منقول من

هنا

المحكمة الجنائية الظالمة .. وتآمر الغرب والصهاينة

بقلم رئيس تحرير مجلة التوحيد

جمال سعد حاتم

عمر البشير


الحمد لله الذي نصب الكائنات على ربوبيته دليلاً، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً، أحمده سبحانه وأشكره، أولانا من فضله وكرمه عطاءً جزيلاً
وبـعـد
فإن حركة التاريخ في السنن والنواميس تعطي أفقًا واسعًا للنظر والتأمل والتدبر، أسباب تجتمع بإذن الله فيكون باجتماعها انتصار وقوة، ثم تجتمع بطريقة أخرى ليكون بها التشرذم والانحسار والضعف، لا مفر من سنن الله الجارية في التاريخ، فهي لن تحابي أحدًا
قال تعالى « أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ »
آل عمران
إن الأمة تعيش مآسٍ في مشارق الأرض ومغاربها، والفتن والمؤامرات تُحاك بالأمة من أعداء الإسلام في بقاع المعمورة، تساعدهم وتساندهم شرذمة من مرضى القلوب من بني جلدتنا لإشعال فتن داخلية لن يكون فيها رابح سوى العدوّ المتربِّص، ولن نُحَصِّــل من ورائها إلا الثمار المرة
الأمة تعتصر ألمًا وتكتوي لوعة وأسى، ويشتد البلاء، ويَعظم الخطب ، والتاريخ بأحداثه على مر العصور يكشف للأمة أن أبرز مصائبها ولأوائها وخَلَخْلَة أركانها من داخلها، قال تعالى «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا » الكهف ، وقال تعالى « الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ » الشعراء ، فيَعم فسادهم وينتشر في غفلة، متناسين أنهم سيلقون ربًا عليمًا غفورًا يعلم ما دبروه في ليل، وسَيفضحهم على الملأ ويكشف تدبيرهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل

لن تموت الأمة مهما بلغت جراحها

إن الظلم اليوم بلغ من القسوة غايته، ومن الجبروت أقصاه، لا تحركه إلا لغة المصالح الأرضية والمطامع الدنيوية، ومهما بلغت جراح الأمة فإنها لن تموت، وليل الظلم قد أزف زواله، فإن الفجر قد دنا وأشرقت أنواره
والأمم تَتَقَلَّب في أطوار وأطباق، ما بين عزةٍ وذلة، وكثرةٍ وقلة، وغنىً وفقر، وعلم وصناعة، وجهل وإضاعة، والأمة الواعية مهما عانت من ضراء وعالجت من بلاء، وكابدت من كيد أعداء، فإنها سرعان ما تفيق من غَفْلتها، وتستيقظ من رقدتها، فَتُقيم المائد، وتُقَوِّم الحائد، وترتق الفتق لتعود عزيزة الجانب لا يتجاسر عليها غادر، ولا عدوٌ ماكرْ
والأمة الإسلامية تُعايشُ حروبًا ثائرة، وشرورًا متطايرة، تُشتت نظامها، وتُشَعِّبُ التئامها، يقودها قوم كفرة فجرة، غدرةٌ مكرة، خونةٌ خَسرة، لا يرقبون في مُؤْمنٍ إلاً ولا ذمة
ومَعْذِرَةً على تلك المقدمة التي فرضتها عليَّ أحاسيس مشحونة بالأسى والشجون مما يراه المرء أمامه ويَسْمَعهُ من فئة نَسيت أو تناسَتْ أن هناك ربٌ غفور عليمٌ خبير يعلم خائنة الأعينُ وما تخفى الصدور، أناسٌ ترعرعوا في الفتن وتربوا فيها، فتنٌ تعاظم اليوم خطرها، وتطاير شرُّها وتزايد ضررها، فتنٌ يُوشك أن تنال كثرة كاثرة من أبناء المسلمين تؤثر عليهم في دينهم ودنياهم، لا سيما من لا يميز بين نافع وضار، ولا بين حَسَنٍ وقبيح، فِتَنٌ تثير الشكَّ من بعض المسلمين في ثوابت دينهم ومقررات شريعتهم، وتسبب الحيرة لكثيرين والانحراف لآخرين
إن الفتن يصيبُ ضررها الجميع ويكون معها الشر والفساد للبلاد والعباد، إذا لم تُعالج بميزان الشرع، ولم يحكم الناس أنفسهم بتعاليمه ويوقفوها عند حدودها، ولم يقدروا الأمور حق قدرها، وينظروا للنوازل والمدلهمات، والفتن يقوى تأثيرها وتظهر آثارها على ضعاف الإيمان، ومتبعي الشهوات فلا تجد الفتن حينئذ مقاومًا ولا مدافعًا، فتفتك بالعبد فتكًا، وتُمزقه كما يُمزِّق السَهْمُ الرَّمية
أخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال «لا تَضُرُّك الفتنة ما عرفت دينك، إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق بالباطل» مصنف ابن أبي شيبة
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي قال «إن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيءُ فتنٌ يُرققُ بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي، ثم تنكشف، ثم تجيء الفتنة فيقول هذه هذه، فمن أحَبَّ أن يُزَحْزح عن النار ويدخل الجنة فَلْتَأتِهِ مَنيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يُحبُّ أن تؤْتى إليه»
أخرجه مسلم في الإمارة

العدلُ والعدالة الدولية العرجاء

إن الحضارات الإنسانية لا تبلغ أوج عزها، ولا ترقى إلى قوة مجدها إلا حين يعلو العدل تاجها، ويتلألأ به مفرقها، تَبْسُطُهُ على القريب والبعيــد، والقوي والضعيف، والغني والفقير، والحاضر والباد
لقد دَلَّتْ الأدلة الشرعية وسنن الله في الأولين والآخرين أن العدل دُعامة بقاء الأمم، ومستقر أساسات الدول، وباسط ظلال الأمن، ورافع أبنية العز والمجد، ولا يكون شيء من ذلك بدونه
ولكن يبدو أن هناك نوعًا من العدل مختلفٌ مُفهومه، إنه عدل الجبارين والمتآمرين على الإسلام والمسلمين، عَدْلُ الخونة والعملاء المُسَيَّسين
وفي الأيام الأخيرة شُغل العالم الإسلامي في ربوع المعمورة بتفاصيل المؤامرة التي ينفذها «أوكامبو» المدعي العام للمحكمة الجنائية الأمريكية الغربية عفوًا أقصد المحكمة الجنائية الدولية، بتعليمات من أمريكا والصهاينة اليهود والدول الغربية المتآمرة معهم
وبنظرة سريعة حول هذا الموضوع الذي أضحى يشكل هاجسًا للقيادات العربية والإسلامية، فإننا نجد أن الرئيس «البشير» منذ أن تولى السلطة في السودان في أواخر يونيو المجتمع ، والحرب مُعلنةٌ عليه من كل اتجاه، الاتهامات تُلاحقه والإعلام الغربي يطارده، وكأنه يريد إظهاره في صورة الحاكم «الإرهابي»، المنتمي إلى أصول إسلامية متطرفة، فاتهموه بأنه صنيعة الجبهة الإسلامية المتطرقة كما يقولون وزعيمها حسن الترابي، وأنه يحمل أجندة معادية للمسيحيين في الجنوب، أجندةً تسعى إلى إحداث حرب تطهير عرقي للقبائل الإفريقية في العديد من ربوع السودان
فبدأوا حربًا جائرة عليه، وتآمروا عليه سرًا وعلانية، تحالفوا ورصدوا الأموال، ومدوا أياديهم للمتآمرين والمتمردين في الجنوب، ثم سرعان ما راحوا يمارسون أدوارهم التآمرية في غرب السودان وشرقه، وبدأوا وكأنهم أعدوا العُدة لمخطط التفتيت
وعندما تفجرت مشكلة دارفور منذ أكثر من ست سنوات بدأ الغرب يُضخ الأموال، وأوعز إلى بعض حلفائه بتدريب عناصر التمرد ومدها بكل أنواع الأسلحة، وراحوا يفرضون حمايتهم على العديد من المنظمات التي أثارت الفتنة في المنطقة، بل وفتحوا الباب أمام رعاية قادة هذه الحركات في بلدانهم خاصة فرنسا وبريطانيا
ومنذ ذلك الوقت سخر الغرب آلته الإعلامية وأطلق يد عملائه لشن أكبر حرب ضد النظام الوطني الحاكم في السودان


اللوبي الصهيوني يوظف منظمات المجتمع المدني


ومنذ تفجر الأزمة زار دارفور حوالي مراسل أجنبي ويوجد على أرض دارفور حوالي منظمة أجنبية يعمل بها أكثر من ألف عامل علاوة على أكثر من ألف جندي يمثلون قوات الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، إلا أن أحدًا منهم لم يَقل إن هناك حرب إبادة تُشَن، ولم يكتشفوا مقبرة جماعية تكشف أن هناك ترصدًا وقتلاً متعمدًا، غير أن الغرب راح يتفنن في صناعة الحدث بالضبط كما يتفنن في صناعة النجوم من الساسة الجدد والعلماء في المنطقة والعالم
وقد استطاع اللوبي الصهيوني في الغرب أن يوظف العديد من منظمات المجتمع المدني في هذا الوقت وشَكَّل منها تحالفًا باسم «تحالف إنقاذ دارفور» يضم منظمة منها منظمة يهودية هدفها الترويج للافتراءات والأكاذيب وإنتاج الصورة التي تناقض الحقيقة على أرض الواقع في دارفور
لم تكن المشكلة بالنسبة لهؤلاء هي وجود حرب تطهير عرقية كما يدعون ، ولم تكن المشكلة هي تقاسم السلطة والثروة في دارفور، وإنما كان الهدف هو السودان نفسه، فالمؤامرة تستهدف الخرطوم، وهؤلاء ليسوا سوى أدوات لها، وإن قيام حركة تحرير السودان التي يتزعمها عبد الواحد نور، وهي واحدة من أبرز منظمات التمرد في دارفور قام بافتتاح مكتب لها في تل أبيب، وقيام رئيسها بزيارة الكيان الصهيوني كان هو الرد الأبلغ على مروجي الادعاءات والأكاذيب حول دارفور
وانظر مثلاً إلى موقف قادة حركة العدل والمساواة «تلاميذ حسن الترابي»، لقد رجعوا إلى الخرطوم انطلاقًا من تشاد وحاولوا إسقاط النظام والاستيلاء على مقاليد السلطة، وبعد فشل المحاولة الانقلابية حاولت الحكومة القطرية جمع الشمل بين قادة الحركة وممثلين عن الحكومة السودانية، واستطاعوا التوصل إلى صيغة اتفاق بين الطرفين، وما أن أعلنت المحكمة الجنائية الدولية عن إصدار قرارها بخصوص طلب المدعي لتوقيف الرئيس البشير، حتى تجاهل رئيس الحركة «خليل إبراهيم» اتفاقه مع الحكومة وقال «إن حركته ستركز جهودها للإطاحة بالرئيس السوداني إذا أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتها باعتقال البشير في الرابع من شهر مارس»
إن أهداف هذه المؤامرة على السودان لا تخفى على أحد، والقضية هنا أكبر من الرئيس البشير، إنها تستهدف السودان ووحدته شعبًا وأرضًا، فالمطلوب هو تقسيمه وتفتيته ليلحق بالعراق تنفيذًا لمخطط الشرق الأوسط الجديد

عصر القوة والمؤامرات الدولية

إننا نعيش عصر القوة الغاشمة، فلا شيء يتكلم الآن سوى القوة، ولا صوت مسموع سوى صوت الأقوياء الذين يحتكرون حق تعريف المفاهيم والمصطلحات ولديهم الجرأة على تسمية المقاومة إرهابًا، ووصف الإرهاب بأنه حق مشروع للدفاع عن النفس
هؤلاء الأقوياء هم الذين يتلاعبون بمواصفات حقوق الإنسان من بلد إلى آخر وليس لأحد أن يناقشهم حول ازدواجية المعايير ؛ لأن المعايير عندهم لا تنطلق من التزام بالمبادئ والقوانين الدولية، وإنما تنطلق من حسابات مصالحهم، وقد رأينا على مدى السنوات الأخيرة كيف تتحول الدولة المارقة إلى دولة معتدلة والعكس، فالمسميات عند أقوياء العصر تتغير بين يوم وليلة وفقًا لمعاييرهم وحسابات مصالحهم
في عصر القوة يملك الأقوياء أن ينتصروا للشرعية الدولية في مكان، وأن يدوسوا عليها بالأحذية والأقدام في مكان آخر، وبالتالي لم يعد غريبًا أن يتم تصنيف أي دولة تتجرأ على أن تقول «لا»، على أنها دولة مارقة ومتمردة، ونظام حكمها غير شرعي وديكتاتوري
المطلوب في عصر القوة أن تدخل الدول الصغيرة والضعيفة بيت الطاعة حتى تنال شرف تصنيفها ضمن قوائم الاعتدال، ولا يتم اتهامها بعرائض الاتهام التي تبدأ بتهمة عدم احترام حقوق الإنسان، وتندرج حتى تصل إلى درجة الاتهام بارتكاب جرائم حرب

المحكمة الجنائية وتآمر الغرب والصهاينة

إن الأمة الإسلامية هي المستهدفة وليس السودان وحده ممثلاً في رئيسها عمر البشير، ولقد جاء البشير إلى الحكم في نهاية يونيه ، ومنذ اليوم الأول قرر أن يحكم بلاده مستندًا إلى الشريعة الإسلامية، وانحاز إلى قضايا الأمة، ورفض أن يكون طرفًا في الأحلاف المشبوهة، ووقف إلى جانب المقاومة في كل بقعة مسلمة، ورفض كل الضغوط التي مورست على بلاده لإجبارها على إقامة علاقات مع الكيان الصهيوني
وقد تدخلت «أمريكا» أكثر من مرة ومارست ضغوطها، وبعد فشلها في ذلك راحت توجه ضرباتها إلى عمق السودان، وتطلق صواريخها على مصنع الشفا للأدوية والتي زعمت أنه مصنع لإنتاج الأسلحة الكيماوية، لكنها فشلت أيضًا، فراحت تستخدم أدواتها وتفتح جروحًا غائرة في المجتمع السوداني، وتسعى إلى تأجيجها وصب الزيت على النار لإشعالها
ووصل الأمر إلى حد أن الصهاينة ومعهم الغرب أصبحوا ممولاً أساسيًا لميلشيات الجنجاويد التي أحرقت قلوب أهالي وقبائل دارفور وأشاعت العنف والفوضى في كل رُكن فيها، والجنجاويد عادة ما يلبسون ثيابًا بيضاء مثل أهل السودان ويركبون الخيل ويهاجمون السكان والمتمردين معًا في دارفور، يستهدفون قبيلة الزغاودة الأفريقية التي خرج منها أحد زعماء التمرد في دارفور تتهمهم بأنهم أعوان الحكومة السودانية، والحكومة تقسم بأغلظ الأيمان بأنها لا ولاية لها عليهم وأنهم يهاجمون قواتها أيضًا، والنتيجة هي الحصاد المر الذي يحقق أجندة إسرائيل والغرب، فهذه الميلشيات حققت الأرقام القياسية في القتل والاغتصاب والإبادة الجماعية والنهب، وحرق عشرات الآلاف من البيوت، وتشريد مئات الألوف من الأشخاص
والبديهي ألا ترى الأمم المتحدة شيئًا من المخالفات والجرائم التي تحدث في الكون، فلا يشد انتباهها إلاَّ ما حدث في دارفور، فتقول إن أسوأ أزمة شهدها العالم تظهر جليًا في منطقة دارفور غرب السودان، ونفس الشيء بالنسبة لمجلس الأمن وكل منظمات حقوق الإنسان
إنها سياسة الكيل بمكيالين، بل قل إنها لغة القوة التي لا تتعامل مع الأقوياء، بل تتعامل مع مَن هانوا وضعفوا واستكانوا، فأصبحت بلادهم مستباحة، وأهلها يُقتلون ويشردون على مرأى ومسمع من العالم المتحجر الذي انتفت عنه صفة الإنسانية التي يتشدق بحقوقها
ولا عجب للموقف الأمريكي والغربي والصهيوني، فمئات الآلاف الذين يُقتلون في كل بقعة من أرض الإسلام لا يعد انتهاكًا، وخنازير اليهود يرتكبون عشرات المجازر ولا تكون عصابتهم الحاكمة منذ عام المجتمع حتى الآن مطلوبة للعدالة والجزار بوش الذي غزا العراق والصومال وأفغانستان هو وزمرته العسكرية لا يلاحقون من قِبل المحكمة الدولية
وكذلك مجازر غزة تجرى على مرأى ومسمع من هذا العالم الجبان والزمرة الدولية الخائنة وزعماؤنا يتشابكون بالكلمات ويتعايرون بالعمالة مع أمريكا وإسرائيل، فهل يتق الله قادتنا في أنفسهم أولاً وفي شعوبهم ثانيًا ويجتمعوا على قلب رجل واحد؛ حتى لا يجد أعداء الإسلام من سدنة الفساد الدولي فرصة لكي يعبروا مِن خلالها إلى تفريق أمتنا وتمزيقها؟
وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم