الموضوع منقول من جريدة الشرق الأوسط
أعداء النجاح
د. عائض القرني
إذا ألفت كتابا ولم يحصل له أثر واحتفاء واستقبال فاجمع نسخه مباشرة وأوقد عليها نارا عظيمة واطبخ عليها جملا وتصدق بلحمه على الفقراء. إذا افتتحت صحيفة ولم تسمع لها رجة وصجة وضجة فأرجوك حوِل مبناها إلى فرن لبيع التميس. إذا أنشأت قناة فضائية ثم لم تخض الماء الراكد، وتنبه الراقد، وتهز الهامد، فأوقفها واستفد من أجهزتها في التصوير الفوتوغرافي وتغطية حفلات الزفاف. إذا نظمت قصيدة ولم يحصل لها مدح أو ذم أو رضا أو سخرية فقصيدتك من تمائم الشيطان وحروز المشعوذين والكهنة وليست شعرا، إذا عشت حياتك وليس لك أثر طيب وجهود مثمرة ولم يوجد لك مادح وقادح ومحب وحاسد فأنت زيادة في عدد السكان تساهم في أزمة الغذاء والبطالة وإتلاف البنية التحتية. المشروع الفاشل والكتاب الأجوف والقصيدة المخصية والقناة النائمة والصحيفة المشلولة والإنسان الصفر أموات غير أحياء «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ».
قال مصطفى أمين: إذا قمت بعمل ناجح وبدأ الناس يلقون عليك الطوب فاعلم أنك وصلت بلاط المجد وأصبحت المدفعية تطلق إحدى وعشرين طلقة احتفاء بقدومك، إن الأعمال الناجحة لها دوي وصخب ورجفة وزلزال كما قال أبو الطيب:

* وَتَركُكَ في الدُنيا دَوِيّا كَأَنَّما - تَداوَلُ سَمعَ المَرءِ أَنمُلُهُ العَشرُ

* إذا خرج العمل (سكتم بكتم) عرفنا أنه جثة هامدة، فعليك إذا عزمت وحزمت أمرك وشددت حزام الأمان حتى تسمع صوت مزلاج التضحية والفداء فاجعل شعارك قول الشاعر:

* إذا همَّ ألقى بين عينيه همّه - وأعرض عن ذكر العواقب جانبا

* وعليك أن تلبس جلدا كثيفا سميكا مثل جلد التمساح حتى تتكسر فيه سهام الحسّاد كما قال صديقي وزميلي أبو الطيب:

* فَصِرتُ إِذا أَصابَتني سِهامٌ - تَكَسَّرَتِ النِصالُ عَلى النِصالِ

* وعليك إذا سمعت هجوما كاسحا على مشاريعك أن تشرب الشاهي الأخضر وأن تنشد مع أبي الطيب:

* أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها - وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ

* وعليك أن تلتمس العذر لحسّادك (يا قاهرهم) وردد مع أبي الطيب:

* إِنّي وَإِن لُمتُ حاسِدِي فَما - أُنكِرُ أَنّي عُقوبَةٌ لَهُمُ

* وكما قال بن صقعان بالشعبي:

* يا هيه ياللي تظلم الزين يا هيه - ظلمك لزوله زوّدته حلاوه

* فكيف إذا كانت الحلاوة عليها طلاوة وفيها طراوة إذا صارت بقلاوة، واستمر في مشاريعك الناجحة ولا تلتفت لأحد وكن كمدمرة كول أو كاسحة الألغام واستمر مع المدح والقدح كما يقول ذبيح الحق الباكستاني: شوف صديق ما دام الله فيه موجود ما فيه مشكلة، معلوم صديق؟ أنت فيه نفر كويس. واجعل شعارك ودثارك قول الله عز وجل: «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ»، خرج الأسد يتشمّس فقام الفأر يستعرض أمامه ويناوشه، فقال له الأسد: يا حتحوت يا كتكوت والله ما أريد أن أنجِّس فمي بدمك، وتحاول طيور الغرنق أن تشتبك مع الصقور فترفض الصقور ذلك، وتحلق عاليا بعيدا في الفضاء لأن اشتباكها مع الطيور اعتراف ضمني بالنديّة والمساواة والصقور تأبى هذا الاعتراف، بقدر قيمتك يكون النقد الموجّه لك، والتيس الهزيل لا حاسد له، والناس لا يرفسون كلبا ميتا، إن كلمات النقد وقصائد الهجاء ومقطوعات القدح مع باقات الرضا ومنظومات الثناء لأي مشروع إنما هي أوسمة على صدر بطل قصة النجاح، فكن كاتب القصة ومنتج الفيلم وناظم القصيدة وراسم اللوحة ومدبِّج الخطبة ومفتتح المشروع، وإذا لم تفعل فاشتر لك قطيعا من الضأن واغرب عنا بوجهك فإن المجد مناهبة، والبقاء للأفضل والويل للفراش الميت من «نَارًا تَلَظَّى لا يَصْلاهَا إِلا الْأَشْقَى»

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى