تحملت غزة خلال الأشهر الأخيرة الحصار المفروض عليها من العالم بأسره - بعربه وعجمه – تأديبا لها لإختيارها حركة حماس ممثلا شرعيا فى البرلمان الفلسطينى ، ولم يكن الحصار هو الوسيلة الوحيدة للحرب على غزة وشعبها وانما كانت هناك الإغتيالات المستمرة للنساء والشيوخ والأطفال - منهم الرُضع – ومنع دخول الوقود والغاز والدواء والطعام .
وكذلك مازالت المحاولات المستمرة لم تتوقف لعزل حركة حماس سياسيا ، فهناك الفرمان اليهودى العالمى والصادر بمنع أى شخص أو دولة من التحاور مع هذه الحركة فى الشئون الفلسطينية السياسية الداخلية أو الخارجية ، حتى ولو كان هذا الشخص هو محمود عباس (أبو مازن ) أو من يتبعه ، واستثناءً من ذلك فللحكومة المصرية أن تتحاور معها بصورة متقطعة –حسب حاجة اسرائيل للتفاوض معها .
بالرغم من استمرار الهجمات الإسرائيلية الوحشية على غزة فان ارادة شعبها لم تنكسر ، بل ان جهات اسرائيلية وغربية قد أقرت بفشل الحصار المفروض على غزة ، وفى الفترة الأخيرة طالب العديد من الساسة الإسرائيليين بضرورة الحوار مع حركة حماس لأنها هى التى بيدها مقاليد الأمور فى غزة ، وكذلك فانها تتمتع بشعبية جارفة وتأييد هائل فى الضفة الغربية ، ومن الأدلة الدامغة على ذلك فوزها الكاسح فى انتخابات الإتحادات الطلابية الأخيرة .
فى الأسابيع القليلة الماضية - وبعد اشتداد الحصار على غزة - حدث تطور نوعى فى أساليب عمليات المقاومة الفلسطينية فقد اتسمت بأنها غير تقليدية وغير متوقعة ، فضلا عن استخدام أسلحة جديدة لم تُستعمل من قبل فى الهجوم أو الدفاع ، وكان من أثر ذلك زيادة الخسائر الإسرائيلية - وخاصة فى عدد القتلى – بصورة مفزعة ، وقد أعلنت حركة حماس أن هذه العمليات هدفها كسر الحصار الإجرامى المفروض على غزة ، وأنها مستمرة فى ذلك حتى تعود الحياة الى غزة .
على الجانب الآخر فمازال أبو مازن يُهرول بطريقة مهينة من أجل أن يحظى بلقاء أولمرت أ وليفنى ليظهر - بملابسه الباريسية الأنيقة وحذائه المثمن بعشرين ألف يورو - أمام عدسات التلفزة العالمية وهو يعانقهما ، ولم ينسَ يوما أن يأتى مبكرا للقاء وزيرة الخارجية الأمريكية رايس كلما جاءت الى المنطقة مصرا على تقبيلها ، وكأن الهدف الأسمى عنده هو القبلات لا المفوضات من أجل وقف محرقة غزة المستمرة ووقف نزيف الدماء الفلسطينية ، ومع كثرة هذه اللقاءات الا أنه لم يستطع أن يوقف لا الهجمات الإسرائيلية على غزة بقيادة حماس ،ولا التوغلات الإسرائيلية فى الضفة الغربية المتواجد فيها هو ورجاله المغاوير – فهى فى حمايتهم -، أما المستوطنات ( أو المغتصبات ) التى لم تتوقف اسرائيل يوما عن اقامتها فهى حكاية أخرى كحكاية عودة اللاجئين وأن القدس عاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة ، فكلها حكايات ليست فى بؤرة شعور قادة السلطة الفلسطينية ، والتى لا تتسع الا للبحث عن استلام المعونات الأمريكية والغربية بالملايين والمخصصة لوأد المقاومة وعزل قادتها .
وسط هذا الزخم السياسى تأتى التقارير الغربية التى تؤكد اكتساح حركة حماس لأى انتخابات قد تُجرى فى الضفة الغربية ، مما يدل على يأس الفلسطينيين من سياسة الإستسلام التى تتبعها السلطة بقيادة محمود عباس ، مع ازدياد قناعتهم بخيار المقاومة التى تتنتهجه حماس ،والوصول الى التفاوض القائم على الشجاعة من أجل حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة .
وكأنك يا أبا زيد – أقصد يا أبا مازن – ما غزوت أو ما ذهبت أو عدت ، فقد أتت المفاجأة المدوية وهى زيارة الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر للمنطقة وطلبه مقابلة خالد مشعل رئيس المكتب السياسى لحركة حماس فى دمشق ، وكذلك نقله لرسالة من الحكومة الإسرائيلية برغبتها فى الحوار مع حماس حول التهدأة و الإفراج عن الجندى الإسرائيلى " شاليط " مقابل اطلاق سراح العديد من الأسرى الفلسطينيين فى السجون الإسرائيلية ، مما يُعتبر ذلك انتصارا سياسيا لحركة حماس باجماع العالم بأسره وخاصة من المناوئين لحماس .
وبالرغم من الحرب الإعلامية الشرسة التى وجهتها الحكومة المصرية ضد حركة حماس من خلال التصريحات العدوانية لوزير الخارجية المصرية ( أحمد أبو الغيط ) ومعه مولانا شيخ الأزهر الشريف بفتاويه الإستفزازية ، والمقالات الصحفية والبرامج التلفزيونية التى يكتبها ويعدها الإعلاميون المصريون المتأمركون ، واللذين لا يعبرون – لا من قريب و لا من بعيد - عن رأى المواطن المصرى ، وبالرغم من ارتباك الإعلام الحكومى المصرى حينا وتناقضه ثم تراجعه فى أحيان اخرى ،الا أن الوزير المصرى اللواء عمر سليمان استطاع مؤخرا أن يصل وقادة حماس الى صيغة اتفاق للتهدأة مع اسرائيل التى طلبت من مصر ذلك – بغض النظر عن التزامها من عدمه أو نُفذ هذا الإتفاق أم لم يُنفذ - مما يؤكد القدرة الفائقة لحركة حماس على التحرك وبقوة على الصعيدين العسكرى والدبلوماسى ، وأنها جديرة بقيادة الشعب الفلسطينى لتخفيف آلامه وتحقيق آماله .
ولا ينقص حركة حماس فى الفترة القادمة سوى أن تتبع أسلوبها المتميز فى أنها تثجمع ولا تُفرق ، تحفظ أموال البلاد ولا تبددها ، تتناسى الإساءات التى وُجهت اليها و لا تُعيرها اهتماما ، وهذه هى سمات القيادة المباركة للشعب الفلسطينى الذى ينبغى أن ينظر للأمام لا للخلف