السماء بالإيمان وهذا ما حدث مع الجارية السوداء حينما أجابته فقال اعتقها فإنها مؤمنة. يقول البعض في هذا الحديث إن رسول الله قد خاطبها على قدر عقلها ولكن هل يعقل لرسول الله أن يطلق حكماً أو شهادةً من عنده، فما كان قول الرسول صلى الله عليه وسلم لتلك الجارية: أين الله؟ إلا لامتحان إيمانها، والدليـل أنه أمر بإعتاقها لأنها مؤمنة بقولها أن الله في السماء، فلو أجابته أنه في الأسفل أو في كل مكان هل سيكون جواب سيد الخلق كذلك بأنها مؤمنة؟ ورسول الله هو الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى.
    سادس عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطّلع إلى إله موسى فيكذبه بما أخبره من أن الله فوق السموات فقال: {يا هامان ابن لي صرحاً لعلّي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطّلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً}.
    فمن نفى العلو فهو فرعوني، ومن أثبته فهو موسويٌّ مُحَمَّدِي.
    سابع عشر: إخباره صلى الله عليه وسلم كيف تردد بين موسى عليه السلام وبين ربه في المعراج مراراً عدة والحديث معروف بالصحيحين.
    ثامن عشر: النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة لله تعالى من الكتاب والسنة وإخباره النبي أنهم يرونه كرؤية الشمس والقمر فلا يرونه إلا من فوقهم ونعلم أنه لا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية ولهذا نفى الجهمية الأمرين الرؤية والفوقية وأثبت أهل السنة والجماعة الأمرين وصار عندهم من أثبت الرؤية ونفى العلو مذبذباً بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
    فهذه الأدلة جميعها من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكلها إن شاء الله أحاديث صحيحة، وطبعاً هذه الأنواع من الأدلة لو بسطت أفرادها لبلغت نحو ألف دليل فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله وهيهات له بجوابٍ صحيح عن بعض ذلك (ونعرج للذكرى على خطورة الخوض في الكيفية فيما يتعلق بالله عزوجل وكيفية نزوله إلى السماء الدنيا، كما يتجرأ البعض على الخوض في هذا، بل نحن نؤمن ونسلم فقط دون الخوض في الكيفية) وسيأتي شرح هذا القول إن شاء الله بالتفصيل.

    نصوص إثبات العلو من كلام الأئمة:

    كلام السلف في إثبات صفة العلو نجدها كثيرة فمنها:
    ما روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق يسنده إلى مطيع البلخي: أنه سأل أبا حنيفة لمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال الإمام أبو حنيفة: قد كفر، لأن الله تعالى يقول: ((الرحمن على العرش استوى)) وعرشه فوق سبع سموات.
    قلت: فإن قال إنه على العرش ولكن يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر لأنه أنكر أنه في السماء فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر. وزاد غيره: لأن الله في أعلى عليين.
    وروى ابن عبد البر في كتاب التمهيد: قول الإمام مالك: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه مكان.
    ونذكر قول أبي عمر الطلمنكي: في كتابه الأصول: أجمع أهل السنة على أن الله تعالى استوى على عرشه بذاته على الحقيقة لا على المجاز، ثم ذكر قول مالك السابق.
    وأما قول الإمام الشافعي: فقد قال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: حدثنا أبو شعيب وأبو ثور عن محمد بن إدريس الشافعي قال: القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك، وغيرهما: الإقرار بشاهدة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء.
    وأما قول الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله: قال الخلال في كتاب السنة أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال سألت أحمد ابن حنبل عمن قال: إن الله تعالى ليس على العرش، فقال: كلامهم كله يدور حول الكفر.
    وقال أبو طالب سألت أحمد ابن حنبل عن رجل قال إن الله معنا وتلا قوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) فقال أحمد يأخذون بآخر الآية ويدعون أولها، هلّا قرأت {ألم ترى أن الله يعلم ما في السموات} فهو بالعلم معهم وغير مماس لشيء من خلقه.
    ونذكر أيضاً قصة أبا يوسف في بشر المريسي حينما سمعه يقول وهو ساجد: سبحان ربي الأسفل فأراد أن يقيم عليه الحد لقوله ذلك، فقد أنكر قوله تعالى:{سبح اسم ربك الأعلى} رواه ابن أبي حاتم بسند صحيح.
    ونذكر أيضاً قول ابن المبارك حينما سُأل أين الله؟ فأجاب: اللهُ فوق العرش بذاته وهو بائن عن خلقه وهو معهم بعلمه. ( بائن من خلقه: أي مستغنٍ عنهم وهو غني عن العالمين).
    ونذكر قول ابن خزيمة: فقد قال أبو عبد الله الحاكم في كتاب تاريخ نيسابور، وفي كتاب علوم الحديث: سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول سمعت إمام الأئمة أبا بكر بن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سماوات وأنه بائن من خلقه فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة، ومن ينكر رؤية الله في الآخرة فهو شر من اليهود والنصارى والمجوس وليسوا بمؤمنين عند أهل السنة والجماعة.
    وأما قول أبي جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه صريح السنة: وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز إلى غير ذلك فقد خاب وخسر.
    ونذكر قول ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية في باب الإيمان أنّ الله فوق عرشه وأن الله هو الذي أخبر بذلك ورسوله أيضاً وأجمع عليه السلف من أنه فوق سماواته على عرشه وهو مع خلقه أينما كانوا يعلم ما يعملون, كما جمع بين ذلك في قوله: {هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير}. فليس معنى قوله:{وهو معكم أينما كنتم}أنه مختلط بخلقه فإن هذا لا توجبه اللغة وهو خلاف ما أجمع عليه السلف وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، ولله المثل الأعلى أنّك تلاحظ القمر وهو آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته تجده موضوعاً في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، والله سبحانه وتعالى فوق عرشه رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع عليهم إلى غير ذلك من معاني الربوبية. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه صواب، حقيقته لا تحتاج إلى تحريف أو تأويل.
    ومعنى مهيمن عليهم قال ابن عباس: أي مؤتمنٌّ عليهم، وقال الكسائي: شاهدٌ عليهم، وقال غيره: رقيباً عليهم، فهيمن يهيمن هيمنةً أي رقيباً على كل شيء.
    وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله:{ وهو معكم أينما كنتم} قال: عالم بكم أينما كنتم، وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن سفيان الثوري أنه سأل عن قوله: { وهو معكم أينما كنتم } قال: علمه. وأما قوله:{ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } أي هو إله من في السماء ومن في الأرض يعبده أهلهما وكلهم خاضعون له أذلاء بين يديه. وهذه الآية كقوله: { وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون }. أي هو الذي يدعوه من في السموات ومن في الأرض لأنه يعلم السر والجهر.
    إذاً لماذا نحاول أن نجتهد وأن نؤوّل وأن نفسر على أريحيتنا ونترك تفسير من قد سلف فهم كانوا من أخير الناس وأفضلهم ولا تنسى أن الزمان الذي نعيشه زمان فتن وأهواء وملذات وشهوات زمان كثير فيه خطباؤه قليل فيه علماؤه؟!
    والذي يجري الآن أن معظم طلاب العلم والذين يأخذون العلم من المشايخ ويعتمدون تأويلاتهم دون الرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وماذا قال السلف، فبهذا يعتبرون كلام المشايخ مخطوطة يرجع إليها. ونذكر قول الإمام مالك رحمه الله حينما قال: ((كلٌّ يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر وأشار إلى قبر الرسول))، ونذكر قول أبي حنيفة: ((نقول الكلام اليوم ونرجع عنه غداً ونقوله غداً ونرجع عنه بعد غد)).
    بقي أن نذكر قول ابن مسعود رضي الله عنه: ((من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة، أبرّها قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم)). وقال ابن مسعود أيضاً: ((اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)).
    فلم هذا التعصب الذي نلحظه اليوم للعلماء أم أننا تتبع القاعدة لا تعترض فتنطرد، وهذا هو التقليد الأعمى الذي حدث عنه عدي بن حاتم، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك قال: فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية:{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} قال: قلت: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم ! فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: قلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم .
    تمسك بحبل الله واتبع الأثر *** ودع عنك رأياً لا يلائمه خبر
    لذلك أقول بعد كل هذا إنه إذا سألك أحد أين الله فأجبه، وأنت مطمئن ((أنه فوق العرش بذاته بائن من خلقه وهو معهم بعلمه)).
    أو قل له في السماء واشرحها له حتى لا يقول لك إنك حجرت وحجّمت وحيّزت.
    وإن لم تستطع النقاش، فعد إلى إيمان العجائز وإيمان الأطفال أي عد إلى الفطرة واسأل نفسك فستجيبك في الأعلى، فإن خانتك فاسأل طفلاً صغيراً، فسيقول لك فوق في العالي أو ينظر إلى السماء.

    0 Not allowed!



    صفحة سوريا الأسلام عى الفيس بوك


    غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نحني الجِبـــاه
    غُرباءُ وارتَضَيناها شِعاراً للحيــاة
    إن تَسَل عنّا فإنّا لا نُبالي بالطُّغــاة
    نحنُ جُندُ اللهِ دَوماً دربُنا دربُ الأُباة




    ]







  5. [5]
    experts
    experts غير متواجد حالياً
    عضو فعال


    تاريخ التسجيل: Mar 2009
    المشاركات: 105
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم افتح علينا و اشرح قلوبنا للايمان.
    بداية ارجو منك و من كل من يقرأ هذا المقال أن لا يتعصب لرأيه و أن يكون هدفه من هذا البحث عن الحق لاتباعه و ليس لفرض راي ثم اصطناع ادلة غير شرعية ثابتة لاثبات كل رأيه......
    بالتتبع لمقالك ذكرت فيه في بعض المواضع كلاما جميلا صحيحا و لكنك خالفته في ما ادعيته أن الله في السماء.
    قبل البدء اريد أن اذكر بأن كل الايات و الاحاديث التي أوردتها كانت موجودة في زمن الصحابة و السلف و الخلف (و هذا ما توافقني عليه طبعا) و مرت على جميع علماء المسلمين المعتبرين و بالرغم من ذلك لم يقل احد منهم أن الله في السماء بل قالوا الله موجود بلا مكان .... فهؤلاء احق ان يتبعوا (و هذا توافقني عليه حسب ما في مقالك)
    و استفتح لك بقول من الصحابة (الذين قلت عنهم خير من فهم الشرع و الاولى اتباعهم) قول احد العلماء (الذيت قلت فيهم الاولى اتباعهم و عدم ارهاق انفسنا بالاتباع لارائنا و أفهامنا)
    فقد قال سيدنا علي رضي الله عنه :" كان الله و لا مكان و هو الان على ما عليه كان" ذكره ابو منصور البغدادي في الفرق بين الفرق
    قال الامام البيهقي في كتاب الاسماء و الصفات:" استدل بعض اصحابنا في نفي المكان عنه (تعالى) بقول النبي صلى الله عليه و سلم :"انت الظاهر فليس فوقك شيء و انت الباطن فليس دونك شيء" ، و إذا لم يكن فوقه شيء و لا دونه شيء لم يكن في مكان". انتهى كلام البيهقي رحمه الله .

    انت قلت:
    نحن نتّبع من كان قوله متفقاً مع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وقدأخبرنا الله عز وجل ماذا نفعل إن تنازعنا في شيء أو اختلفنا في شيء وهذا هوالحل{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } وقال تعالى:{ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً} .
    وقال أيضاً: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فيأنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليماً} .
    وقال جل ذكره: {فليحذر الذين يخالفونعن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} .
    فهذه الآيات وغيرها من الآياتتدل على أمر واحد وهو أننا إذا تنازعنا في شيء فلنحكّم فيه كتاب الله وسنة نبيه صلىالله عليه وسلم وقول صحابة رسول الله وقول السلف الصالح الذين شهد لهم رسول اللهصلى الله عليه وسلم بأنهم من أفضل الناس
    الرد:
    هذا الكلام صحيح ... و لكنك للاسف انت خالفته ...... كيف ؟؟؟
    كتاب الله عزوجل : قال الله تعالى:"ليس كمثله شيء":
    فصفاته تعالى لا تشبه صفات المخلوقين و لا ذاته تشبه ذوات المخلوقين و لا افعالهتشبه افعال المخلوقين.
    فالمخلوقات جميعها لها مكان وتشغل حيزا كانت كبيرة كالعرش أم كانت متناهية في الصغر كالذرة فالله تعالى لايشبهها جميعا لا يحويه مكان لا علوي و لا سفلي.
    فالسماء سكن الملائكة وكما ان الارض سكن الانس و الجن....
    فهل يعقل أنه الله تعالى يجاور خلقه الملائكة في السماء؟؟؟ هذا مستحيل تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً.
    سنة النبي صلى الله عليه وسلم:
    قال عليه الصلاة و السلام:" كان الله و لم يكن شيء غيره"
    أي ان الله تعالى كان موجودا منذ الازل لا بداية لوجوده كان و لم يكن معه شيء غيره لا سماء و لا ارض و لا مكان و لا جهات علوية و لا سفلية و لا فراغ .... فكما كان تعالى موجوداً بدونها دون حاجة لها مازال بعد خلقها كما كان لا يحتاج للسماء و لا لجهة العلو ليسكن فيها.
    و قال عليه الصلاة والسلام ايضا:" أطت السماء و حق لها أن طئت ما فيها موضع أربعة اصابع إلا و فيها ملك ساجد أو قائم ...."
    فهل يعقل أن يزاحم الله تعالى ملائكته في السماء؟؟؟ حاشا لله تعالى.
    انت قلت:
    فالصحابة والتابعين لهم، كانوا أقرب زماناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأثبتإيماناً وأصدق كلاماً وأقوى عقيدة وأحسن فهماً وتأويلاً فهل نأتي ونتكلم في أمور قدتكلموا بها وشرحوها لعامة المسلمين وأئمتهم فهل هم أرسخ في العلم أم نحن ؟!
    الرد: وهذا ايضا كلام صحيح .... ولكنك ايضا خالفته .....أعطني واحداً من الصحابة رضوان الله عليهم قال ما قلته انت :"ان الله في السماء".....
    بل استمع لما قاله الصحابة رضوان الله عليهم:
    فقد قال سيدنا علي رضي الله عنه :" كان الله و لا مكان و هو الان على ما عليه كان" ذكره ابو منصور البغدادي في الفرق بين الفرق
    و قال ايضا : إن الله خلق العرش اظهارا لقدرته و لم يتخذه مكانالذاته"
    و انت قلت:
    ولبّ الكلام هو أن المقصود بكلمة (السماء) يراد بها العلو والسمو, أي أن الله فيالأعلى ولا يراد التحجيم والتحييز، وحاشا لله أن يكون كذلك فالله عز وجل لا سماءتظلّه أو تقلّه وهذا مخالف للعقل والفطرة،
    الرد: هنا لديك تناقض انت تنفي عن الله الحيز و الجسمية و هذا صواب ..... لكنك ابتدعت تعبيرا لم يسبقك له احد من الصحابة و لا من الخلف و السلف الصالح بقولك" الله في السماء" و هذا التعبير فسرته حسب فهمك دون الرجوع لأحد من العلماء المعتبرين و دون الرجوع الى علماء اللغة العربية .....
    و ما دمت على الاعتقاد الصحيح أن الله تعالى ليس بجسم يتحيز في مكان ما الذي يمنعك أن تستخدم عبارة الصحابة و السلف و الخلف (الذين انت قلت لا بد من اتباعهم) و تقول :" الله تعالى موجود بلا مكان".....
    انت قلت : النصوص الواردة والمتنوعة والمحكمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عبادهبالتفصيل:
    الرد: أليست هذه الايات موجودة منذ رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم تخفى على احد من الصحابة و لا الخلف و لا السلف الصالح.....
    و مع ذلك لم يفهموا منها ما فهمته أنت خسب تفسيرك لها.....
    أو ليس الاولى أن نرجع لما فسره العلماء لهذه الايات .....و لا نحتكم لآرائنا لأنها غير معتبرة فلسنا من اهل العلم و الاجتهاد.....
    قبل ان انقل لك تفسير اهل العلم لهذه الايات اضع هذه المقدمة البسيطة:
    الله تعالى يقول :"ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض"
    و يقول ايضا:" و هو معكم أينما كنتم"
    و يقول ايضا:" و نحن أقرب إليه من حبل الوريد"
    فلو حملت هذه الايات على ظاهرها لكن هناك تناقض في المعنى ... و هذا مستحيل في كتاب الله تعالى ... فالآيات تتعاضد و لا تتناقض...
    فهل يعقل ان يأتي اي انسان و يقرأ هذه الايات و يفسرها حسبما فهمه .. هذا باطل .... و إلا ما كان الفائدة من إرسال النبي صلى الله عليه و سلم ليعلم الصحابة و يبين لهم كتاب الله تعالى كما ينبغي و الصحابة نقلوا هذا العلم لمن بعدهم حتى وصلنا بالتواتر على السنة العلماء المعتبرين.
    قال تعالى :"فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"
    ما قاله العلماء العلماء المعتبروا في تفسير هذه الايات:
    قوله تعالى : " أأمنتم من فيالسماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور"
    قال الامام الرَّازيُّ : واعلمأنّ المشبهة احتجوا على اثبات المكان لله تعالى بقوله: " أأمنتم منفي السماء". والجواب عنه أنّ هذه الاية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاقالمسلمين لان كونه في السماء يقتضي كونَ السماء محيطاً به من جميع الجوانب فيكونأصغر من السماء والسماء أصغر من العرش بكثير, فيلزم أن يكون الله شيئاً حقيرابالنسبة للعرش وذلك باتفاق علماء الاسلاممُحَالٌ لانه تعالى قال:" قل لمن ما في السماواتوالارض قل لله". فلو كان اللهُ في السماء لوجب ان يكون مالكاً لنفسه وهذامحال,فعلمنا أنّ هذه الاية يجب صرفها عن ظاهرها الى التأويل. كتاب التفسيرالكبير( ج15 جزء30 ص61).
    قال الحافظ النووي: قال القاضي عياض المالكي: لاخِلافَ بين المسلمين قاطبةً فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أنّ الظواهرالواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى : " أأمنتم من فيالسماء" ونحوه ليست على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم.اه ذكره في صحيحمسلم بشرح النووي الجزء الخامس في الصحيفة 22.
    قال الامام القرطبي: قال ابن عباس:" أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه" وقيل تقديره أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض وقيل هو إشارة إلى الملائكة وقيل إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب قلت: ويحتمل أن يكون المعنى أأمنتم خالق من في السماء"أن يخسف بكم الأرض" كما خسفها بقارون.
    قال تعالى: " بل رفعه الله إليه" : النساء 158
    قال الامام القرطبي : أي إلى السماء والله تعالى متعال عن المكان
    قال تعالى : "و هو القاهر فوق عباده" : الانعام: (18)
    القرطبي: القهر الغلبة والقاهر الغالب وأقهر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل
    ومعنى "فوق عباده" فوقية الإستعلاء بالقهر والغلبة عليهم أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان، كما تقول السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة
    زاد المسير- لابن الجوزي: قوله تعالى: "وهو القاهر فوق عباده " القاهر الغالب والقهر الغلبة والمعنى أنه قهر الخلق فصرفهم على ما أراد طوعا وكرها فهو المستعلي عليهم وهم تحت التسخير والتذليل.
    قال تعالى:" من الله ذي المعارج تعرج الملائكة و الروح إليه " المعارج
    القرطبي: أي ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم قاله ابن عباس وقتادة، فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق و قوله "إليه" أي إلى المكان الذي هو محلهم وهو في السماء لأنها محل بره وكرامته وقيل كقول ابراهيم إني ذاهب إلى ربي أي إلى الموضع الذي أمرني به وقيل "إليه" أي إلى عرشه.
    قال تعالى: "و نحن اقرب إليه من حبل الوريد". ق
    القرطبي:
    وهذا تمثيل للقرب أي نحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه وليس على وجه قرب المسافة
    قال تعالى: "وهو معكم أينما كنتم" الحديد 3-4
    قال سفيان الثوري :" اي بعلمه"
    قال تعالى:" يخافون ربهم من فوقهم" النحل – 50
    القرطبي: أي من عقاب ربهم وعذابه لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء، وقيل: المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم ففي الكلام حذف،
    النسفي:"من فوقهم" ان علقته بيخافون فمعناه يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم وان علقته بربهم حالا منه فمعناه يخافون ربهم غالبا لهم قاهرا كقوله وهو القاهر فوق عباده
    و بعد هؤلاء الجهابذة من العلماء و المفسرين المعتبرين الذي ما فهموا من هذه الايات ما فهمته أنت و لم يقولوا الله في السماء أو اثبتوا له الفوقية ... بل نزهوا الله عن مشابهة الخلق و عن المكان و الجهة العلوية و السفلية.
    أو ليس الاجدى أن نتبع كلام ابن عباس و القرطبي و النسفي و الرازي و ابن جوزي و غيرهم الكثير ...... و لا نتبع هوى انفسنا و النحاكم لآرائنا .... و هذا ما قلته أنت !!!!!!

    0 Not allowed!



  6. [6]
    experts
    experts غير متواجد حالياً
    عضو فعال


    تاريخ التسجيل: Mar 2009
    المشاركات: 105
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    انت قلت: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض، قال تعالى:{ إن الذين عند ربك }
    التناقض عندك متكرر فأنت قلت قبل ذلك:ويجوز أن يكون لفظ (في) بمعنى لفظ (على)
    فأنظر الى تحكم برأيك صح عندك أن فسرت في بمعنى على ... و لم يصح عندك أن كلمة عند تستخدم لغير الظرف المكاني بل للتشريف و التعظيم ...هذا تناقض و تحجم بالهوى !!!!!
    فكلمة عند كما في قوله تعالى:"و أمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود ، مسومة عند ربك" فعند بعمنى بعلم الله و ليس مجاورة لله في مكان....
    و كما يقال في العربية هذا الرجل له عندنا شرف عظيم و كما في قوله تعالى :" و الباقيات الصالحات خير عند ربك" فعند هنا ليست للمكان.
    اما حديث الجارية:
    فليس يصحيح لأمرين: الاضطراب و مخالفته للأصول.
    فالأول: للاضطراب لأن الحديث روي بعدة ألفاظ:
    1. بلفظ: أين الله، فقالت في السماء. (رواية مسلم)
    2. بلفظ: من ربكِ، فقالت: الله.
    3. بلفظ: أين الله، فأشارت إلى السماء.
    4. بلفظ: أتشهدين أن لا إلـٰه إلا الله، قالت: نعم. (رواية مالك) (و هي أضبط الروايات).
    و الثاني : أن رواية أين الله مخالفةٌ للأصولِ لأنَّ من أصولِ الشريعةِ أن الشخصَ لا يُحكَمُ له بقولِ "الله في السماءِ" بالإسلامِ لأنَّ هذا القولَ مشتَركٌ بين اليهودِ والنّصارى وغيرِهم وإنّما الأصلُ المعروفُ في شريعةِ الله ما جَاءَ في الحديثِ المتواتر: " أمرتُ أن أقاتلَ النَّاسَ حتّى يشهَدُوا أن لا إلهَ إلا الله وأنّي رسولُ الله " رواه خمسة عشر صحابي.
    ولفظُ روايةِ مالكٍ : أتشهدينَ، موافقٌ للأصول.
    v فإن قيل كيف تكون رواية مسلم مردودةً مع إخراج مسلمٍ له في كتابهٍ وكلُّ ما رواهُ مسلمٌ موسوم بالصحة ؟
    فالجواب: أن عددًا من أحاديثِ مسلمٍ ردّها علماء الحديث وذكرها المحدثون في كتبهم:
    1. حديث أن الرسول قال لرجل: إن أبي وأباك في النار، (ضعفه السيوطي).
    2. حديث إنه يُعطى كل مسلمٍ يومَ القيامة فداءً له من اليهودِ والنصارى، (ردّه البخاري).
    3. حديث أنسٍ: صليتُ خلفَ رسول الله وأبي بكر وعمر فكانوا لا يذكرون بسم الله الرحمٰن الرحيم، (ضعفه الشافعي وعدد من الحفاظ).
    4. حديث الجارية: ضعفه الإمام أحمد وقال عنه السيوطي إنه لا يثبت.

    فهذا الحديث على ظاهره باطل لمعارضتِهِ الحديث المتواتر المذكور.والقاعدة: أنّ ما خالف المتواتر فهو باطل إن لم يقبل التأويل، اتفق على ذلك المحدثون الأصوليون.
    لكن بعض العلماء أوّلوهُ على هذا الوجه فقالوا:
    معنى قوله أين الله: سؤالٌ عن تعظيمها لله. وقولها في السماء: عالي القدر جدًّا.
    أما أخذه على ظاهره من أن الله ساكن السماء فهو باطلٌ مردودٌ وقد تقررَ في عِلمِ مصطلح الحديثِ أنَّ ما خالفَ المتواتر باطلٌ إن لم يقبل التأويل فإن ظاهرَه ظاهرُ الفساد فإن ظاهرَه أنَّ الكافرَ إذا قالَ الله في السماءِ يُحكم لهُ بالإيمانِ.
    فإن قيل نحن لا نقبل التأويل لحديث الجارية و نحمله على ظاهره.
    فالجواب: رَوى البخاري أنَّ النّبيَّ قَال: "إذَا كَانَ أحَدُكُم في صلاته فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلا يَبْصُقَنَّ في قبلته ولا عَنْ يَمِينِهِ فَإنَّ رَبَّهُ بَيْنَه وبَيْنَ قِبْلَتِهِ"، وهذا الحديثُ أقْوى إسْنادًا منْ حَدِيثِ الجارية .
    الشرح: مناجاةُ الله معناه الإقبالُ على الله بدعائِهِ وتمجيدِهِ، والمعنى المصلّي تجرَّدَ لمخاطبة ربّه انقطعَ عن مخاطبةِ الناسِ لمخاطبةِ الله، فليس من الأدبِ مع الله أن يَبصُقَ أمامَ وجهِهِ، وليس معناهُ أن الله هو بذاتِهِ تِلقَاءَ وجهِهِ.
    وأما قولُهُ عليه الصلاة والسلام: " فإن ربَّه بينَهُ وبين قِبلته "، أي رحمةُ ربّه أمامَهُ، أي الرحمة الخاصة التي تنزلُ على المصلين.
    انت قلت:
    وقال أبو طالب سألت أحمد ابن حنبل عن رجل قال إن الله معنا وتلا قوله (ما يكون مننجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) فقال أحمد يأخذون بآخر الآية ويدعون أولها، هلّا قرأت {ألم ترى أن الله يعلم ما في السموات} فهو بالعلم معهم وغير مماس لشيء من خلقه.
    الرد: سبحان الله مرة اخرى تتناقض فكلام الامام أحمد رضي الله عنه يثبت ان الله غير مماس لشيء من خلقه ... اي خير مماس للسماء و لا للفراغ الذي فوق السماء و لا للعرش ............ فهذا حجة عليك لا لك !!!!
    ثم انت قلت: :{ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } أي هو إله من في السماء ومن في الأرضيعبده أهلهما وكلهم خاضعون له أذلاء بين يديه.
    الرد : و هذا دليل آخر انت اتيت به ان الله تعالى لا يسكن السماء.
    و انت قلت:إذاً لماذا نحاول أن نجتهد وأن نؤوّل وأن نفسر على أريحيتنا ونترك تفسير من قد سلففهم كانوا من أخير الناس وأفضلهم ولا تنسى أن الزمان الذي نعيشه زمان فتن وأهواءوملذات وشهوات زمان كثير فيه خطباؤه قليل فيه علماؤه؟!
    الرد: و هذا صحيح و أنت ترد على نفسك لم يقل احد من الصحابة و العلماء ما قلته أن الله في السماء بهذا اللفظ.... و فالأحرى انت اتبع كلامك.
    من اقوال العلماء في نفي الجهة و المكان عن الله تعالى:
    قال الامام الشافعي رحمه الله تعالى: (انهتعالى كان ولامكانفخلق المكان وهو على صفته الازليهكما كان قبل خلقه المكان لا يجوز عليه التغير في ذاته) رواه الامام الزبيدي في كتاب "اتحاف السادة المتقين بشرح احياء علوم الدين"
    و قال الامام أبو حنيفة في كتابه الوصية : "ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلاكيف ولا تشبيه ولا جهة حق" اهـ.
    وقال أيضًا : " قلت: أرأيت لو قيلأين الله تعالى؟ فقال- أي أبو حنيفة-: يقال له كان الله تعالى ولامكانقبل أن يخلق الخلق، وكان الله تعالى ولم يكن أين ولاخلق ولا شىء، وهو خالق كل شىء" اهـ.
    قال الإمام الرفاعي (ت 578 هـ) في "البرهان المؤيد" ما نصه: "غاية المعرفة بالله الإيقان بوجوده تعالىبلاكيفيةولا مكان" اهـ
    وقال أيضًا في البرهان:"مع تنزيه الباري تعالى عن الكيفوسمات الحدوث وعلى ذلك درجالأئمة" اهـ
    قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه :- " مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك " ا.هـ

    وأما تاويل الآية "ثم استوى على العرش"
    وليعلم أن الاستواء في لغة العرب له خمسة عشر معنى كما قال الحافظ أبو بكر ابن العربي ، ومن معانيه : الاستقرار والتمام والاعتدال والاستعلاء والعلو والاستيلاء وغير ذلك , ثم هذه المعاني بعضها تليقُ بالله وبعضها لا تليق بالله .
    فبمعنى : الجلوس و الاستقرار و المماسة و التمكن و الحلول هذه لا تليق بالله عزوجل ، فكان السلف و الخلف هنا من التأويل قسمين : السلف أولوها تأويلا إجماليا بنفي أن يكون المراد بها تلك المعاني التي لا تليق بالله تعالى و أمروها كما هي دون تحديد معنا يليق بالله لها و بنفي الكيفية عن الله عزوجل.
    فيروى عن أم سلمة إحدى زوجات الرسول ويروى عن سفيان بن عيينة ويروى عن مالك بن أنس أنهم فسروا استواء الله على عرشه بقولهم : الاستواء معلوم ولا يُقالُ كيفٌ والكيف غير معقول . ومعنى قولهم : " الاستواء معلوم" معناه معلومٌ وروده في القرءان أي بأنه مستوٍ على عرشه استواءً يليقُ به ، ومعنى : " والكيف غير معقول " أي الشكل والهيئة والجلوسُ والاستقرارُ هذا غير معقول أي لا يقبله العقل ولا تجوز على الله لأنها من صفات الأجسام .
    وسئل الإمامُ أحمد رضي الله عنه عن الاستواء فقال : " استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر " . وقد ثبت عن الإمام مالك بإسناد قوي جيد أنه قال في استواء الله :" استوى كما وصف نفسه ولا يُقالُ كيف وكيفٌ عنه مرفوع " ، ولا يصحُ عن مالك ولا عن غيره من السلف أنه قال " الاستواء معلومٌ والكيفية مجهولة " فهذه العبارةُ لم تثبت من حيث الإسناد عن أحد من السلف ، وهي موهمة معنىً فاسدًا وهو أن استواء الله على العرش هو استواء له هيئة وشكل لكن نحن لا نعلمه وهذا خلاف مُراد السلف بقولهم : " والكيفُ غير معقول" . وهذه الكلمة قالها بعض الأشاعرة مع تنـزيههم لله عن الجسمية والتحيز في المكان والجهة وهي كثيرة الدوران على ألسنة المشبهة والوهابية لأنهم يعتقدون أن المراد بالاستواء الجلوس والاستقرار أي عند أغلبهم وعند بعضهم المحاذاة فوقه ، ولا يدرون أن هذا هو الكيفُ المنفيُّ عن الله عند السلف ، ولا يُغترُ بوجود هذه العبارة في كتاب إحياء علوم الدين ونحوه ، ولا يريدُ مؤلفه الغزاليُ ما تفهمه المشبهة لأنه مصرِحٌ في كُتُبه بأن الله مُنـزهٌ عن الجسمية والتحيّز في المكان وعن الحد والمقدار ، لأن الحد والمقدار من صفات المخلوق قال الله تعالى : ( وكُلُ شيءٍ عنده بمقدار 8 (سورة الرعد)
    و الخلف ذهبوا الى التأويل التفصيلي فقالوا بنفي الكيفية و الجلوس على الله و قالوا بجواز أن يكون المراد بالاستواء القهر فهذا يليق بالله عزوجل و ورد في اللغة من معاني الاستواء القهر و الغلبة
    كقول الشاعر :
    قد استوى بشرٌ على العراقِ == من غير سيف ودم مهراقِ
    و معنى قَهْرُ الله للعرش الذي هو أعظم المخلوقات أن العرش تحت تصرف الله هو خـَلـَقـَه وهو يحفظه , يحفظ عليه وجوده ولولا حفظ الله تعالى له لهوى إلى الأسفل فتحطم , فالله تعالى هو أوجده ثم هو حفظه وأبقاه , هذا معنى قهر العرش , هو سبحانه قاهر العالم كله , هذه الشمس والقمر والنجوم لولا أن الله يحفظها على هذا النظام الذي هي قائمة عليه لكانت تهاوت وحَطَّمَ بعضها بعضاً واختل نظام العالم .والإنسان قهره الله بالموت , أيًُ ملكٍ وأيُ إنسانٍ رُزِق عمراً طويلاً لا يملك لنفسه أن يحمي نفسه من الموت فلا بد أن يموت.
    و من جواهر ما قيل في الاستواء ما ذكره الامام العز بن عبد السلام في عقيدته:" استوى على العرش المجيد على الوجه الذي قاله و بالمعنى الذي أراده، استواء منزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، فتعالى الله الكبير المتعال عما يقوله أهل الغي والضلال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته".
    أسال الله الهداية لنا و لك
    و الله تعالى اعلم و احكم

    0 Not allowed!



  7. [7]
    إسلام
    إسلام غير متواجد حالياً
    عضو شرف


    تاريخ التسجيل: Oct 2002
    المشاركات: 1,005

    وسام الشكر

     وسام كبار الشخصيات

    Thumbs Up
    Received: 5
    Given: 1
    بسم الله...
    الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد...
    عندي سؤال واحد للأخ experts....

    لماذا عندما ندعو الله تتعلق أعيننا و قلوبنا إلى السماء؟
    و لماذا عندما نجد اليهود و النصارى يصلون يتوجهون بأعينهم و أيديهم إلى السماء؟
    هل اليهود و النصارى أعلم بمكان الله من الأشاعرة؟
    و الله الموفق.... و هو المستعان.

    0 Not allowed!


    قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
    الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة-------والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة


  8. [8]
    experts
    experts غير متواجد حالياً
    عضو فعال


    تاريخ التسجيل: Mar 2009
    المشاركات: 105
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    أولا : لقد اجيب عن السؤال في المقال الاول أرجو ان تقرأ المقالين الذين كتبتهم جيدا و ستجد ضالتك بإذن الله ... وعلى كل ... قال امام الحرمين الجويني و إننا نرفع ايدينا في الدعاء الى السماء لأن السماء قبلة الدعاء لا لأن الله ساكن فيها كما أننا نتوجه بالصلاة للكعبة لأن الكعبة قبلة الصلاة لا لأن الله ساكن فيها......
    و أقول لك : ألم يكونوا في زمن الصحابة و السلف و الخلف يتوجهون الى السماء في الدعاء و مع ذلك لم يقل أي منهم أن الله في السماء ... بل كما قال سيدنا علي : كان الله و لا مكان و هو الله على ما عليه كان.
    و قد قال الله تعالى :"يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده" فهل يعقل أن الله يطون مكن سكناه ثم أي يكون !! هذا باطل الله تعالى مستغن عن السماء و العرش و المكان ليسكن اليها و يتخذها مكان.
    ثم هل تريد أن تترك قول الله و قول الرسول و اقوال الصحابة و السلف و الخلف من العلماء المعتبرين و تتبع ما يفعله اليهود و النصارى !!! هذا لا يعقل من مسلم ... ثم لعلمك اليهود يعتقدون أن الله رجل اسود جالس لعرش لأنه تعب (حاشا لله) من خلق السماء و الأرض ..تعالى الله فعما يقول الظالمون علوا كبيرا...
    ادعوك مرة أخرى اقرأ مقالتي ثانية و ثالثة و رابعة بنية تبين الحق و إتباعه وليس بقصد التعصب لرأيك .....
    و هذا حال المتعصبين لآرائهم يصطنعون أدلة غير معتبرة شرعية لإثبات آرائهم و يتركون مصدر التشريع السليم ... الحق أحق أن يتبع ...لا رأيك و لا رأيي .......
    و الله تعالى أعلم و أحكم

    0 Not allowed!



  9. [9]
    جاسر
    جاسر غير متواجد حالياً
    المشرف العام
    الصورة الرمزية جاسر


    تاريخ التسجيل: Mar 2002
    المشاركات: 2,335
    Thumbs Up
    Received: 14
    Given: 1
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,,

    لعل أكثر العامة على عقيدة السلف في هذه المسالة تحديداً, ولا أدري عندما يرفع الأشعري الدعاء ويلح على الله أين تتوجه مشاعرة ؟

    على أي حال يصعب فعلاً إقناع المؤولة , فان لم يتمكنوا من رد الدليل وابطاله أولوه, أنظر الى كثرة الآيات والأحاديث التي تصرح بالعلو ثم انظر كيف يجتهدون في تأويلها.

    أرجو الرجوع الى كتاب: مختصر العلو اختصره الألباني من كتاب العلو للإمام الذهبي

    .
    .

    أتمنى من الأخ الفاضل أن يبين لنا سند ما نسبه لعلي بن ابي طالب !

    فلولا الاسناد لقال من شاء ما شاء

    .
    .

    قال تعالى ( إليه يصعد الكلم الطيب )
    قال تعالى ( إني متوفيك ورافعك إلي )

    إنها كالشمس

    .
    .

    وهذا نص من كتاب إثبات العلو للعلامة التويجري

    " وقال الذهبي في كتاب "العلو" قال أبو أحمد الحاكم وأبو بكر النقاش المفسر واللفظ له حدثنا أبو العباس السراج، قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة، نعرف ربنا أنه في السماء السابعة على عرشه كما قال جل جلاله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وكذا نقل موسى بن هارون، عن قتيبة أنه قال: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه. قال الذهبي فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة. انتهى. وقد نقل ابن القيم كلام قتيبة في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" بمثل ما ذكره الذهبي "

    فنحن مع هؤلاء أخي الكريم




    تحياتي العاطرة :)

    0 Not allowed!



    الحمدلله رب العالمين

  10. [10]
    experts
    experts غير متواجد حالياً
    عضو فعال


    تاريخ التسجيل: Mar 2009
    المشاركات: 105
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    الاحظ ان الجميع يسأل عن توضيحات هي مذكورة سلفا في مقالاتي .... هذا يدل على أن البعض يستعجل في القراءة دون التروي و التمعن ....لأن من تمعن فيما كتبت وجد جميع أنواع الأدلة: من كتاب الله تعالى ، وسنة النبي صلى الله عليه و سلم و أقوال الصحابة و بالاضافة الى الادلة العقلية القاطعة ..... و مرة أخرى طلب من الجميع قراءة ما كتبت بتروي على قصد معرفة الحق و اتباعه و ليس مجرد تحدي لفرض الرأي دون معرفة الادلة النقلية الثابتة و العقلية القاطعة.
    سند ما قاله سيدنا علي في كتاب الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي .....
    و لم تسأل عن ما قاله الامام البيهقي في كتابه الاسماء و الصفات ؟؟؟؟؟
    بالنسبة للتأويل سأذكر لك أمرا سريعة قبل الخوض في ذلك في مقال منفصل الذي يرفض التأويل ماذا يفعل في هذه الايات:
    قوله تعالى:"و هو معكم أينما كنتم" و قوله تعالى:" و نحن أقرب إليه من حبل الوريد" و قوله تعالى :"ءأمنتم من في السماء " فظاهر هذه الايات متعارض و هذا مستحيل في كلام الله تعالى إذا لا بد من تأويلها و ردها الى آية محكمة كقوله تعالى :" ليس كمثله شيء"
    ثم لقد ذكرت آنفا تأويلات العلماء المعتبرين لهذه الايات أرجو العودة له....
    ثم ماذا تقول في دعاء النبي صلى الله عليه و سلم لابن عباس بقوله:" اللهم فقه في الدين و علمه تأويل الكتاب" حتى سمي ابن عباس ترجمان القرآن ........
    قال الحافظ ابن الجوزي في كتابه " المجالس " : " ولا شك أن الله استجاب دعاء الرسول هذا " أ.هـ ، وشدد النكير والتشنيع على من يمنع التأويل ووسع القول في ذلك فليطالعه من أراد زيادة التأكد .
    أمركم غريب تردون كلام البيهقي و الامام علي و ابن عباس و القرطبي و النووي و الشافعي و ابو حنيفة و الاشعري و أبو جعفر الطحاوي ....و الكثير الكثير غيرهم ... فقط حتى لا تتنازلوا عن رأي اعتقدتموه صحيح و ثبت بطلانه ..... ليكن لكم في امير المؤمنين عمر أسوة حسنة في قصته المشهورة حين تراجع عن قوله بمنع الزيادة في طلب المهور و قال قولته المشهورة أمام الناس أصابت أمرأة و أخطأ عمر ......
    مرة أخرى الرجاء قراءة مقالتي جيدا فكل ما يجول في بالكم من أسئلة و استفسارت مذكور فيها
    و قريبا سأخصص مقالا للأيات المحكمات و المتشابهات في مقال منفصل برجاء متابعته جيدا

    0 Not allowed!



  
صفحة 1 من 4 12 3 4 الأخيرةالأخيرة
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML