الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله .. وعلى آله وصحبه ومن والاه ...
نمو الإنسان في هذه الحياة لها درجات .. وكلما كبر عمره اختلفت ميوله وتباينت رغباته .. فليس لصغير السن رغائب كالتي تنتاب الكبير وما بين هاتين المرحلتين تجد أخطر مرحلة من مراحل النمو البشري ألا وهو مرحلة الشباب .
الشريعة الإسلامية لم تغفل الجنين وهو في ظلمات ثلاث وأعطته شيئاً من الحقوق وهو لم ير نور الحياة بعد ..
فلا غرو أن الشاب اليافع يأخذ حيزاً واسعاً من تفكيرها وقد برز هذا الاهتمام واضحاً منذ بداية الدعوة المحمدية على قائدها أفضل الصلاة والسلام .
ولخطورة هذه المرحلة في حياة الإنسان وقوة الانفعالات النفسية والعصبية التي تعتري صاحب هذه المرحلة فقد هيأت الشريعة للشاب وسائل حماية قبل بلوغه هذه المرحلة .. فكان التثقيف البيتي واضحاً في قوله تعالى :
(( وأمر أهلك بالصلاة وأصطبر عليها )) ثم يتوضح خطاب الشريعة أكثر بقوله عليه الصلاة والسلام (( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين اضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع )) (1) فيشمل الطفل وهو أبن سبع سنين وأبن عشر سنين .
إن هذا الخطاب الشريف يســتدعي منا وقفةً وتأملاً : ثلاث أوامر في أقل من سطر موجهةً إلى
الآباء يلزمون في أثنين منها بتعليم الصلاة والضرب عليها عند عدم أدائها وذلك ينبأ عن جسامة ترك هذا الواجب العظيم وان له تأثيراً إيجابياً مستقبلياً في استقامة أفعال العبد المؤدي لهذه الفريضة والى ذلك أشار القرآن الكريم بقوله (( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر )) .
ويتردد في ذهني تساؤل : هل ألتزم أحد منا بتطبيق هذا الحديث عملياً على أولاده وإخوانه الصغار ؟
إن هذا التدريب التطبيقي وهذا الإلزام الحتم ماهو إلا تهيأة جادة لمرحلة أخصب وأشرس وكثيراً ما نرى رجال المغامرات والأخطار يجبرون أنفسهم على تدريبات شاقة قد تودي بحياتهم استعداداً لجولة لاحقة من المخاطر والأكدار .
وعندما يصل الإنسان إلى مبلغ الرجال يكون قد تكاملت عنده عوامل نفسية وغرائز جسدية يراد لهذه العوامل أن تشبع ولتلك الغرائز أن تتنفس فأذا ما كبتت انحرف الشاب وأصابه العثار وإذا ما أطلقت بلا قيد حدث الانفلات وشاعت الفوضى النفسية والفكرية وتمزقت الأواصر .
إن الشريعة الإسلامية وازنت بين نوازع الخير والشر التي تختلج بها صدور كثير من الشباب ونصبت أسيجة لحماية روح الفضيلة وأعطت النفس حلولاً مرضية سليمة .. أقول : أن الشريعة لا تكبت الشهوات والغرائز بل تنظمها بإيجاد المتنفس الشرعي المناسب لها .
وأضرب مثلا‍ً بألصق شيء إلى روح الكثير من الشباب اليوم ألا وهو (( الغناء )) .
هناك في زمان الناس هذا صنفان من الغناء :
صنف مباح راعت فيه الشريعة طبيعة النفس الإنسانية وميل الروح للفسحة والمرح .. ومن أقسام هذا المباح غناء المجاهدين وأهازيجهم والتي تبعث في الحماس في نفوسهم , وكذلك الغناء الذي يمجد الأخلاق الفاضلة ويعلي من شأنها والقصائد المغناة والتي تذكر سير الأولين وتحث على التحلي بخصالهم بشرط خلو هذه الأنواع من الموسيقى اللاهية وهذا النوع من الغناء متوافر في أشرطة مسجلة في التسجيلات الإسلامية لمن أراد الاستفادة .
وهنالك صنف آخر من الغناء وهو المحرم ويؤسفني أن أقول أنه المتداول والمشهور بين أيدي الكثير من الشباب اليوم .
انه الغناء الذي ينسج خيالات وهمية لا أصل لها ويصوغ علائق غرامية وشيجة بين فتيان المسلمين وفتياتهم وهم في عمر الانفجار الغريزي ويحثهم على إشباع الرغائب وقضاء الأوقات خلسةً بعيداً عن أعين الناس .
لقد تتبعت أغاني اليوم العاطفية فلم أجدها إلا ممارسات تجريبية على هتك أسوار العفاف وتمزيق القوة القلبية التي تسكن فؤاد كل شاب وشابة .
إن أسباب تحريم هذا النوع من الغناء ترجع إلى الغرض المبطن والخبيث الذي تهدف إليه كلمات هذه الأغاني وعلى أساس مصاحبة الموسيقى للكلام المغنى .. فالموسيقى لها أثر عجيب في التلاعب بعواطف السامع وجعل أفكاره تنتقل من حالة سكون إلى حالة اضطراب وهيجان فتجده يحزن إذا كانت الموسيقى حزينة ويمرح ويصفق إذا كانت الموسيقى عكس ذلك ، هذا بالإضافة إلى ما يخلفه هذا النوع من الغناء من آثار سلبية ذكر بعضها بالحديث الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم (( إياكم وسماع المعازف والغناء فانهما ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل )) (2).
إن للموسيقى تأثيراً واضحاً في جعل السامع يلتقط أفكاره بسرعة من أجل صياغة رابطة قد يندم عليها مستقبلاً أو جعله يعيش في أجواء حالمة هادئة بعيداً عن حقيقة ظرفه وواقعه فيخلد إلى الراحلة والدعة انتظاراً لذلك الحلم الموهوم .
أني رأيت أغاني العصر العاطفية من أشرس الفتن الموجهة إلى صدور الشباب وقلوب الشابات فكم من لاهٍ ولاهية جانبوا الهجوع تلذذاً بسماع أغنية أو موسيقى رومانسية وما هي إلا لحظات حتى دوى صارخ الفجر . نعم : أن السهر لا يطيل عمراً ولا يبعث على إنقاصه ولكن السعيد من عرف قيمة الزمن فأنتفع بوقته ونفع غيره ومن أجمل ماقيل في هذا الباب قول أمير الشعراء أحمد شوقي حيث يقول :

دقات قلب المرء قائلة له إن الزمان دقائق وثوان
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للأنسان عمر ثان

ولأجل هذا وذاك خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس جميعاً بقوله (( أغتم خمساً قبل خمس : حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك )) (3)