بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي ليس كمثله شيء الواحد الاحد الفرد الصمد الموجود أزلا بلا ابتداء الباقي بلا انتهاء لا يحويه مكان و لا يجري عليه زمان ، و الصلاة و السلام على المظلل بالغمام و على آله و صحبه اللأمناء الكرام:
أما بعد، فهذا بيان بالأدلة العقلية و النقلية في تنزيه الله عن المكان و الجهة.
قال الله تعالى:" ليس كمثله شيء" فهذه الاية تنزه الله عزوجل عن مشابهة خلقه لا ذاته تشبه الذوات و لا صفاته و لا أفعاله تشبه صفات الذوات و أفعالهم ، فالخلق لهم مكان و لهم حيز يشغلونه و الله غير مشبه لهم إذ لو كان في مكان أو جهة لكان له أشباه و أمثال كثيرة و هذا خلاف كلام الله تعالى و هو مستحيل.
قوله صلى الله عليه و سلم :"كان الله و لم يكن شيء غيره" اي كان الله موجود منذ الأزل و لم يكن معه سواه لا مكان و لا سماء و لا جهة و مازال بعد خلقها موجود كما كان في الأزل بلا جهة و لا مكان.
فتبين مما سبق:
إن الله عزوجل موجود لا ابتداء لوجوده قد كان موجودا منذ الأزل لم يكن معه شيء سواه ثم بدء خلق المخلوقات على ما شاء من الترتيب و من جملة خلقه العرش و السماء و المكان و الزمان خلقهم دون الحاجة إليهم كما الحال لسائر المخلوقات الله تعالى مستغن عنها، لأن الحاجة لها توجب العجز و العجز و النقص مستحيل في حقه تعالى.
فلم يجر عليه زمان فهو الأول لا شيء قبله و هو الآخر فلا شيء بعده موجود بلا مكان لا يسكن السماء و لا يجلس فوق العرش قد كان موجودا قبلها جميعا بدونها و ما زال بعدها موجودا بدون الحاجة لها.
فهذا الدليل العقلي القاطع في نفي الحيز و المكان و الجهة للخالق سبحانه.

من أقوال الصحابة رضوان الله عليهم:
قول سيدنا الامام علي رضي الله عنه:"كان الله و لا مكان و هو الان على ما عليه كان " نقله أبو منصور البغدادي في "الفرق بين و الفرق" و غيره.
و قوله ايضا:" إن الله خلق العرش اظهارا لقدرته و لم يتخذه مكانا لذاته"
و ايضا قوله:"من زعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود" المحدود: ما له حجم كبير (كالعرش) او صغير (كالذرة)
من أقوال اهل العلم المعتبرين:
قال الامام الشافعي رحمه الله تعالى: (انه تعالى كان ولا مكان فخلق المكان وهو على صفته الازليه كما كان قبل خلقه المكان لا يجوز عليه التغير في ذاته) رواه الامام الزبيدي في كتاب "اتحاف السادة المتقين بشرح احياء علوم الدين"
و قال الامام أبو حنيفة في كتابه الوصية : "ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة حق" اهـ.
وقال أيضًا : " قلت: أرأيت لو قيل أين الله تعالى؟ فقال- أي أبو حنيفة-: يقال له كان الله تعالى ولا مكان قبل أن يخلق الخلق، وكان الله تعالى ولم يكن أين ولا خلق ولا شىء، وهو خالق كل شىء" اهـ.
قال الامام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته التي قال أنها عقيدة أهل السنة و الجماعة:" تعالى (اي الله) عن الحدود و الغايات و الأركان و الاعضاء و الادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات"
الإمام الحافظ أبو بكر أحمد البيهقي المتوفى سنة أربعمئة وثمانية و خمسون للهجرة في كتاب الأسماء والصفات
الناشر دار الكتاب العربي الطبعة الثانية 1415 للهجرة الجزء الثاني صفحة 144
يقول الإمام:"والذي روي في ءاخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى وأن العبد أين ما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة, الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان فهذا ما عليه أهل السنة والجماعة"
قال الإمام الرفاعي (ت 578 هـ) في "البرهان المؤيد" ما نصه: "غاية المعرفة بالله الإيقان بوجوده تعالى بلا كيفية ولا مكان" اهـ
قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه :- " مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك " ا.هـ

وأما تاويل الخلف لآية "ثم استوى على العرش"
وليعلم أن الاستواء في لغة العرب له خمسة عشر معنى كما قال الحافظ أبو بكر ابن العربي ، ومن معانيه : الاستقرار والتمام والاعتدال والاستعلاء والعلو والاستيلاء وغير ذلك , ثم هذه المعاني بعضها تليقُ بالله وبعضها لا تليق بالله .
فبمعنى : الجلوس و الاستقرار و المماسة و التمكن و الحلول هذه لا تليق بالله عزوجل ، فكان السلف و الخلف هنا من التأويل قسمين : السلف أولوها تأويلا إجماليا بنفي أن يكون المراد بها تلك المعاني التي لا تليق بالله تعالى و أمروها كما هي دون تحديد معنا يليق بالله لها و بنفي الكيفية عن الله عزوجل.
فيروى عن أم سلمة إحدى زوجات الرسول ويروى عن سفيان بن عيينة ويروى عن مالك بن أنس أنهم فسروا استواء الله على عرشه بقولهم : الاستواء معلوم ولا يُقالُ كيفٌ والكيف غير معقول . ومعنى قولهم : " الاستواء معلوم" معناه معلومٌ وروده في القرءان أي بأنه مستوٍ على عرشه استواءً يليقُ به ، ومعنى : " والكيف غير معقول " أي الشكل والهيئة والجلوسُ والاستقرارُ هذا غير معقول أي لا يقبله العقل ولا تجوز على الله لأنها من صفات الأجسام .
وسئل الإمامُ أحمد رضي الله عنه عن الاستواء فقال : " استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر " .
وقد ثبت عن الإمام مالك بإسناد قوي جيد أنه قال في استواء الله :" استوى كما وصف نفسه ولا يُقالُ كيف وكيفٌ عنه مرفوع "

و من جواهر ما قيل في الاستواء ما ذكره الامام العز بن عبد السلام في عقيدته:" استوى على العرش المجيد على الوجه الذي قاله و بالمعنى الذي أراده، استواء منزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، فتعالى الله الكبير المتعال عما يقوله أهل الغي والضلال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته".
و الخلف ذهبوا الى التأويل التفصيلي فقالوا بنفي الكيفية و الجلوس على الله و قالوا بجواز أن يكون المراد بالاستواء القهر فهذا يليق بالله عزوجل و ورد في اللغة من معاني الاستواء القهر و الغلبة
كقول الشاعر :
قد استوى بشرٌ على العراقِ == من غير سيف ودم مهراقِ
و معنى قَهْرُ الله للعرش الذي هو أعظم المخلوقات أن العرش تحت تصرف الله هو خـَلـَقـَه وهو يحفظه , يحفظ عليه وجوده ولولا حفظ الله تعالى له لهوى إلى الأسفل فتحطم , فالله تعالى هو أوجده ثم هو حفظه وأبقاه , هذا معنى قهر العرش , هو سبحانه قاهر العالم كله , هذه الشمس والقمر والنجوم لولا أن الله يحفظها على هذا النظام الذي هي قائمة عليه لكانت تهاوت وحَطَّمَ بعضها بعضاً واختل نظام العالم .والإنسان قهره الله بالموت , أيًُ ملكٍ وأيُ إنسانٍ رُزِق عمراً طويلاً لا يملك لنفسه أن يحمي نفسه من الموت فلا بد أن يموت.
وقال الامام ابوحنيفة رضي الله عنه:"ونُقِر بأن الله سبحانه وتعالى على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه واستقرار عليه، وهو حافظ العرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوقين، ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا" اهـ
و نختم بقوله تعالى :" :" يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده”
و هذا دليل على أن الله عزوجل لا يسكن السماء فهل يعقل أن يطوي المكان الذي يسكنه!!! حاشا لله.
و الحمد لله رب العالمين